«الوكالة الذرية» تحذر طهران من «تعليق التعاون»

«صيانة الدستور» وافق على قانون برلماني لتقييد الرقابة الدولية

إيرانيتان تسيران في بازار تجريش بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في شمال طهران الخميس (رويترز)
إيرانيتان تسيران في بازار تجريش بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في شمال طهران الخميس (رويترز)
TT

«الوكالة الذرية» تحذر طهران من «تعليق التعاون»

إيرانيتان تسيران في بازار تجريش بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في شمال طهران الخميس (رويترز)
إيرانيتان تسيران في بازار تجريش بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في شمال طهران الخميس (رويترز)

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تعاون إيران مع الوكالة الأممية حول برنامجها النووي يبقى أمراً «واجباً»، وذلك بعدما صوت البرلمان الإيراني على تعليق التعاون معها، على خلفية الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة على منشآت نووية.

وصوت النواب في البرلمان الإيراني لصالح مشروع القانون، الأربعاء، غداة وقف إطلاق النار الذي أنهى حرباً استمرت 12 يوماً مع إسرائيل.

وفي الأيام الأخيرة، استنكر المسؤولون الإيرانيون غياب «الإدانة» من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية للهجمات الإسرائيلية والأميركية على المنشآت النووية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن التعاون مع الوكالة «سيتأثر بالتأكيد». وذلك بعدما وجهت طهران انتقادات لاذعة إلى الوكالة التابعة للأمم المتحدة، لإصدارها قراراً في 12 يونيو (حزيران) يتهمها بعدم الامتثال بالتزاماتها المنصوص عليها في معاهدة حظر الانتشار النووي.

ويقول مسؤولون إيرانيون إن قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية كان «أحد الأعذار الرئيسية» للهجمات الإسرائيلية والأميركية.

وقال المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور هادي طحان نظيف لوكالة «إرنا» الرسمية للأنباء، إن «الحكومة مطالبة بتعليق كل أشكال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان الاحترام الكامل للسيادة الوطنية ووحدة أراضي إيران». وأضاف أن هذه الخطوة جاءت رداً على «هجمات... النظام الصهيوني والولايات المتحدة على المنشآت النووية السلمية»، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح نظيف أن مشروع القانون الذي سيتم تقديمه الآن إلى الرئيس مسعود بزشكيان للمصادقة النهائية عليه، من شأنه أن يسمح لإيران «بالاستفادة من جميع الحقوق المنصوص عليها في معاهدة حظر الانتشار النووي، وخصوصاً ما يتصل بتخصيب اليورانيوم».

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في منشور على منصة «إكس» إن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية «غير ممكن» في الوقت الحالي حتى يتم «ضمان» الأمن في المنشآت النووية الإيرانية.

بدور، قال النائب بهنام سعیدي، عضو لجنة الأمن القومي لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن «التعاون مع الوكالة الذرية سيظل معلقاً حتى يتم التأكد من حياد الوكالة ومديرها»، متهماً الوكالة بأنها «أصبحت أداة بيد الكيان الصهيوني، وأن غروسي يقوم بأداء دور تجسسي وعدم الحياد».

في 13 يونيو، أطلقت إسرائيل حملة قصف واسعة النطاق استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، وأسفرت عن مقتل كبار القادة العسكريين وعلماء نوويين.

وفجر الأحد، شنت الولايات المتحدة ضربات غير مسبوقة على منشآت فوردو وأصفهان ونطنز النووية. ودخل وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيز التنفيذ، الثلاثاء.

وقوبل قرار طهران بانتقادات شديدة من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الذي قال إن التعاون «واجب قانوني»، وليس «خدمة» من إيران.

وقالت الوكالة الذرية إنها لم تتلق أي اتصال رسمي من إيران بشأن مشروع قانون في البرلمان يطالب بتعليق التعاون مع الوكالة، والذي أفادت تقارير إعلامية في وقت سابق من اليوم بأنه حصل على الموافقة النهائية.

وأضافت الوكالة، في بيان: «نحن على علم بتلك التقارير. ولم تتلق الوكالة بعد أي اتصال رسمي من إيران في هذا الشأن».

وكانت موسكو، حليفة طهران الرئيسية، قد أعربت عن معارضتها للخطوة الرامية إلى تعليق إيران التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي في موسكو: «نحن مهتمون بمواصلة التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية ليكون من الممكن للجميع احترام تصريحات إيران المتكررة بأنها لا ولن تملك خططاً لتطوير سلاح نووي».

ولفت لافروف إلى أن البرلمان الإيراني لا يملك سلطة تنفيذية، لذا فإن قراره استشاري بطبيعة الحال. وقال في مؤتمر صحافي: «نرغب في أن يحترم الجميع المرشد الإيراني علي خامئني الذي قال مراراً إن إيران ليست لديها، ولن تكون لديها، أي خطط لإنتاج أسلحة نووية»، حسب «رويترز».

وتشتبه الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وإسرائيل بأن إيران تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. وتنفي طهران هذه الاتهامات، وتدافع مثل موسكو عن حقها في برنامج نووي مخصص للأغراض المدنية.

ونددت روسيا، التي تربطها شراكة استراتيجية مع إيران، بالهجمات الإسرائيلية والأميركية. وتوجد روسيا، من خلال وكالتها النووية «روساتوم»، بمئات المتخصصين في محطة بوشهر للطاقة النووية في جنوب غربي إيران.

وتزامنت هذه الدعوات مع جدل في الولايات المتحدة بشأن المدى الفعلي للأضرار التي ألحقتها الضربات الأميركية بالمواقع النووية الإيرانية الرئيسية، وتساؤلات بشأن مخزونها لليورانيوم المخصب.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، أمس، أن دولاً أوروبية تعتقد أن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال سليماً إلى حد كبير بعد الضربات الأميركية.

وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مصدرين مطلعين على تقييمات أولية للمخابرات، أن العواصم الأوروبية تعتقد أن مخزون إيران البالغ 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بما يقارب مستويات الأسلحة لم يكن مُركزاً في فوردو، أحد موقعيها الرئيسيين للتخصيب، وقت الهجوم الأميركي.

في سياق موازٍ، أفادت تقارير رسمية في إيران بأن أجهزة المخابرات الإيرانية ما زالت في حالة تأهب قصوى رغم وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

واجتمع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مساء الأربعاء، مع وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب وكبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية لمناقشة المستجدات، حسبما أوردت وسائل إعلام تابعة لـ«الحرس الثوري». وقدم خطيب تقريراً بشأن التنسيق مع «الحرس الثوري»، وجهازه الاستخباراتي ووحدته الصاروخية، خلال 12 يوماً من تبادل الهجمات الجوية مع إسرائيل.

وشدد بزشكيان على ضرورة مراجعة أساليب التواصل مع المواطنين، داعياً الأجهزة الأمنية إلى التحلي بسعة الصدر في التعامل مع الجميع رغم الاختلافات. وقال إن «وحدة الشعب وتضامنه أفشلا مخططات الأعداء».

وذكر وكالة أنباء «تسنيم» أن وقف إطلاق النار «لا يعني وقف العمليات العسكرية العدائية نهاية الأعمال التخريبية والعدائية (الإسرائيلية)».

وأضاف التقرير أن الأعمال تشمل جمع معلومات بشأن البلاد ونشر معلومات مضللة وإضعاف الوحدة الوطنية، وبالتالي يجب الإبلاغ عن الحالات المريبة في جميع الظروف.

وأشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى عشرات الاعتقالات، وحتى الإعدامات، في إيران التي على صلة بمزاعم التجسس منذ بداية الحرب مع إسرائيل.

وثمة مخاوف في البلاد من أن القيادة في طهران قد تسيء استغلال الوضع كي تستهدف منتقديها ورموز المعارضة.

إلى ذلك، أفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن الفحوص الأولية تشير لاستخدام إسرائيل ذخيرة تحتوي على يورانيوم منضب في الضربات التي نفذتها على مواقع «حساسة» في إيران. ونقلت الوكالة عن مصدر قوله إن الاختبارات الأولية توضح «وجود آثار لليورانيوم» في مواقع إيرانية تعرضت لهجمات إسرائيلية، مما قد يشير إلى استخدام اليورانيوم المنضب.

في وقت لاحق، ذكرت وكالة «مهر» الحكومية أن نتائج التحقيقات «لم تثبت استخدام اليورانيوم المنضب في هجمات إسرائيل». ونقلت الوكالة عن «مصادر مطلعة» قولها: «إنه لا توجد أدلة قاطعة حتى الآن على استخدام ذخائر تحتوي على يورانيوم منضب في الهجمات الصهيونية، رغم استمرار التحقيقات. وأكد الخبراء أن هذه المادة لا تملك خصائص نووية أو تفجيرية، وتُستخدم فقط في الذخائر المضادة للدروع، وتختلف تماماً عن الأسلحة النووية».


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بارون ترمب يتابع والده الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية داخلية ضمن مراسم التنصيب في «كابيتال وان أرينا» بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب) p-circle 01:09

«الخدمة السرية» تحقق في فيديو إيراني يهدد بارون ترمب

أكدت «الخدمة السرية» الأميركية أنها على علم بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو يبدو أنه يهدد حياة بارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب الليكود بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نتنياهو يكشف أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين، أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)

حراك لإحياء التفاوض وسط تشدد إيراني ــ أميركي

 صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
TT

حراك لإحياء التفاوض وسط تشدد إيراني ــ أميركي

 صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» أمس لمقاتلتين أميركيتين من طراز «EA-18G» للحرب الإلكترونية تُحلّقان في المنطقة (سنتكوم)

أخذ الحراك الإقليمي لإعادة واشنطن وطهران إلى مسار التفاوض زخماً، أمس، وسط تمسك إيران بشروطها، فيما أكد البيت الأبيض عدم وجود مفاوضات حالياً وإبقاء «كل الخيارات مطروحة».

وبحث رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم وحل الخلافات بالحوار. والتقى أيضاً مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وأمين عام مجلس الأمن القومي محسن رضائي، الذي اشترط خطوات أميركية عملية قبل فتح مضيق هرمز، وحذر من رد واسع على أي عمل عسكري. وناقش وزير الخارجية القطري مع نظيره الإيراني عباس عراقجي خفض التصعيد ومقترح ممر ملاحي مؤقت وتطهير المضيق من الألغام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، إن بلاده ترى «زخماً» في جهود إعادة فتح «هرمز»، مؤكداً أن القرار النهائي يعود إلى طهران وواشنطن.

وفي واشنطن، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إن المحادثات متوقفة حتى ترى الإدارة استعداداً إيرانياً لتحقيق نتائج، مؤكدة استمرار الحصار البحري والضغط الاقتصادي.


بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
TT

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)
أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني وإصابة نجله وخليفته بجروح خطيرة، تواجه الحكومة الإيرانية حصاراً اقتصادياً، لكنها لا تزال ممسكة بالسلطة وتعتقد أن الوقت في صالحها، وفقاً لتحليل وكالة «رويترز».

ويواجه تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات جديدة قاسية على إيران مشكلة جوهرية، إذ تراهن طهران على أنه لن يقدم على الخطوة الأخيرة اللازمة لكسر حالة الجمود.

وتتمثل هذه الخطوة في التطبيق الصارم للعقوبات الثانوية على الدول التي تساعد في إبقاء الاقتصاد الإيراني قائماً، وفي مقدمتها الصين والهند.

وتمثل أحدث الإجراءات الأميركية، التي أُعلن عنها الاثنين، مرحلة جديدة في الصراع الذي بدأ في 28 فبراير، إذ تنقل المواجهة من الصواريخ والغارات الجوية إلى استهداف عائدات النفط والقطاع المصرفي والشركاء التجاريين لإيران.

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستقطع شرايين التمويل التي تساعد الاقتصاد الإيراني على الصمود، بينما يفرض حصار بحري بقيادة واشنطن قيوداً على صادرات النفط الإيرانية والحصول على العملة الصعبة.

وقال آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأميركي السابق والزميل البارز في مؤسسة كارنيغي، إن إدارة ترمب «تتلمس، في حالة من الارتباك واليأس، سبيلاً للخروج من هذا الوضع».

واستحضر بيسنت إنزال قوات الحلفاء على ساحل نورماندي في فرنسا عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية لدى إعلانه العقوبات.

لكن ميلر قال: «بالنسبة إليّ، هذا ليس يوم النصر، بل يوم اليأس. لا أعتقد أن الإدارة اقتربت من إيجاد مخرج من هذا الوضع».

حصار وعقوبات

قال مايكل نايتس، مدير الأبحاث في مؤسسة «هورايزن إنغيدج» للاستشارات الاستراتيجية ومقرها نيويورك، إن الحصار قد تكون له عواقب تفوق العقوبات نفسها.

وأضاف أن التحدي المباشر الذي تواجهه إيران لم يعد كيفية الصمود أمام الضغط الاقتصادي، بل كيفية الخروج منه.

وأشار إلى أن طهران تعايشت مع العقوبات طوال عقود وصمدت أمام حملات «أقصى الضغوط» السابقة من دون أن تغير نهجها.

ورأى نايتس أن تصاعد الضغط الاقتصادي قد يدفع إيران إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، من خلال الضغط على دول المنطقة، خصوصاً السعودية، لدفع واشنطن نحو مخرج دبلوماسي.

وقال إن إيران قد تتجه بصورة متزايدة إلى تبني النموذج الذي يتبعه حلفاؤها الحوثيون في البحر الأحمر: هجمات متقطعة، ومفاوضات متقطعة، وحملة استنزاف طويلة الأمد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ورجح أن تستهدف مثل هذه الحملة الملاحة أو الموانئ أو البنية التحتية للطاقة أو أصولاً حيوية أخرى، بما يرفع كلفة استمرار الصراع إلى مستويات يصعب تحملها.

وترفض واشنطن هذا التقييم، وتقول إن ميزان القوى يميل لصالحها.

وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، رداً على أسئلة لـ«رويترز»: «الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر وتلقى جيش النظام ضربة قاصمة».

وأضاف: «الرئيس ترمب يمسك بجميع الأوراق، ونحن نقطع كل شريان مالي متبقٍ للنظام».

طهران تستبعد نجاح الاستراتيجية الأميركية

تساءل آلان أير، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل على الملف الإيراني، عما إذا كانت واشنطن تمتلك الدعم الدولي والآليات اللازمة لإنفاذ العقوبات بفاعلية.

وقال إن الإجراءات الجديدة، خلافاً للحملة متعددة الأطراف التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015 بين طهران والقوى الكبرى، تعتمد على التهديدات العلنية بدلاً من الدبلوماسية المستمرة مع الحلفاء والشركاء التجاريين.

وكان اتفاق 2015 قد قيّد البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات.

ويستبعد مسؤولون إيرانيون نجاح الاستراتيجية الأميركية، معتبرين إياها تكراراً لنهج سبق أن فشل.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض نسخة موقّعة من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في طهران... 18 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن دولاً مثل الصين لن تتوقف عن التعاون مع طهران لمجرد خدمة المصالح الأميركية.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن الاستراتيجية تواجه مشكلة أعمق؛ فمن كوريا الشمالية إلى روسيا وإيران نفسها، نادراً ما أجبرت العقوبات الحكومات على التخلي عن أهداف تعتبرها أساسية لبقائها.

وقال المسؤول الإيراني الكبير إن طهران تعتقد أن الهدف الأميركي الأوسع هو تأجيج السخط الداخلي، أملاً في أن تتحول الصعوبات الاقتصادية في نهاية المطاف إلى اضطرابات سياسية.

لكنه أشار إلى أن حملة «أقصى الضغوط» فشلت خلال ولاية ترمب الأولى وستفشل مجدداً.

وقال: «إذا ازداد الضغط، فسيتغير نهج إيران أيضاً»، مضيفاً أن دول المنطقة تدرك أن زيادة الضغط على طهران قد تعرضها هي الأخرى لمخاطر أكبر.

خطر الاضطرابات

قالت مصادر مطلعة ومسؤول إيراني إن التهديد الأكبر لحكام إيران قد لا يتمثل في التحديات الاقتصادية بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن يشعل تدهور الأوضاع المعيشية مجدداً اضطرابات واسعة النطاق.

وقال مركز الإحصاء الإيراني إن معدل التضخم السنوي بلغ 66 في المائة في يوليو، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وزادت أسعار المواد الغذائية 128 في المائة على أساس سنوي.

وأقر الرئيس مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي بوطأة الضغوط الاقتصادية، قائلاً: «تضاعفت مشاكلنا مرات عدة، في حين تراجعت إيراداتنا أيضاً».

وشهدت إيران خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات على خلفية الأوضاع الاقتصادية.

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

وفي يناير، قمع «الحرس الثوري» وقوات «الباسيج» مظاهرات اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية، ما أسفر عن مقتل الآلاف.

وقال مسؤول إصلاحي سابق إن تعيين حسين طائب هذا الشهر قائداً لقوات «الباسيج»، وهو أحد أبرز مهندسي حملات القمع السابقة، يعد من أوضح المؤشرات حتى الآن على قلق السلطات من تجدد الاضطرابات.

و«الباسيج» قوة شبه عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري»، استخدمها حكام إيران مراراً في قمع الاحتجاجات.

ويعكس ذلك مفارقة في صلب الاستراتيجية الأميركية، إذ قد تؤدي العقوبات إلى تعميق الأضرار الاقتصادية في إيران من دون أن تدفع قادتها إلى تغيير نهجهم.

فقد واجهت القيادة الإيرانية تاريخياً الاضطرابات الداخلية بالقمع، والضغوط الخارجية بالتهديد بالرد خارج حدود البلاد.

«مأزق خطير»

بالنسبة إلى دول الخليج، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فهي تفضل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على جولة جديدة من الحرب، لكنها تخشى سيناريو يتيح لإيران إعلان النصر مع احتفاظها بالقدرة على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأبقت طهران الممر الحيوي لإمدادات النفط العالمية في حكم المغلق، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية.

وقال عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن حكومات الخليج غير مقتنعة بأن العقوبات وحدها قادرة على تغيير نهج إيران سريعاً، في ظل قدرة القيادة الإيرانية على الصمود والحفاظ على السيطرة الداخلية.

وأضاف أن حدوث تغيير سياسي كبير، أو انهيار القيادة الحاكمة في إيران، أمر غير مرجح في الأمد القريب.

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وقال إن النتيجة قد تكون «مأزقاً خطيراً» إذا أخفقت المحادثات التي تجري بوساطة في تحقيق اختراق.

فواشنطن تريد من إيران التخلي عن أوراق الضغط التي تمتلكها في مضيق هرمز من دون منحها دوراً في إدارة الممر المائي.

في المقابل، تريد طهران رفع الحصار البحري الأميركي من دون أن تبدو وكأنها رضخت للضغوط، بينما تسعى دول الخليج إلى احتواء الصراع من دون أن تخرج إيران منه بمظهر المنتصر.


وسائل إعلام فارسية بالخارج على بنك الأهداف الإيرانية

المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
TT

وسائل إعلام فارسية بالخارج على بنك الأهداف الإيرانية

المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)
المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)

أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، الأربعاء، إدراج وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تعمل من خارج البلاد، بينها «بي بي سي فارسي» و«إيران إنترناشيونال» وإذاعة «فردا»، ضمن «قائمة الأهداف العسكرية»، متهمة إياها بالعمل لحساب أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي إن «بي بي سي فارسي» البريطانية و«إيران إنترناشيونال» وإذاعة «فردا» من بين وسائل الإعلام المشمولة بهذا التصنيف.

وكانت طهران قد أدرجت «بي بي سي فارسي» وقناة «إيران إنترناشيونال» الخاصة، ومقرها لندن، على قائمتها للمنظمات «الإرهابية» عام 2022.

وأضاف شكارجي: «وسائل الإعلام المعادية هذه جنود للصهيونية والولايات المتحدة، وهي مدرجة في قائمة أهدافنا العسكرية»، متهماً إياها بأنها «على صلة مباشرة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) وأجهزة استخبارات العدو».

وتابع، في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي الإيراني، أن القوات المسلحة الإيرانية «لا تعتبرها وسائل إعلام»، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتتهم السلطات الإيرانية بانتظام وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية التي تعمل من الخارج، ويمكن الوصول إليها داخل إيران عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، بالتعاون مع إسرائيل.

ومنذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، الذي أشعل الحرب في الشرق الأوسط، شددت السلطات الإيرانية القيود على تدفق المعلومات.

وفي منتصف أغسطس (آب)، حظرت إيران قناة على «يوتيوب» كانت تبث مقابلات مع مثقفين وشخصيات عامة إيرانية حول الشؤون السياسية والاجتماعية في البلاد، واتهمتها بنشر «معلومات مضللة».

وخضع مؤسس القناة ومقدمها للاستجواب قبل إطلاق سراحه بكفالة.