ترمب يستبعد استخدام «النووي» ضد إيران

وصفها بـ«دولة فاشلة» والصراع بـ«حرب صغيرة نسبياً»... وقال إن واشنطن تسيطر على هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي الاثنين 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي الاثنين 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب يستبعد استخدام «النووي» ضد إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي الاثنين 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي الاثنين 31 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب استخدام سلاح نووي ضد إيران، لكنه أبقى احتمال توجيه ضربات تقليدية جديدة قائماً، في وقت سعى فيه إلى التقليل من حجم العبء العسكري الذي تمثله الحرب على الولايات المتحدة، معتبراً أن طهران «هُزمت عسكرياً بالكامل».

وهون ترمب من التحذيرات بشأن تأثير عملية طويلة في الشرق الأوسط على جاهزية القوات الأميركية في مناطق أخرى. ورداً على أسئلة الصحافيين في المكتب البيضاوي، وصف حجم المواجهة بأنه «حرب صغيرة نسبياً بالنسبة إلينا. إنها ليست حرباً كبيرة».

وبدا ترمب أكثر حسماً عندما سئل عن احتمال استخدام السلاح النووي ضد إيران، فأجاب: «لن أقول ذلك أبداً، لكن الإجابة نعم؛ أستبعد ذلك. لا سبب لاستخدامه».

وأضاف: «يا له من سؤال غبي. ها هم قد هُزموا عسكرياً بالكامل. وبعدما هزمتهم، يفترض أن أستخدم سلاحاً نووياً ضدهم أيضاً؟ يا له من سؤال غبي».

وأشار ترمب إلى أوضاع إيران، ووصفها بأنها «دولة فاشلة»، مشدداً على أن التضخم فيها بلغ «350 في المائة»، وأنها تفتقر إلى عملة مستقرة ولا تدفع رواتب جنودها، وأن معظم قادتها قتلوا، و«اختفت» قواتها البحرية والجوية ومعدات المراقبة إلى حد كبير.

ومع ذلك، قال: «هذا لا يعني أننا لن نضربهم. سنرى ما سيحدث»، بعدما كان قد تعهد، الاثنين، إثر الهجمات الإيرانية على قواعد أميركية، بأن «سيكون هناك رد»، وأن واشنطن «ستضربهم بقوة».

سفن في مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس جنوب إيران الجمعة 28 أغسطس 2026 (رويترز)

البرنامج النووي

وبشأن مضيق هرمز، قدم ترمب صورة مختلفة عن مشهد التوتر العسكري. ووصف الوضع بأنه «جيد للغاية»، وأعلن أن الولايات المتحدة «تسيطر»، مستشهداً بعبور أعداد كبيرة من السفن بمساعدة البحرية الأميركية خلال الليل.

وبحسب الأرقام التي قدمها، بلغ متوسط العبور نحو 30 سفينة كل ليلة، وهو ما قال إنه أتاح خروج «كميات كبيرة من النفط» وحال دون الارتفاع الحاد في الأسعار الذي كان متوقعاً.

ووجه انتقادات ضمنية إلى موقف بكين من تهديد أمن الملاحة في المنطقة، معتبراً أن الرئيس الصيني شي جينبينغ ظل «غير نشط نسبياً» في ملف هرمز قياساً بما كان يستطيع القيام به.

غير أن ترمب أعاد مركز الثقل سريعاً إلى الملف النووي الإيراني الذي شكل المبرر الأساسي للحرب. ودافع عن العمليات الأميركية في إيران وفنزويلا، وخلص إلى أن «إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً»، مضيفاً: «هذا هو جوهر الأمر».

وتابع: «الأسعار لم ترتفع إلا بسبب إيران. كان علينا دخول إيران. كان علينا التأكد من أنهم لن يمتلكوا سلاحاً نووياً».

وقلل ترمب من احتمالات التوصل لاتفاق مع طهران، رغم أنه ترك الباب مفتوحاً ولم يستبعد عودة الاتصالات. وشكك أساساً في وجود قيادة واضحة يمكن التعامل معها.

وقال في هذا الصدد: «الإيرانيون؟ إنهم لا يعرفون حقاً. في رأيي، لا يعرفون من هو القائد». وأضاف: «لديكم المتطرفون، لكن قُضي عليهم من الناحية العسكرية؛ لأن قواتهم العسكرية ليست سوى جزء مما كانت عليه. لا أعتقد حقاً أنهم يعرفون من هو قائدهم».

وجاء ذلك بعد ساعات من قوله لـ«فوكس نيوز» إن الدفاعات الأميركية أسقطت جميع الصواريخ الإيرانية التي كان يمكن أن تلحق أضراراً، وإن العقوبات الاقتصادية الجديدة على إيران تُحدث أثراً كبيراً.

وقال إن الإيرانيين «يريدون الاجتماع بشدة»، لكنه أضاف: «لا أعرف ما إذا كان يمكن التعويل على اتفاق معهم». ونقل «أكسيوس» عن مسؤول بالبيت الأبيض قوله إنهم «دائماً متأخرون يوماً وينقصهم دولار».

وفي منشور لاحق، كتب ترمب أن «إيران أصبحت رسمياً دولة فاشلة. إنها ميتة»، وكرر أنها بلا قوة بحرية أو جوية وبلا عملة، لكنه وضع التضخم هذه المرة عند «300 في المائة».

واتهم القيادة الإيرانية بقتل أكثر من 100 ألف محتج، داعياً لمحاكمة المسؤولين عن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، وأضاف أن ما بقي لديها هو «الأخبار الكاذبة من الولايات المتحدة» و«قدر جيد من الهراء».

سائقون يمرون أمام لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين الاثنين 31 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ألغام «هرمز»

وجاءت تصريحات ترمب بعد أول تبادل مباشر للضربات منذ أواخر يوليو (تموز). وقال مسؤول أميركي إن القوات الأميركية ضربت منصتي إطلاق في لارك، فيما وصف مصدر إيراني رفيع المواجهة لـ«رويترز» بأنها «محدودة ومحتواة».

وقالت القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط «سنتكوم» إن قوات من «الحرس الثوري» رُصدت وهي تستعد لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية باتجاه مضيق هرمز، وإنها نفذت «إجراءات محدودة ودقيقة» ضد قوات زرع الألغام التي شكلت «تهديداً وشيكاً».

وكانت القيادة الأميركية قد أعلنت قبل أيام إكمال إزالة الألغام من ممرات الشحن الدولية. وحذر ترمب من أن أي سفينة تضبط وهي تضع ألغاماً جديدة «سيتم تدميرها».

لكن «الحرس الثوري» أعلن أن ناقلة نفط عملاقة اشتعلت وتوقفت بعد اصطدامها بلغمين في جنوب المضيق، وقال إنها حاولت العبور من «مسار غير قانوني»، محذراً السفن الأخرى من مخالفة قواعده.

ونفى الجيش الأميركي ذلك، قائلاً: «لم تصطدم أي سفينة بألغام في مضيق هرمز»، وعدَّ الإعلان «محاولة أخرى من (الحرس الثوري) لترهيب الملاحة التجارية الإقليمية عبر التضليل الإعلامي».

وتقول واشنطن إن ممراً جنوبياً قرب ساحل عُمان آمن ومفتوح، بينما ترفض طهران الاعتراف به وتطالب السفن بالتنسيق معها لاستخدام ممر شمالي أقرب إلى سواحلها. ولا يزال عدد العبور اليومي أقل من نصف مستواه قبل الحرب.

وفي حادث منفصل، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بإصابة ناقلة بثلاثة «مقذوفات غير محددة» في أثناء خروجها من المضيق، من دون إصابات بشرية أو أضرار بيئية.

وردت إيران على ضربة لارك بقصف قاعدتين أميركيتين في الأردن. وحذرت القوات المسلحة الإيرانية الدول المجاورة من «رد أقوى بكثير» إذا انطلق أي «عدوان» أميركي جديد من أراضيها.

خيارات عسكرية

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن حملة الضغط الاقتصادي تستهدف «تهيئة الظروف» التي تدفع إيران إلى العودة لطاولة المفاوضات، محدداً المطالب بإنهاء البرنامج النووي وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب ووقف دعم الوكلاء وفتح المضيق.

وأضاف أن الإيرانيين «يردون عسكرياً بعنف لأنهم يخسرون اقتصادياً»، وقال إن واشنطن تتوقع فرض عقوبات ثانوية جديدة أسبوعياً، تبدأ بالبنوك التي تحتفظ بأموال إيرانية أو تساعد طهران في الوصول للنظام المالي.

واتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخداع واشنطن ودفعها إلى الحرب ضد إيران، ووصفه، في منشور بالعبرية، بأنه «أفعى».

وقال عراقجي لاحقاً إن حل النزاع «واضح وبسيط»: أن تحترم الولايات المتحدة التزاماتها في مذكرة التفاهم، مضيفاً: «حينها ستعود الأمور إلى نصابها».

وتقول «رويترز» إن ترمب لم يحقق حتى الآن الأهداف التي حددها عند بداية الحرب: تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتقليص قدرة طهران على مهاجمة خصومها، وتهيئة الظروف للإيرانيين للإطاحة بالحكم القائم.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكك، الثلاثاء، إن طهران ستعود «فوراً» إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم إذا عادت واشنطن إلى التزاماتها.

وكان بزشكيان قد قال لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الاثنين، إن استمرار الحرب «ليس في مصلحة أحد»، وإن طهران لا تزال تسعى إلى «اتفاق وتفاهم»، مضيفاً أن الحل هو «الحوار والتعاون».

ونقل «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن ترمب وكبار مساعديه يدرسون ضربات محدودة ومتكررة ضد أهداف إيرانية في هرمز لمنع إعادة بناء قدرات الرادار والصواريخ المستخدمة في استهداف السفن.

وقال مسؤول للموقع إن الهدف خفض مخاطر الهجمات على ناقلات النفط والسفن والطائرات الأميركية، مستخدماً تعبير «جزّ العشب». وأضاف مسؤولون أن «سنتكوم» وضعت الخطة، وأن وزير الدفاع بيت هيغسيث أيدها وأحالها إلى البيت الأبيض.

سفن قرب مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان الاثنين 31 أغسطس 2026 (رويترز)

رسالة خرج

وكان ترمب قد نشر مقطعين مولدين بالذكاء الاصطناعي يُظهران انفجارات في جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني، وكتب: «جزيرة خرج تُسوى بالأرض!!!».

ولم يقع هجوم من هذا النوع. وقال مسؤول أميركي إن الجيش لم يستهدف خرج، فيما وصف مسؤول إيراني المنشور بأنه «مثير للسخرية».

وقال نائب الرئيس جي دي فانس إن ترمب «يوجه رسالة إلى الإيرانيين» عبر المنشور، مضيفاً أن الرئيس «يحب تغيير أسلوبه قليلاً» على وسائل التواصل، ولا يفضل إعلان العمليات العسكرية من خلالها.


مقالات ذات صلة

النفط دون 100 دولار مع انحسار المخاوف بشأن المعروض

الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل كيرن ريفر بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

النفط دون 100 دولار مع انحسار المخاوف بشأن المعروض

عكست أسعار النفط اتجاهها، خلال الجلسة وتراجعت، إذ أسهمت صادرات الخام القوية من الشرق الأوسط وسحب مجموعة السبع من مخزونات الطوارئ في تهدئة الأسعار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن راسية قبالة سواحل خصب في محافظة مسندم بسلطنة عمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

البنك الدولي يتوقع تعافي اقتصاد المنطقة إلى 7.8 % في 2027

يتوقع البنك الدولي تعافي اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، إلى نمو قوي يبلغ 7.8 في المائة في 2027 إذا تراجعت حدة الصراع نهاية العام

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ناقلة نفط تبحر في البحر قرب الساحل العماني، كما تُرى من مسندم، عمان (رويترز)

النفط يرتفع فوق 100 دولار رغم تراجع مخاوف نقص الإمدادات

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الثلاثاء، مع بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية في السوق بفعل التوترات الأمنية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شؤون إقليمية متسوقون في أحد البازارات بطهران يوليو 2026 (نيويورك تايمز)

إيران تحت ضغط الحرب والأزمة الاقتصادية

تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة بفعل تداعيات الحرب والعقوبات الأميركية؛ ما انعكس بشكل متسارع على تراجع كبير في قيمة الريال، وارتفاع تكلفة الواردات،

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن- طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

الرئيس الإيراني: التفاوض مع الولايات المتحدة لا طائل منه

رأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، أن التفاوض مع الولايات المتحدة أمر «لا طائل منه».

«الشرق الأوسط» (طهران)

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء، إن بريطانيا من المرجح أن تطرد دبلوماسيين إسرائيليين إذا نفذت تل أبيب قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية هذا الأسبوع، على خلفية نزاع حول العقوبات التي تستهدف المستوطنات الإسرائيلية.

وكانت إسرائيل قد أمرت بريطانيا في الثامن من سبتمبر (أيلول) بإغلاق القنصلية في القدس الشرقية في غضون 30 يوماً وسحب دبلوماسييها من المدينة، بعد أن أعلنت بريطانيا أنها ستفرض حظراً على تجارة السلع المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وذكرت المصادر أن المهلة المحددة لبريطانيا لإغلاق القنصلية تنتهي يوم الخميس، مما سيؤثر على نحو 30 دبلوماسياً بريطانياً يعملون هناك، إلى جانب أفراد أسرهم.


بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
TT

بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)

بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أدخلت إسرائيل سلسلة من التغييرات على عمل أجهزتها الاستخبارية، شملت إعادة ترتيب بعض الأولويات، وتعديلات في جمع المعلومات وتحليلها والتدريب والتنسيق بين الأجهزة. وجاءت هذه الإجراءات في أعقاب تحقيقات داخلية تناولت أوجه القصور التي سبقت الهجوم، فيما يتطلب تقييم حجم هذه التغييرات وفاعليتها التمييز بين ما أعلنته المؤسسات الإسرائيلية وما يمكن التحقق من نتائجه عملياً.

وظهر أحدث التوجهات المعلنة، الأحد، عشية الذكرى الثالثة للهجوم، عندما عرض الجيش الإسرائيلي أمام كبار ضباطه ما وصفها بـ«الدروس المستخلصة من «7 أكتوبر»». وحسب «تايمز أوف إسرائيل»، شملت التوجهات الاستعداد لاحتمال وقوع هجوم مفاجئ على أكثر من جبهة، وأخذ قدرات الخصم في الحسبان إلى جانب تقدير نيّاته، فضلاً عن تحديث سيناريوهات التهديد كل ستة أشهر. وفي الجانب الاستخباري، أعاد الجيش التأكيد على أولوية الإنذار ضمن مهام مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان».

فلسطينيون يعبرون إلى الجانب الإسرائيلي من السياج الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل بعد اختراق مسلحين الحدود يوم «7 أكتوبر» 2023 (رويترز)

أين أخفقت الاستخبارات الإسرائيلية؟

جاءت هذه التغييرات بعد تحقيقات رسمت خلال العامين الماضيين صورة أكثر تفصيلاً لأسباب الإخفاق. ووفق تقرير نشرته «تايمز أوف إسرائيل» عام 2025، استناداً إلى تحقيقات «أمان»، حددت المديرية ثلاثة جوانب رئيسية للخلل: سوء تقدير استراتيجية «حماس» وخططها وقدراتها، وعدم إصدار إنذار بهجوم وشيك خلال الأيام التي سبقته، إلى جانب قصور في جمع المعلومات عن نيات الحركة وخططها. وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بكمية المعلومات المتاحة، وإنما أيضاً بطريقة قراءتها وتحويلها إلى تقدير لمستوى التهديد.

وعززت مراجعة أجراها فريق خبراء عيّنه رئيس الأركان إيال زامير هذه الخلاصة. وبعد مراجعة 25 تحقيقاً ومقابلة نحو 80 مسؤولاً، قال الفريق إن معلومات متنوعة ومهمة كانت متاحة ليلة الهجوم، وكان يمكن أن تقود، لو جرى تحليلها بصورة مختلفة، إلى رفع مستوى الإنذار. كما أشار إلى مشكلات في الثقافة التنظيمية وطريقة فهم «حماس» والتعامل مع خطة أطلقت عليها الاستخبارات الإسرائيلية الاسم الرمزي «جدار أريحا»، وهي وثيقة حصلت عليها إسرائيل قبل الهجوم بأكثر من عام وتضمنت تصوراً لهجوم واسع عبر حدود غزة، ظهرت عناصر عديدة منه لاحقاً في هجوم «7 أكتوبر».

الإنذار في صلب عمل «أمان»

أحد أوضح التغييرات المعلنة يتعلّق بمكانة الإنذار داخل «أمان». ففي سبتمبر (أيلول) 2025، قال زامير خلال زيارة للوحدة 9900 إن المديرية تمر بعملية تغيير تستند إلى دروس «7 أكتوبر»، واضعاً الإنذار في صلب مهمتها. وحسب الجيش، كانت إعادة ترتيب الأولويات قد بدأت بالفعل خلال العامين السابقين.

لكن التغيير الذي ظهر بصورة أوضح في 2026 يتعلق بكيفية التفكير في المفاجأة نفسها. فالدروس التي عرضها الجيش في 4 أكتوبر الجاري تدعو إلى الاستعداد لهجوم مفاجئ حتى في حال فشل الردع والإنذار، وإلى النظر إلى ما يستطيع الخصم فعله وليس فقط إلى ما تعتقد الاستخبارات أنه يريد فعله. وهذا التحوّل يستهدف إحدى المشكلات التي ظهرت قبل «7 أكتوبر»، حين أسهم الاعتقاد بأن «حماس» لا تريد حرباً واسعة في تفسير مؤشرات ميدانية ضمن هذا التصوّر.

عناصر من الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» خلال العمل على تحليل البيانات (الجيش الإسرائيلي)

عودة إلى المصادر البشرية والمفتوحة

طالت المراجعة أيضاً أدوات جمع المعلومات. ﻓ«معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي «INSS» أشار، في تحليله للإخفاق، إلى اعتماد كبير على اعتراض الاتصالات والقدرات التقنية، مقابل ضعف نسبي في بعض المصادر البشرية والمفتوحة، أي المعلومات المتاحة علناً، مثل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والمنشورات والبيانات العامة.

وفي هذا السياق، عاد الاهتمام بوحدة «حتساف» التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في جمع المعلومات من المصادر المفتوحة، والتي شمل عملها تاريخياً متابعة وسائل الإعلام العربية، ثم توسع ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي. وكانت الوحدة قد أُغلقت عام 2021، قبل أن تبدأ «أمان» في مارس (آذار) 2023، أي قبل نحو سبعة أشهر من هجوم «7 أكتوبر»، عملية إعادة إنشائها بصيغة جديدة. وعند وقوع الهجوم، كانت عملية إعادة تشكيل الوحدة لا تزال جارية، قبل أن يتوسع نشاطها خلال الحرب، وفق تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية.

وفي الاستخبارات البشرية، وسّعت الوحدة 504 التابعة لـ«أمان» نشاطها المتعلق بغزة. وتنقل «جيروزاليم بوست» عن مصادر عسكرية أن الوحدة كانت أقل نشاطاً في القطاع خلال السنوات السابقة للهجوم، فيما كان جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يتولى جانباً كبيراً من جمع المعلومات البشرية هناك. وبعد «7 أكتوبر»، عززت الوحدة 504 انتشارها ومواردها المخصصة لهذا الملف.

تغييرات داخل «الشاباك» والتنسيق مع «أمان»

بدوره، أعلن «الشاباك» تغييرات في طريقة إدارة ملف غزة بعد تحقيقه الداخلي. وحسب «جيروزاليم بوست»، قسّم الجهاز عمليات جمع المعلومات في القطاع إلى مناطق جغرافية أصغر، على نحو أقرب إلى النموذج الذي يستخدمه في الضفة الغربية، كما عدّل آليات التعاون مع الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في اعتراض الاتصالات وجمع المعلومات عبر الوسائل الإلكترونية وتحليلها، بهدف زيادة تبادل المعلومات.

ومع ذلك، يصعب الحكم حتى الآن على أثر هذه التغييرات. فالصحيفة تشير إلى أن «الشاباك» والوحدة 8200 كانا يتبادلان المعلومات على نطاق واسع قبل «7 أكتوبر» أيضاً. ومن ثم، فإن زيادة التنسيق بينهما لا تعني بالضرورة أن المشكلة كانت في حجم المعلومات المتبادلة، إذ أظهرت التحقيقات أن جانباً من الإخفاق ارتبط أيضاً بكيفية قراءة المعلومات وتقدير دلالاتها.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يعقد اجتماعاً لتقييم الوضع الأمني بحضور رئيس الأركان إيال زامير ورئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر وقادة عسكريين كبار في تل أبيب يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

مراجعة أساليب العمل والتفكير

ومن بين التغييرات المعلنة أيضاً مراجعة بعض جوانب الثقافة التنظيمية داخل الاستخبارات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال المؤتمر السنوي لقسم الأبحاث في «أمان»، إن التغييرات الجارية تشمل الثقافة الاستخبارية ونهج العمل والحوار بين الرتب والتدريب. ودعا إلى تعزيز التفكير النقدي وتعدد الآراء داخل المديرية، وإلى إفساح المجال أمام ضباط الاستخبارات لتحدي المسلّمات المهنية السائدة.

تغييرات استخبارية تحت الاختبار

تطول التغييرات المعلنة جوانب متعددة من العمل الاستخباري الإسرائيلي، لكن تحديد أثر كل منها يبقى صعباً في ظل محدودية المعلومات المتاحة عن عمل الأجهزة ونتائج الإجراءات التي اتخذتها.

وتحذّر دراسة نشرها «مركز مكافحة الإرهاب» في الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت» من اختزال إخفاق «7 أكتوبر» في سبب واحد، وتشير إلى تداخل الافتراضات الاستراتيجية والانحيازات المعرفية ومشكلات جمع المعلومات وتحليلها. كما أن جزءاً من المعلومات المتعلقة بالإخفاق لا يزال غير متاح علناً، مما يضع حدوداً لأي تقييم نهائي.

وبعد ثلاث سنوات على هجوم «7 أكتوبر» تُظهر المراجعات التي أجرتها إسرائيل تغييرات في جوانب عدة من العمل الاستخباري؛ من الإنذار المبكر وجمع المعلومات، إلى التنسيق بين الأجهزة وأساليب التحليل والتدريب. وتأتي هذه التغييرات في إطار مراجعة أوجه القصور التي كشفت عنها التحقيقات في الهجوم. لكن الحكم على نتائجها لا يزال مبكراً، وستتضح فاعليتها بصورة أكبر عند مواجهة تهديدات وأزمات جديدة، واختبار قدرة الأجهزة على رصدها وتحليل المعلومات بشأنها والتحذير منها في الوقت المناسب.


عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم (الثلاثاء)، أنه وضع الجيش في حالة تأهّب قصوى «لأي سيناريو محتمل»، عشية الذكرى السنوية لهجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، محذراً من أن سكان غزة سيدفعون «ثمناً باهظاً» في حال تعرّض الجيش لأي هجوم.

وجاء في بيان صادر عن مكتب كاتس أن التعليمات صدرت «في ضوء معلومات استخباراتية بشأن نوايا حركة (حماس) لمحاولة تنفيذ هجمات وعمليات إرهابية ضد قواتنا في غزة في ذلك اليوم».

وأضاف البيان: «إذا تم المساس بقواتنا، لا قدّر الله، فإن من سيدفع الثمن الباهظ سيكون (حماس) وسكان غزة، بما يفوق كل تناسب».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على إسرائيل عن مقتل 1221 شخصاً، حسب حصيلة أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى أرقام إسرائيلية رسمية. كما اقتاد المسلحون 251 رهينة إلى غزة، كان 44 منهم قد فارقوا الحياة.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة النطاق على غزة، خلّفت دماراً هائلاً وأسفرت عن مقتل 74 ألفاً و200 شخص على الأقل، وفق وزارة الصحة في القطاع التابعة لـ«حماس»، التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قتلت القوات الإسرائيلية 1460 شخصاً في غزة، حسب وزارة الصحة في القطاع.

وخلال مشاركته في مراسم إحياء الذكرى الثالثة للهجوم أمس الاثنين، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بألّا تحكم «حماس» قطاع غزة، متوعداً بمواصلة استهداف كل من شارك في الهجوم أو احتجز رهائن في غزة.