متى وكيف تقيس نسبة السكر في الدم؟

نصائح وإرشادات طبية لمرضى السكري

لصقة مطورة لقياس السكري
لصقة مطورة لقياس السكري
TT

متى وكيف تقيس نسبة السكر في الدم؟

لصقة مطورة لقياس السكري
لصقة مطورة لقياس السكري

عند إصابة الشخص بمرض السكري، وضرورة قياس نسبة سكر الغلوكوز في الدم، ثمة حقيقتان علاجيتان أساسيتان:

- الأولى، أن مراقبة نسبة السكر في الدم (الغلوكوز)، وتحديد مستويات سكر الدم المرتفعة أو المنخفضة، أمر أساسي لمعرفة مدى نجاح خطة العلاج الحالية، عبر مراقبة أثر أدوية علاج مرض السكري على مستويات السكر في الدم، إذ إنها توفر معلومات مهمة حول كيفية إدارة معالجة مرض السكري على أساس يومي، وأحياناً ساعة بساعة؛ خصوصاً عند تلقي المعالجة بالإنسولين. كما تتبع مدى التقدم في تحقيق الأهداف العلاجية.

- الثانية، فهم كيفية تأثير النظام الغذائي والتمارين الرياضية، على مستويات سكر الدم. وفهم كيفية تأثير العوامل الأخرى -مثل تقلبات الحالة الصحية والمرض أو الضغط العصبي- على مستويات سكر الدم. وبالتالي تساعد نتائج مراقبة نسبة السكر في الدم على اتخاذ قرارات بشأن الطعام الذي يتناوله مريض السكري، وجبة بوجبة، ومقدار النشاط البدني الذي يُمكنه أن يبذله، إضافة إلى مقدار جرعات الإنسولين التي يتعين عليه تلقيها.

سكر الدم

ومعلوم أن عدة أشياء يمكن أن تؤثر على نسبة السكر في الدم. بعضها يُمكن للمريض أن يتعلم التنبؤ بتأثيراتها، بمرور الوقت والممارسة لقياس نسبة السكر في الدم، بينما يصعب للغاية أو يستحيل التنبؤ بالبعض الآخر. هذا هو السبب في أنه من المهم فحص نسبة السكر في الدم بانتظام، وفق نصائح الطبيب المتابع لحالة المُصاب بمرض السكري.

> ارتفاع نسبة سكر الدم: على سبيل المثال، الظروف التالية عادة ما تتسبب في ارتفاع مستويات السكر في الدم:

- تناول الكربوهيدرات، سواء سكرية الطعم (كربوهيدرات أحادية أو ثنائية) أو غير سكرية الطعم (كربوهيدرات معقدة التركيب).

- عدم تناول ما يكفي من أدوية السكري أو الإنسولين، أو عدم تناول الجرعة بالأصل.

- قلة ممارسة الرياضة، أو ممارسة نشاط أقل مما تفعله عادة.

- تناول أدوية الكورتيكوستيرويد (مشتقات الكورتيزون).

- الإصابة بحالة مرضية مفاجئة (التهابات الجهاز التنفسي أو البولي على سبيل المثال) أو الخضوع لعملية جراحية.

- حصول ظاهرة الفجر Dawn Phenomenon وهي ظاهرة يُلاحظ فيها ارتفاع نسبة سكر الدم في الصباح الباكر. ويُعتقد أن ذلك يحصل نتيجة حصول انخفاض في أثناء النوم، وعمل الجسم على إزالة ذلك عبر إجراء عدة عمليات كيميائية حيوية في الجسم، تُؤدي إلى ارتفاع سكر الدم. وتتم ملاحظة ذلك في الصباح عند قياس نسبة الغلوكوز. وثمة عدة تفسيرات طبية لأسباب حصول هذه الظاهرة لدى بعض مرضى السكري.

- التدخين

- جفاف الجسم بسبب قلة توفر السوائل فيه.

> انخفاض نسبة سكر الدم: قد تتسبب الظروف التالية في انخفاض نسبة سكر الدم:

- عدم تناول وجبات الطعام، لأي سبب كان.

- تناول جرعات عالية من الإنسولين أو أدوية علاج ارتفاع سكر الدم.

- فرط ممارسة النشاط البدني، دون تعويض النقص في نسبة سكر الدم.

> ارتفاع وانخفاض نسبة السكر: ثمة حالات قد ترتفع أو قد تنخفض فيها نسبة السكر في الدم، بناء على عدة عوامل متشابكة ومتداخلة في تأثيراتها، مثل:

- فترة الحيض خلال الدورة الشهرية.

- اختلال توقيت تلقي الإنسولين أو أدوية علاج السكري، بالتوافق مع ضبط أوقات تناول وجبات الطعام.

- تداخلات وتفاعلات عكسية بين أدوية علاج السكري وأدوية أخرى قد يتناولها مريض السكري.

وبسبب كل هذه العوامل المختلفة في تأثيراتها على نسبة سكر الدم، من الضروري مراقبة السكر في الدم لدى المصاب بالسكري، عبر قياس نسبته في الدم؛ لأنها ببساطة، الطريقة الوحيدة للتأكد من تغير مستويات السكر في الدم.

فحص مستويات السكر

ويوضح ذلك أطباء «مايوكلينيك» بالقول: «سيخبر الطبيب بعدد مرات فحص مستويات السكر في الدم. عادة ما يعتمد تكرار الاختبار على نوع مرض السكري وخطة العلاج.

> السكري من النوع الأول: وعلى سبيل المثال، قد يوصي الطبيب بإجراء اختبار سكر الدم من 4 إلى 10 مرات في اليوم، في حالة الإصابة بمرض السكري من النوع الأول. ولذا قد يحتاج المريض إلى إجراء الاختبار:

- قبل الوجبات الرئيسية والخفيفة.

- قبل ممارسة الرياضة وبعدها.

- قبل النوم.

- خلال الليل (أحياناً).

- بمعدل أكبر إذا كنت مريضاً.

- بمعدل أكبر إذا غيرت نمطك اليومي.

- بمعدل أكبر في حالة البدء في تناول دواء جديد».

> السكري من النوع الثاني: ويضيفون: «إذا كنت تتلقى الإنسولين للسيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، فقد يوصي الطبيب بفحص سكر الدم عدة مرات في اليوم، ويتحدَّد ذلك حسب نوع الإنسولين الذي تستخدمه وكميته. ويُوصى بإجراء الاختبار عادة قبل الوجبات أو عند وقت النوم إذا كنت تتلقى كثيراً من الحقن يومياً. وقد تحتاج إلى إجراء الاختبار فقط قبل وجبة الإفطار وأحياناً قبل وجبة العَشاء أو النوم، إذا كنت تستخدم الإنسولين متوسط أو طويل المفعول. وإذا كنت تحاول السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني باستخدام أدوية لا تحتوي على الإنسولين أو باتباع نظام غذائي وممارسة التمارين الرياضية فقط، فقد لا تحتاج إلى اختبار سكر الدم يومياً».

> مراقبة منزلية: وثمة طريقتان رئيسيتان يمكن من خلالهما مراقبة نسبة السكر في الدم في المنزل، هما:

- استخدام جهاز إلكتروني محمول يسمى مقياس السكر في الدم، بوخز الأصبع والحصول على قطرة من الدم.

- استخدام جهاز المراقبة المستمرة للغلوكوز CGM.

ووفق التشاور مع الطبيب المعالج، يمكن لمريض السكري اختيار أي من الطريقتين أو كليهما لعدة أسباب، مثل:

- القدرة المادية وتوفر أي من الأجهزة.

- القدرة على استخدام أي منها بمهارة (سواء من المريض أو أحد أفراد المنزل).

- عمر المريض

- حالة مرض السكري لدى المريض.

- كم مرة يوصي الطبيب بفحص نسبة السكر في الدم.

- المستوى العام لصحة المريض.

القياسات المُستهدفة

يحدد الطبيب لمريض السكري (وليس للشخص السليم منه) نطاق نسبة سكر الدم المناسب له، أي القياسات المُستهدفة علاجياً لنسبة سكر الدم. ويضع الطبيب القياسات المُستهدفة لنسبة سكر الدم استناداً إلى عدد من العوامل، والتي من أهمها:

- نوع مرض السكري وحدّته.

- مقدار العمر.

- مدة الإصابة بداء السكري.

- وجود مضاعفات بسبب مرض السكري.

- المستوى العام لصحة مريض السكري ومدى وجود حالات مرضية أخرى. وبالعموم، تنصح جمعية السكري الأميركية ADA، بمستويات سكر الدم المستهدفة التالية:

- قبل تناول الوجبات، ما بين 80 و130 مليغراماً لكل ديسيلتر (ملغم/ دل)، أو من 4.4 (أربعة فاصلة أربعة) إلى 7.2 (سبعة فاصلة اثنين) مليمول لكل لتر (مليمول/ ل).

- بعد ساعتين من تناوُل الوجبات أقل من 180 ملغم/ دل (10 مليمول/ لتر).

ولكن كنهج عملي، توضح جمعية السكري الأميركية أن هذه الأهداف غالباً ما تختلف اعتماداً على مقدار عمر المريض وصحته الشخصية. ولذا ينبغي أن توضع لكل فرد وبشكل منفصل، القياسات المُستهدفة علاجياً لنسبة سكر الدم. وبالتالي قد يكون لدى بعض الأشخاص أهداف أعلى قليلاً لضبط مستوى سكر الدم، لمنع حصول تداعيات انخفاضه، ومنهم على وجه الخصوص:

- مَن هم في سن 60 عاماً أو أكبر.

- مَن يواجهون حالات طبية أخرى، مثل مرض الكلى أو القلب أو الرئة.

- انخفاض القدرة على الشعور بانخفاض مستويات السكر في الدم نتيجة وجود اعتلال عصبي بسبب السكري.

استخدام الجهاز التقليدي

استخدام الجهاز التقليدي لقياس السكر يتطلب عينة صغيرة من الدم، يتم أخذها عادة من طرف أحد الأصابع. ثم يتم وضع قطرة الدم تلك على شريط قياس يُستخدَم مرة واحدة. ووفق ما يذكره أطباء «مايوكلينيك»، فإن الطريقة السليمة لإجراء ذلك:

- اغسل يديك وجففهما جيداً. (الطعام والمواد الأخرى قد تتسبب في قراءة غير دقيقة).

- أدخل شريط قياس في مقياسك.

- قم بوخز جانب طرف إصبعك باستخدام الإبرة (الواخزة) الواردة مع مجموعة القياس.

- المس نقطة الدم بحافة شريط القياس مع تثبيته.

- سيعرض المقياس مستوى السكر في دمك على الشاشة بعد ثوانٍ قليلة.

ويضيفون أنه يجب استخدام مقاييس السكر في الدم وصيانتها بطريقة ملائمة. واتباع هذه النصائح للتأكد من الاستخدام الملائم:

- راجع تعليمات دليل المستخدم الخاص بجهازك، فالخطوات قد تتغير من جهاز إلى آخر.

- لا تستخدم سوى شرائط الاختبار المخصصة لمقياسك، وغير منتهية الصلاحية، وخزّنها وفقاً للتوجيهات المرفقة.

- احرص على إجراء فحوصات ضمان الجودة وفقاً للتوجيهات، وأحضر المقياس إلى الطبيب خلال مواعيدك الطبية للإجابة عن أي أسئلة، ولتوضيح كيفية استخدامه.

أوقات فحص نسبة السكر

نظراً لأن أعراض مرض السكري ومقدماته تظهر بشكل تدريجي، أو قد لا يكون من السهل رؤيتها، فقد طورت جمعية السكري الأميركية ADA إرشادات الفحص. وتوصي بفحص نسبة السكر في الدم لأي من الأشخاص التاليين للكشف عن مرض السكري:

- أي شخص لديه مؤشر كتلة جسم أعلى من 25 (أعلى من الطبيعي)، بغض النظر عن العمر، ولديه أحد عوامل خطر إضافية (ارتفاع ضغط الدم- اضطراب مستويات الكوليسترول- نمط الحياة غير نشط بدنياً- تاريخ متلازمة تكيس المبايض أو أمراض القلب- وجود قريب مصاب بداء السكري).

- يُنصح أي شخص أكبر من 35 عاماً بإجراء فحص أولي لسكر الدم. إذا كانت النتائج طبيعية، فيجب فحصها كل 3 سنوات بعد ذلك.

وإذا كانت النتائج غير طبيعية، فإن ذلك يكون إما:

> ارتفاعاً في نسبة سكر الدم بما يكفي لتشخيص الإصابة بمرض السكري، وهنا تبدأ المعالجة والمتابعة الطبية وسيُقرر الطبيب متى يجدر قياس نسبة السكر في الدم، وتكرار ذلك.

> ارتفاعاً في نسبة سكر الدم بما يكفي لتشخيص الإصابة بحالة «ما قبل السكري» Prediabetes، وهنا يُنصح بإجراء قياس نسبة سكر الدم مرة في كل عام.

- يُنصح النساء اللواتي أُصبن بسكري الحمل Gestational Diabetes، بإجراء فحص سكر الدم مرة كل 3 سنوات.

أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز... خطوات الاستخدام والمتابعة

لمبررات عدة، قد يختار مريض السكري، استخدام أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز CGM . وهي توفر قياسات متكررة لنسبة السكر في الدم كل بضع دقائق، وذلك عبر مستشعر sensor يُوضَع تحت الجلد. وعادة ما يرتدي المريض هذا المستشعر لمدة أسبوع أو أسبوعين، ثم يحتاج إلى تغيير. وثمة أنواع حديثة منه، ذات ميزة بقاء المستشعر لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر. ويمكنها أيضاً إرسال معلومات عن نسبة السكر في الدم لاسلكيًّا من المستشعر إلى تطبيق على الهاتف المحمول، أو ساعة ذكية، أو جهاز استقبال. وبالتالي تتوفر ميزة اطلاق إنذار إذا كان معدل السكر في الدم يرتفع أو ينخفض بسرعة كبيرة.وثمة جانب مهم أخر تجدر ملاحظته والتعامل معه، وهو أن بعض الأدوية (ومن أبسطها دواء الأسيتامينوفين أو تايلينول لتسكين الألم وخفض الحرارة، ودواء فينتولين للربو) قد تؤثر على دقة قراءات بعض أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز. وأن كان غالبية ذلك قد يحصل عند استخدام الموديلات القديمة من أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز، إلاّ أن ذلك من الممكن أن يحصل عند تناول بعض أنواع الأدوية، حتى مع الموديلات الحديثة.ولذا يحتاط الطبيب، عند حاجة المريض إلى تناوُل أنواع معينة من الأدوية التي قد تؤثر على دقة القراءات، بالنصيحة بإجراء قياس نسبة سكر الدم بالجهاز التقليدي لقياس نسبة سكر الدم.كما تجدر استشارة الطبيب المتابع لحالة السكري حول استخدام جهاز المراقبة المستمرة للغلوكوز إذا كانت المرأة حاملاً، أو كان المريض يخضع لغسيل الكلى أو مصاب بأحد أنواع الحالات المرضية المتقدمة والتي قد تؤثر على دقة قراءات سكر الدم على أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز.

* استشارية في الباطنية


مقالات ذات صلة

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

يوميات الشرق نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

أسهم فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء في إنقاذ حياة 12 مريضاً بينهم 4 أطفال، وإنهاء معاناتهم مع أمراض الفشل العضوي، وإعادة البهجة والسرور إلى أسرهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك رغم أن البطيخ ليس من الفواكه المحظورة لمرضى السكري فإن الخبراء يشددون على أن الاعتدال في الكمية واختيار الحصص المناسبة هما العاملان الأساسيان للاستفادة من فوائده دون زيادة خطر ارتفاع سكر الدم (بيكسلز)

ما تأثير تناول البطيخ على مرضى السكري؟

يمكن لمرضى السكري تناول البطيخ باعتدال، رغم ارتفاع مؤشره السكري، مع الالتزام بحصص صغيرة ودمجه مع غذاء متوازن لتقليل تأثيره على سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يعد نقص فيتامين ب 12 أمراً شائعاً لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً بسبب انخفاض حمض المعدة اللازم للامتصاص (بيكساباي)

علامات نقص فيتامين B12 بعد سن الخمسين لا ينبغي تجاهلها

يعد نقص فيتامين ب12 أمراً شائعاً لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً بسبب انخفاض حمض المعدة اللازم للامتصاص.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تركز حمية «الكيتو» على تقليل الكربوهيدرات والسكريات (رويترز)

حمية الكيتو قد تزيد من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء الدقيقة

كشفت دراسة جديدة عن أن حمية الكيتو يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تخصيص دقيقتين فقط يومياً لحل الألغاز الذهنية قد يسهم في الحفاظ على صحة الدماغ (رويترز)

دقيقتان يومياً من الألغاز... وصفة بسيطة للحفاظ على صحة الدماغ

كشفت دراسات حديثة أن تخصيص دقيقتين فقط يوميًا لحل الألغاز الذهنية قد يسهم في الحفاظ على صحة الدماغ، ويبطئ التراجع المعرفي مع التقدم في العمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»
TT

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

إذا كنت تعاني مرض «الارتجاع المعدي المريئي gastroesophageal reflux disease GERD»، الذي يتميز بتدفق حمض المعدة بصورة متكررة إلى المريء مسبّباً حرقة المعدة وأعراضاً أخرى، فأنت تعلم أن إدارة هذه الحالة المزمنة تتطلب نهجاً شاملاً متعدد المحاور. وقد يكفي تغيير نمط الحياة، كفقدان الوزن وتجنّب أطعمة بعينها، في بعض الحالات. غير أن الأعراض المزعجة كثيراً ما تعود على الرغم من هذه التغييرات، وفي هذه الحالة يتوافر، لحسن الحظ، عدد من الأدوية الفعّالة.

لكن إذا لم تُجدِ العلاجات التقليدية نفعاً كافياً - سيّما إذا كانت أعراض الارتجاع شديدة أو متكررة، أو إذا كان الارتجاع المتراكم على مدى سنوات قد ألحق ضرراً بالمريء - فإن فئة جديدة من الأدوية تُعرف بـ«حاصرات الحموضة التنافسية للبوتاسيوم potassium-competitive acid blockers»، أو «بي - كابس P-CABs» تُقدّم «بديلاً مفيداً»، وفق ما يقوله الدكتور لورنس فريدمان، رئيس قسم الطب في مستشفى «نيوتن- ويلسلي» والأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد.

كيف تُستخدم أدوية «بي - كابس»؟الدواء الوحيد من فئة «بي - كابس» المتاح حتى الآن في الولايات المتحدة هو «فونوبرازان vonoprazan» (فوكيزنا Voquezna)، المعتمد والمتاح بوصفة طبية فقط لعلاج الحالات التالية لدى البالغين:

* التهاب المريء التآكلي erosive esophagitis، الذي يُصيب بطانة المريء جراء الارتجاع الحمضي المزمن.

* حرقة المعدة المرتبطة بالارتجاع المعدي المريئي غير التآكلي heartburn associated with non-erosive GERD، الذي تظهر فيه أعراض كحرقة المعدة والارتجاع دون وجود تلف مرئي في المريء.

* مرض القرحة الهضمية المقاوم للعلاج refractory (treatment-resistant) peptic ulcer disease.

* عدوى بكتيريا الملوية البوابية infections with H. pylori، وهي بكتيريا تُصيب بطانة المعدة وتُعدّ سبباً شائعاً للقرحة. وفي حالات عدوى بكتيريا الملوية البوابية، يُؤخذ «فونوبرازان» جنباً إلى جنب مع المضادات الحيوية.

ويُضيف الدكتور فريدمان أن أدوية أخرى من فئة «بي - كابس» قد تُصبح متاحة قريباً، من بينها «تيغوبرازان» tegoprazan، و«كيفيربرازان» keverprazan، و«فيكسوبرازان» fexuprazan، المتوفرة حالياً في بعض الدول الآسيوية.

علاجات الارتجاع المعدي المريئي التقليدية

تُشير التجارب السريرية إلى أن أدوية «بي - كابس» قد تُفيد مَن لم يستجيبوا استجابة جيدة لعلاج الارتجاع التقليدي. وفيما يلي استعراض موجز لأكثر الأدوية المستخدمة في إدارة هذا المرض؛ لفهم الموضع الذي تحتله أدوية «بي - كابس» في المنظومة العلاجية.

* مُخففات الحموضة Acid buffers، مثل «تامز Tums» و«رولايدز Rolaids»، تُساعد على معادلة حموضة المعدة مؤقتاً. وهي غير مكلفة، ومتاحة دون وصفة طبية، وخيار ممتاز لعلاج حرقة المعدة العرضية. غير أنها لا تُقلّص كمية الحمض الذي ينتجه الجسم؛ ما يجعلها أقل جدوى في حالات الارتجاع المتكرر أو الشديد.

* أما «حاصرات مستقبلات الهيستامين إتش-2» H2 blockers مثل «فاموتيدين famotidine» (بيبسيد Pepcid) و«سيميتيدين cimetidine» (تاغاميت Tagamet)، تعمل على منع الإشارات التي تحفّز المعدة على إنتاج الحمض. وهي متاحة بجرعات دون وصفة طبية وأخرى تستلزمها، وأكثر فاعلية من مُخففات الحموضة في حالات الأعراض العادية، ويمكن تناولها قبل الوجبات للوقاية من حرقة المعدة. بيد أن الجسم قد يُطوّر مناعة ضدها مع مرور الوقت.

* تعدّ «مثبطات مضخة البروتون Proton-pump inhibitors (PPIs)»، ومنها «أوميبرازول omeprazole» (بريلوزيك Prilosec)، و«إيزوميبرازول esomeprazole» (نيكسيوم Nexium)، هي الأكثر وصفاً لمرضى الارتجاع. وتعمل على خفض حموضة المعدة عن طريق تثبيط البروتينات الموجودة في بطانة المعدة والمسؤولة عن ضخ أيونات الهيدروجين إليها لرفع مستويات الحمض. وكثيراً ما تكون الخيار الأول لمن يُعانون أعراضاً متكررة.غير أن «مثبطات مضخة البروتون» لا تعمل بصورة فورية، وقد يستغرق وصولها إلى ذروة فاعليتها بضعة أيام. ويوضح الدكتور فريدمان أنها تحتاج أيضاً إلى حمض المعدة لتفعيلها؛ ما يستلزم تناولها قبل الأكل من 30 إلى 60 دقيقة، وهو أمر قد يكون مرهقاً وكثيراً ما ينسى المرضى الالتزام به. علاوة على ذلك، قد تُسبب «مثبطات مضخة البروتون» اضطراباً في المعدة وإسهالاً. ويُنبّه الدكتور فريدمان إلى أن الاستخدام المطوّل لها قد يرفع خطر كسور العظام، وأمراض الكلى، وقصور التغذية؛ لذا ينبغي تناولها بأقل جرعة فعّالة ولفترات قصيرة. ويُضيف: «يمكن التوقف عنها والعودة إليها، أو التنقل بينها وبين أدوية أخرى».

ما الذي يجعل أدوية «بي - كابس» مختلفة؟

تعمل أدوية «بي - كابس» بطريقة مشابهة لأدوية «مثبطات مضخة البروتون» من حيث تثبيط المضخات المنتجة للحمض في المعدة، لكنها تفعل ذلك بآلية مختلفة قليلاً: فبدلاً من الحاجة إلى التنشيط بواسطة حمض المعدة أولاً، تقوم أدوية «بي - كابس» بحظر جزيء أساسي «البوتاسيوم» الذي تحتاج إليه المضخة لأداء وظيفتها. وهذا يعني إمكانية تناولها مع الطعام أو من دونه.كما تعمل أدوية «بي - كابس» بسرعة أكبر مقارنة بأدوية «مثبطات مضخة البروتون» في كبح حموضة المعدة؛ إذ تصل إلى ذروة فاعليتها خلال اليوم الأول من الاستخدام. ونظراً لأن مفعولها طويل الأمد؛ فإنها توفر تحكماً أكثر اتساقاً واستقراراً في مستويات الحموضة طوال الليل والنهار.ويشير الدكتور فريدمان إلى أن الأعراض الجانبية لأدوية «بي - كابس» تبدو مشابهة لتلك المصاحبة لأدوية «مثبطات مضخة البروتون». ويوضح أنه نظراً لأن هذه العقاقير الجديدة لم تُسجل بعد سجلات أمان ممتدة على المدى الطويل كغيرها من الأدوية الأكثر رسوخاً، فإن بعض الأطباء «قد يتخذون موقف التريث والترقب قبل وصفها».ويضيف أن أحد أكبر العوائق التي تحُول دون استخدام أدوية «بي - كابس» في الوقت الحالي هو تكلفتها المادية؛ إذ لا يغطي التأمين الصحي دائماً الأدوية الأحدث عهداً. ويختتم قائلاً: «لكن إذا تساوت جميع العوامل الأخرى، فإنها ستشكل خياراً جيداً للكثير من الأشخاص».

* رسالة هارفارد الصحية

- خدمات «تريبيون ميديا»


الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة
TT

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

قد يحمل أحدهم كتلة صغيرة في ذراعه أو ساقه لأشهر، لا تؤلمه، ولا تعوقه عن عمله، أو ممارسة حياته اليومية، فيطمئن إلى أنها مجرد تجمع دهني، أو أثر لإصابة قديمة، ويؤجل مراجعة الطبيب. لكن، في بعض الحالات، قد تكون تلك الكتلة أول إشارة إلى «الساركوما»؛ أحد أندر أنواع السرطان، وأكثرها تنوعاً، وهو مرض لا تكمن خطورته في عدوانيته وحدها بقدر ما تكمن في أن أعراضه الأولى قد تمر بصمت، فلا تثير انتباه المريض، وأحياناً لا تثير الشك حتى لدى الطبيب في الزيارة الأولى.

هذه الحقيقة هي ما يدفع الجمعيات العلمية ومنظمات المرضى حول العالم إلى تخصيص شهر يوليو (تموز) من كل عام للتوعية بالساركوما (Sarcoma Awareness Month)، بهدف التعريف بعلاماته المبكرة، وتشجيع سرعة التشخيص، وتعزيز إحالة المرضى إلى المراكز المتخصصة. فالخبرة الطبية المتراكمة تؤكد أن الاكتشاف المبكر لا يزيد فرص العلاج فحسب، بل قد يغيّر مسار المرض بالكامل، ويتيح في كثير من الحالات علاجات أقل تعقيداً، وأكثر حفاظاً على وظائف الأعضاء، وفق أحدث إرشادات الجمعية الأوروبية لطب الأورام (ESMO)، والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان (NCCN). ولعل أكثر ما يثير القلق أن كثيراً من مرضى الساركوما يصلون إلى المراكز المتخصصة بعد أشهر من ظهور الأعراض، لأنهم لم يتصوروا أن كتلة صغيرة غير مؤلمة قد تكون ورماً خبيثاً.

نوعان رئيسيان وخصائص مختلفة

رغم أن الساركوما تمثل أقل من واحد في المائة من السرطانات لدى البالغين، فإنه يضم أكثر من مائة نوع فرعي، يختلف كل منها في سلوكه البيولوجي، واستجابته للعلاج. ينشأ الساركوما في الأنسجة الداعمة للجسم، كالعضلات، والدهون، والأوتار، والأربطة، والأوعية الدموية، والأعصاب، والعظام، والغضاريف. ويجعل هذا التنوع الكبير منه واحداً من أكثر مجموعات الأورام تعقيداً من حيث التشخيص، والعلاج، حتى إن التعامل مع هذه المجموعة اليوم يعتمد على فرق طبية متعددة التخصصات، وعلى تقنيات التشخيص الجزيئي التي أصبحت تمثل حجر الزاوية في اختيار العلاج المناسب لكل مريض.

يقسم الأطباء الساركوما إلى مجموعتين رئيستين:

1. ساركوما الأنسجة الرخوة، وهي الأكثر شيوعاً لدى البالغين، ويمكن أن تظهر في أي موضع من الجسم، ولا سيما الأطراف. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 13910 إصابات بساركوما الأنسجة الرخوة في الولايات المتحدة الأميركية، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 65.7 في المائة.

2. ساركوما العظام التي تُصيب النسيج العظمي نفسه، ويعد الورم العظمي (Osteosarcoma) أكثر أنواعها شيوعاً، خاصة لدى الأطفال، واليافعين. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 4110 إصابات في أميركا، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 68.7 في المائة.

وكثيراً ما يُشخص هذا المرض بشكل غير دقيق، أو متأخر، نظراً لندرته، وتشابهه مع أنواع أخرى من السرطانات. وفقاً لتقارير الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان

(American Association for Cancer Research – AACR-).

ورغم ندرة هذه الأورام، فإنها تمثل نسبة أعلى من الأورام الصلبة لدى الأطفال مقارنة بالبالغين، مما يفسر الاهتمام الكبير بها في طب أورام الأطفال.

وتكمن المشكلة في أن سرطانات الساركوما لا تُعلن عن نفسها في مراحلها الأولى. ففي كثير من الحالات لا تسبب ألماً، ولا تؤثر في الحالة العامة للمريض، بل تقتصر على كتلة تنمو ببطء، أو ألم موضعي متقطع قد يستمر لأسابيع أو أشهر قبل أن يدفع صاحبه إلى مراجعة الطبيب.

ولهذا السبب تشدد الإرشادات الحديثة للجمعية الأوروبية لطب الأورام والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان على ضرورة عدم إهمال أي كتلة يزداد حجمها تدريجياً، أو يتجاوز قطرها خمسة سنتيمترات، أو تقع في عمق الأنسجة، أو يصاحبها ألم مستمر، أو تعود للظهور بعد استئصالها. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود سرطان، لكنها تستوجب تقييماً متخصصاً، لأن التشخيص المبكر يظل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العلاج، وتقليل المضاعفات.

ولا يقتصر الأمر على أورام الأنسجة الرخوة؛ ففي ساركوما العظام قد يكون العرض الأول ألماً يزداد مع الوقت، ويصبح أكثر وضوحاً أثناء الليل، أو مع النشاط البدني، وقد يصاحبه تورم، أو حتى كسر يحدث بعد إصابة بسيطة نتيجة ضعف العظم. وهنا تكمن أهمية عدم الاكتفاء بتفسير الألم على أنه نتيجة للنمو، أو للإجهاد الرياضي، خاصة إذا استمر، أو ازداد تدريجياً، إذ قد يكون ذلك أول مؤشر على وجود مشكلة تحتاج إلى تقييم دقيق.

الأسباب والتشخيص

• لماذا تحدث سرطانات الساركوما؟ ولعل السؤال الذي يطرحه، الآن، كثير من المرضى وعائلاتهم: لماذا تحدث الساركوما؟ رغم كل التقدم العلمي، لا يزال السبب المباشر لمعظم حالات الساركوما غير معروف. وتشير الدراسات إلى أن غالبية المرضى لا يملكون عامل خطر واضحاً، إلا أن بعض المتلازمات الوراثية النادرة، مثل متلازمة لي-فروميني (Li Fraumeni syndrome)، والورم الليفي العصبي من النوع الأول (neurofibromatosis type 1)، إضافة إلى التعرض السابق للعلاج الإشعاعي، أو الإصابة بوذمة لمفية مزمنة قد تزيد من ااحتمال الإصابة لدى فئات محددة، وفق مراجعات حديثة نشرتها مجلة «Nature Reviews Clinical Oncology». وفي المقابل، لا توجد أدلة علمية تثبت أن الساركوما تنشأ نتيجة إصابة مباشرة، أو كدمة، وهي من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً بين الناس.

ولأن معظم حالات الساركوما لا يمكن الوقاية منها، فإن أفضل وسيلة لتحسين النتائج تتمثل في رفع مستوى الوعي بعلاماتها المبكرة، وتسريع الوصول إلى المراكز المتخصصة عند الاشتباه بها. كما أن المتابعة الدورية بعد انتهاء العلاج تُعد جزءاً أساسياً من الرعاية، إذ تهدف إلى الكشف المبكر عن أي عودة للورم، ومتابعة المضاعفات المحتملة، ومساعدة المرضى على استعادة نشاطهم البدني، والنفسي، والعودة إلى حياتهم الطبيعية.

يعتمد تشخيص الساركوما على ثلاثة عناصر رئيسة: التقييم السريري، والتصوير الطبي، والخزعة. ويُعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الخيار الأمثل لتقييم معظم أورام الأنسجة الرخوة، لما يوفره من معلومات دقيقة عن حجم الورم، وحدوده، وعلاقته بالأنسجة المحيطة، بينما يُستخدم التصوير المقطعي المحوسب (CT) في حالات أخرى، خاصة لتقييم الرئتين اللتين تُعدان أكثر مواقع الانتشار شيوعاً في بعض أنواع الساركوما. أما تأكيد التشخيص فلا يتم إلا من خلال الخزعة التي ينبغي أن تُجرى في المركز الذي سيتولى علاج المريض، أو بالتنسيق معه، لأن مكان أخذ العينة وطريقتها قد يؤثران في الخطة الجراحية لاحقاً، وهو ما تؤكد عليه الإرشادات الدولية بصورة متكررة.

ومع تطور علم الأمراض الجزيئي، لم يعد تشخيص الساركوما يعتمد على الفحص المجهري التقليدي وحده، بل أصبح يشمل تحاليل مناعية وجزيئية تساعد في تحديد النوع الفرعي للورم بدقة أكبر، والكشف عن الطفرات، أو الاندماجات الجينية التي قد يكون لها دور في اختيار العلاج. وقد أسهم هذا التطور في إعادة تصنيف عدد من أنواع الساركوما، وأصبح يمثل أحد أهم التحولات في طب الأورام خلال السنوات الأخيرة، وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية للأورام.

• العلاج، ويشمل: -الجراحة، لا تزال تمثل حجر الأساس في علاج معظم حالات الساركوما الموضعية، إذ تهدف إلى استئصال الورم بالكامل، مع هامش آمن من الأنسجة السليمة، لتقليل احتمال عودته. وقد أسهمت التقنيات الجراحية الحديثة -إلى جانب التخطيط الدقيق قبل العملية الذي يضعه فريق متعدد التخصصات يضم جراح الأورام، وطبيب الأورام، واختصاصي الأشعة، واختصاصي علم الأمراض، واختصاصي العلاج الإشعاعي، بحيث تُبنى الخطة العلاجية على نوع الورم، ودرجته وخصائصه الجزيئية، وليس على حجمه، أو مكانه فقط- في المحافظة على الأطراف، والأعضاء المصابة لدى معظم المرضى، بعد أن كان بتر الطرف يُعد خياراً شائعاً في الماضي.

-العلاج الإشعاعي، يأتي مكملاً للجراحة في كثير من حالات ساركوما الأنسجة الرخوة، سواء قبل العملية لتصغير حجم الورم، أو بعدها للحد من خطر عودته موضعياً.

-العلاج الكيميائي، لم يعد يُستخدم بالطريقة نفسها في جميع الأنواع، إذ تختلف حساسية الساركوما له بصورة كبيرة؛ فهو جزء أساسي من علاج بعض الأورام، مثل الورم العظمي، والساركوما الإيوينغية (Ewing sarcoma)، بينما يكون دوره محدوداً في أنواع أخرى، وهو ما يعكس التنوع البيولوجي الكبير لهذه الأورام، وفق توصيات الجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (American Society of Clinical Oncology, ASCO).

-العلاجات الموجهة، وهي التي تمثل أبرز ملامح تطور الممارسة السريرية في السنوات الأخيرة، وذلك بعد التعرف على طفرات جينية ومسارات خلوية يمكن استهدافها دوائياً في بعض الأنواع. ويُعد الورم اللحمي المعدي المعوي (GIST) أحد أبرز الأمثلة على نجاح هذا النهج، إذ أدى استهداف الطفرات في جيني (KIT, PDGFRA) إلى تغيير جذري في نتائج العلاج لدى كثير من المرضى.

-الطب الدقيق (Precision Medicine)، حيث يواصل العلاج المناعي تحقيق نتائج واعدة في بعض الأنواع الفرعية، وإن كانت الاستجابة لا تزال متفاوتة، الأمر الذي يجعل اختيار العلاج يعتمد بصورة متزايدة على الخصائص البيولوجية للورم، وهو ما يُعرف اليوم بمفهوم الطب الدقيق.

رسالة شهر التوعية بالساركوما

يحمل شهر يوليو، شهر التوعية بالساركوما، رسالة صحية تتجاوز التعريف بورم نادر، لتؤكد أن تجاهل كتلة تكبر مع مرور الوقت أو ألم يستمر دون تفسير واضح قد يكلّف المريض فرصة التشخيص المبكر. وفي المقابل، فإن الاكتشاف في الوقت المناسب، والإحالة إلى مركز يمتلك الخبرة، والاستفادة من التطورات المتسارعة في التشخيص والعلاج، كلها قادرة على تغيير مسار المرض بصورة كبيرة.

لقد غيّر التقدم العلمي خلال العقدين الماضيين النظرة إلى أورام الساركوما. فبعد أن كان التعامل معها يقتصر على الجراحة في كثير من الحالات، أصبحت اليوم من الأورام التي تستفيد من التكامل بين الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الدوائي، والطب الجزيئي، والفرق الطبية متعددة التخصصات. ومع استمرار الأبحاث في كشف المزيد من أسرارها البيولوجية، يبقى الأمل قائماً في تطوير علاجات أكثر دقة، وفاعلية، بما ينعكس على زيادة فرص الشفاء، وتحسين جودة الحياة.

تبقى الرسالة الأهم: إن ندرة المرض لا تعني ندرته في الممارسة الطبية، ولا ينبغي أن تقلل من أهمية التفكير فيه. فكلما ازداد وعي المجتمع، وارتفع مستوى الاشتباه به لدى الأطباء، وتسارعت الإحالة إلى المراكز المتخصصة، أصبح بالإمكان اكتشاف الساركوما في مراحل أبكر، وتقديم علاج أكثر فاعلية، وتحويل قصة مرض نادر إلى قصة نجاح طبي تستند إلى العلم، والتشخيص المبكر، والرعاية المتخصصة.

*استشاري طب المجتمع


حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية
TT

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أولو University of Oulu في فنلندا، نُشرت في التاسع من يوليو (تموز) الحالي، بمجلة «طب النمو وعلم الأعصاب» Developmental Medicine & Child Neurology، أن التفاعل الحنون بين الأم وطفلها المولود قبل ميعاد ولادته (الطفل الخديج)، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تقليل المخاطر الطبية المرتبطة بعملية الولادة المبكرة.

الأطفال الخدّج

بالإضافة للمشكلات العضوية الخطيرة المرتبطة بالولادة المبكرة، التي يمكن أن تصل في بعض الأحيان إلى الوفاة، في الأغلب يعاني الأطفال الخدج (المولودون قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل)، من مخاطر الإصابة بمشكلات عاطفية وسلوكية حادة مقارنة بالأطفال الذين يولدون في موعدهم، وهذا التأثير يكون من الوضوح بحيث يُطلق على سلوك هؤلاء الأطفال في بعض الأحيان «النمط السلوكي للخدج».

قال الباحثون إن المشكلات العاطفية والنفسية المتعلقة بالولادة المبكرة خطيرة جداً، ولكن لا تنال الاهتمام الكافي، ويكفي أن نعرف أن الأطفال الذين يُولَدون قبل موعد ولادتهم بشكل كبير أكثر عرضة للإصابة بالقلق بأربع مرات مقارنة بأقرانهم الذين وُلدوا في موعد ولادتهم المعتاد، فضلاً عن مشكلات النمو العصبي.

السبب في هذه المشكلات العصبية والعاطفية مع هؤلاء الرضع ربما يكون راجعاً لعدم اكتمال الجهاز العصبي، نتيجة للولادة المبكرة، وتأثر المخ نتيجة لمشكلات التغذية في الحضّانات، والاضطرار لاستخدام بعض الأدوية التي يمكن أن يكون لها تأثير جانبي سلبي على الجهاز العصبي، مثل بعض أدوية القيء.

وكلما كانت الولادة مبكرة زادت هذه المخاطر، ويمكن أن تظهر هذه المشكلات السلوكية، في نقص الانتباه، وضعف التفاعل الاجتماعي، وعدم القدرة على تنظيم المشاعر، وفي الأغلب تستمر هذه السلوكيات في مرحلتي المراهقة والبلوغ.

ونظراً لهذه المخاطر العصبية والنفسية، التي تهدد الأطفال الخدج، هناك اهتمام إكلينيكي كبير بمحاولة الحد من هذه المشكلات، ولذلك يُعد تفاعل الأم الحنون والسريع مع طفلها من العوامل البيئية القابلة للتعديل بعد الولادة، لا سيما إذا تم هذا التفاعل في وقت مبكر من عمر الطفل، وبالتالي يمكن أن يساعد في الحد من المخاطر السلوكية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين لاحقاً، بغضّ النظر عن مدى ولادة الطفل قبل الأوان.

في الدراسة الحالية، قام الباحثون بتحليل مجموعة بيانات ضخمة تضم 2469 زوجاً من الأمهات وأطفالهن، أُخذت من سبع مجموعات مواليد، في خمس دول أوروبية، وتمت ولادة هؤلاء الأطفال جميعاً في الفترة بين عامي 1980 و2014.

وقام الباحثون بتثبيت جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، مثل عمر الحمل، وجنس الرضيع، وعمره، والوزن بالغرامات، وصغر حجمه بالنسبة لعمر الحمل بالأسابيع عند الولادة، وولادات الأم المتعددة، ووجود إعاقة عصبية، والمستوى التعليمي للأم، وحالة الأم النفسية.

وشملت البيانات أيضاً معلومات عن المشكلات السلوكية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين، من خلال استبيانات أجاب عنها الآباء، وسجلات السلوك في المدارس، وتم احتساب درجات للمشكلات السلوكية، وكلما حصل المراهق على درجات أكثر كان ذلك مؤشراً أكبر على المشكلات السلوكية التي يعاني منها، والعكس بالعكس.

تفاعل الأمهات العاطفي

حرص الباحثون أيضاً على تقييم حساسية الأمهات وتفاعلهنّ العاطفي والوجداني، من خلال اختبارات نفسية قياسية، وبعد ذلك أجروا تقييماً للقدرات الإدراكية واللغوية الاستقبالية للأطفال، باستخدام اختبارات معتمدة.

أظهرت النتائج أن الأطفال الذين وُلِدوا قبل موعد ولادتهم بشكل مبكر جداً، وليس أولئك الذين وُلدوا قبل موعد ولادتهم بشكل متوسط إلى متأخر، وأيضاً عانوا من انخفاض مستوى حساسية الأم وتفاعلها العاطفي، هم الذين حصلوا على درجات أعلى في إجمالي المشكلات مقارنةً بالأطفال الذين وُلِدوا في موعدهم.

وظلت هذه النتيجة ثابتة، حتى بعد ضبط مجموعة واسعة من العوامل المؤثرة؛ حيث كان عمر الحمل عند الولادة، وحساسية الوالدين العاطفية، العاملَين الأكثر تأثيراً على المشكلات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال والمراهقين.

ووجد الباحثون أن جميع الأطفال استفادوا بالتساوي من الأبوة والأمومة الحانية والمتفاعلة، بغض النظر عن عمر الحمل عند الولادة، مما يوضح الدور المهم للأب، في تقديم الدعم النفسي لأطفاله، وعدم إلقاء المسؤولية كاملة على عاتق الأم.

وكما هو متوقَّع، سجل الأطفال الذين تمت ولادتهم قبل الأوان بشكل مبكر جداً، درجات أقل في اختبارات القدرات المعرفية واللغوية، مقارنة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، ولكن اللافت للنظر أن حساسية الأم كانت مؤثراً إيجابياً ثابتاً حتى في الولادات المبكرة جداً؛ فقد ارتبطت حساسية الأم بشكل عام، بتحسُّن الإدراك والنمو الوجداني للطفل، وأيضاً تطور اللغة بشكل سريع وزيادة المفردات اللغوية والقدرة على استدعائها، وكان الارتباط بين التربية الحانية والمتفاعلة والإدراك أكثر وضوحاً لدى الأطفال المولودين في عمر حمل أصغر، وأيضاً ارتبطت حساسية الأم مع النمو العصبي السليم، والوقاية من المشكلات التي تسبب اضطرابات في الجهاز العصبي، مثل التوحد ونقص الانتباه وفرط النشاط.

أكدت الدراسة أن تغيير العوامل البيئية في المراحل المبكرة من الحياة، مثل التفاعل العاطفي من العائلة، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في مسار نمو الطفل، حتى عندما تكون هناك صعوبات في البداية، مثل «الولادة المبكرة».

وتُعد نتائج هذه الدراسة شديدة الأهمية بالنسبة للأطباء والعاملين في المجال الصحي، وتدعو إلى ضرورة أن ينصح الأطباء بتعزيز التفاعلات العاطفية بين الوالدين والأطفال، خصوصاً الأطفال الخدج، وبالنسبة للآباء والأسر، تؤكد النتائج على أهمية التفاعلات الداعمة والتواصل العاطفي بشكل يومي مع الأبناء، لا سيما الذين ولدوا قبل ميعاد ولادتهم.

* استشاري طب الأطفال