الثلاثي الأوروبي يتشدد ضد النووي الإيراني... وواشنطن مترددة

الولايات المتحدة متخوفة من استثارة طهران والأوروبيون رافضون لالتزام الصمت

الرئيس الأميركي جو بايدن سيناقش النووي الإيراني في باريس مع الرئيس ماكرون بمناسبة زيارة يقوم بها إلى فرنسا بدءاً من الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بايدن سيناقش النووي الإيراني في باريس مع الرئيس ماكرون بمناسبة زيارة يقوم بها إلى فرنسا بدءاً من الخميس (رويترز)
TT

الثلاثي الأوروبي يتشدد ضد النووي الإيراني... وواشنطن مترددة

الرئيس الأميركي جو بايدن سيناقش النووي الإيراني في باريس مع الرئيس ماكرون بمناسبة زيارة يقوم بها إلى فرنسا بدءاً من الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بايدن سيناقش النووي الإيراني في باريس مع الرئيس ماكرون بمناسبة زيارة يقوم بها إلى فرنسا بدءاً من الخميس (رويترز)

ثمة عملية «لي ذراع» جارية حالياً في إطار الاجتماع الدوري لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين إيران من جهة، ومجموعة من الدول الـ35، يتزعمها الثلاثي الأوروبي، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، الذي سارع، أمس (الاثنين)، إلى توزيع مشروع قرار يدين إيران بسبب تخاذلها في التعاطي مع الوكالة الدولية وعجزها عن الاستجابة لمطالبها ومضيها في الارتقاء بتخصيب اليورانيوم إلى درجة تقربها من نسبة النقاء المطلوب لتصنيع السلاح النووي.

وإلى جانب المواجهة المفتوحة بين الطرفين المذكورين، هناك «مواجهة» أوروبية - أميركية داخل مجلس المحافظين، حيث تتحدث مصادر متطابقة عن «فتور» أميركي إزاء «التصعيد» الأوروبي مع طهران ومخاوف واشنطن من انعكاساته على دور إيران السلبي في الإقليم، وتقاربها مع روسيا والصين وردود فعلها «النووية» وما يمكن أن تقود إليه من مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل وإيران والغرب.

لم يشذ سيناريو اجتماع المحافظين الحالي عما سبقه من اجتماعات، ويقوم عادة على «تسخين» الأجواء من خلال تقرير وكلمة لمدير الوكالة الدولية رافاييل غروسي، يتبعه أو يسبقه تحذير إيراني من التنديد بأداء طهران.

وهذه المرة، فتح علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، والمسؤول الذي تسلم دفة الملف النووي، وفق ما جاءت به صحيفة «دنياي اقتصاد» من خلال كلمة على منصة «إكس»، جاء فيها ما حرفيته: «إذا كانت بعض الدول الأوروبية، التي لديها قلة فهم، تريد اتخاذ موقف عدائي تجاه البرنامج النووي الإيراني في هذا الاجتماع، فإنها ستواجه رداً جدياً ومؤثراً من قبل إيران».

وبالطبع، لم يفصل شمخاني نوعية الردود الإيرانية، لكن يمكن العودة إلى ما درجت عليه طهران في السنوات الأخيرة لفهم طبيعة ما قد تعمد إلى اتخاذه، وهو في الغالب يتناول البرنامج النووي نفسه، لجهة الارتقاء بالتخصيب أو بوضع مزيد من العراقيل أمام عمل مفتشي الوكالة، حتى بالتلويح إلى التخلي عن «العقيدة» النووية الإيرانية، التي تمنع بحسب فتوى من المرشد الأعلى الذهاب إلى إنتاج السلاح النووي. ورغم التلويح بذلك مؤخراً، فإن الوكالة نفسها ومسؤولين أميركيين أكدوا أن لا شيء يدل على أن إيران عازمة أو بصدد الذهاب نحو هذا الخيار.

وفي باريس، قالت الرئاسة الفرنسية، في بيان، إن باريس وشركاءها سيزيدون الضغط على إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي لضمان احترامها لالتزاماتها الدولية. جاء ذلك بعد اتصال هاتفي أجراه ماكرون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد خلاله أن فرنسا «ستمارس مع شركائها الدوليين ضغوطاً على النظام الإيراني لكي يحترم التزاماته الدولية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ستكون له مشاورات مكثفة مع كثير من قادة العالم بمناسبة مشاركتهم في احتفالات ذكرى «إنزال نورماندي» (رويترز)

مشروع القرار الأوروبي

في كلمته لمجلس المحافظين، رسم غروسي صورة قاتمة لما آل إليه البرنامج النووي الإيراني، لجهة مواصلة طهران مراكمة اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة، أو لعدم تعاونها مع مفتشي الوكالة وعدم التزامها باتفاقية الضمانات. وسبق للمسؤول الدولي أن زار طهران بداية شهر مايو (أيار) وعاد منها خائباً إلى حد كبير.

وكانت النقطة الإيجابية الوحيدة اتفاقه مع المسؤولين الإيرانيين على تفعيل اتفاق شهر مارس (آذار) 2023 الخاص بتسهيل عمل المفتشين الدوليين، وإذ عبّر غروسي عن مخاوفه بشأن التصريحات الإيرانية الخاصة بالذهاب إلى إنتاج سلاح نووي، وربط قدرته على تأكيد سلمية برنامج طهران بالتزام الطرف الإيراني بـ«اتفاقية الضمانات»، علماً أن أحد المآخذ الرئيسية على طهران عدم قدرتها أو عدم رغبتها في جلاء العثور على جزيئات نووية في موقعين من أصل 3 مواقع لم يعلن عنها سابقاً.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة الأخيرة كانت أحد الأسباب التي أجهضت محادثات العوجة إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة» الموقعة صيف عام 2015 والتي خرجت منها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب في ربيع عام 2018.

حقيقية الأمر أن مشروع القرار الأوروبي الذي يعد بمثابة «مضبطة» لانتهاكات إيران لا يبتعد كثيراً عما جاء في كلمة غروسي. فمسودته التي اطلعت عليها وكالات الأنباء الدولية تذكر وتدين الانتهاكات الإيرانية المعروفة وتدعو طهران لجلاء مصير الموقعين النوويين وللتعاون مع المفتشين الدوليين والتراجع عن قرارها الصادر في مارس (آذار) من العام الماضي برفض تجديد رخص عمل بعض كبار المفتشين.

وجاء في النص أن «(المجلس) يدعو إيران إلى إبداء التعاون الكافي مع الوكالة، واتخاذ الإجراءات الأساسية والعاجلة على النحو الذي قرره المجلس في قراره الصادر في نوفمبر 2022، لحلّ قضايا الضمانات التي لا تزال معلقة على الرغم من التفاعلات الكثيرة مع الوكالة منذ 2019».

بيد أن اللافت أن المشروع الأوروبي لا يطالب بإعادة الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي، أو تفعيل آلية «سناب باك»، المسماة أيضاً «آلية الزناد» التي يمكن أن تفضي مجدداً، في حال تفعيلها ورغم تعقيداتها ومراحلها، إلى إعادة فرض العقوبات الدولية على طهران، التي رفعت عنها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، الصادر عام 2016.

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي يتأهب لإلقاء كلمته أمام محافظي مجلس الوكالة في فيينا الاثنين الماضي (رويترز)

مخاوف الثلاثي من عسكرة النووي الإيراني

يقول مصدر أوروبي في باريس إن التخوف الأوروبي الأساسي مرده إلى «فقدان اليقين» لجهة سلمية برنامج طهران. وجاءت تلميحات عدة شخصيات إيرانية عن إمكان تخليها عن عقيدتها النووية لتضاعف من منسوب المخاوف من قيام إيران نووية، وظهور قوة نووية جديدة في الشرق الأوسط، إلى جانب إسرائيل، يكون من أولى مفاعيلها إطلاق سباق التسلح النووي في المنطقة.

ومن حجج الأوروبيين أن الاستخدام السلمي للطاقة النووية إن كان لأغراض طبية أو لإنتاج الكهرباء لا يحتاج إلى تخصيب يصل إلى 60 المائة ومراكمة هذه الكميات التي تمكن إيران نظرياً من إنتاج 3 قنابل نووية على أقل تقدير.

ويضيف المصدر المشار إليه أنه «لم يعد بالإمكان غضّ النظر عما تقوم به طهران التي تستفيد من انشغال الغربيين بحرب أوكرانيا وحرب غزة للدفع قدماً ببرنامجها النووي، وربما عسكرته». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن دبلوماسيين في فيينا قولهم إن الدول الأوروبية الثلاث ترى أن استمرار عدم تعاون إيران مع الوكالة وبرنامجها النووي المتقدم «يجعلان مثل هذه الخطوة ضرورية». وبحسب مصدر آخر، فإن ما جرى مؤخراً بين إيران وإسرائيل واستهداف الأولى أراضي الثانية وبالعكس «يعيد طرح الملف النووي بقوة أكبر».

ويبقى أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة يتناول مدى عزم الثلاثي الأوروبي على السير بمشروع القرار وطرحه على التصويت هذا الأسبوع، رغم معارضة أو على الأقل تردد الإدارة الأميركية، ورغم ما قد تكون عليه ردة الفعل الإيرانية.

التردد الأميركي

ليست المرة الأولى التي تعمل فيها واشنطن على لجم الاندفاع الأوروبي أو تطويعه. ولها، هذه المرة كما في المرات السابقة، أسبابها. وخلال الأسبوع الحالي سيتم بحث الملف الإيراني بمناسبة زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الأميركي جو بايدن، بدءاً من الخميس، إلى فرنسا بمناسبة احتفالات الذكرى الثمانين لـ«إنزال النورماندي» الذي قامت به القوات الحليفة على الشاطئ الفرنسي، والذي أفضى إلى تحرير فرنسا من الاحتلال النازي وهزيمة «الرايخ الثالث».

تبدو الإشارة مفيدة إلى أن الاتصالات الأميركية - الإيرانية قائمة ومتواصلة في العاصمة العمانية مسقط، وقد اعترف بذلك علي باقر كني، وزير الخارجية بالوكالة، خلال زيارته بيروت بداية الأسبوع. وفي أوج التوتر الإيراني - الإسرائيلي عقب تدمير طيران تل أبيب القنصلية الإيرانية في دمشق، ومقتل اثنين من قادة «الحرس الثوري»، تسارع التواصل بين واشنطن وطهران، بل إن مصادر أوروبية أكدت أن الأولى أخطرت الثانية بطبيعة الرد العسكري على الضربة الإسرائيلية، ما يعني عملياً أن الطرف الأميركي «لا يريد في الوقت الحاضر استثارة طهران أو الدخول معها في نزاع مفتوح في ظل الحرب في غزة، وقبل أشهر قليلة على الانتخابات الرئاسية الأميركية».

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس المحافظين لم يقدم أي قرار بحق إيران منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. وغالباً كانت الذرائع متشابهة، إما لعدم إجهاض المحادثات التي جرت قبل عامين بين إيران والغربيين في فيينا بوساطة الاتحاد الأوروبي، أو لتجنب دفع إيران لدعم روسيا في حربها على أوكرانيا بعد شهر فبراير (شباط) 2022. وأخيراً، للعمل معها من أجل منع اشتعال أوسع لمنطقة الشرق الأوسط. وحالياً، لإعطائها فرصة تدبير أمورها الداخلية بعد مقتل رئيس الجمهورية وعدد من المسؤولين الكبار، بينهم وزير الخارجية، في حادثة سقوط الطوافة التي كانت تقلهم. ومن المجدي الإشارة إلى أن ميخائيل أوليانوف، سفير روسيا لدى الوكالة الدولية، سارع إلى التنبيه من صدور أي قرار يستهدف إيران، إذ من شأنه تصعيد الوضع.

ثمة احتمالان لا ثالث لهما: إما أن تتخلى واشنطن عن تحفظاتها وتغير بالتالي موقفها وتقبل السير في الركب الأوروبي وتصوت لصالح المشروع الأوروبي، أو تبقي على معارضتها، وبالتالي سيجد الأوروبيون أنفسهم ملزمين بالتراجع عن مشروع قرارهم. وليس سراً أن الثلاثي الأوروبي يمكن أن يسير بمشروع قرار ترفضه واشنطن، وسبق لهم التراجع عن مشاريع قرارات، آخرها كان في شهر مارس (آذار) الماضي.

في كلمتها أمام المحافظين، استعادت لورا هولغيت، السفيرة الأميركية، مضمون تقرير غروسي الصادر في 27 مايو (أيار) لتؤكد أنه في ضوء هذه التحديات المستمرة، من الضروري أن تزوّد إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمعلومات وإمكانية الوصول اللازمة للتحقق من أنشطة إيران المتعلقة بالتخصيب بالطرد المركزي.

ومع ذلك، اختارت إيران بدلاً من ذلك في العام الماضي سحب تعيينات كثير من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذوي الخبرة، بمن فيهم أولئك الذين لديهم خبرة في مجال التخصيب، بيد أن السفيرة الأميركية لم تشر من قريب ولا من بعيد إلى مشروع القرار الأوروبي، إلا أنها بالمقابل طالبت طهران بـ«التعاون الكامل مع الوكالة الدولية لتنفيذ أنشطة التحقق والرصد التي تقوم بها، بما في ذلك تنفيذ التدابير المرتبطة بالبيان المشترك بين الوكالة وإيران الصادر في مارس 2023، والتراجع عن قرارها بسحب تعيينات مفتشي الوكالة، واستئناف التطبيق المؤقت للبروتوكول الإضافي، وتنفيذ المدونة 3 - 1 المعدلة دون تأخير»، وهي المطالب نفسها التي يتضمنها مشروع القرار الأوروبي.


مقالات ذات صلة

إيران تشدد قبضتها على المحتجين و«الرياضيين»

شؤون إقليمية أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إيران تشدد قبضتها على المحتجين و«الرياضيين»

عادت السلطات الإيرانية، وذلك بالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل مهسا جينا أميني، إلى تشديد قبضتها الداخلية وتصعيد إجراءاتها بحق أشكال مختلفة من التحرك والاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)

طائرة تجارية إيرانية تهبط في الصين رغم تهديدات واشنطن بفرض عقوبات

هبطت طائرة تجارية تابعة لشركة ماهان الإيرانية، اليوم الأربعاء، في الصين، وفق ما أفاد موقع لتتبُّع حركة الملاحة الجوية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة ماهان للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق (رويترز)

عقوبات أميركية جديدة على قطاع الطيران الإيراني تدخل حيز التنفيذ

دخلت حزمة جديدة من العقوبات الأميركية المشدّدة على قطاع الطيران الإيراني حيز التنفيذ اليوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأبلغه شروط طهران لإعادة فتح هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية تظهر في مطار أربيل الدولي (رويترز)

تقرير: إلغاء رحلات إيرانية إلى بغداد ومسقط مع بدء سريان عقوبات أميركية جديدة

نقلت وكالة «تسنيم» ​للأنباء اليوم عن منظمة الطيران المدني الإيرانية قولها إنه ‌تقرر إلغاء الرحلات ‌من ​طهران ‌إلى ⁠بغداد ​ومسقط اعتباراً ⁠من منتصف ليل الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إيران تشدد قبضتها على المحتجين و«الرياضيين»

أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران تشدد قبضتها على المحتجين و«الرياضيين»

أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشاركون في تجمع دعماً لحقوق الإنسان والمساواة للنساء في إيران بالقرب من نصب «لنكولن التذكاري» في العاصمة واشنطن يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عادت السلطات الإيرانية، وذلك بالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل مهسا جينا أميني، إلى تشديد قبضتها الداخلية وتصعيد إجراءاتها بحق أشكال مختلفة من التحرك والاحتجاج، بدءاً من اعتقال واستدعاء أصحاب محال وتجار شاركوا في إضراب واسع بالمدن الكردية، وصولاً إلى فتح ملفات قضائية بحق منظمي سباق للركض في طهران، بعدما شاركت فيه نساء من دون ارتداء الحجاب الإجباري.

وفي المدن الكردية، جاءت الإجراءات الأمنية عقب إضراب واسع نُفّذ في 16 سبتمبر (أيلول) الحالي، بدعوة من ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران، وانضم إليه أصحاب محال وتجار في عشرات المدن ذات الغالبية الكردية.

كانت مهسا أميني، وهي إيرانية تبلغ من العمر 22 عاماً، قد اعتُقلت في طهران في 13 سبتمبر 2022 من قبل وحدة الشرطة المسؤولة عن تطبيق قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء في إيران. ودخلت في غيبوبة في أثناء احتجازها لدى الشرطة، وأُعلنت وفاتها في 16 سبتمبر 2022. وأدت وفاتها إلى اندلاع احتجاجات مناهضة للحكومة في أنحاء العالم.

فتيات إيرانيات شابات يمشين في أحد شوارع طهران بالذكرى الرابعة للاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني... يوم 16 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وأفادت شبكة حقوق الإنسان في كردستان إيران، الأربعاء، بأن أجهزة أمنية، بينها جهاز استخبارات «الحرس الثوري» ووزارة الاستخبارات، مارست ضغوطاً واسعة على أصحاب المحال والتجار بعد الإضراب، شملت الاستدعاء والاعتقال وإجبار بعضهم على توقيع تعهدات خطية بعدم المشاركة في إضرابات مستقبلية، إلى جانب إغلاق عدد من الوحدات التجارية بأوامر قضائية.

استدعاءات وتعهدات

وحسب بيان الشبكة، الذي نقله موقع «إيران إنترناشيونال»، تركز جانب من هذه الإجراءات في كامياران وسنندج، حيث اعتُقل ما لا يقل عن ستة من أصحاب المحال في كامياران وأربعة تجار على الأقل في سنندج، في حين أُجبر آخرون على توقيع تعهدات تحت التهديد.

وقال صاحب محل في كامياران، وفق ما نقلته شبكة حقوق الإنسان في كردستان إيران، إن منظمة استخبارات «الحرس الثوري» استدعت مساء 16 سبتمبر عدداً من أصحاب المحال الذين شاركوا في الإضراب، وهدّدتهم بإغلاق متاجرهم بالشمع الأحمر في حال عدم حضورهم خلال ساعات.

وحسب المصدر نفسه، توجه عدد من التجار في الليلة ذاتها إلى مقر جهاز الاستخبارات، حيث تلقوا تهديدات بفتح ملفات قضائية بحقهم. وقال إن صاحب محل مسناً تعرض للضرب والإهانة، بعدما اعترض على الإجراءات أمام الآخرين.

وأُجبر أصحاب المحال الذين جرى استدعاؤهم، حسب الرواية ذاتها، على توقيع تعهدات خطية بعدم المشاركة في إضرابات مقبلة.

امرأتان إيرانيتان تنتظران في مقهى بالذكرى الرابعة للاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني في وسط طهران بإيران يوم 16 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ومع استمرار الإجراءات الأمنية، اعتقلت قوات وزارة الاستخبارات ما لا يقل عن ستة من أصحاب المحال في كامياران، وفق الشبكة. وأُفرج عن اثنين منهم في 19 سبتمبر، فيما بقي أربعة آخرون رهن الاعتقال، ولم تتوافر، حسب عائلاتهم، معلومات واضحة عن أوضاعهم أو أماكن احتجازهم.

وفي سنندج، أفادت الشبكة باعتقال أربعة تجار على الأقل من جانب قوات وزارة الاستخبارات، فيما أُجبر عدد آخر من أصحاب المحال على توقيع تعهدات بعد استدعائهم إلى إدارة المرافق.

وتشير مقاطع فيديو وتقارير متداولة إلى أن الإضراب أدى إلى إغلاق أجزاء من سوق سنندج، في وقت شهدت فيه المدينة انتشاراً أمنياً واسعاً.

تهديدات قبل الإضراب

لم تبدأ الضغوط الأمنية بعد الإضراب فقط. ففي 15 سبتمبر، أي قبل يوم من موعده، نشرت مواقع إلكترونية وقنوات على «تلغرام» مرتبطة بالأجهزة الأمنية بياناً حذرت فيه أصحاب المحال والنقابات من المشاركة في الدعوات إلى الإضراب.

وتضمّن التحذير تهديداً بإغلاق المحال لمدة تصل إلى ستة أشهر واتخاذ إجراءات قضائية بحق أصحابها في حال المشاركة.

كما أفادت منظمة «هانا» الحقوقية بأن إدارة الإشراف على الأماكن العامة التابعة لقيادة شرطة سقز أغلقت عدداً من الوحدات التجارية في المدينة عقب الإضراب.

وأظهرت صور نشرتها المنظمة أوراقاً وُضعت على المحال المغلقة، كُتب عليها أن سبب الإغلاق هو «عدم الالتزام بقوانين النظام النقابي»، مع حظر نشاط الوحدات التجارية حتى إشعار آخر.

ولم يتضح، وفق المعلومات المتاحة، المخالفة المحددة التي استندت إليها قرارات الإغلاق، كما لم يُعرف العدد النهائي للمحال التي أغلقت، أو المدة التي ستستمر خلالها الإجراءات، أو آلية اعتراض أصحابها عليها.

وقالت «هانا» أيضاً إن عدداً من أفراد عائلات أعضاء المنظمة في إيران استُدعوا من قبل الأجهزة الأمنية بعد تغطية المنظمة للإضرابات في المدن الكردية، وتعرضوا للتهديد والضغط بسبب أنشطة أقاربهم الحقوقية. ووصفت المنظمة هذه الإجراءات بأنها تستهدف التأثير على نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان.

منع الوصول إلى قبر مهسا أميني

جاء الإضراب بالتزامن مع انتشار أمني مكثف في عدد من المدن الكردية، خصوصاً في سقز، مسقط رأس مهسا أميني.

وأفادت تقارير بأن القوات الأمنية أغلقت الطرق المؤدية إلى مقبرة آيجي، حيث قبر أميني، ومنعت عائلتها ومواطنين آخرين من الوصول إلى الموقع في ذكرى وفاتها.

كما أفادت التقارير بأن «الحرس الثوري» فرّغ مياه سد «جراغ ويس» في سقز، ما أدى إلى إغلاق طرق فرعية مؤدية إلى المقبرة. وقالت المصادر إن هذا الإجراء تكرر للعام الثالث على التوالي في توقيت ذكرى أميني، بهدف عرقلة الوصول إلى موقع دفنها.

وكان الإضراب قد جاء بعد دعوة ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران، وشمل عشرات المدن ذات الغالبية الكردية، حيث أغلقت المحال التجارية والأسواق أبوابها في تحرك حمل دلالة سياسية واحتجاجية مرتبطة بذكرى أميني وحركة «المرأة، الحياة، الحرية».

وأوضح علوي أن الإضراب وحده لا يؤدي إلى تغيير النظام، لكنه يمكن أن يكون جزءاً من مسار أوسع يُظهر قدرة المجتمع على التحرك والتماسك، معتبراً أن امتداد مثل هذه التحركات إلى مناطق أخرى من إيران سيكون مؤشراً على تشكل إرادة احتجاجية أوسع.

من الأسواق إلى الملاعب... ملاحقة منظمي «ماراثون طهران»

وبالتزامن مع هذه الإجراءات في كردستان، اتخذت السلطات الإيرانية خطوات قضائية ضد منظمي فعالية رياضية في العاصمة طهران، بعدما أثارت مشاركة نساء من دون الحجاب الإجباري جدلاً واسعاً.

القضاء الإيراني يلاحق منظمي «ماراثون طهران» (إسنا)

وأعلن المركز الإعلامي للسلطة القضائية الإيرانية أن النيابة العامة في طهران وجهت اتهامات قضائية إلى المسؤولين والقائمين على تنظيم سباق طهران لمسافة 10 كيلومترات، بسبب ما وصفته بـ«عدم الالتزام بالضوابط القانونية والشرعية».

وأُقيم السباق صباح 18 سبتمبر في جنوب غربي العاصمة، بمشاركة آلاف النساء والرجال. وكان من أبرز المشاهد التي أثارت الانتباه مشاركة نساء من دون ارتداء الحجاب الإجباري.

وجاء السباق بالتزامن مع مسيرة حكومية منظمة حملت اسم «مناورة فدائيي إيران».

وقال المدير العام للرياضة والشباب في محافظة طهران، حبيب ستوده‌نجاد، لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن الرياضيين الذين يُعدّون «مخالفين» سيواجهون إجراءات قانونية وانضباطية.

وأضاف أن تصريح إقامة السباق صدر عن مجلس أمن المحافظة، وأن المشاركين وقّعوا قبل بدء الفعالية «تعهداً بالالتزام بالضوابط الإسلامية».

وقال ستوده‌نجاد إن أفراد الطاقم التنفيذي وقوات الحراسة كانوا منتشرين على طول مسار السباق، ويوجهون التنبيهات إلى المشاركين عند الحاجة، مضيفاً أنه «حتى جرى منع بعض النساء من المشاركة في السباق».

من جهته، قال رئيس هيئة ألعاب القوى في طهران، غلام رضا كريمي، لوكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن السباق حصل على «جميع التراخيص اللازمة».

وأوضح كريمي أن الجهة المسؤولة حصلت قبل إقامة السباق على تعهدات خطية من المشاركين بالالتزام بالحجاب والحفاظ على الضوابط الإسلامية، كما جرى توزيع أغطية للرأس.

وأضاف أن الصور المتداولة التي تُظهر مشاركة نساء من دون حجاب لا تعكس، حسب قوله، الصورة الكاملة للحدث، مشيراً إلى أن غالبية المشاركين كانوا ملتزمين بالحجاب، وأن نشر جزء من الصور وتناولها إعلامياً استهدف، وفق روايته، إثارة الجدل حول السباق.

سلسلة من الاعتراضات

ولا تُعد قضية ماراثون طهران حالة منفردة؛ إذ سبق أن أثارت مشاركة نساء من دون الحجاب الإجباري في ماراثوني كيش وشيراز ردود فعل من مسؤولين أمنيين وسياسيين ودينيين في إيران، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان.

كما انتقدت وكالة «فارس» إقامة «ماراثون طهران»، مستحضرةً الجدل الذي رافق في السنوات الماضية مسابقات ألعاب القوى في جزيرة كيش ومدينة شيراز، بسبب طريقة تنظيمها وملابس المشاركين.

وفي الأسبوع السابق، أُلغي سباق نصف ماراثون «ماهان‌ ران» الذي كان مقرراً تنظيمه في مدينة كرمان، بعد اعتراض الحوزة العلمية في المحافظة على ركض النساء والرجال بجوار بعضهم بعضاً.


تقرير: استهداف سفينة شحن في مضيق هرمز ووقوع إصابتين

سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

تقرير: استهداف سفينة شحن في مضيق هرمز ووقوع إصابتين

سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت اليوم الأربعاء بلاغا عن واقعة داخل مضيق هرمز حيث أصاب مقذوف مجهول سفينة شحن، ما أدى إلى اندلاع حريق بها وانجرافها.

سفن تعبر مضيق «هرمز» وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (أرشيفية - رويترز)

وأضافت أنه جرى إجلاء جميع أفراد طاقم السفينة مشيرة إلى وقوع إصابتين.

وقالت الهيئة إن السلطات المختصة تحقق في الواقعة التي لم يرد حتى الآن أنها تسببت في أي ضرر بيئي.


طائرة تجارية إيرانية تهبط في الصين رغم تهديدات واشنطن بفرض عقوبات

مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)
مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)
TT

طائرة تجارية إيرانية تهبط في الصين رغم تهديدات واشنطن بفرض عقوبات

مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)
مشاة يسيرون أمام مكتب شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» في بغداد (أ.ب)

هبطت طائرة تجارية تابعة لشركة ماهان الإيرانية، اليوم الأربعاء، في الصين، وفق ما أفاد موقع لتتبُّع حركة الملاحة الجوية، على الرغم من تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على أي جهة تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية.

وأفاد موقع «فلايت رادار 24» أن طائرة «إيرباص إيه 340» أقلعت من طهران، هبطت قرابة الساعة 16:40 (8:40 بتوقيت غرينتش) في كانتون بجنوب الصين، في وقت دخلت حزمة جديدة من العقوبات الأميركية المشدّدة على قطاع الطيران الإيراني حيز التنفيذ، اليوم الأربعاء، بعدما تعهّدت واشنطن بوقف كل شركات الطيران الإيرانية عن العمل ومعاقبة أيّ جهة تتعامل معها، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُعد العقوبات الجديدة، التي أعلنها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، مكمّلة لسلسلة إجراءات استهدفت قطاع الطيران الإيراني، في إطار مساعي الولايات المتحدة لزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران، في ضوء تعثّر العملية العسكرية.