القضاء الفرنسي يقرر الإفراج عن السجين اللبناني الأشهر في العالم

الادعاء سيستأنف قرار إطلاق جورج إبراهيم عبد الله بعد 40 عاماً في السجن

جورج إبراهيم عبد الله أثناء محاكمته بتهمة التواطؤ في جريمة قتل الدبلوماسيين الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف  في محكمة ليون، وسط شرق فرنسا، في 3 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
جورج إبراهيم عبد الله أثناء محاكمته بتهمة التواطؤ في جريمة قتل الدبلوماسيين الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف في محكمة ليون، وسط شرق فرنسا، في 3 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يقرر الإفراج عن السجين اللبناني الأشهر في العالم

جورج إبراهيم عبد الله أثناء محاكمته بتهمة التواطؤ في جريمة قتل الدبلوماسيين الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف  في محكمة ليون، وسط شرق فرنسا، في 3 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
جورج إبراهيم عبد الله أثناء محاكمته بتهمة التواطؤ في جريمة قتل الدبلوماسيين الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف في محكمة ليون، وسط شرق فرنسا، في 3 يوليو 1986 (أ.ف.ب)

يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1984، دخل رجلٌ يحمل الجنسية الجزائرية إلى مقر الشرطة في مدينة ليون، طالباً الحماية من عناصر المخابرات الإسرائيلية (الموساد) الذين يقتفون أثره، إلا أن جهاز المخابرات الداخلية الفرنسي نجح في كشف هويته الحقيقية، وعلم بسرعة أن الشخص الساعي للحماية، الذي يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة، ليس سوى «عبد الكريم سعدي»، وهو الاسم الحركي لجورج إبراهيم عبد الله. وتبين لاحقاً، كما ذكّرت بذلك صحيفة «لو فيغارو»، أن جورج إبراهيم عبد الله كان يمتلك جوازات سفر مالطية ومغربية ويمنية، إضافة لجواز السفر الجزائري، وأيضاً اللبناني.

لم تتأخر محاكمة اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، البالغ من العمر اليوم 73 عاماً، الذي قبل القضاء الفرنسي الجمعة إطلاق سراحه بعد 40 عاماً أمضاها في السجن. والغريب أنه حُوكم مرتين: الأولى في عام 1986، بتهمة التآمر الجنائي وحيازة أسلحة ومتفجرات، وقضت المحكمة بسجنه لمدة أربع سنوات. لكنه، في العام التالي، حُوكم مرة ثانية من قبل محكمة الجنايات الخاصة في باريس بتهمة التواطؤ في اغتيال دبلوماسيين اثنين في عام 1982، هما الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمنتوف، ومحاولة اغتيال القنصل العام الأميركي روبرت هوم في مدينة ستراسبورغ، وآخر في عام 1984. وثابر جورج إبراهيم عبد الله على إنكار التهم الموجهة إليه، مشدداً على أنه «ليس سوى مناضل عربي». وفي المحاكمة الثانية، التي جرت في عام 1987، وبالنظر للضغوط التي انصبت على فرنسا من جانب الولايات المتحدة الأميركية ومن إسرائيل، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد. اللافت أن الادعاء العام طلب سجنه لعشر سنوات، إلا أن قضاة محكمة الجنايات الخاصة لم يأخذوا بما طلبه الادعاء وقضوا بالسجن المؤبد.

وليس من المؤكد تماماً أن القرار الصادر عن محكمة تطبيق الأحكام التي وافقت على طلب الإفراج عن جورج إبراهيم عبد الله والسماح له بمغادرة الأراضي الفرنسية في السادس من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، سيتحقق. والسبب في ذلك أن الادعاء سارع إلى تأكيد أنه سيتقدم باستئناف على قرار المحكمة المذكورة الإفراج عن عبد الله شرط أن يغادر الأراضي الفرنسية وألا يعود إليها مطلقاً. وجاءت موافقة المحكمة هذه المرة بعد رفض لعشر محاولات سابقة. والمرة الوحيدة التي كاد يخرج فيها عبد الله من سجن «لانميزان» الواقع في منطقة جبال البيرينيه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا، وعلى بعد 120 كلم من مدينة تولوز، إلى الحرية كانت في عام 2013، حيث وافق القضاء المختص وقتها على الإفراج عنه شرط أن يصدر عن وزارة الداخلية وقتها التي كان يشغلها الاشتراكي مانويل فالس قرار بطرده من الأراضي الفرنسية. والحال أن هذا القرار لم يصدر ولم تعرف وقتها حيثياته، ولكن المرجح أن الضغوط المشتركة الأمريكية والإسرائيلية حالت دون ذلك. والمعروف عن فالس قربه من إسرائيل.

ويعد جورج إبراهيم عبد الله أحد أقدم السجناء السياسيين في العالم. والمعروف أنه ساهم في تأسيس وقيادة الفصائل الثورية اللبنانية المسلحة، وكان مناضلاً نشطاً لصالح القضية الفلسطينية ومتبنياً للأفكار الماركسية.

وبعد مرور عدة سنوات على سجنه، خصوصاً منذ أن أصبح له الحق في الخروج من السجن منذ 25 عاماً، ورفض القضاء الثابت الإفراج عنه، حظي بدعم محلي وخارجي. وكانت كلمة الكاتبة الفرنسية الحائزة على جائزة «نوبل» آني أرنو مدوية حين أعلنت أن جورج إبراهيم عبد الله «ضحية قضاء الدولة الفرنسية الذي هو عار فرنسا». الجديد في قرار المحكمة، الجمعة أنها لم تطلب، كما في عام 2013، صدور قرار طرد من وزارة الداخلية. لكن بالمقابل، يشاع أن فرنسا حصلت من لبنان على تعهدات مكتوبة من الحكومة اللبنانية تفيد بأن عودته إلى لبنان «لا يفترض أن تفضي إلى اهتزازات للنظام العام». وترجمة ذلك، وفق صحيفة «لو فيغارو»، أنه لا يفترض أن يستقبل جورج إبراهيم عبد الله، في حال إتمام عودته استقبال الأبطال.

وفي السنوات الأخيرة، سعت الحكومات اللبنانية المتعاقبة، خصوصاً في عهد الرئيس السابق ميشال عون، للإفراج عن عبد الله، لا بل إن وزيرة العدل ماري كلود نجم زارته في سجنه في عام 2022.

من جانبه، رحب محامي عبد الله، جان لوي شالانسيه، بقرار المحكمة، معتبراً أنه «انتصار قضائي وسياسي». بدوره قال توم مارتن، المتحدث باسم تجمع «فلسطين سوف تنتصر» لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قرار محكمة تنفيذ الأحكام «خبر جيد بالطبع، لكنه مجرد خطوة أولى، لأن المدعي العام استأنف للتو»، مضيفاً: «يجب أن تشجعنا هذه الأخبار السارة على تطوير وتوسيع وتكثيف حملة الدعم التي لن تنتهي حتى يصبح جورج إبراهيم عبد الله حراً طليقاً في بلده لبنان».



يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.