خامنئي: الشعب الإيراني والنظام لا يمكن تركيعهما من خلال الحرب

وصف الداعين إلى حوار مباشر مع واشنطن بـ«أصحاب نظرة سطحية»

خامنئي متحدثاً خلال الاحتفال الأحد (إرنا)
خامنئي متحدثاً خلال الاحتفال الأحد (إرنا)
TT

خامنئي: الشعب الإيراني والنظام لا يمكن تركيعهما من خلال الحرب

خامنئي متحدثاً خلال الاحتفال الأحد (إرنا)
خامنئي متحدثاً خلال الاحتفال الأحد (إرنا)

قال المرشد الإيراني، علي خامنئي، إن أعداء إيران أدركوا أن شعبها ونظامه «لا يمكن تركيعهما وإخضاعهما من خلال الحرب».

وشنَّت إسرائيل هجمات على إيران في حرب جوية دامت 12 يوماً، انضمَّت إليها الولايات المتحدة لفترة وجيزة، وقصفت خلالها منشآت نووية رئيسية، وقتلت كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين.

ودمَّرت إسرائيل الدفاعات الجوية الإيرانية إلى حد كبير خلال هذه الحرب، ويعتقد أن كثيراً من مخزون إيران من الأسلحة الباليستية قد تضرَّر؛ بسبب الضربات الإسرائيلية.

ومنذ نهاية الحرب، أكدت إيران بشكل متزايد استعدادها لمواجهة أي هجوم إسرائيلي في المستقبل.

وبدأت إيران، الخميس، مناورات صاروخية سنوية في خليج عُمان، في أول تدريبات عسكرية منفردة منذ حرب يونيو (حزيران) مع إسرائيل؛ في محاولة لاستعادة صورة الدولة القوية في المنطقة بعد أن مُنيت بخسائر فادحة في تلك الحرب.

ورغم أن مثل هذه التدريبات تعدّ روتينية، فإن مناورة «الاقتدار 1404» تأتي في وقت تحاول فيه السلطات في إيران إبراز القوة في أعقاب حرب شهدت تدمير إسرائيل أنظمة الدفاع الجوي، وقصف المنشآت النووية ومواقع أخرى.

وتجنبت البحرية الإيرانية، التي يُقدّر عدد أفرادها بنحو 18 ألف فرد، أي هجوم كبير خلال حرب يونيو. وتقوم بحرية الجيش النظامي، التي تتَّخذ من مدينة بندر عباس قاعدةً لها، بدوريات في بحر عمان والمحيط الهندي وبحر قزوين، بينما تتولى القوات الموازية في بحرية «الحرس الثوري» حماية المياه الإيرانية، في الخليج العربي ومضيق هرمز الضيق.

الدرع الفولاذية

وتحدَّث خامنئي الأحد، في ذكرى استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا، وهذا أول ظهور علني له منذ 4 أسابيع وسط تقارير عن محاولات إسرائيلية جديدة لاستهدافه. وقال إن «جميع أبناء الشعب والمسؤولين وأصحاب الأقلام والكُتّاب يجب أن يحافظوا على الدرع الفولاذية للوحدة الوطنية المقدسة والعظيمة، ويعززوها بكل ما أوتوا من قوة».

وأضاف: «يجب على الجميع دعم خدمة البلاد، خصوصاً رئيس الجمهورية (مسعود بزشكيان) المجتهد والمخلص».

وبحسب وكالة «إرنا» أوضح خامنئي، خلال اللقاء الذي ضم آلاف المواطنين من مختلف شرائح المجتمع، نقاطاً مهمة حول قضايا الساعة. وقال: «لقد أدرك أعداء إيران من الوقوف القوي والوحدة بين الشعب والمسؤولين والقوات المسلحة، والهزيمة الساحقة في الهجمات العسكرية، أن الشعب الإيراني والنظام الإسلامي لا يمكن تركيعهما وإخضاعهما من خلال الحرب؛ لذلك، فهم يسعون الآن إلى تحقيق هذا الهدف من خلال إثارة الفتنة في البلاد».

وأعلنت السلطات الإيرانية، السبت، تدمير خلية مسلحة تسللت إلى البلاد من الحدود الشرقية، في عملية وصفتها طهران بأنها «أحبطت إحدى كبرى المؤامرات في شرق البلاد».

ونقل التلفزيون الإيراني عن إدارة الاستخبارات في محافظة بلوشستان المضطربة أن المجموعة التي تم تفكيكها تتألف من 7 عناصر غير إيرانيين، دخلوا البلاد في الأيام الأخيرة عبر الحدود الشرقية المتاخمة لباكستان.

وبحسب الرواية الرسمية، فإن قوات الأمن خاضت اشتباكاً مسلحاً استمرَّ ساعات، أسفر عن مقتل 6 من عناصر الخلية، في حين تم اعتقال اثنين، بينما أُصيب 3 من أفراد الأمن.

وعثرت السلطات، بحسب وكالة «مهر» الحكومية، على ترسانة من الأسلحة والمتفجرات، من بينها سترات ناسفة، وقنابل يدوية، وقذائف «آر بي جي»، إذ تقول الأجهزة الأمنية إن الخلية كانت تستعد لتنفيذ هجوم واسع النطاق على أحد «المراكز الحيوية» في شرق البلاد.

وزعمت تصريحات رسمية أن أساليب تدريب المجموعة المسلحة تشبه «نماذج التدريب والعمليات التي يتبعها جهاز الموساد الإسرائيلي».

وقالت «مهر» إن المعلومات الأولية تشير إلى أن عناصر الخلية أجروا تدريبات متقدمة على نموذج مصغر للموقع المستهدف، وهو أسلوب طالما اتُّهمت إسرائيل باستخدامه في عملياتها السرية داخل إيران.

وجاء هذا التطور بعد أقل من 24 ساعة على مقتل 5 من أفراد الأمن الإيراني في هجوم مسلح استهدف دورية شرطة عند نقطة تفتيش في منطقة دامن بمحافظة بلوشستان، وهي المحافظة التي كانت في السنوات الأخيرة مسرحاً لتصاعد نشاط الجماعات المسلحة المعارضة.

والأحد الماضي، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، قتل 5 مسلحين خلال تحييد «خليتين» شمال وجنوب محافظة بلوشستان في عمليتين منفصلتين، خلال مواجهات مع الجماعات البلوشية المعارضة.

والأسبوع الماضي، أدى هجوم نفَّذته هذه المجموعة إلى مقتل شرطي في المحافظة نفسها، بحسب وسائل إعلام محلية. وفي 26 يوليو (تموز) الماضي، استهدف هجوم مسلح مبنى المحكمة في زاهدان مركز محافظة بلوشستان، وأسفر عن مقتل 9 أشخاص على الأقل، بينهم 3 من منفذي الهجوم، وإصابة 22 آخرين بجروح.

وأعلنت «جماعة العدل» البلوشية المعارضة، مسؤوليتها عن العملية، ووصفتها بأنها «رد على الظلم الذي يتعرَّض له أبناء بلوشستان»، مشيرة إلى أن الهجوم جاء تحت اسم «يد العدالة». واتهمت الجماعة السلطة القضائية بإصدار أحكام إعدام بحق أفراد من البلوش، وأوامر بهدم منازلهم، متوعدة القضاة وموظفي القضاء بأن «الموت سيلاحقهم كالظلال المرعبة».

الملف النووي

وتطرق خامنئي إلى الملف النووي والمفاوضات مع الولايات المتحدة حوله، مجدداً رفضه الحوار المباشر معها. وقال: «الذين يتساءلون لماذا لا يتم التفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة لحل المشكلات هم أصحاب نظرة سطحية».

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال الأربعاء الماضي إن بلاده لا تزال بعيدة عن نقطة التفاوض مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن طهران لديها خطط جاهزة للمفاوضات، ولكن الوقت لم يحن بعد لاستئنافها بشكل فعال.

وأوضح عراقجي في حوار مفصل نشرته وكالة «إرنا» الرسمية الأربعاء أن إيران لا يمكنها قطع علاقاتها بشكل كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشيراً إلى أنها لا تزال عضواً في معاهدة حظر الانتشار النووي.

ومنذ أن قصفت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت نووية في إيران خلال حرب استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، لم يتمكن مفتشو الوكالة من الوصول إلى المواقع النووية رغم تأكيد مديرها العام رفائيل غروسي أن عمليات التفتيش لا تزال ضرورية.

وصدق البرلمان الإيراني الشهر الماضي على تشريع يعلق التعاون مع الوكالة، وينص على أن أي عمليات تفتيش فيما بعد ستحتاج إلى موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

واتخذ البرلمان هذه الخطوة بعد أن اتهمت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتمهيد الطريق عملياً للهجمات الإسرائيلية الأميركية من خلال تقرير أصدرته في 31 مايو (أيار) دفع مجلس محافظي الوكالة لإعلان أن إيران تنتهك التزاماتها بموجب معاهدة الحد من الانتشار النووي.

لكن عراقجي قال إن طهران «لا يمكنها قطع التعاون بالكامل مع الوكالة... لذلك يجب أن يكون المفتشون هناك لإنجاز هذه المهمة»، دون أن يدلي بمزيد من التفاصيل.

وجاءت تصريحات عراقجي بعد يومين من قول متحدث باسم وزارة الخارجية إن إيران ستواصل المحادثات مع الوكالة، وإن الجانبين سيعقدان على الأرجح جولة مفاوضات أخرى في الأيام المقبلة.


مقالات ذات صلة

«فيفا» سيمنع رفع علم «إيران ما قبل الثورة» داخل ملاعب «كأس العالم 2026»

رياضة عالمية تنظر السلطات الإيرانية إلى العلم القديم بوصفه رمزاً مرتبطاً بعهد الشاه (رويترز)

«فيفا» سيمنع رفع علم «إيران ما قبل الثورة» داخل ملاعب «كأس العالم 2026»

كشفت شبكة «The Athletic» عن أن «الاتحاد الدولي لكرة القدم» يخطط لمنع الجماهير الإيرانية من إدخال أعلام أو ملابس أو رموز تحمل شعار «إيران ما قبل الثورة»...

The Athletic (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية وصلت بعثة المنتخب المكنّى «تيم ملّي» المؤلفة من 22 لاعباً إلى تركيا (أ.ف.ب)

بعثة إيران لـ«مونديال 2026» تحط في جنوب تركيا لإقامة معسكر تدريبي

وصل المنتخب الإيراني لكرة القدم إلى جنوب تركيا لإقامة معسكر تدريبي، واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة قبل نهائيات المونديال...

«الشرق الأوسط» (أنطاليا (تركيا))
رياضة عالمية احتفالات المنتخب الإيراني بالتأهل رسمياً لكأس العالم (فيفا)

منتخب إيران يغادر إلى تركيا تحضيراً لمونديال 2026

غادر المنتخب الإيراني إلى تركيا لخوض مباراة ودية أخيرة قبل التوجه إلى الولايات المتحدة لخوض مونديال 2026 لكرة القدم وفق ما أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: لن يتبقَّى شيء من إيران ما لم توافق على إبرام اتفاق

حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أنه «لن يتبقى شيء» من إيران، إذا لم توقِّع اتفاقاً مع الولايات المتحدة، في ظل تعثر المباحثات بين البلدين لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.


ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
TT

ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى ضرب إيران مجدداً، وإنه كان على بُعد ساعة واحدة فقط من اتخاذ قرار بشن ضربة قبل أن يؤجل الهجوم.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالهجوم اليوم».

وقال ترمب إن قادة إيران يتوسلون لإبرام اتفاق، لكن هجوماً أميركياً جديداً سيحدث في الأيام المقبلة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وأضاف: «حسناً، أعني، أنا أقول يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، أو شيء من هذا القبيل، ربما أوائل الأسبوع المقبل، فترة زمنية محدودة، لأننا لا نستطيع السماح لهم بالحصول على سلاح نووي جديد».

وقال ترمب، الاثنين، إنه أوقف مؤقتاً استئناف الهجمات المخطط لها على إيران بعدما أرسلت طهران مقترح سلام جديداً إلى واشنطن، وإن هناك الآن «فرصة جيدة جداً» للتوصل إلى اتفاق يحد من برنامج إيران النووي.

وتحت ضغط التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، وهو طريق إمداد رئيسي للإمدادات العالمية من النفط والسلع الأخرى، أعرب ترمب سابقاً عن أمله في أن يكون الاتفاق قريباً لإنهاء الصراع، كما هدد بشن ضربات قوية على إيران إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترمب إن قادة قطر والسعودية والإمارات طلبوا منه تأجيل الهجوم لأن «اتفاقاً سيتم التوصل إليه، وسيكون مقبولاً جداً للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك لجميع دول الشرق الأوسط وما وراءه».

وفي حديثه لاحقاً إلى الصحافيين، الاثنين، قال إن الولايات المتحدة ستكون راضية إذا تمكنت من التوصل إلى اتفاق مع إيران يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي.

وقال ترمب للصحافيين: «يبدو أن هناك فرصة جيدة جداً للتوصل إلى حل. إذا تمكنا من تحقيق ذلك من دون قصفهم بقوة، فسأكون سعيداً جداً».