حذّر «الحرس الثوري» من أن أي تحرك عسكري أميركي جديد ضد إيران، «ولو كان محدوداً»، سيضع العالم أمام «أزمة طاقة جدية». وقال إن طهران «ضغطت على الزناد» رداً على ما وصفه بخرق أميركي لتفاهمات الملاحة في مضيق «هرمز».
وقال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، إن إيران ستدافع عن نفسها «في كل الظروف»، مضيفاً: «لن نسمح لأي معتدٍ بأن يمد يده إلى إيران».
وأضاف، خلال مراسم تكريم وزير الدفاع الذي قتل في الحرب، عزيز نصير زاده وتقديم خليفته مهرداد أخلاقي: «أميركا لم تعد تلك التي كانت تدعي أنها قوية. أميركا شاخت»، معتبراً أن ترمب «فعل كل ما استطاع، لكنه لم ينجح، لأن الحكومة والشعب في إيران متماسكان».
ورأى عبد اللهي أن تجربة الحروب الأخيرة كشفت «أكثر من أي وقت مضى»، ضرورة مراجعة أساليب الاستعداد ومواجهة التهديدات، مضيفاً أن «حروب المستقبل لن تقتصر على مجال واحد، وستؤدي فيها الأبعاد الهجينة والتكنولوجية والاستخباراتية والإدراكية دوراً حاسماً».
ودعا إلى تطوير القدرات الدفاعية في مجالات الصواريخ والمسيّرات والدفاع الجوي والمعدات البحرية والإلكترونيات والاتصالات، ورفع دقة المعدات وفاعليتها.
«الضغط على الزناد»
قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» العميد حسين محبي، خلال مراسم في طهران، إن الولايات المتحدة انتهكت البند الخامس من مذكرة التفاهم بين البلدين، عبر «الضغط على عُمان وتغيير مسار السفن نحو الجنوب» في مضيق «هرمز».
وأضاف: «كنا جميعاً ندرك أن العدو ناقض للعهود، وكنا نعلم أنه لن يلتزم بتعهداته. وعندما كانت المفاوضات جارية، أعلنّا أن إصبعنا على الزناد، وأننا سنضغط عليه إذا ارتكب العدو أدنى خرق».
وتابع: «العدو الجاهل نقض العهد مرة أخرى، وغيّر مسار السفن نحو الجنوب عبر الضغط على عُمان، وبذلك خرق البند الخامس من مذكرة التفاهم. ونحن، كما حذرنا سابقاً، ضغطنا على الزناد رداً على هذا النقض».
ووصف محبي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأنها متناقضة، قائلاً إنه يتخذ مواقف مختلفة خلال اليوم الواحد، «أما نحن فنلتزم بكلامنا ونعمل به».
وكانت واشنطن وطهران قد توصلتا إلى مذكرة تفاهم بوساطة باكستانية في يونيو (حزيران)، قبل أن تنهار في يوليو (تموز)، مع استئناف الهجمات الإيرانية على السفن في «هرمز»، ورد الولايات المتحدة بضربات عسكرية على إيران.
وأقر «الحرس الثوري» الأسبوع الماضي، بدوره في شن تلك الهجمات، بعد انتقادات داخلية.
احتمال تجدد الحرب
وكان محبي، قد قال في تصريحات صحافية سابقة، إن التقديرات الإيرانية تشير إلى أن الولايات المتحدة «ليست قطعاً في وضع يسمح لها ببدء مواجهة جديدة تحقق منها مكاسب جديدة»، وفق ما نقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».
لكنه لم يستبعد أن تلجأ واشنطن إلى تحرك محدود قبيل الانتخابات الأميركية. وقال في هذا الصدد إنه «من الناحيتَين الفنية والعسكرية، لا تملك أميركا القدرة على شن عملية ومواجهة جديدة، لكن من المحتمل، بسبب اقتراب الانتخابات، أن تسعى إلى صناعة إنجاز عبر عمل محدود، والاستفادة من نتيجته انتخابياً».

وأضاف: «لا نتجاهل الاحتمالات، ونحن مستعدون للرد على أي تحرك. هذه المرة سيكون ردنا أشد بكثير، وستواجه أميركا متاعب أكبر بكثير، وستضع العالم أيضاً أمام متاعب أكبر».
أسلحة لـ«ظروف خاصة»
ورداً على سؤال عما إذا كانت لدى «الحرس الثوري» أسلحة لم يستخدمها بعد في الحرب، قال محبي: «من الطبيعي ألا تستخدم أي دولة كل أسلحتها دفعة واحدة، أو أن تبدأ من آخرها».
وأضاف: «استخدمنا لمدة طويلة أسلحة أنتجناها قبل عشرات السنين، والأسلحة التي نستخدمها تعود إلى إنتاج سابق. لا نستخدم أبداً سلاحاً يجب أن يُستخدم في ظروف خاصة؛ في ظروف أقل حساسية».
ولم يحدد محبي طبيعة هذه الأسلحة أو قدراتها، ولا الظروف التي قد تدفع طهران إلى استخدامها.
وقال محبي إن الولايات المتحدة دخلت الحرب السابقة «بكل قوتها»؛ بقواعد مجهزة ومعدات كثيرة جداً وقوات «جاهزة للعمل»، واستخدمت إمكانات مختلفة، لكنها «لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة وغير المعلنة».

وأضاف: «لم تفشل في تحقيق أهدافها فحسب، بل مُنيت بهزائم استراتيجية كثيرة، أقلها إغلاق مضيق هرمز، الذي لم تتمكن من فتحه حتى الآن رغم كل محاولاتها».
وادّعى أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على استخدام قواعدها في المنطقة كما في السابق، قائلاً إن «معظم تلك القواعد خرج عن الخدمة، ومعداتها دُمرت في معظمها»، وإن الدول التي كانت تتعاون معها آنذاك «لم تعد تتعاون معها بالقدر نفسه».
وقال إن القوات الأميركية «منهكة ومتعبة، وابتعدت عنا مئات الكيلومترات»، مضيفاً: «قبل بدء الحرب، كان لديهم ما لا يقل عن 30 إلى 40 قطعة بحرية حربية داخل الخليج، أما الآن فليس لديهم أي قطعة فيه، بل ابتعدوا نحو 700 كيلومتر عن مضيق هرمز».
«مسارات غير آمنة»
بدوره، قال الجنرال رسول سنائي راد، مساعد الشؤون السياسية في المكتب العقائدي السياسي التابع للمرشد الإيراني، إن ترمب «يسعى من خلال طرح ادعاءات إلى استعراض القوة والإيحاء بنصر زائف»، معتبراً أن هذا النهج عرّض عدداً من السفن للخطر وألحق بها أضراراً.
وأضاف أن الأميركيين يدفعون البحارة، «بالخداع، وفي بعض الحالات بالترغيب»، إلى العبور من «مسارات غير آمنة»، فيها «احتمال الاصطدام بالألغام، وظروف طبيعية خطرة، وإمكانية مواجهة مقذوفات متفجرة»، حسبما نقلت وكالة «فارس».
وقال إن الأميركيين «لم يجرؤوا قط، رغم ادعاءاتهم، على إرسال سفنهم إلى هذه المنطقة، ويمضون عملياً في هذه السياسة القذرة على حساب الآخرين».
وأضاف: «ما هو مؤكد أننا أعددنا أنفسنا لكل السيناريوهات، وأي شر من جانب العدو سيقابَل برد قاسٍ منا. بإذن الله ستكون لدينا مفاجآت للعدو، وإذا ارتكبت أميركا خطأ، فسنغيّر الموازنة مستفيدين من هذا الخطأ».
حرب إقليمية
قال مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، ومساعده محمد مخبر، إن «استراتيجية إيران هي أن الحرب، إذا تكررت فستصبح حرباً إقليمية». وأضاف أن «الردع الإيراني» منع الولايات المتحدة وإسرائيل من استخدام كامل قدراتهما، «لأن أي اعتداء على البنى التحتية قد تترتب عليه تداعيات إقليمية».
واستشهد بالهجوم على منشأة للغاز البترولي المسال في قطر، قائلاً: «على سبيل المثال، عندما تعرض مركز الغاز البترولي المسال في قطر للهجوم، واجه العالم كله مشكلة».
وأضاف أن «تكلفة الحرب بلغت حداً جعل أعداءنا في حيرة لا يعرفون ماذا يفعلون»، مدعياً أن «70 في المائة من الأميركيين يعارضون الحرب، وشعبية ترمب تراجعت إلى مستوى غير مسبوق».

وتعليقاً على التهديد الأميركي باستخدام «أم القنابل» ضد إيران، قال مخبر: «هذه التهديدات والقنابل لن تصل إلى أي مكان. هذه القنابل التي يتحدثون عنها انفجرت في أميركا نفسها، وهم لا ينتبهون».
وانتقد مخبر دعوات إلى التخلي عن مضيق هرمز تجنباً لخسائر أكبر، مشبهاً أصحابها بمن برروا تنازلات إيران لروسيا في معاهدة «تركمانجاي» بالقرن التاسع عشر.
وقال في ندوة بعنوان «إيران مستقلة ومقتدرة: الإمكانات والتحديات والاستراتيجيات»: «بعض هؤلاء السادة يقولون إن الامتيازات التي قُدمت في معاهدة (تركمانجاي) كانت لكي لا يضيع باقي البلاد، وإننا لو واصلنا قليلاً لضاع الباقي أيضاً. تماماً كما يقول بعضهم الآن: لنتخلَّ عن مضيق هرمز كي لا يضيع باقي البلاد». ولم يسمِّ أصحاب هذه الدعوات.
ووقّعت الدولة القاجارية معاهدة «تركمانجاي» مع الإمبراطورية الروسية في فبراير (شباط) 1828، بعد هزيمتها في الحرب الروسية-الفارسية. وتنازلت إيران بموجبها عن خانيتي إيروان ونخجوان، اللتين كانتا خاضعتين للسيادة القاجارية وتقع أراضيهما اليوم ضمن أرمينيا وأذربيجان، ودفعت تعويضات مالية كبيرة، ومنحت روسيا امتيازات تجارية وحقاً حصرياً في نشر سفن حربية في بحر قزوين.
وتُعدّ المعاهدة في الذاكرة السياسية الإيرانية رمزاً للهزيمة والتنازل أمام القوى الأجنبية.
«جبل الفأس» والانتخابات
توقع علي جنتي، وزير الثقافة السابق المقرب من الرئيس الأسبق حسن روحاني، أن تستخدم الولايات المتحدة «أم القنابل» في منطقة «جبل الفأس» قبل الانتخابات الأميركية، لكنه قال إن الأميركيين يعلمون أن المنشآت الواقعة تحت الأرض هناك «على عمق كبير جداً»، ولا يمكن تدميرها حتى بالقنابل الخارقة للتحصينات.
وأضاف أن احتمال اندلاع «حرب شاملة لفتح مضيق هرمز وحل مشكلات الدول العربية في الخليج» قائم، «سواء فاز الجمهوريون في الانتخابات المقبلة أو خسروا»، لأن طرق صادرات هذه الدول ووارداتها «مسدودة حالياً».
ورأى جنتي أن نتنياهو «يسعى إلى تهيئة ظروف تؤجل الانتخابات الإسرائيلية ليبقى في السلطة»، وأن إسرائيل «على الأرجح تسعى إلى هجوم مباغت لاغتيال طبقة أخرى من المسؤولين والشخصيات من الصف الأول أو حتى الثاني»، مضيفاً أن رد إيران «سيكون ساحقاً، وستُلغى الانتخابات بسبب ظروف الحرب».



