أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

تشكيك إسرائيلي متواصل... و«صمت» رسمي مصري ورسائل موحية

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة
TT

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

عندما نشر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) الشهر الماضي، كتاباً يتطرق جزئياً لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تضمن وثيقتين تتعلقان بلقاء أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وسكرتير سلفه الرئيس أنور السادات للمعلومات، مع رئيس الموساد، في ذلك الوقت، تسفي زامير، لإبلاغه بموعد الهجوم المصري على سيناء؛ كانت تلك هي المرة الأولى، التي تفصح فيها إسرائيل «رسمياً» عن أمر يتعلق بعلاقة مروان بأجهزتها الاستخباراتية.

وظل الحديث عن «بابل» أو «الصهر» أو «الملاك»، وهي أسماء شفرية للجاسوس الذي سرب للإسرائيليين موعد الهجوم المصري، بعيداً عن الدوائر الرسمية، وقاصراً على تسريبات صحافية أو كتب مسؤولين سابقين.

وبقي اسم ذلك الجاسوس سراً تحوم حوله التسريبات لسنوات طويلة، وظهرت تدريجياً على مدى سنوات عبر مذكرات لمسؤولين إسرائيليين؛ مثل: غولدا مائير رئيسة الوزراء في الفترة (1969: 1974)، وإيلي زعيرا (رئيس المخابرات العسكرية خلال الفترة 1972: 1974)، وموشيه ديان (وزير الدفاع 1967: 1974).

ولم يُكشف عن اسم مروان، إلا في عام 2004 على يد الباحث الإسرائيلي أهارون بيرجمان، نقلاً عن إيلي زعيرا، الذي نشر في العام نفسه كتابه «الأسطورة مقابل الحقيقة: حرب يوم كيبور الإخفاقات والدروس»، وذكر فيه أن مروان كان عميلاً، وأبلغ إسرائيل بموعد بداية حرب أكتوبر.

وبقي ذاك الكشف رواية من جانب واحد دون تأكيد رسمي، وظل الأمر جزءاً من صراع محتدم ومتواصل إلى اليوم بين الأجهزة الإسرائيلية بشأن المسؤول عن التقصير، الذي قاد إلى إخفاق إسرائيل في عام 1973.

ورغم أن وثائق كتاب «الموساد» لا تقدم جديداً عما سربته إسرائيل على مدى سنوات، لكن يقدم للمرة الأولى وثيقة يرفض فيها «الموساد» اعتبار مروان «عميلاً مزدوجاً»، كما يرفض تعامل مصر معه وكأنه «ذلك البطل القومي، الذي نجح في نقل أهم معلومة حول العدو الإسرائيلي»، وبالنسبة للموساد فإن عمل مروان كان «في خدمة إسرائيل».

صمت مصري ورسائل

في مواجهة الروايات الإسرائيلية بشأن مروان ولمن كان ولاؤه الحقيقي، التزمت مصر صمتاً رسمياً، إلا أن مصدراً مصرياً مطلعاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأحاديث الإسرائيلية المتكررة بشأن مروان، «تعكس حالة التنافس بين الأجهزة الأمنية في إسرائيل»، مؤكداً أن «الكل في إسرائيل يحاول أن يبرئ نفسه عبر محاولة الظهور كبطل».

وشدد المصدر، الذي طلب عدم نشر هويته، على أنه «لا يجب أن ننشغل بمعارك تصفية الحسابات، ولا يجب أن نعتمد عليها في كتابة التاريخ العسكري والأمني».

ويبدو أن الموقف المصري المتحفظ بات بمثابة استراتيجية ثابتة التزمت بها مصر على مدى سنوات طويلة في مواجهة تسريبات إسرائيلية موسمية بشأن مروان، لكن التعامل المصري مع الرجل الذي ظل غامضاً في حياته وفي رحيله، لم يخلُ من إشارات موحية، فلم توجه له أية اتهامات مصرية، بل تمتع بحرية السفر والإقامة، وحافظ على علاقات وطيدة مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وكان مروان ضمن لائحة محدودة الأسماء حضروا حفل زواج نجل الرئيس المصري الأسبق، في بداية أكتوبر 2003.

ونُشرت صورة وقتها لعناق حار بين مبارك ومروان، وهو ما دفع الصحافي الإسرائيلي رونين بيرجمان لكي يكتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن هذه الصورة «تثبت أن مروان كان عميلاً مزدوجاً».

فشل عسكري واستخباراتي

ويرى الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أن ما يصفه بـ«إعادة تدوير الرواية الإسرائيلية» سواء بشأن حرب أكتوبر أو مروان تمثل «تجسيداً للفشل العسكري والاستخباراتي في إسرائيل». لافتاً إلى تأثير الانقسامات الداخلية الأمنية والسياسية الإسرائيلي خلال المرحلة الراهنة على إعادة طرح ما وصفه بـ«المهاترات».

وبشأن إصرار مصر على التزام الصمت إزاء الرواية الإسرائيلية بشأن أشرف مروان طيلة سنوات، قال فهمي لـ«الشرق الأوسط»، إن الكشف عن الوثائق أو طرح تسريبات «لا يمثل ثقافة مصرية»، مشدداً على أن الأجهزة المصرية «تتعامل مع مثل هذه القضايا وفق رؤيتها، ولا تنساق وراء محاولات جرها لمعارك هامشية».

ورأى اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري، وأستاذ العلوم الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، أن مروان «بطل مصري شارك في تنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي التي استبقت بها مصر الحرب». معتبراً أيضاً أنه «شارك في إبعاد رئيس الموساد الإسرائيلي عن فريق إدارة العمليات في تل أبيب قبيل ساعات من اندلاع الحرب».

وقال سالم لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل متهمة باغتيال مروان في أعقاب تأكدها من دوره الحاسم في الحرب وخداع أجهزتها الأمنية».

 

لغز الوفاة

ورغم أن محكمة التحقيق العلنية البريطانية قضت في يوليو (تموز) 2010 بأن الوفاة «غير معروفة الأسباب»، وأن الأدلة التي قدمتها الشرطة وشهادات الشهود «لا تدعم أي فرضية بشأن وفاته»، ولم توجه التحقيقات اتهاماً لأية جهة بالوقوف وراء مقتل مروان بعد ظهر الأربعاء 27 يونيو (حزيران) 2007، عندما سقط من شرفة منزله في حي راق بالعاصمة البريطانية لندن ليفارق الحياة عن 63 عاماً؛ فإن زوجته منى جمال عبد الناصر اتهمت (الموساد) الإسرائيلي بقتله.

وضاعف مشهد جنازة مروان من الغموض بشأنه، إذ رتبتها أجهزة رسمية، وسط حضور من كبار رجال الدولة، تقدمهم جمال مبارك نجل الرئيس المصري آنذاك.

«مسألة» هيكل

لكن الجنازة لم تكن مشهد الختام في سيرة «الرجل الغامض»، ففي أعقاب الإطاحة بحكم مبارك عام 2011 نشر الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، كتاباً من جزأين عن عصر مبارك، وحكى أنه تلقى عبر نواب عرب في «الكنيست» وثائق بتحقيقات برلمانية إسرائيلية بشأن قضية العميل «بابل»، وأنه رأى بنفسه وثائق رسمية طبق الأصل من محاضر سرية للرئاسة المصرية، وأشارت التحقيقات إلى أن ذلك العميل قدمها للموساد، وأكد هيكل صحة الأوراق المصرية بحكم قربه من الرئيس السادات في ذلك الوقت.

وحكى هيكل عن لقاء جمعه مع مروان في لندن قبل أشهر من رحيله، حيث واجهه بما يتردد عنه، فأخرج له مروان قصاصة من جريدة «الأهرام»، نشرت نص ما قاله السادات في تكريم مروان عندما ترك منصبه في رئاسة الجمهورية، وقال: «ألا تكفيك شهادة أنور السادات حين يقول إنني قدمت خدمات كبيرة لمصر؟».

وتابع مروان، وقد بدا عليه الحرج - والرواية لهيكل - «هل تتصور أن صهر جمال عبد الناصر جاسوس، وأنت كنت أقرب الأصدقاء إليه وتعرفه؟» فرد هيكل: «دعني أكون واضحاً معك، لا شهادة حسن سير وسلوك من أنور السادات، ولا صلة مصاهرة مع جمال عبد الناصر تعطيان عصمة لأحد، نحن أمام مشكلة حقيقية تقتضي وضوحاً مقنعاً حقيقياً». وفي الكتاب نفسه، يقول هيكل إن «كرامة البلد وسمعة أشرف مروان نفسه تتطلبان تحقيقاً رسمياً مصرياً في الموضوع، بواسطة هيئة رفيعة المستوى، تضم عناصر قضائية، وبرلمانية، على أن تمثل فيها المخابرات العسكرية والمخابرات العامة، وظني أنه من دون ذلك لا تستقيم الأمور».


مقالات ذات صلة

السلطة الفلسطينية تعتقل سماسرة «باعوا» منازل لمستوطنين في أريحا

المشرق العربي مستوطنون يستولون على 8 منازل في أريحا بالضفة الغربية الخميس الماضي (د.ب.أ)

السلطة الفلسطينية تعتقل سماسرة «باعوا» منازل لمستوطنين في أريحا

السلطة الفلسطينية تبدأ حملة اعتقالات وتحقيقات في قضية تسريب منازل أريحا، وتُحذر من الفتن.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

كيف تحول البرنامج النووي الإسرائيلي إلى «سر يعرفه الجميع»؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

الاجتياح الإسرائيلي للخليل يكشف أن الهدف كان الانتقام والعقاب الجماعي

حصيلة العملية العسكرية الإسرائيلية التي شارك فيها ألوف الجنود واستمرت 11 يوماً؛ ضبط 4 قطع سلاح بدائية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

‏ما بين 5 و6 آلاف دونم سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية فلسطينيون وناشطون إسرائيليون يقطفون الزيتون في قرية قصرة بالضفة الغربية، يوم 3 نوفمبر 2026 في منطقة يتردد عليها مستوطنون إسرائيليون وفق سكان محليين (أ.ب)

عسكريون إسرائيليون سابقون يساعدون فلسطينيين في حصاد الزيتون تضامناً ضد عنف المستوطنين

ساعدت مجموعة من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين السابقين مزارعين فلسطينيين، الثلاثاء، في حصاد الزيتون، في بادرة تضامن وسط تصاعد أعمال عنف المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الرئيس الإسرائيلي يكلّف آيزنكوت بتشكيل الحكومة

غادي آيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يلوح بالعلم الإسرائيلي بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية (د.ب.أ)
غادي آيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يلوح بالعلم الإسرائيلي بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية (د.ب.أ)
TT

الرئيس الإسرائيلي يكلّف آيزنكوت بتشكيل الحكومة

غادي آيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يلوح بالعلم الإسرائيلي بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية (د.ب.أ)
غادي آيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يلوح بالعلم الإسرائيلي بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية (د.ب.أ)

اختار الرئيس الإسرائيلي اليوم السبت غادي آيزنكوت، أقوى منافسي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لتشكيل حكومة جديدة، وذلك في أعقاب انتخابات لم تمنح أيا منهما مسلكا واضحا للوصول إلى السلطة.

إلى ذلك، دعا حزب «يشار» بزعامة آيزنكوت، أعضاء حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، وحلفاءه، إلى الانضمام إلى ائتلاف بقيادته.

وكتب يشار (مستقيم) في منشور على منصة إكس «إذا كان حزب الليكود وحلفاؤه مهتمين فجأة بالوحدة وتشكيل حكومة موسعة، فهم مدعوون إلى الإعلان عن فضّ تحالفهم مع المتطرّفين... وعن استعدادهم للانضمام إلى حكومة برئاسة آيزنكوت».

وجاء ذلك بُعيد دعوة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، محذرا في الوقت عينه من أنّ التحالف مع الأحزاب العربية سيؤدي إلى "تفكّك" إسرائيل.


نتنياهو: التحالف مع الأحزاب العربية «سيفكّك» دولة إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة (أ.ب)
TT

نتنياهو: التحالف مع الأحزاب العربية «سيفكّك» دولة إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة (أ.ب)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنّ التحالف بين أحزاب المعارضة والأحزاب العربية، سيؤدي إلى «تفكّك» دولة إسرائيل.

وقال في كلمة مسجّلة إنّ «حكومة كهذه، تعتمد على الإسلامويين، ستفكك دولة إسرائيل من الداخل، تماماً كما يحدث في دول أوروبية، بل أسوأ من ذلك بكثير»، في إشارة إلى الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول الأوروبية.

ولم يتمكن نتنياهو ولا منافسه غادي آيزنكوت من تحقيق غالبية في انتخابات 27 أكتوبر (تشرين الأول)، في ظل انقسام حاد في المجتمع الإسرائيلي بشأن نتنياهو.

وتوقع آيزنكوت أن يكلفه الرئيس إسحاق هرتسوغ، تشكيل الحكومة عندما يعلن قراره الأحد. وكتب على منصة «إكس»: «أحرزنا تقدماً كبيراً وحققنا اختراقات بهدوء وتواضع، فيما لا يزال الكثير يجري خلف الكواليس».

وأشار يائير غولان، الزعيم الرئيسي لتيار اليسار داخل تكتل آيزنكوت، إلى إحراز تقدم أيضاً، قائلاً: «أنا أكثر تفاؤلاً مما كنت عليه صباح الأربعاء الذي أعقب ظهور نتائج الانتخابات».

ويمكن لآيزنكوت تشكيل ائتلاف إذا تعاون مع الأحزاب العربية التي ارتفع عدد مقاعدها بشكل كبير في ظل الاستياء من سياسات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.

لكن هذا الاحتمال يواجه معارضة شديدة من شريكه في المعارضة أفيغدور ليبرمان، المساعد السابق لنتنياهو الذي بات ينتقده بشدة، لكنه يتبنى مواقف متشددة مماثلة تجاه الفلسطينيين.

وقال ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، الجمعة، إنه لن يتراجع عن رفض التحالف مع الأحزاب العربية الإسرائيلية، لكنه دعا المعارضة إلى التفاوض مع الأحزاب اليهودية المتشددة دينياً، رغم انتقاداته الحادة لها على مدى سنوات بسبب تهرب أفرادها من الخدمة العسكرية.

واعتبر ليبرمان أن الهدفين الأهم هما إزاحة نتنياهو وتجنب إجراء انتخابات جديدة، مشدداً على أن الوقت حان لتقديم تنازلات و«إدراك أن محاولة الحصول على كل شيء تنطوي على خطر خسارة كل شيء».

وأضاف في بيان نشره على وسائل التواصل الاجتماعي: «وهذا يشمل أيضاً مسألة قانون التجنيد».


الجيش الأميركي لتقييد تجارة إيران البرية بـ«قوة مهام»

قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر «يسار» يُحلِّق فوق مضيق «هرمز» على متن مروحية «سي إتش- 47 شينوك» (سنتكوم)
قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر «يسار» يُحلِّق فوق مضيق «هرمز» على متن مروحية «سي إتش- 47 شينوك» (سنتكوم)
TT

الجيش الأميركي لتقييد تجارة إيران البرية بـ«قوة مهام»

قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر «يسار» يُحلِّق فوق مضيق «هرمز» على متن مروحية «سي إتش- 47 شينوك» (سنتكوم)
قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر «يسار» يُحلِّق فوق مضيق «هرمز» على متن مروحية «سي إتش- 47 شينوك» (سنتكوم)

بعد أشهر من فرضه الحصار البحري المستمر على إيران، قرَّر الجيش الأميركي تشكيل قوة مهام لتعزيز جهود واشنطن الرامية إلى تقييد نقل طهران أنظمة الأسلحة المتطورة ومواد أخرى خاضعة للعقوبات عبر حدودها البرية وبحر قزوين.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن تشكيل قوة المهام، سيكون اسمها «آيرون جيت» (البوابة الحديدية)، وستتخذ من تامبا بولاية فلوريدا مقراً، وستنسق عملها مع وكالات حكومية أخرى. وبالإضافة إلى نقل الأسلحة، ستركز قوة المهام أيضاً على المواد ذات الاستخدام المزدوج ومصادر الدخل غير المشروعة.

وقال الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية في بيان: «تعزيز تعاون القيادة المركزية مع الشركاء عبر الوكالات الأميركية سيحدُّ بشكل أكبر من قدرة إيران على تمويل الإرهاب، وإعادة بناء مصانع الأسلحة، وإعادة بناء قدراتها العسكرية».

وقدَّرت القيادة المركزية أنَّ الحصار البحري الذي فرضته منعَ إيران من تصدير ما تزيد قيمته على 25 مليار دولار من النفط الخام.

وتشكيل قوة المهام أحدث دليل على أن الولايات المتحدة لا تزال تبحث عن سبل لزيادة الضغط على طهران، بعد أكثر من ثمانية أشهر على شنها، إلى جانب إسرائيل، حرباً على إيران.
وفي حين وجهت الضربات الأميركية ضربات مدمرة للجيش الإيراني التقليدي، وقيد الحصار البحري الأميركي بشدة صادراتها من النفط الخام عبر مضيق هرمز وبحر العرب، لا تزال إيران تشكل تهديداً كبيرا للمنطقة، وشدد حكامها قبضتهم على البلاد.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن إيران أنشأت شبكة ‌سرية من الأجهزة العسكرية لاستيراد معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ‌بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ يناير (كانون ​الثاني) 2025، متجاوزة الحصار البحري الأميركي والعقوبات ‌الغربية.

وأشار التحقيق إلى أن المواد دخلت إيران على متن سفن شحن عبر بحر ‌قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وبطائرات شحن من الصين.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن قوة المهام ستنسق مع وكالات حكومية أخرى. وقال مسؤول عسكري أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن من المتوقع أن تشمل تلك الوكالات وزارات الخزانة والخارجية والعدل، فضلا عن أجهزة المخابرات.

وقال الجيش الإيراني، السبت، إنه أصبح «أقوى» مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضدها، بينما أعلنت قطر، التي تؤدي دور الوسيط، أن واشنطن لا تزال ملتزمة بإيجاد حل دبلوماسي.

وتجري جهود دبلوماسية في الأيام الأخيرة لمنع تجدد العمليات العسكرية، بعدما هددت الولايات المتحدة بشن ضربات واسعة النطاق على إيران، رغم إشارة ترمب إلى إحراز تقدُّم في المفاوضات لإنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية.

وقال رئيس مجلس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال كلمة ألقاها مساء الجمعة في أكسفورد، إن هذه الجهود حالت دون خروج الوضع «عن السيطرة». وأشار إلى استمرار رغبة الطرفين الإيراني والأميركي «في اتخاذ خطوات نحو التوصل إلى حلّ، وأهمية البناء عليها، من دون انتظار اتفاق مثالي يحُول التطلع إليه دون التوصل إلى اتفاق يخفف التصعيد».

وتأتي هذه الرغبة الأميركية بعد انتخابات منتصف الولاية التي مُني فيها حزب دونالد ترمب بهزيمة قاسية.

وأجرى الرئيس الأميركي الجمعة اتصالاً هاتفياً بأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي تشارك بلاده في الوساطة مع إيران، لبحث الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

من جهته، أفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، بأنه تواصل خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية مع 12 من نظرائه، بينهم وزيرا خارجية تركيا وباكستان اللتين تؤديان أيضاً دور الوساطة في النزاع.

وقال المتحدث باسم الجيش محمد أكرمي نيا، إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، وفق ما نقلت عنه وكالة أنباء «إرنا».

وتابع: «لقد استفادت القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية من دروس عسكرية قيِّمة استُخلصت من المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، واكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس». وقال: «بناء على توجيهات قائد الثورة، فإن رد القوات المسلحة سيكون فورياً وفعالاً ودون قيود جغرافية، وهذا التوجيه هو أساس عمل القوات المسلحة».

كما لفت أكرمي نيا إلى أن القوات المسلحة الإيرانية تسيطر على مضيق هرمز، مؤكداً أنه لن يتم فتح الممر الاستراتيجي إلا بعد قبول واشنطن بشروط طهران.

وتسعى طهران منذ اندلاع الحرب إلى تقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي كان يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من المحروقات.