انتقادات حادة لنفي بزشكيان محاولة اغتيال ترمب

الصحف المحافظة: تجاوز للصلاحيات ورسالة ضعف للعدو

بزشكيان في العاصمة الطاجيكية دوشنبه مساء الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في العاصمة الطاجيكية دوشنبه مساء الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

انتقادات حادة لنفي بزشكيان محاولة اغتيال ترمب

بزشكيان في العاصمة الطاجيكية دوشنبه مساء الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في العاصمة الطاجيكية دوشنبه مساء الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

واجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان انتقادات حادة من أوساط مؤيدة لـ«الحرس الثوري» بعدما نفى أي مسعى من طهران لاغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وجاء أبرز الانتقادات من صحيفة «كيهان» الرسمية، أقرب الصحف الإيرانية لمكتب المرشد علي خامنئي، والتي وجهت إنذاراً شديد اللهجة إلى بزشكيان بشأن صلاحياته، بعدما أبدى استعداده للتفاوض مع حكومة ترمب «من حيث المبدأ».

وقال بزشكيان في حديث لشبكة «إن بي سي نيوز»، إن إيران «لم تخطط قَطّ لاغتيال ترمب خلال حملة الانتخابات الأميركية العام الماضي، ولن تفعل ذلك في المستقبل».

ونفى بزشكيان أي تورط لبلاده في محاولة اغتيال ترمب خلال حملته الانتخابية، وقال: «هذه واحدة من تلك المخططات التي تصممها إسرائيل ودول أخرى لتعزيز الرهاب من إيران... إيران لم تحاول قَطّ ولا تخطط لاغتيال أي شخص، على الأقل بقدر ما أعلم».

ورداً على سؤال عما إذا كانت إيران على استعداد للتعهد بعدم محاولة اغتيال ترمب، قال الرئيس الإيراني: «لم نحاول فعل هذا أصلاً، ولن نفعل ذلك أبداً».

وقال رئيس تحرير صحيفة «كيهان» حسين شريعتمداري في افتتاحية العدد الصادر الخميس: «كان من الأفضل أن تسألوا مراسل (إن بي سي نيوز): لماذا أنتم قلقون بشأن اغتياله؟ كان يجب عليه الاعتراف باغتيال الجنرال سليماني ورفاقه على يد ترمب».

وأضاف: «كان من الضروري سؤالهم: هل الموت هو العقوبة البسيطة لمن اغتال أبرز شخصية ضد الإرهاب؟ نحن لسنا إرهابيين، ولكننا نعتبر ترمب وبعضاً من مساعديه - بمن في ذلك مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق - قتلة سليماني، وهم يستحقون الموت». وتابع أن «الاقتصاص منهم هو واجب ديني وقانوني لكل إيراني (...)، وليس التفاوض مع قاتل سليماني».

وخاطب شريعتمداري بزشكيان قائلاً: «لماذا سمحتم لمراسل (إن بي سي نيوز) بوضع إيران على كرسي الاتهام بدلاً من أميركا؟ نحن لسنا إرهابيين».

صورة من فيديو نشره موقع خامنئي الرسمي في يناير 2022 يحاكي اغتيالاً مفترضاً لترمب

وكانت وزارة العدل الأميركية قد وجهت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي اتهامات إلى إيران فيما يتعلق بمؤامرة مزعومة لـ«الحرس الثوري» لمحاولة قتل ترمب عندما كان مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة.

ونجا ترمب الذي فاز في الانتخابات الرئاسية العام الماضي وسيتولى منصبه يوم الاثنين المقبل، من محاولتي اغتيال خلال الحملة الانتخابية. ولم يجد المحققون أي دليل على تورط إيران في أي من المحاولتين، بحسب «رويترز».

ويتعارض نفي بزشكيان مع تهديدات بالانتقام لسليماني وردت على لسان المرشد علي خامنئي وقادة في «الحرس الثوري».

وأمر ترمب بشن غارة جوية قرب مطار بغداد قضت على سليماني في مطلع 2020، بعدما وضعت الولايات المتحدة قوات «الحرس الثوري» على قائمة المنظمات الإرهابية في أبريل (نيسان) 2019.

وقبل ثلاث سنوات نشر موقع خامنئي الرسمي مقطع فيديو يحاكي هجوماً انتقامياً على ترمب في حين يوجد في ملعب غولف، ويشير إلى استخدام طائرة مسيّرة، وجهاز تحكم بالليزر. كما انتشر ملصق يظهر ظل طائرة مسيّرة انتحارية من طراز «شاهد» فوق رأس ترمب في حين يلعب الغولف.

وحذر بزشكيان في مقابلته مع «إن بي سي نيوز» من خطر اندلاع حرب، قائلاً إن إيران لا تسعى إلى الحرب ولكنها مستعدة للدفاع عن نفسها إذا تعرضت مواقعها النووية للهجوم، مضيفاً: «آمل بشدة ألا يحدث هذا؛ لأنه سيكون على حساب جميع الجهات الفاعلة، وليس على حسابنا نحن فقط». وأضاف أن خصوم إيران يتهمون طهران بمحاولة صنع قنبلة نووية لـ«اختلاق نوع من الذرائع... هذا ليس صحيحاً».

وكانت هذه المقابلة الأولى التي يجريها بزشكيان مع وسائل إعلام أجنبية منذ الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولفتت القناة الأميركية إلى أن المقابلة أُجريت بحضور مترجم حكومي.

وأبدى بزشكيان شكوكه بشأن إجراء مفاوضات مباشرة ومفتوحة مع ترمب، لكنه قال إن إيران مستعدة للتفاوض غير المباشر من حيث المبدأ. وقال إنّ «المشكلة ليست في الحوار، المشكلة في الالتزامات التي تنشأ عن نقاشات وعن هذا الحوار»، معرباً عن أسفه لأن «الطرف الآخر لم يفِ بوعوده ولم يحترم التزاماته».

وبشأن المفاوضات النووية، خاطب شريعتمداري بزشكيان قائلاً: «أنت لست صاحب إيران، أنت رئيس جمهورية تناط إليه مسؤولية الجهاز التنفيذي كأمانة لمدة أربع سنوات، وآلية استخدام هذه الأمانة وحدود صلاحياتك محددة بوضوح في القانون، وأنت ملزم بالتحرك في إطارها».

وعليه، فإن صحيفة «كيهان» عدّت أن تصريحات بزشكيان «تجاوز لصلاحياتك، وتناقض تماماً مصالح بلادنا، ورسالة ذل للعدو (...)».

بزشكيان خلال مقابلة مع الإعلامي الأميركي الشهير ليستر هولت (الرئاسة الإيرانية)

كما لفتت الصحيفة «انتباه» بزشكيان إلى خطاب سابق لخامنئي يعلن فيه رفضه التفاوض مع إدارة ترمب، وذلك قبل أن يصدر الرئيس الأميركي أمراً بشن غارة جوية قضت على سليماني.

وكانت الصحيفة قد هاجمت الأربعاء تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي بشأن استعداد طهران للتفاوض إذا كانت المفاوضات «شريفة وتحافظ على المبادئ».

بدورها، انتقدت صحيفة «خراسان» تصريحات رئيس الجمهورية التي قال فيها إن إيران ليس لديها خطة لاغتيال ترمب، معتبرة أن هذه التصريحات قد تُفَسَّر كإشارة إلى الضعف أو التناقض الداخلي. وأشارت إلى أن هذه التصريحات «تتعارض مع المواقف السابقة للمسؤولين العسكريين والسياسيين» الذين كانوا يؤكدون على «الانتقام القاسي من مرتكبي اغتيال قاسم سليماني، مما يعد استراتيجية رسمية غير قابلة للتغيير».

ولفتت إلى أن كلام بزشكيان «قد يضعف الاستراتيجية الإيرانية، ويُفسَّر كإشارة ضعف أو تناقض داخلي». كما «يمكن أن يضعف موقف إيران في المفاوضات الدولية، ويُستَغَل من قبل أعدائها الإقليميين والدوليين».

وقالت: «كان من الأفضل أن يركز الرئيس على متابعة القضايا القانونية والدولية لإرسال رسائل من القوة والعقلانية. هذا الموقف يظهر الحاجة لإعادة النظر في تنسيق الرسائل الاستراتيجية لضمان تجنب الآثار السلبية المحتملة».

وكتبت صحيفة «اعتماد» المؤيدة لحكومة بزشكيان أن «مواقف الرئيس يمكن أن تكون إشارة مهمة يمكن من خلالها دراسة الاستراتيجية المحتملة لإيران في التعامل مع أميركا تحت قيادة ترمب».

من جهتها، أشارت صحيفة «هم ميهن» الإصلاحية إلى «جهود بذلتها» وسائل الإعلام الرسمية مثل «كيهان» والتلفزيون الرسمي، في محاولة «أن تجعل التفاوض مع ترمب خطاً أحمر ثابتاً وصلباً بسبب إصداره أمر اغتيال سليماني»، لكنها لاحظت أن «الظروف ومراجعة المواقف وردود الفعل تظهر أن هذا الخط الأحمر لم يعد موجوداً منذ وقت طويل، وأن إيران لا تعتبر التفاوض مع الحكومة الأميركية المقبلة أمراً مستبعداً».

وقالت الصحيفة إن الردود في شبكات التواصل المحلية «تمحورت حول قرار ترمب باغتيال سليماني».

أما صحيفة «فرهيختغان» المحافظة، فقد وصفت مقابلة بزشكيان وإجاباته بـ«التكرارية والنمطية رغم ما رافقتها من دعاية وتغطية إعلامية مكثفة»، وقالت: «كانت المقابلة تعد فرصة لنقل رسائل مهمة من إيران»، لكن بزشكيان «لم يطرح أي موقف جديد أو نهج خاص يظهر حركة للأمام، فيما يخص التفاوض مع أميركا وتهديدات ترمب والتطورات في المنطقة».

وقالت: «الدعاية حول هذه المقابلة قد أعدت الجمهور للاستماع إلى تصريحات جديدة ومواقف أكثر جدية في ظل الظروف الإقليمية. لكن في النهاية، لم تتجاوز هذه المقابلة التوقعات المعتادة، ولم تستطع إحداث تأثير اجتماعي أو سياسي خاص». وأضافت: «إذا كان الهدف من هذه المقابلة هو خلق تأثير خاص، فكان من الأفضل أن تتم بمزيد من الاستعداد. وإذا كان من المقرر أن تبقى في نفس المستوى، فلم يكن هناك ضرورة لكل هذه الدعاية حولها».


مقالات ذات صلة

ترمب: اتفاق إيران «غداً» ومضيق هرمز سيفتح فوراً

شؤون إقليمية مقاتلة تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» في أثناء عبورها بحر العرب (سنتكوم) p-circle

ترمب: اتفاق إيران «غداً» ومضيق هرمز سيفتح فوراً

استبعدت إيران، السبت، توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد» مع الولايات المتحدة خلال 24 ساعة، في تباين مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات أقرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)

ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي قلبت أوضاع الشرق الأوسط رأساً على عقب وأثرت سلباً على الاقتصاد العالمي.

نيويورك تايمز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر مجمّع أنفاق محفوراً في تضاريس صخرية بالقرب من منشآت مطوّرة في أصفهان يوم 11 نوفمبر 2025 (غيتي)

تقرير: إيران حصّنت اليورانيوم المخصب بالألغام

صعّدت إيران في الأسابيع الأخيرة من جهودها بشكل كبير لإحكام إغلاق مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى مستويات قريبة من درجة الاستخدام العسكري لصنع القنابل النووية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)

اتفاق إيران... نار التصريحات تُعيد خلط الأوراق

بعد موجة التفاؤل التي رافقت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرب «انتهاء الحرب» مع إيران عبر توقيع مذكرة تفاهم عادت التصريحات المتبادلة لتربك المشهد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران)
العالم العربي صورة جوية نُشرت أمس لمحطة نفطية في جزيرة خرج الإيرانية كما بدت في فبراير الماضي (رويترز)

ترمب يعلن موافقة إيران على الاتفاق

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إلغاء الضربات التي كان مقرراً شنها ضد إيران، قائلاً إن طهران وافقت «على أعلى مستوى» على بنود تفاهم أولي، وإن الاتفاق حظي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران)

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.


4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».