أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

تشكيك إسرائيلي متواصل... و«صمت» رسمي مصري ورسائل موحية

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة
TT

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

أشرف مروان... رجل الرواية الواحدة

عندما نشر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) الشهر الماضي، كتاباً يتطرق جزئياً لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تضمن وثيقتين تتعلقان بلقاء أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وسكرتير سلفه الرئيس أنور السادات للمعلومات، مع رئيس الموساد، في ذلك الوقت، تسفي زامير، لإبلاغه بموعد الهجوم المصري على سيناء؛ كانت تلك هي المرة الأولى، التي تفصح فيها إسرائيل «رسمياً» عن أمر يتعلق بعلاقة مروان بأجهزتها الاستخباراتية.

وظل الحديث عن «بابل» أو «الصهر» أو «الملاك»، وهي أسماء شفرية للجاسوس الذي سرب للإسرائيليين موعد الهجوم المصري، بعيداً عن الدوائر الرسمية، وقاصراً على تسريبات صحافية أو كتب مسؤولين سابقين.

وبقي اسم ذلك الجاسوس سراً تحوم حوله التسريبات لسنوات طويلة، وظهرت تدريجياً على مدى سنوات عبر مذكرات لمسؤولين إسرائيليين؛ مثل: غولدا مائير رئيسة الوزراء في الفترة (1969: 1974)، وإيلي زعيرا (رئيس المخابرات العسكرية خلال الفترة 1972: 1974)، وموشيه ديان (وزير الدفاع 1967: 1974).

ولم يُكشف عن اسم مروان، إلا في عام 2004 على يد الباحث الإسرائيلي أهارون بيرجمان، نقلاً عن إيلي زعيرا، الذي نشر في العام نفسه كتابه «الأسطورة مقابل الحقيقة: حرب يوم كيبور الإخفاقات والدروس»، وذكر فيه أن مروان كان عميلاً، وأبلغ إسرائيل بموعد بداية حرب أكتوبر.

وبقي ذاك الكشف رواية من جانب واحد دون تأكيد رسمي، وظل الأمر جزءاً من صراع محتدم ومتواصل إلى اليوم بين الأجهزة الإسرائيلية بشأن المسؤول عن التقصير، الذي قاد إلى إخفاق إسرائيل في عام 1973.

ورغم أن وثائق كتاب «الموساد» لا تقدم جديداً عما سربته إسرائيل على مدى سنوات، لكن يقدم للمرة الأولى وثيقة يرفض فيها «الموساد» اعتبار مروان «عميلاً مزدوجاً»، كما يرفض تعامل مصر معه وكأنه «ذلك البطل القومي، الذي نجح في نقل أهم معلومة حول العدو الإسرائيلي»، وبالنسبة للموساد فإن عمل مروان كان «في خدمة إسرائيل».

صمت مصري ورسائل

في مواجهة الروايات الإسرائيلية بشأن مروان ولمن كان ولاؤه الحقيقي، التزمت مصر صمتاً رسمياً، إلا أن مصدراً مصرياً مطلعاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأحاديث الإسرائيلية المتكررة بشأن مروان، «تعكس حالة التنافس بين الأجهزة الأمنية في إسرائيل»، مؤكداً أن «الكل في إسرائيل يحاول أن يبرئ نفسه عبر محاولة الظهور كبطل».

وشدد المصدر، الذي طلب عدم نشر هويته، على أنه «لا يجب أن ننشغل بمعارك تصفية الحسابات، ولا يجب أن نعتمد عليها في كتابة التاريخ العسكري والأمني».

ويبدو أن الموقف المصري المتحفظ بات بمثابة استراتيجية ثابتة التزمت بها مصر على مدى سنوات طويلة في مواجهة تسريبات إسرائيلية موسمية بشأن مروان، لكن التعامل المصري مع الرجل الذي ظل غامضاً في حياته وفي رحيله، لم يخلُ من إشارات موحية، فلم توجه له أية اتهامات مصرية، بل تمتع بحرية السفر والإقامة، وحافظ على علاقات وطيدة مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وكان مروان ضمن لائحة محدودة الأسماء حضروا حفل زواج نجل الرئيس المصري الأسبق، في بداية أكتوبر 2003.

ونُشرت صورة وقتها لعناق حار بين مبارك ومروان، وهو ما دفع الصحافي الإسرائيلي رونين بيرجمان لكي يكتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن هذه الصورة «تثبت أن مروان كان عميلاً مزدوجاً».

فشل عسكري واستخباراتي

ويرى الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أن ما يصفه بـ«إعادة تدوير الرواية الإسرائيلية» سواء بشأن حرب أكتوبر أو مروان تمثل «تجسيداً للفشل العسكري والاستخباراتي في إسرائيل». لافتاً إلى تأثير الانقسامات الداخلية الأمنية والسياسية الإسرائيلي خلال المرحلة الراهنة على إعادة طرح ما وصفه بـ«المهاترات».

وبشأن إصرار مصر على التزام الصمت إزاء الرواية الإسرائيلية بشأن أشرف مروان طيلة سنوات، قال فهمي لـ«الشرق الأوسط»، إن الكشف عن الوثائق أو طرح تسريبات «لا يمثل ثقافة مصرية»، مشدداً على أن الأجهزة المصرية «تتعامل مع مثل هذه القضايا وفق رؤيتها، ولا تنساق وراء محاولات جرها لمعارك هامشية».

ورأى اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري، وأستاذ العلوم الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، أن مروان «بطل مصري شارك في تنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي التي استبقت بها مصر الحرب». معتبراً أيضاً أنه «شارك في إبعاد رئيس الموساد الإسرائيلي عن فريق إدارة العمليات في تل أبيب قبيل ساعات من اندلاع الحرب».

وقال سالم لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل متهمة باغتيال مروان في أعقاب تأكدها من دوره الحاسم في الحرب وخداع أجهزتها الأمنية».

 

لغز الوفاة

ورغم أن محكمة التحقيق العلنية البريطانية قضت في يوليو (تموز) 2010 بأن الوفاة «غير معروفة الأسباب»، وأن الأدلة التي قدمتها الشرطة وشهادات الشهود «لا تدعم أي فرضية بشأن وفاته»، ولم توجه التحقيقات اتهاماً لأية جهة بالوقوف وراء مقتل مروان بعد ظهر الأربعاء 27 يونيو (حزيران) 2007، عندما سقط من شرفة منزله في حي راق بالعاصمة البريطانية لندن ليفارق الحياة عن 63 عاماً؛ فإن زوجته منى جمال عبد الناصر اتهمت (الموساد) الإسرائيلي بقتله.

وضاعف مشهد جنازة مروان من الغموض بشأنه، إذ رتبتها أجهزة رسمية، وسط حضور من كبار رجال الدولة، تقدمهم جمال مبارك نجل الرئيس المصري آنذاك.

«مسألة» هيكل

لكن الجنازة لم تكن مشهد الختام في سيرة «الرجل الغامض»، ففي أعقاب الإطاحة بحكم مبارك عام 2011 نشر الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، كتاباً من جزأين عن عصر مبارك، وحكى أنه تلقى عبر نواب عرب في «الكنيست» وثائق بتحقيقات برلمانية إسرائيلية بشأن قضية العميل «بابل»، وأنه رأى بنفسه وثائق رسمية طبق الأصل من محاضر سرية للرئاسة المصرية، وأشارت التحقيقات إلى أن ذلك العميل قدمها للموساد، وأكد هيكل صحة الأوراق المصرية بحكم قربه من الرئيس السادات في ذلك الوقت.

وحكى هيكل عن لقاء جمعه مع مروان في لندن قبل أشهر من رحيله، حيث واجهه بما يتردد عنه، فأخرج له مروان قصاصة من جريدة «الأهرام»، نشرت نص ما قاله السادات في تكريم مروان عندما ترك منصبه في رئاسة الجمهورية، وقال: «ألا تكفيك شهادة أنور السادات حين يقول إنني قدمت خدمات كبيرة لمصر؟».

وتابع مروان، وقد بدا عليه الحرج - والرواية لهيكل - «هل تتصور أن صهر جمال عبد الناصر جاسوس، وأنت كنت أقرب الأصدقاء إليه وتعرفه؟» فرد هيكل: «دعني أكون واضحاً معك، لا شهادة حسن سير وسلوك من أنور السادات، ولا صلة مصاهرة مع جمال عبد الناصر تعطيان عصمة لأحد، نحن أمام مشكلة حقيقية تقتضي وضوحاً مقنعاً حقيقياً». وفي الكتاب نفسه، يقول هيكل إن «كرامة البلد وسمعة أشرف مروان نفسه تتطلبان تحقيقاً رسمياً مصرياً في الموضوع، بواسطة هيئة رفيعة المستوى، تضم عناصر قضائية، وبرلمانية، على أن تمثل فيها المخابرات العسكرية والمخابرات العامة، وظني أنه من دون ذلك لا تستقيم الأمور».


مقالات ذات صلة

خطط الجيش الإسرائيلي جاهزة لاحتلال قطاع غزة مجدداً

المشرق العربي صورة أرشيفية لدبابات ومركبات عسكرية إسرائيلية على الحدود مع غزة (رويترز)

خطط الجيش الإسرائيلي جاهزة لاحتلال قطاع غزة مجدداً

الجيش الإسرائيلي وضع الخطط لإعادة احتلال القطاع والمستوى السياسي ناقشها إذا لم تسلم «حماس» سلاحها.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي موكب تابع للكتيبة الإسبانية في قوة الـ«يونيفيل» يعبر بلدة القليعة جنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

إسرائيل تطلب تنسيقاً عسكرياً مباشراً مع لبنان

نقل الإعلام الإسرائيلي عن مسؤولين خلال محادثات مع جهات أميركية قولهم إنه «من الأفضل أن يعمل الجيش الإسرائيلي مباشرة مع الجيش اللبناني دون مرافقة (اليونيفيل)».

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يفتش فلسطينياً خلال اقتحام القوات الإسرائيلية مخيماً قرب نابلس بالضفة الغربية (أرشيفية - د.ب.أ)

ضباط إسرائيليون يمارسون التعذيب السادي على جنودهم

الممارسات ضد الفلسطينيين تتحول إلى طبع لدى الإسرائيليين، وسرعان ما تنتقل إلى العلاقات الداخلية على أساس «القوي يأكل الضعيف».

نظير مجلي (تل أبيب)
العالم العربي سيدة تبكي خلال تشييع محمد وهبي عبد العزيز حنني (17 عاماً) الذي قُتل بعد إطلاق قوات إسرائيلية النار عليه في بيت فوريك بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

مقتل فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وسط استمرار التوترات الميدانية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية وفاة فتى فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص الجيش الإسرائيلي شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)

علاج نفسي وسط الدمار... مشاهد افتراضية تُخفف قسوة الحرب عن أطفال غزة

يُشرف مشروع «تك ميد غزة» على مبادرة توظّف تقنية الواقع الافتراضي لإتاحة مساحات بصرية آمنة لأطفال القطاع، للتخفيف من آثار الحرب النفسية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
TT

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)

حذرت إيران الولايات المتحدة من أن أي هجوم، حتى لو وُصف بأنه «محدود»، سيُعد عملاً عدوانياً كاملاً، وسيُواجَه برد «حاسم وشديد»، وذلك عشية الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف.

وقال نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، إن تداعيات أي عدوان «لن تقتصر على بلد واحد»، داعياً إلى منع التصعيد، في حين نفت طهران مجدداً وجود «اتفاق مؤقت»، وأكدت تمسكها برفع العقوبات كشرط لأي تفاهم.

ويسود الترقب بشأن احتمال رد إيراني من خلال القنوات الدبلوماسية، مع تقارير عن زيارة مرتقبة لعلي لاريجاني إلى مسقط لنقل موقف طهران عبر الوساطة العُمانية، في مسار موازٍ للمفاوضات التي يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي.

في المقابل، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب «ضربة محددة الأهداف» لإجبار إيران على تقديم تنازلات ملموسة، مع إبقاء خيار تصعيد أوسع قائماً إذا رفضت الامتثال. وتحدثت تقارير أميركية عن تفضيله «صفعة تحذيرية» تستهدف مواقع نووية أو صاروخية لتفادي حرب مفتوحة. وتؤكد دوائر في البيت الأبيض أن أي تحرك عسكري سيُحتسب بعناية في ضوء التكلفة السياسية والاقتصادية داخلياً، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وعززت واشنطن حشدها العسكري في المنطقة، مع وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» إلى كريت اليونانية.

وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تواجه «أياماً معقدة»، محذراً من رد «لا يمكن تخيله» إذا تعرضت لهجوم.


ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
TT

ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)

لا توفر تهديدات الرئيس دونالد ترمب بمهاجمة إيران تفاصيل كثيرة بشأن الهدف الأميركي الاستراتيجي في حال نشوب نزاع، سواء كان قصير الأمد أو ممتداً.

وقد أرسل ترمب سفناً حربية وعشرات الطائرات المقاتلة إلى الشرق الأوسط، ولديه عدة خيارات يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة. فهل سيأمر بضربات جراحية تستهدف «الحرس الثوري» الإيراني، العمود الفقري للنظام الحاكم، أو سيحاول القضاء على برنامج الصواريخ الإيراني، أو قد يسعى إلى فرض تغيير النظام في طهران؟ وقد هددت إيران برد انتقامي شديد إذا تعرضت لهجوم.

و​قال مسؤول أميركي كبير الاثنين إن ستيف ‌ويتكوف ‌مبعوث ​البيت ‌الأبيض، ⁠وجاريد ​كوشنر صهر الرئيس ⁠الأميركي، سيلتقيان بوفد إيراني ⁠الخميس ‌في ‌جنيف.

ووصلت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الأكبر في الأسطول البحري الأميركي، إلى جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (رويترز)

وبحسب مصادر عسكرية، ترسو الحاملة في خليج سودا للتزود بالإمدادات من القاعدة العسكرية الأميركية هناك. ويمكن لحاملة الطائرات الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط خلال يوم واحد.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية برصد طائرات نقل وتزويد بالوقود عسكرية أميركية في مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب.

ما هي الخيارات؟

قال ترمب الخميس إنه سيقرر خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً ما إذا كان سيأمر بشن ضربات على إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي. وأفاد موقع «أكسيوس» الإخباري بأن الرئيس عُرضت عليه مجموعة من الخيارات العسكرية، من بينها هجوم مباشر على المرشد علي خامنئي.

وأكد ترمب مراراً أنه يفضل المسار الدبلوماسي المؤدي إلى اتفاق يعالج ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً قدراتها الصاروخية الباليستية ودعمها لجماعات مسلحة مثل «حزب الله» و«حماس». غير أن إيران رفضت تقديم مثل هذه التنازلات.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المحادثات غير المباشرة في سلطنة عُمان وسويسرا، من دون تقريب وجهات النظر، على أن تُستأنف المحادثات الخميس في سويسرا.

وقال مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، إن الرئيس «مندهش»؛ لأن إيران لم «تستسلم» رغم الحشد العسكري الأميركي الكبير.

ورأى أليكس فاتانكا، المحلل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، أن إدارة ترمب «ترجح على الأرجح نزاعاً محدوداً يعيد تشكيل ميزان القوى من دون الوقوع في مستنقع». وأضاف أن إيران تتوقع «حملة عسكرية قصيرة وعالية التأثير تشل بنيتها الصاروخية، وتقوض قدرتها الردعية، وتعيد ضبط ميزان القوى بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ما هو المبرر؟

أصرّ ترمب على أن القوات الأميركية دمّرت البرنامج النووي الإيراني في هجمات استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم.

وتغيرت المعادلة مع اندلاع حركة الاحتجاج في يناير (كانون الثاني) داخل إيران، والتي قمعتها قوات الأمن بخسائر بشرية كبيرة. وهدد ترمب مراراً بالتدخل لـ«مساعدة» الشعب الإيراني، لكنه لم يُقدم على ذلك.

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

ويفاخر ترمب بأنه جلب السلام إلى الشرق الأوسط، مستشهداً بوقف إطلاق النار الذي توسط فيه في غزة بين «حماس» وإسرائيل، رغم تعرضه لانتهاكات متكررة. كما يرى أن تغيير النظام في إيران سيعزز ما يسميه مساراً نحو السلام في المنطقة. لكن الديمقراطيين المعارضين يخشون أن يقود ترمب الولايات المتحدة إلى فوضى عنيفة، ويطالبونه بالتشاور مع الكونغرس؛ الجهة الوحيدة المخولة إعلان الحرب.

القوة النارية الأميركية في المنطقة

يمتلك الجيش الأميركي حالياً ثلاث عشرة سفينة حربية متمركزة في الشرق الأوسط: حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» التي وصلت أواخر الشهر الماضي، وتسع مدمرات وثلاث فرقاطات.

وهناك مزيد من السفن في الطريق. وقد جرى تصوير أكبر سفينة حربية في العالم؛ حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي تعبر مضيق جبل طارق لدخول البحر الأبيض المتوسط يوم الجمعة.

وبالإضافة إلى الطائرات المنتشرة على متن حاملات الطائرات، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الطائرات الحربية إلى المنطقة، في حين ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في أنحاء الشرق الأوسط، ما يجعلهم أهدافاً محتملة لأي هجوم إيراني.

إلى أي غاية؟

قال ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، إنه من غير الواضح ما تأثير أي نزاع، مهما كانت مدته أو حجمه، على الحكومة الإيرانية. وكتب أن النزاع «قد يعززها بقدر ما قد يضعفها، ومن المستحيل معرفة ما الذي سيخلف هذا النظام إذا سقط».

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أواخر الشهر الماضي، إنه لا أحد يعرف حقاً ما الذي سيحدث إذا سقط المرشد الأعلى، «باستثناء الأمل أن يكون هناك داخل النظام من يمكن العمل معه نحو انتقال مماثل».

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

وحذرت دول المنطقة التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، ترمب من التدخل، خشية أن تصبح هدفاً لهجمات انتقامية، ولقلقها من أي زعزعة للاستقرار في المنطقة.

وقالت مونا يعقوبيان، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إن إيران أكثر تعقيداً بكثير من فنزويلا التي هاجمتها الولايات المتحدة في الثالث من يناير أثناء اعتقال زعيمها نيكولاس مادورو، مضيفة أن لإيران مراكز قوى أكثر تشتتاً، وأن «ضربة لقطع الرأس» قد تؤدي إلى «إطلاق فوضى حقيقية داخل إيران».


قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
TT

قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)

قالت قناة «من و تو» التلفزيونية الناطقة بالفارسية، ومقرها في لندن، الاثنين، إنها أُجبرت على وقف بثها المباشر بعدما أبلغت شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة مالك المبنى الواقع فيه مقرها بوجود تهديد محتمل من طهران.

وقالت القناة التي أُطلقت في عام 2010، وتُعد وسيلة إعلامية معارضة وتحظى بشعبية في أوساط الجالية الإيرانية في المهجر، إن الوقف المؤقت للبث جاء في توقيت تواجه فيه إيران واحدة من «أكثر اللحظات حساسية» في تاريخها.

في الشهرين الماضيين، شهدت إيران احتجاجات شعبية حاشدة مناهضة للحكومة، في واحد من أكبر التحديات التي واجهت القيادة منذ سنوات.

ضابطا شرطة في بريطانيا (رويترز)

وجاء في بيان للقناة: «في توقيت... تتسارع فيه التطورات الداخلية والإقليمية بوتيرة غير مسبوقة، اشتدت تهديدات الجمهورية الإسلامية لحرية التعبير، والرامية إلى قمع التغطية الإعلامية المستقلة». وتابعت: «لقد أبلغَنا مالك المبنى بنيته إنهاء عقد الإيجار بعد تلقيه إخطاراً من شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة بشأن تهديد محتمل ضدنا من جانب نظام الجمهورية الإسلامية في إيران».

ومُنع الموظفون من دخول المبنى، ما أدى إلى وقف مؤقت للبث بانتظار إيجاد بدائل. وأضافت القناة: «إن أولويتنا هي استئناف البث المباشر من موقع آمن ومستقر في أسرع وقت ممكن».

Your Premium trial has ended