إسرائيل تنهي «فض الاشتباك» مع سوريا... وتحتل المنطقة العازلة

نتنياهو زار الجولان وتعهد بعدم السماح لـ«قوة معادية» بالاستقرار قرب الحدود

TT

إسرائيل تنهي «فض الاشتباك» مع سوريا... وتحتل المنطقة العازلة

إسرائيل تنهي «فض الاشتباك» مع سوريا... وتحتل المنطقة العازلة

بعد سلسلة مداولات حول التطورات الدرامية في سوريا، باشر الجيش الإسرائيلي عمليات حربية بعيدة المدى، وأصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعليمات لقوات الجيش باحتلال المنطقة العازلة على الحدود بين سوريا وإسرائيل والمحددة باتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين عام 1974.

وقصفت الطائرات بكثافة عدداً من القواعد التابعة رسمياً للجيش السوري ودمرت مخازن للأسلحة، بدعوى «منع وقوع الأسلحة المتطورة بأيدي ميليشيات مسلحة وإرهابيين»، غير أن مراقبين وجدوا فيها «رغبة في فرض قواعد للنظام الجديد في دمشق تظهر الخطوط الحمراء».

وقال نتنياهو، خلال زيارة له إلى مرتفعات الجولان السوري المحتل، الأحد، إن «سقوط نظام الأسد في سوريا يوم تاريخي في تاريخ الشرق الأوسط. ونحن لن نسمح لأي قوة معادية بالاستقرار عند حدودنا». وأطلق نتنياهو تصريحاته لدى توقفه عند موقع مطل على الحدود السورية، وبرفقته وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ورئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات اليهودية في الجولان، أوري كلنر.

وظلت المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل، لقرابة 50 عاماً خاضعة لاتفاق أبرم عام 1974 لفصل القوات التي تحاربت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

جنود سوريون يهاجمون موقعاً إسرائيلياً على جبل الشيخ في سوريا يوم 29 أكتوبر 1973 (غيتي)

واستمع نتنياهو إلى تقرير قدمه قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي حول تطور الأحداث في سوريا وحشد قواته هناك وما اعتبره «جهوزية وإجراءات قتالية لعمليات عسكرية مستقبلية».

وقال نتنياهو، وفق بيان رسمي عن مكتبه: «نظام الأسد هو حلقة مركزية في محور الشر الإيراني، وهذا النظام سقط. وهذه نتيجة مباشرة للضربات التي أنزلناها على إيران و(حزب الله)، الداعمين الأساسيين لنظام الأسد، وتسببت في تبعات بأنحاء الشرق الأوسط من جانب الذين يريدون التحرر من نظام القمع والاستبداد هذا».

ورأى نتنياهو أن التطورات في سوريا «تُنشئ فرصاً جديدة لدولة إسرائيل. لكن هذا لا يخلو من المخاطر أيضاً، ونعمل أولاً من أجل الدفاع عن حدودنا».

وقال نتنياهو إنه وجه الجيش بـ«السيطرة على المنطقة العازلة وعلى مواقع السيطرة القريبة منه. وفي موازاة ذلك، نعمل من أجل جيرة حسنة، كتلك الجيرة الحسنة التي نفذناها وننفذها هنا عندما أقمنا مستشفى ميدانياً للعناية بآلاف السوريين الذين أصيبوا في الحرب الأهلية. وقد وُلد مئات الأطفال السوريين هنا في إسرائيل».

وتابع نتنياهو: «نمد يد السلام نفسها إلى جيراننا الدروز. إليهم أولاً، وهم أشقاء إخوتنا الدروز في دولة إسرائيل. ونمد يد سلام للأكراد والمسيحيين والمسلمين، الذين يريدون العيش بسلام مع إسرائيل. وسنتابع التطورات بسبع أعين. وسننفذ ما ينبغي من أجل الدفاع عن حدودنا وعن أمننا».

وحسب اتفاق فصل القوات عام 1974، يوجد حزام أمني على طول الحدود (75 كيلومتراً)، من جبل الشيخ وحتى الحدود الأردنية، ويسمى منطقة حرام، يحظر على العسكريين دخوله من الجهتين، ويعني القرار الإسرائيلي إلغاءه.

احتلال قمم جبل الشيخ

وتوجه وزير الشتات ومكافحة معاداة السامية، عَميحاي شيكلي، وهو من حزب الليكود ومقرب من نتنياهو، بطلب إلى الحكومة أن يتم فوراً احتلال إسرائيل لجميع القمم الشرقية من جبل الشيخ في الأراضي السورية وعدم الاكتفاء بالمنطقة العازلة.

واعتبر شيكلي، في منشوره عبر منصة «إكس»، أن «الأحداث في سوريا بعيدة عن كونها سبباً للفرح. ورغم أن (هيئة تحرير الشام) وزعيمها، أحمد الشرع، يصورون أنفسهم منتجاً جديداً، فإن معظم سوريا، في نهاية الأمر، موجودة الآن تحت سيطرة منظمات انبثقت من القاعدة و(داعش)، وعلى إسرائيل أن ترسخ لها خط دفاع جديداً، يمنع الجهاديين من الاستقرار قريباً من بلداتنا». في إشارة إلى المستوطنات في هضبة الجولان المحتلة.

جندي إسرائيلي يقف بالقرب من الحدود مع سوريا (أ.ب)

وكان الكابينت الإسرائيلي (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة) قد اجتمع للمرة الثالثة الليلة للتداول في التدهور السريع للأوضاع في سوريا، بعدما كان نتنياهو أجرى اتصالات واسعة مع عدة عواصم وتبادل الرسائل مع جميع الأطراف على الساحة السورية، وبعدما كان الجيش قد نفّذ عمليتي اقتحام للأراضي السورية عبر الحدود وقام بعملية استعراض عضلات بالتدريبات والتهديدات.

صدمة إسرائيلية

وقد بدا أن الحرب الداخلية في سوريا باتت حدثاً محلياً في إسرائيل. فقد فتحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة موجات مفتوحة للبث المباشر وملئت الاستوديوهات بالخبراء والمعلقين والجنرالات السابقين والمتخصصين في الشؤون العربية والإيرانية والتركية وفي شؤون الإسلام السياسي.

وكانت الصدمة بادية على الجميع، ليس من هجوم «هيئة تحرير الشام»، بل من سرعة تهاوي الجيش السوري. وأشار معلقون وخبراء إلى أن «الصدمة الإسرائيلية تستحق تحقيقاً لأنها تعبر عن قصور معيب في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، يستحق المحاسبة».

وتناول المتحدثون التاريخ الطويل للعلاقات الإسرائيلية مع طرفي الصراع في سوريا، النظام من جهة والمعارضة من جهة ثانية، وكيف طلبت عناصر في المعارضة الدعم وحتى السلاح من إسرائيل في سنة 2011 - 2013، مقابل الوعد باتفاق سلام يتم بموجبه تأجير الجولان المحتل لإسرائيل 15 سنة، وكيف رفضت إسرائيل تقديم الطلب واكتفت بتقديم مساعدات في المعالجة الطبية للجرحى. وتبين لاحقاً أن بين من عالجتهم إسرائيل جرحى جبهة النصرة، الأمر الذي أثار الدروز في إسرائيل (الذين كانوا يناصرون الدروز في السويداء، بعدما هاجمتهم جبهة النصرة).

وذكروا أن إسرائيل تلقت رسائل من جميع أطراف الصراع في الأيام الأخيرة، وزعموا أن النظام وعد بالتخلص من «النفوذ الإيراني» والاستعداد للانتقال من «محور المقاومة» إلى «محور أميركا»، وفق قولهم.

كما أفادوا بأن «هيئة تحرير الشام» وعدت بإقامة «علاقات سلام عميقة مع إسرائيل»، بينما تعهدت تركيا بألا توجه أسلحة المعارضة لإسرائيل، بينما سعت أميركا لإقناع إسرائيل بأن قائد «تحرير الشام» أبو محمد الجولاني رجل منفتح وتغيرت مواقفه وبات يؤيد الإسلام المعتدل.

لكن المعلقين الذين نقل عنهم الإعلام الإسرائيلي، وأكدوا أن تل أبيب لا تثق بأي من هذه الوعود، لا من النظام ولا من المعارضة، وقررت بدء تدريبات عسكرية علنية في شمالي غور الأردن والجولان «استعداداً لأي طارئ».

خطط هجومية ودفاعية

وكان كل من وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس أركان الجيش، هيرتسي هاليفي قد تجولا في هضبة الجولان السورية المحتلة، وأطلا معاً من قيادة الجيش في المنطقة على ساحة القتال التي كانت ترى بالعين المجردة في منطقة القنيطرة، وأطلقا تصريحات وبيانات تتضمن رسائل محددة.

كما أعلن الناطق العسكري أن هاليفي، أجرى تقييماً للأوضاع وصادق على خطط هجومية ودفاعية في الفرقة 210، وذلك على ضوء التطورات والمعارك الدائرة في سوريا.

وأشار إلى الجاهزية العالية للجيش في الهجوم والدفاع، وتعزيز القوات على الحدود ومواصلة متابعة التطورات. وقال هاليفي إن «الجيش لا يتدخل في الأحداث داخل سوريا، لكنه يعمل على إحباط ومنع التهديدات في المنطقة، ويعد خططاً لمواجهة السيناريوهات المختلفة».

وتابع: «نحن بحاجة لإجراء تقييم للوضع كل بضع ساعات مع تسارع الأحداث. كل حدث هنا يحدد معياراً وتغييرات مستقبلية. لذلك نحن نتابع عن كثب بكل قدرات الرصد ما يحدث».

وذكر هاليفي «النقاط الرئيسية هي مراقبة التحركات الإيرانية ومصالحها، وهو بالنسبة إلينا أولوية قصوى، والنقطة الثانية هي متابعة العناصر المحلية التي تسيطر على المنطقة، ما الذي يقومون به وكيف يتصرفون ومدى ردعهم، والتأكد من عدم ارتباكهم أو توجههم نحونا». وختم بالقول: «إذا حدث ارتباك فسيكون هناك رد هجومي يتبعه دفاع قوي جداً. علينا أن نكون جاهزين هجومياً ودفاعياً».

رسائل تحذير

وقامت قوة من الجيش الإسرائيلي باجتياز الحدود في جنوبي الجولان إلى الجهة الشرقية، في صبيحة السبت، بسبب اقتراب مسلحين من المعارضة السورية من الحدود، وطُلب منهم العودة إلى الوراء وعادوا.

وتبين لاحقاً أن هؤلاء طردوا الجنود السوريين من المكان ولم يتعرفوا على «قوانين العمل» المتفق حولها مع إسرائيل فدخلوا منطقة محظورة من دون قصد. وفي مساء السبت تكرر المشهد، ودخلت قوة من الجيش الإسرائيلي الأراضي السورية عندما رصدت هجوماً من قبل مسلحين على موقع تابع للأمم المتحدة في منطقة حضر الدرزية المتاخمة للحدود.

وقال الجيش إنه قام بمساعدة قوة الأمم المتحدة من أجل التصدي للهجوم. وفي صبيحة الأحد، شوهدت قوة مسلحين تقترب من قرية الخضر الدرزية، فأطلقت قوات إسرائيلية نيران تحذير لها فعادت إلى الوراء.

جنود إسرائيليون بجوار دبابتين في مرتفعات الجولان المحتلة بالقرب من الحدود مع سوريا يوم السبت أمام لافتة كتب عليها «ممنوع الدخول... منطقة عسكرية مغلقة» (رويترز)

وقالت مصادر إسرائيلية إن كل هذا النشاط هو بمثابة رسائل موجهة إلى القيادات التي أسقطت نظام الأسد، مفادها أن إسرائيل لا تريد التدخل العملي في الصراع في سوريا ومستعدة لتقبل النظام الجديد، ولكن بشرط الالتزام بالقواعد الإسرائيلية.

وفي هذا الإطار، طالب نتنياهو وزراءه بالامتناع عن إطلاق تصريحات حول التطورات في سوريا وسقوط نظام بشار الأسد، كما طالب حزب الليكود أعضاءه في الكنيست بعدم إجراء مقابلات حول سوريا بدون مصادقة مكتب نتنياهو، حسبما أفادت الإذاعة العامة الإسرائيلية، الأحد.

وتوجه عضو الكنيست المعارض، أفيغدور ليبرمان، الذي شغل منصب وزير الدفاع في الماضي، إلى الحكومة طالباً «القيام بخطوات دراماتيكية ضد إيران والعمل فوراً. وأي تأجيل يشكل خطراً على أمن دولة إسرائيل».

وأضاف أن «بيان اللجنة الدولية للطاقة الذرية يوم الجمعة الأخير حول أن إيران ترفع وتيرة تخصيب اليورانيوم وتقترب من سلاح نووي بخطوات عملاقة يجب أن يستخدم كإشارة تحذير للمجتمع الدولي، ولكن قبل ذلك لصناع القرار في إسرائيل».


مقالات ذات صلة

أزمة السويداء... الاستعصاء يراوح مكانه داخلياً ومع دمشق

المشرق العربي عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

أزمة السويداء... الاستعصاء يراوح مكانه داخلياً ومع دمشق

تستمر حالة الاستعصاء في أزمة محافظة السويداء، على صعيد العلاقة بين الحكومة السورية وسلطة الأمر الواقع المتمثلة بشيخ العقل حكمت الهجري والفصائل التابعة له.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة يستقبل نظيره السوري لدى وصوله للاجتماع الرسمي في الرباط يوم 14 مايو 2026 (أ.ف.ب)

المغرب وسوريا يفعلان تعاونهما بتأسيس «مجلس رجال أعمال مشترك»

افتتح وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الخميس، سفارة بلاده في العاصمة المغربية الرباط، في زيارته الرسمية الأولى للمملكة على رأس وفد من الوزارة...

«الشرق الأوسط» (الرباط - دمشق)
المشرق العربي بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

اكتُشف رفات بشري في مدينة دوما بريف دمشق ‏خلال أعمال حفر أساس ضمن موقع داخل مدرسة تعرَّضت لقصف سابق من قوات نظام الأسد.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط) p-circle

خاص مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» ضد موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق، رووا كيف جرت عمليات تعذيب وقتل بـ«كسر العنق»

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي بتول علوش (وسائل التواصل)

بتول علوش... من غياب شابة سورية عن بيت أهلها إلى قضية رأي عام

المحامي العام في اللاذقية قال إن بتول «حرة طليقة في العودة إلى عائلتها، ولا يوجد أي جرم خطف بحقها»

سعاد جروس (دمشق)

هجمات في «هرمز» وضغوط على طهران

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس اليوم (أ.ف.ب)
قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس اليوم (أ.ف.ب)
TT

هجمات في «هرمز» وضغوط على طهران

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس اليوم (أ.ف.ب)
قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس اليوم (أ.ف.ب)

تصاعدت الهجمات حول مضيق «هرمز» مع استمرار تعثر التهدئة، وزيادة الضغط الدولي على طهران لتأمين الملاحة، بعد احتجاز سفينة قرب الإمارات وغرق أخرى ترفع علم الهند قبالة عُمان.

ودعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، دول «بريكس»، إلى التنديد بالحرب، نافياً وضع أي عائق أمام الملاحة.

وقالت طهران إنها سمحت بعبور سفن صينية، في حين أدانت الهند الهجوم قبالة عُمان، ورجّحت سيول مسؤولية إيران عن هجوم على سفينة كورية جنوبية.

وشددت بكين على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن نظيره الصيني شي جينبينغ أبلغه أن الصين لن تزود إيران بمعدات عسكرية، وعرض المساعدة في حل النزاع. وقال قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر لمجلس الشيوخ الأميركي إن الضربات قلّصت التهديد الإيراني إقليمياً.


القائد الأسبق لـ«الحرس الثوري» : لا تفاوض مباشر قبل إجراءات ثقة أميركية

القيادي في «الحرس الثوري» محمد علي جعفري (أرشيفية - التلفزيون الرسمي)
القيادي في «الحرس الثوري» محمد علي جعفري (أرشيفية - التلفزيون الرسمي)
TT

القائد الأسبق لـ«الحرس الثوري» : لا تفاوض مباشر قبل إجراءات ثقة أميركية

القيادي في «الحرس الثوري» محمد علي جعفري (أرشيفية - التلفزيون الرسمي)
القيادي في «الحرس الثوري» محمد علي جعفري (أرشيفية - التلفزيون الرسمي)

قال محمد علي جعفري، القائد العام الأسبق لـ«الحرس الثوري»، إن إيران لن تدخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة قبل تنفيذ «شروط مسبقة» و«إجراءات لبناء الثقة» من جانب واشنطن.

وأضاف جعفري، في مقابلة مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن طهران لن تقبل أي مفاوضات قبل إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتعويض أضرار الحرب، والاعتراف بحق إيران في السيادة على مضيق هرمز.

وقال جعفري إن الولايات المتحدة «يجب أن تدفع ثمن نقض تعهداتها» بعد تعرض إيران، وفق قوله، لهجومين عسكريين أثناء المفاوضات. وأضاف أن هذه التجربة أدت إلى «تغيير استراتيجي» في نهج طهران التفاوضي، يقوم هذه المرة على طلب ضمانات مكتوبة وتعهدات بعدم تكرار التهديد العسكري، إلى جانب خطوات عملية مثل الإفراج عن الأموال المجمدة.

وأوضح أن إيران لا تجري حالياً مفاوضات مباشرة مع واشنطن، بل تتبادل الرسائل عبر دولة ثالثة، مثل باكستان، لعرض شروطها والحصول على تعهدات. وأضاف أنه في حال تقديم هذه التعهدات، يمكن الانتقال لاحقاً إلى التفاوض بشأن الملفات الأخرى، بما في ذلك الملف النووي.

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من تدريبات «الحرس الثوري» في محيط العاصمة طهران الثلاثاء

وشدد جعفري على أن الرئيس الإيراني مسعود بزشيكان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بصفته مسؤولاً عن المفاوضات، يتحركان في إطار قرارات المؤسسة الحاكمة وتوجيهات المرشد مجتبى خامنئي.

وقال إن واشنطن «لا تملك خياراً» سوى قبول «مطالب إيران المحقة» أو مواصلة الحرب، محذراً من أنه إذا استؤنفت الحرب، فإن إيران ستوجه «ضربات أقوى» لم توجهها من قبل، معتبراً أن كلفة استمرار الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين ستكون «أكبر بكثير» من كلفتها على إيران.

وجاءت تصريحات جعفري، الخميس، بعد أيام من قوله إن الرد الإيراني بُني على 5 شروط مسبقة تشمل إنهاء الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتعويضات الحرب، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز، مشدداً على أنه «لن تكون هناك أي مفاوضات قبل تحقيقها».

ويتولى جعفري حالياً قيادة الأقسام الثقافية والاجتماعية في «الحرس الثوري»، وهو حليف مقرب من الجنرال محمد باقر ذوالقدر، الذي تولى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي عقب مقتل الأمين السابق علي لاريجاني خلال الحرب.

ولم تسفر الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية - الأميركية بوساطة باكستانية، التي عقدت في 12 أبريل، عن أي اتفاق، وذلك بعدما اتفق البلدان على وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 7 أبريل.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن وقف إطلاق النار مع إيران «على وشك الانهيار»، بعد أن أوضح أحدث رد من طهران على العرض الأميركي لإنهاء الحرب أن الجانبين لا يزالان متباعدين بشأن عدد من القضايا. لكنه سعى أيضاً إلى التقليل من حدة التوتر بعد سلسلة من الاشتباكات البحرية الأسبوع الماضي.

ورداً على ذلك، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن القوات المسلحة مستعدة للرد بحسم على أي «عمل عدواني».

وركز رد إيران على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، خصوصاً في لبنان حيث تقاتل إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران.

وطالبت طهران في ردها أيضاً بالتعويض عن أضرار الحرب، وشددت على السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، ودعت الولايات المتحدة إلى إنهاء حصارها البحري وضمان عدم شن مزيد من الهجمات، ورفع العقوبات، وإنهاء الحظر الأميركي على مبيعات النفط الإيراني.

كما طرحت طهران شرط الاعتراف بـ«سيادتها» على مضيق هرمز، حيث أوقفت حركة الملاحة البحرية عبر الممر الذي كان يعبر من خلاله خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم.

رواية جديدة لمفاوضات إسلام آباد

شرح، النائب محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي، الذي كان مرافقاً لفريق المفاوض الإيراني تفاصيل سير المفاوضات الإيرانية - الأميركية في باكستان.

ودافع نبويان عن أسلوب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف في إدارة التفاوض، وذلك على نقيض الانتقادات التي وجهها خلال الأسابيع الأخيرة لمسار المفاوضات.

وقال نبويان، إن مفاوضات إسلام آباد شهدت أربع جلسات، لافتاً إلى أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعلن في الجلسة الأولى أن لدى الولايات المتحدة مطلبين رئيسيين من إيران: إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، وإخراج جميع المواد المخصبة بنسبة 60 في المائة من إيران.

وأضاف نبويان أن الوفد الإيراني شدد، رداً على ذلك، على رفع العقوبات والاعتراف بحقوق إيران في التخصيب، لكن فانس طلب بحث ملف مضيق هرمز أولاً. ورد قاليباف قائلاً: «ليست لدينا قضية واحدة لنحلها أولاً؛ هناك أربع قضايا على الطاولة»، حسبما نقلت وكالة «مهر» الحكومية.

وأشار نبويان إلى اجتماع عقد بين قاليباف وقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، قبل اللقاء مع فانس، قائلاً: «كانت لديّ انتقادات لأصل المفاوضات، لكن إنصافاً للحق، كان حضور قاليباف في المفاوضات مؤثراً جداً».

صورة نشرتها «الخارجية الإيرانية» تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

وحسب نبويان، شدّد قاليباف، رداً على القول إن الولايات المتحدة كانت قادرة على تدمير البنية التحتية الإيرانية، على أنه رغم قدرة واشنطن على ضرب البنية التحتية لإيران، فإن طهران أيضاً كانت قادرة على «تسوية جميع البنى التحتية في المنطقة بالأرض في أقل من نصف يوم».

وقال نبويان إن الطرفين اتفقا، في الجلسة الثانية، على متابعة تفاصيل المفاوضات ضمن أربعة محاور. وأضاف أن الأميركيين أعادوا طرح ملف مضيق هرمز وترحيل مخزون اليورانيوم، واقترحوا الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول المجمدة مقابل تعاون إيران.

وتابع أن فانس تحدث خلال المفاوضات بنبرة وصفها بـ«التحقيرية» عن حجم الأصول الإيرانية، لكن قاليباف رد فوراً قائلاً: «سواء كان مالنا دولاراً واحداً أو مائة مليار دولار، فهو ملك للشعب الإيراني، ولا يحق لأحد التدخل فيه».

وعن الجلسة الثالثة، قال نبويان إن فانس، بعد اتصال مع ترمب، اقترح مواصلة المفاوضات على أساس الخطة الأميركية المقدمة، وإن قاليباف قبل دراسة هذا المقترح.

وأكد نبويان أن أسلوب قاليباف التفاوضي لم يكن قائماً على رفض أصل الحوار بالكامل، ولا على القبول بأي اتفاق بأي ثمن. وبعدما اقتربت وجهات النظر بين الطرفين، أعلن فانس فجأة أن ترمب لا يقبل هذا الاتفاق. وعندما قال له قاليباف: «هذه خطتكم أنتم»، رد فانس بأن الخطة المقدمة تعود في الواقع إلى عاصم منير.

وأضاف نبويان أن ذلك «أظهر أن الولايات المتحدة لم تدخل المفاوضات أساساً للتوصل إلى اتفاق».


خلاف جديد بين تركيا واليونان في الأمم المتحدة حول المضايق

مضيق البوسفور بفصل بين الشطرين الأوروبي والآسيوي لمدينة إسطنبول ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة (رويترز)
مضيق البوسفور بفصل بين الشطرين الأوروبي والآسيوي لمدينة إسطنبول ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة (رويترز)
TT

خلاف جديد بين تركيا واليونان في الأمم المتحدة حول المضايق

مضيق البوسفور بفصل بين الشطرين الأوروبي والآسيوي لمدينة إسطنبول ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة (رويترز)
مضيق البوسفور بفصل بين الشطرين الأوروبي والآسيوي لمدينة إسطنبول ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة (رويترز)

نشب خلاف تركي - يوناني جديد داخل مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بشأن تسمية المضايق التي تربط بين البحرين الأسود والمتوسط بـ«المضايق التركية»، وهي التسمية التي اعترضت عليها أثينا بدعوى مخالفتها لـ«اتفاقية مونترو» لعام 1936.

وحسب ما ذكرت وسائل إعلام تركية، الخميس، وجّه رئيس البعثة الدائمة لتركيا بالأمم المتحدة، أحمد يلديز، رسالة مكتوبة إلى الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، بصفته الرئيس الدوري لمجلس الأمن، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عدّ فيها اعتراض اليونان على تعبير «المضايق التركية» بأنه يهدف لخدمة مصالح سياسية داخلية، واصفاً الأمر بـ«المؤسف».

تعبير جغرافي راسخ

وعبَّرت الرسالة عن رفض تركيا، بشكل قاطع وكامل، الادعاءات اليونانية، التي «لا أساس لها»، عادة أن محاولات تسييس مصطلح جغرافي متداول على نطاق واسع لا تسهم في الحوار البنَّاء أو الاستقرار الإقليمي، أو الفهم الصحيح لنظام «اتفاقية مونترو».

مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز (الخارجية التركية)

وأكدت الرسالة أن مصطلح «المضايق التركية» هو تعبير جغرافي راسخ يستخدم للإشارة، بشكل جماعي، إلى مضيقي إسطنبول وتشاناق قلعة (الدردنيل)، وأن المضيقين يقعان تحت سيادة تركيا، وأن المصطلح «وصفي ودقيق جغرافياً»، ومتوافق تماماً مع التطبيق المستمر للاتفاقية ويستخدم بصورة تقليدية ومتسقة في الكثير من الوثائق الدولية، بما في ذلك قرارات ووثائق المنظمة البحرية الدولية، وحلف شمال الأطلسي (ناتو).

وأضافت أن المواقع الجغرافية الواقعة بالكامل تحت سيادة دولة ما يمكن استخدامها بالأسماء الرسمية التي تحددها السلطات المختصة، وأن «اتفاقية مونترو» تنظم المرور عبر مضيق إسطنبول وبحر مرمرة ومضيق تشاناق قلعة (الدردنيل)، ولم تهدف، خارج هذا الإطار، إلى توحيد الأسماء الجغرافية.

وشددت على أن «محاولات اليونان فرض مصطلحات بديلة عن (المضايق التركية) لا يمكن تفسيرها إلا بـ(تطلعات تاريخية)، وأن هذه المحاولات لن تغيّر الوضع القانوني أو السياسي، وستواصل تركيا استخدام المصطلح بما يتوافق مع سيادتها وولايتها القضائية، وتتطلع لأن تُظهر جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها اليونان، الاحترام لهذا الاستخدام الراسخ والمشروع».

اعتراض يوناني

كان يلدز، استخدم، خلال كلمته في جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 29 أبريل (نيسان) الماضي، التي عُقدت تحت عنوان «أمن وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، والتي تناولت أيضاً الوضع الراهن في مضيق هرمز، تعبير «المضايق التركية» للإشارة إلى مضيقي إسطنبول والدردنيل، كما استعرض الإجراءات التي اتخذتها تركيا لضمان حرية الملاحة في المضايق.

مجلس الأمن الدولي عقد جلسة في 29 أبريل لمناقسة أمن الممرات البحرية (أ.ب)

واعترض نائب المندوب الدائم لليونان لدى الأمم المتحدة، يوانيس ستاماتيكوس، على استخدام عبارة «المضايق التركية»، قائلاً إن «اتفاقية مونترو» تُعدّ النص القانوني الدولي الوحيد الذي ينظم الملاحة البحرية في مضيق الدردنيل وبحر مرمرة ومضيق البوسفور، ويضمن حرية الملاحة فيها وأن المصطلح المستخدم فيها هو «المضايق»، وأن عبارة «المضايق التركية» لا يتوافق مع مصطلحات الاتفاقية.

ويربط مضيق «البوسفور» بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويعدّ مع مضيق «الدردنيل» الحدود الجنوبية بين قارتي آسيا وأوروبا، ويبلغ طوله 30 كم، ويتراوح عرضه بين 550 و3000 متر.

ويشتهر المضيق عالمياً باسم «البوسفور» أو «البوسبور»، والكلمة الأخيرة يعود أصلها إلى الكلمة اليونانية «بوز بوروس»، التي تعني «ممر البقر».

مضيق «نساناق قلعة» (الدردنيل) في غرب تركيا (أ.ب)

أما «مضيق الدردنيل»، فهو ممر مائي يقع في ولاية تشاناق قلعة في غرب تركيا، ويربط بين بحري إيجه ومرمرة، ويعدّ أحد الممرات الاستراتيجية على الضفة الشرقية للبحر المتوسط، ويعرف في تركيا باسم «مضيق قلعة تشاناق»، ونشبت بسببه نزاعات دولية وتصارعت الأمم عبر التاريخ للعبور منه لتحقيق مصالحها.

وهناك خلافات مزمنة بين تركيا واليونان بشأن الحدود البحرية، ويعد وضع جزر بحر إيجه إلى جانب حدود الجرف القاري في البحر المتوسط والقضية القبرصية من بين الملفات الخلافية العالقة بين تركيا واليونان، اللتين أبدتا توجهاً للعمل على تخفيف التوتر وبناء الثقة على الرغم من القضايا الخلافية المزمنة، التي ترى اليونان أن حلها يمكن أن يتحقق باللجوء إلى التحكيم الدولي.

اجتماع تركي يوناني في أنقرة 21 يناير الماضي ضمن برنامج خطة العمل المشترك والأجندة الإيجابية (الخارجية التركية)

ويعقد الجانبان اجتماعات متبادلة في أنقرة وأثينا في إطار حلف «ناتو» لبناء الثقة بين لبلدين الجارين العضوين فيه، فضلاً عن البدء، منذ عام 1999، في تطوير آليات للتواصل ومعالجة مختلف التطورات في علاقاتهما عبر الحوار، منها مجلس التعاون رفيع المستوى، والحوار السياسي، والمباحثات الاستكشافية، و«مبادرة خطة العمل المشتركة للأجندة الإيجابية».

قانون بحري تركي

بالتوازي، قال المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك، في إفادة صحافية، الخميس، إن الوزارة أعدت مشروع قانون بشأن مناطق الولاية البحرية، سيكون بمثابة قانون إطاري يحدد مسؤولياتنا في مناطق ولايتنا البحرية، ويعالج أوجه القصور في إطارنا القانوني المحلي.

المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية الخميس (الدفاع التركية - إكس)

وأضاف أكتورك: «ستواصل قواتنا المسلحة التركية بكل عزم، كعادتها، حماية حقوق ومصالح بلادنا في مناطق ولايتها البحرية».