«كمين بيت حانون» يثير أسئلة صعبة ومخاوف في إسرائيل

هجوم حاد على نتنياهو لإبقاء الجيش هناك «بلا سبب»

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
TT

«كمين بيت حانون» يثير أسئلة صعبة ومخاوف في إسرائيل

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)

أثار كمين قُتل فيه 5 جنود إسرائيليين، وأصيب 14 آخرون في بيت حانون بشمال قطاع غزة الكثير من الأسئلة في إسرائيل حول الحرب الدائرة في القطاع، ووضع الجيش بها، ومستقبل هذه الحرب، وفتح أيضاً باب مخاوف قوية من احتمال انزلاق القوات في حرب استنزاف منهكة مع «حماس».

وعلى الرغم من أن الكمين الذي نفذته «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، لم يكن الأول من نوعه، فقد أحدث عاصفة وموجة غضب وصدمة في إسرائيل.

كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، صباح الثلاثاء، مقتل 5 من جنوده وإصابة 14 آخرين جراء انفجار عبوة ناسفة على الطريق في بيت حانون الليلة السابقة.

وبحسب تحقيق أولي للجيش، انفجرت العبوة بعد العاشرة مساءً بقليل خلال عمليات برية. ولم يكن الجنود داخل مركبة، بل كانوا يتحركون سيراً على الأقدام حين وقع الانفجار الذي أعقبه إطلاق وابل من النيران خلال محاولات إجلاء المصابين، بحسب التحقيق.

ومن بين الجرحى الأربعة عشر، وُصفت حالة اثنين منهم بالخطيرة.

وقال الجيش إن منطقة الهجوم شهدت أيضاً استهدافاً جوياً قبل بدء عمليات القوات البرية، وإن عناصر «حماس» وصلوا عبر أنفاق.

كتيبة الحريديم

كان الجيش قد بدأ عملية في بيت حانون، وهي مدينة سيطر عليها مرات عدة خلال القتال، ومشَّط المنطقة جواً قبل دخولها.

دبابة إسرائيلية تتحرك قرب الحدود مع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويشارك في العملية لواءان هما اللواء 646 (قوة احتياط المظليين)، واللواء الشمالي من فرقة غزة الذي يضم الكتيبة المستهدفة، الكتيبة 97 (نيتسح يهودا)، والهدف المعلن هو حماية الحدود الشمالية قرب سديروت وكيبوتس نير عام.

وتتكون كتيبة «نيتسح يهودا» في معظمها من جنود الحريديم (المتشددين دينياً)، وقد تأسست عام 1999 لاستيعاب هذه الفئة من الجنود مع احتفاظهم بنمط حياة ديني. ويُشار إليها أيضاً بـ«شباب الحريديم العسكريين»، وهي تحمل اسم يهودا دوفدفاني، أحد مؤسسي الكتيبة.

وقالت «القناة 12» إن هذه الكتيبة تلقت أشد ضربة في تاريخها في كمين بيت حانون. فمن بين القتلى الخمسة، هناك 4 من الكتيبة، وكذلك معظم المصابين.

وأضافت: «هذا هو أدمى حادث تتعرض له كتيبة نيتسح يهودا منذ تأسيسها قبل 26 عاماً». وتابعت القناة في التقرير الذي بثته صباح الثلاثاء: «الخسائر الفادحة التي تكبدتها الكتيبة الليلة الماضية تعادل عدد الضحايا الذين تكبدتهم في جميع أشهر القتال الأخرى منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».

جنود إسرائيليون في جنازة زميل لهم بالقدس الثلاثاء بعد مقتله بقطاع غزة في الليلة السابقة (إ.ب.أ)

ويرفع حادث بيت حانون عدد قتلى الجنود الإسرائيليين إلى 449 جندياً في الهجوم البري في غزة، وإلى 888 جندياً منذ بداية الحرب عموماً.

«القسام» تتوعد بالمزيد

توعدت «كتائب القسام» الجنود الإسرائيليين بالمزيد من «كمائن الموت» ما بقوا في قطاع غزة.

وقال الناطق باسمها، أبو عبيدة، في تدوينة: «إن معركة الاستنزاف التي يخوضها مقاتلونا ستكبّد الاحتلال كل يومٍ خسائر إضافية... وربما أسرى».

وأضاف: «إن القرار الأكثر غباءً الذي يمكن أن يتخذه نتنياهو سيكون الإبقاء على قواته داخل القطاع». وتوعَّد: «جنائز وجثث جيش العدو ستصبح حدثاً مستمراً».

«دروس الماضي»

تحولت مسألة إبقاء القوات في غزة، والثمن المدفوع فعلاً، إلى مثار جدل كبير في إسرائيل بعد الكمين.

وكتب عوفر شيلح، أحد أبرز كُتاب الأعمدة والباحث في معهد دراسات الأمن القومي، مقالاً نشرته «القناة 12» يتهم فيه القيادة الإسرائيلية بعدم تعلم الدروس المستفادة من أحداث لبنان بعد الحرب هناك عام 1982 ضد «حركة فتح» و«منظمة التحرير الفلسطينية».

وقال شيلح في مقاله: «من لبنان إلى غزة... 40 عاماً... ما الذي تغير؟».

واستطرد: «في ذلك الوقت، بعدما حقق الجيش هدفه في لبنان، لم يغادر، وبقي هناك مُتكبداً خسائر فادحة، وقد أُنهك حتى النخاع. واليوم يكرر نفس الأمر في قطاع غزة، ويسوق نفس الأسباب بشكل مؤلم: الردع، ومنع العدو من الشعور بالنصر، وعودة الرهائن؛ مع اعتقاد أن الضغط العسكري وحده سيحقق النصر، وبالطبع الادعاء بأن الآن ليس الوقت المناسب».

وأضاف: «هذه هي الأسس الدائمة للجمود الأمني ​​الإسرائيلي الذي يقوم على أساسين: غياب تحرك سياسي مُكمّل يُحدد الإنجازات العملياتية التي تُصبح غايةً في حد ذاتها لا وسيلة، وفكر عسكري ضيق الأفق يتجاهل دروس الماضي وينسجم مع المصالح السياسية للقيادة السياسية».

ويرى شيلح أنه على الرغم من روايات «فككنا، دمّرنا» التي تُروّج لها وسائل الإعلام يومياً، فإن الجيش الإسرائيلي «لم يُحقق أي إنجاز منهجي في قطاع غزة. وخلافاً لتقارير الجيش، فإن تحقيق هذا الإنجاز مُستحيل».

وأضاف: «هناك جهل طوعي بما نفعله في غزة».

مخاوف من «حرب استنزاف»

يخشى الإسرائيليون أن يكلفهم البقاء في غزة خسائر فادحة يومية في «حرب استنزاف لا داعي لها».

وأشار أمير بوحبوط، المراسل العسكري في موقع «واللا»، إلى أن الكمين يثير تساؤلات بالغة الصعوبة وقلقاً كبيراً في المنظومة الأمنية.

وكتب: «في الخلفية، تُثار مزاعم عن استنزاف متزايد للقوات النظامية والاحتياطية».

وأكدت إذاعة الجيش هذا الاستنزاف، وقالت إن نحو 70 في المائة من قتلى الجيش في غزة سقطوا نتيجة الكمائن والألغام.

ولم يسلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو من الهجوم بعد الكمين، فتلقى انتقادات قاسية من عائلات جنود وأسرى، وكذلك من مسؤولين ووسائل إعلام.

وقال موقع «واللا» إن العالم كله يريد إنهاء الحرب إلا الحكومة الإسرائيلية «هي الوحيدة غير المهتمة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)

وخرج الإعلامي إيال بيركوفيتش في بداية برنامجه الإذاعي على قناة «103 إف إم» قائلاً: «الجنود يموتون بلا سبب، وأيدي نتنياهو ملطخة بدمائهم». وأضاف: «يرسلهم إلى غزة لمجرد حماية نفسه؛ بينما زوجته، التي تعلم بوجود جنود قتلى، تنشر صورة على (إنستغرام) لباقة زهور أهداها إياها ترمب».

أما الوزراء المتطرفون فاستغلوا الكمين، وطالبوا بوقف المباحثات مع «حماس».

وقال وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، إنه تجب إعادة الوفد الإسرائيلي من مفاوضات الدوحة، مضيفاً: «لا ينبغي التفاوض مع من يقتل جنودنا، بل تقطيعه وتجويعه حتى الموت وعدم إنعاشه بمساعدات إنسانية تمنحه الأكسجين. حصار مطلق، ضربات عسكرية، تشجيع الهجرة، والاستيطان... هذه هي مفاتيح الانتصار المطلق، وليس صفقة تنازلات».

وأيده وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى «تطويق مناطق القتال، وإنهاك العدو فيها».


مقالات ذات صلة

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

ترمب لا يربط نهاية الحرب بمصير «هرمز»

دخان ونيران تتصاعد من مستودع ذخائر في أصفهان وسط إيران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
دخان ونيران تتصاعد من مستودع ذخائر في أصفهان وسط إيران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
TT

ترمب لا يربط نهاية الحرب بمصير «هرمز»

دخان ونيران تتصاعد من مستودع ذخائر في أصفهان وسط إيران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
دخان ونيران تتصاعد من مستودع ذخائر في أصفهان وسط إيران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)

رسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب معادلة جديدة للحرب مع إيران، بقوله إن «مسار إنهائها لا يرتبط بحسم ملف مضيق هرمز فوراً»، رغم تمسكه بمطلب إعادة فتحه أمام الملاحة ومطالبته الدول الأكثر اعتماداً على نفط المنطقة بتحمل عبء أكبر في هذه المهمة.

وجاء هذا الموقف بينما أبقى البنتاغون خياراته مفتوحة في المضيق، ووسعت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على البنية التحتية العسكرية والحيوية داخل إيران.

وحذّر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من أن الولايات المتحدة لديها خيارات للتصرف في هرمز، لكن القرار النهائي في يد الرئيس ترمب، رافضاً استبعاد خيار استخدام قوات برية. أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين فقال إن العمليات الأميركية تركز على الأصول البحرية الإيرانية وقدرات زرع الألغام، إضافة إلى مواقع الإنتاج العسكري والأبحاث النووية.

وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة استهدفت مستودع ذخيرة كبيراً في أصفهان بقنابل خارقة للتحصينات زنة 2000 رطل، بينما أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن غارة عطلت محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم، في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي الإعلان عن ضربات على مواقع إنتاج سلاح ومنظومات دفاع جوي داخل إيران.

في المقابل، رفعت طهران من حدة ردها السياسي والعسكري، إذ توعد «الحرس الثوري» شركات أميركية، وحذر وزير الخارجية عباس عراقجي من استهداف البنية التحتية، فيما قال الرئيس مسعود بزشكيان إن إيران تريد إنهاء الحرب، لكنها تشترط ضمانات تحول دون تكرار الهجوم.


نتنياهو: إسرائيل تعمل على بناء تحالفات لمواجهة «التهديد الإيراني»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الوزير إيتمار بن غفير في الكنيست (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الوزير إيتمار بن غفير في الكنيست (رويترز)
TT

نتنياهو: إسرائيل تعمل على بناء تحالفات لمواجهة «التهديد الإيراني»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الوزير إيتمار بن غفير في الكنيست (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الوزير إيتمار بن غفير في الكنيست (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن إسرائيل تعمل على بناء تحالفات جديدة مع دول «مهمة» في المنطقة لمواجهة «التهديد الإيراني».

ولم يُحدد، في خطابه، الدول المعنية، ولم يُقدم تفاصيل إضافية.

وأكد أن إسرائيل ستمضي في حملتها العسكرية ضد إيران، وأنها ستواصل «سحق النظام الإرهابي في إيران». وأضاف: «سنعزز المناطق الأمنية حولنا وسنحقق أهدافنا»، في إشارة إلى الأراضي التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي خارج حدوده، في قطاع غزة وسوريا ولبنان.

وجاء حديث نتنياهو عشية عيد الفصح اليهودي وبعد إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن لدى بلاده «الإرادة لإنهاء الحرب» مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها تريد «ضمانات» لعدم «تكرار العدوان».

وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي: «كان علينا أن نتحرك وقد تحركنا (...) لقد جعلنا من إسرائيل قوة إقليمية وفي جوانب معينة قوة عالمية. ظللنا أوفياء لمهمتنا، وقد غيرنا وجه الشرق الأوسط».

من جهته، وجه زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد انتقاداً شديداً إلى ما أدلى به نتنياهو.

وقال: «ألقى نتنياهو للمرة الألف خطاباً متعالياً أكد فيه: غيرت الشرق الأوسط (...). ولكن في نهاية المطاف، تبين دائماً أن شيئاً لم يتغير».

وأضاف لابيد: «حان الوقت للإقرار بأنه غير قادر على ذلك بكل بساطة»، معتبراً أن التهديدات لا تزال ماثلة رغم الحرب. فـ«حزب الله» يواصل إطلاق نيرانه من لبنان، وإيران تستمر في إطلاق الصواريخ الباليستية على إسرائيل و«(حماس) لا تزال تحكم في غزة».


اختطاف صحافية أميركية في بغداد… ومؤشرات على نقلها إلى معقل الفصائل

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون (فيسبوك)
TT

اختطاف صحافية أميركية في بغداد… ومؤشرات على نقلها إلى معقل الفصائل

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون (فيسبوك)

اختطف مسلحون مجهولون، مساء الثلاثاء، الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، قرب شارع السعدون في وسط بغداد، في حادثة أعادت تسليط الضوء على المخاطر الأمنية التي يواجهها الأجانب، لا سيما العاملين في المجال الإعلامي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وأفادت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» بأن مسار تحرك الخاطفين بعد تنفيذ العملية يرجّح نقل كيتلسون إلى مناطق جنوب العاصمة، مع ترجيحات قوية بوصولها إلى بلدة «جرف الصخر»، التي تعد من أبرز معاقل الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

وقالت المصادر إن الخاطفين استخدموا أكثر من عجلة (سيارة) خلال العملية، إذ جرى نقل الصحافية إلى مركبة ثانية بعد تعرض الأولى لحادث أثناء الهروب، ما أدى إلى إصابتها. وأوضحت أن عملية التبديل تمت في منتصف الطريق، قبل التوجه بها نحو محافظة بابل.

اعتقال أحد المتهمين

وأعلنت وزارة الداخلية العراقية أن قواتها باشرت فور وقوع الحادث بعمليات تعقب «استناداً إلى معلومات استخبارية دقيقة»، أسفرت عن محاصرة إحدى عجلات الخاطفين، التي انقلبت أثناء محاولة الفرار، ما أتاح اعتقال أحد المتورطين وضبط المركبة.

ووفق مصادر أمنية، فإن المعتقل «منسوب إلى جهة أمنية»، ويُعتقد أنه كان ضمن فريق الحماية الخاص بالصحافية، وهو ما يفتح باب التساؤلات بشأن طبيعة الاختراقات الأمنية المحتملة داخل الأجهزة المعنية.

كما تمكنت القوات من اعتقال سائق المركبة المستخدمة في العملية، والذي كان يحمل بطاقة تعريفية تعود لإحدى الفصائل المسلحة، فيما أصيب أحد الخاطفين خلال اشتباك مع عناصر الأمن أثناء الملاحقة.

وأكدت وزارة الداخلية استمرار الجهود لتعقب بقية المتورطين وتحرير المختطفة، مشددة على أن أجهزتها «لن تسمح بأي محاولة لزعزعة الأمن أو استهداف الضيوف الأجانب».

كيتلسون غطت الأزمة السورية ميدانياً (فيسبوك)

تحقيقات معقدة

بحسب المصادر، تولى جهاز المخابرات العراقي إدارة التحقيق في القضية، بعد نقل المتهم المعتقل إليه، في حين تبنت شرطة محافظة بابل جانباً من الإجراءات الميدانية، نظراً لوقوع جزء من العملية ضمن حدودها.

وأشارت الاعترافات الأولية إلى أن الخاطفين تحركوا بسرعة نحو مناطق جنوبية، مستفيدين من ثغرات أمنية، فيما تواصل الأجهزة المختصة تحليل مسارات الاتصالات وكاميرات المراقبة لتحديد مكان احتجاز الصحافية.

تحذير أميركي سابق

كانت مصادر مقربة من كيتلسون قد أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنها تلقت، ظهر يوم الحادث، تحذيراً من السفارة الأميركية في بغداد يدعوها إلى مغادرة البلاد فوراً، في ظل ما وصفته السفارة بـ«مخاطر أمنية متصاعدة»، تشمل تهديدات بالاختطاف وهجمات قد تستهدف الأميركيين.

ويعكس هذا التحذير، وفق مراقبين، مستوى القلق المتزايد لدى البعثات الدبلوماسية الغربية من تدهور البيئة الأمنية في العراق، خصوصاً مع اتساع رقعة نفوذ الفصائل المسلحة.

صحافية ميدانية

وتُعد شيلي كيتلسون من الصحافيين الأجانب الذين أمضوا سنوات طويلة في العراق، حيث أقامت بين بغداد وروما، وعملت لصالح وكالة أنباء إيطالية، إلى جانب مؤسسات إعلامية وبحثية أخرى.

وبرز اسمها في تغطية نشاط الفصائل المسلحة والعلاقات بين بغداد وواشنطن، كما واكبت ميدانياً معارك استعادة مدينة الموصل من تنظيم «داعش» بعد عام 2014، فضلاً عن تغطياتها للأزمة السورية.

ويرى مسؤولون عراقيون أن الحادثة تمثل اختباراً جديداً لقدرة الدولة على حماية الأجانب، في وقت تخوض فيه المؤسسات الأمنية مواجهة معقدة مع جماعات مسلحة تتمتع بنفوذ ميداني واسع.

وتثير المؤشرات على نقل المختطفة إلى مناطق تعد مغلقة أمنياً، مثل «جرف الصخر»، مخاوف من تعقيد جهود تحريرها، نظراً لحساسية تلك المناطق وصعوبة الوصول إليها من قبل القوات الرسمية.

وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، تبقى فرضية ضلوع فصائل مسلحة قائمة بقوة، خصوصاً مع المعطيات المتعلقة بهوية بعض المتورطين، وطبيعة المنطقة التي يُعتقد أن المختطفة نُقلت إليها.