إستبرق أحمد: أحب عوالم الغرباء والمنبوذين والراقصين على الحافة

القاصَّة الكويتية ترفض كتابة الرواية بحثاً عن النجومية

إستبرق أحمد: أحب عوالم الغرباء والمنبوذين والراقصين على الحافة
TT

إستبرق أحمد: أحب عوالم الغرباء والمنبوذين والراقصين على الحافة

إستبرق أحمد: أحب عوالم الغرباء والمنبوذين والراقصين على الحافة

بنبرة شاعرية ولغة خافتة ومفارقات إنسانية ونفسية تنفجر في صمت وهدوء، استطاعت الكاتبة الكويتية إستبرق أحمد أن يكون لها صوتها الخاص في عالم القصة القصيرة عبر الإخلاص لهذا اللون الأدبي والإصرار على أن تغزله بأناة وصبر. لم تغازل موجة الكتابة الرائجة في الأسواق ورفضت أن تحني رأسها لعاصفة الرواية وتكتب نصاً روائياً لمجرد البحث عن بريق نجومية سرعان ما ينطفئ.

صدر لها أخيراً «طائرة درون تضيء فوق رأسي»، لينضم إلى أعمالها السابقة ومنها: «عتمة الضوء»، و«تُلقي بالشتاء عالياً»، و«الأشياء الواقفة في غرفة 9».

هنا حوار معها حول مجموعتها الجديدة وهموم الكتابة:

> أول ما يلفت النظر في مجمل تجربتك هو الطابع الشاعري اللافت للعناوين وهو ما يتجلى، على سبيل المثال، في اسم مجموعتك القصصية الأحدث.. كيف تختارين عناوينك؟

- أختارها بصعوبة، مدركةً دورها في اقتناص انتباه القارئ، العنوان مَعبر وجسر له قدراته في انتزاع القارئ من بلادته، مستفزاً، أو لِنَقُلْ محرضاً إياه تجاه الكتاب، بالتالي يكمن قلقي في كيفية اختيار الغلاف والعنوان الجامع واللامع، عنوان مثل شريطة تلفّ هداياها بجاذبية وأناقة.

وعلى الرغم من أن هناك طرقاً عديدة للانتقاء، فإن كل المجاميع القصصية التي أصدرتها منذ «عتمة الضوء» إلى «تُلقي بالشتاء عالياً» انتهاءً بـ«طائرة درون تضيء فوق رأسي»، تتكرر بها صدفة غريبة ودون سبب واضح، حيث تنتهي كل النقاشات لترسو على مقترح صديق شاعر أو شاعرة. وكان اختيار العنوان لهذه المجموعة للشاعرة الصديقة سوزان عليوان حين استلّت من جملة بإحدى القصص ما رأته شيقاً وجاذباً ويستنهض الأسئلة وهو ما اتفقت معها عليه، وحين أرسلته إلى دار النشر لم أجد أي اعتراض لديهم، بل على العكس راقَ لهم ووجدت أنه أعجبهم فعلاً.

> الملاحَظ أيضاً أنك لا تجعلين من عنوان قصة عنواناً للمجموعة القصصية بأكملها... لماذا؟

- صحيح، أنا لا أفضل أن أختار أي عنوان لنص موجود في متن المجموعة، أشعر بأنني أخون النصوص الأخرى وأوجّه القارئ إلى نص بعينه، ربما ظن أنه الأفضل من بين النصوص، بينما أريد أن أتعامل بديمقراطية ومساواة، لذا أميل إلى عنوان ماكر له أثره وأستمتع بهذه الحيلة.

> بخلاف العناوين، اللغة المرهفة المكثفة في نصوصك تجعلنا نسأل عن طبيعة علاقاتك بالشِّعر؟

- علاقتي أكثر من جيدة معه، نحن صديقان مقربان، يزورني كثيراً وأنصت إليه في تراكيبه وجمالياته ويتداخل في نصي وأحاذر أن أجعل لغته تطغى على كتابتي وقد يفعلها أحياناً، هو صديقي منذ اخترت في بداياتي أن أحاول تقليد والدي وهو يكتب نصوصه وخواطره بخطه الجميل والمبهر الذي لم أرثه مطلقاً، ربما كانت هذه إشارة لم أقرأها جيداً للابتعاد عن تدوين الشعر. لاحقاً عزفت عن الكتابة لعشر سنوات بعد وفاة والدي، وأخذني التحصيل الدراسي ومراحل مختلفة في الحياة، وإن ظللت أسمع نداءات لا أعرف كنهها لكنها أيضاً ألقت بي في حقول من التجارب والطرق حتى عدت بعد رحلة بحث طويلة. عاد صديقي مجدداً عبر خواطر نشرتها في موقع إلكتروني وشعرت بالجوع أكثر للكتابة، وحافظنا على ودّنا بعد أن اتجهت إلى القصة دون وعد بأكثر من ذلك.

> يشكل الانحياز إلى المهمشين والغرباء هاجساً يهيمن على معظم كتاباتك... ما الفكرة وراء ذلك؟

- أحب دوزنة حكايات هذه الفئات: المهمشين، الهامشيين، الغرباء، المنبوذين، الراقصين على الحافة. فكم من خيط تتبعه من حيواتهم سيحيلك إلى نسيج مجتمعات لا تلحظها أو تتجاهلها، وكيف للقطة خاطفة لشخصية تقبع بالهامش أن تكون أكثر التصاقاً بأفكارنا، كيف لغريب يزيح يومياً أحجار العوز أو الإهانة أو الإقصاء تتلقفه الحكايات ويشيّد بيوتها المعنونة بالكتب.

وأظنني اخترت القصة كفنٍّ يستهويني لأنه لا يلتفت إلى مغريات ولا يتوق إلى موقع الرواية البارز، فالقصة تتحرك بخفوت وتبحر بعيداً عن ثقل وإملاءات القارئ، أو مكاسب يعرفها ويترصدها أي كاتب. تعرفين؛ ربما مضيت نحو مدارات وأفلاك القصة أكثر لأن مركزية الضوء تربكني وإن أحببته.

> تنتمين إلى جيل بدايات الألفية... أين تضعين تجربتك في السياق الكويتي؟

- لا أعرف؛ من الصعب أن أحدد أو أجيب بصدق، ما أستطيع أن أخبرك عنه هو أنني أعرف ما أنا عليه دائماً، فمنذ البداية انحزت إلى التجريب وتعلقت به، أي منذ البداية يناصبك القارئ الاعتيادي العداء. انصبَّت محاولاتي على أن أكتب ما أحب أو ما أعتقد أنه يمثلني، مهتمةً بالمغامرة والفضول، ومليئة بالأسئلة وبالشك الذي يناكفني دائماً، مستغرقةً بكيف أكتب وكيف أواصل الكتابة ورهاناتي ولا أهادن أسئلتي، أما أين أقف؟ فأظنه مهمة القارئ والناقد وليس لي.

> ما أبرز التحديات التي يواجهها حالياً كتّاب القصة القصيرة في عالمنا العربي، من وجهة نظرك؟

- يواجه سابقاً وحالياً كتّاب القصة حائطاً صلداً عبر مقولة أنها «الفن الأصعب، ولكنه أيضاً الأقل انتشاراً». نعاني من ثرثرات البعض بأن القصة أقل من الرواية، رغم أنه لا يوجد فن أقل من آخر أو أعلى.

> هل لا يزال عزوف الناشر العربي عن القصة القصيرة بحجة أنها «لا تبيع» مستمراً، أم أنكِ تلاحظين تغيراً ما في هذا الموقف مؤخراً؟

- هناك تحوّل في الاهتمام بالقصة واستجابة لنشرها في السنوات الماضية، صحيح ما زال أغلب الناشرين لديهم حساباتهم في إعلاء كفة الأرباح مقابل انحسار دورهم الثقافي، أقول أغلب لأنني تعاملت مع دور نشر كانت تنحاز أكثر من غيرها للشأن الثقافي. رغم ذلك أي دار نشر تحتاج إلى الاستمرارية لأنها مشروع يحتاج أن تُضخ به أموال تدعم وتعزز قدرته على البقاء خصوصاً أن القصة في هذه السنوات باتت في مربع المعاملة الصعبة عبر عودة الاهتمام بها، ورصد الجوائز دون أن تقترب من هوس الجوائز، كما هو الحال مع الرواية، والذي أفقد الأخيرة اتزانها.

> تقولين إن طموحك في الكتابة «ألا تخوني أغنيتك»... ماذا تقصدين؟

- دعيني أقل إنني أقصد تماماً كل ما ذكرته سالفاً، مؤكدةً أنني آمل ألا أخاف المخاطرة فيما أكتب وأن أنحاز دائماً إلى القفز في عمق المغامرة، متمسكة بالإنصات للتجارب والمضي بهدفي وتطوير نصي. أن أكون مغنية بصوت جيد لا نشاز فيه، لها اطلاعها الواسع كما يجب، تواكب الجديد وتنظم أدوارها في الحياة، تكتشف ذاتها للوصول إلى نسخة أفضل منها بالتزامن مع الكتابة، تتغير بشكل مطرد وتجد من يترقب أغنيتها وتلامسه وتضيف إليه ويضيف إليها.

«لا أفضل أن أختار اسم الكتاب من عنوان موجود في متن المجموعة... أشعر بأنني أخون النصوص الأخرى وأوجّه القارئ إلى نص بعينه»

إستبرق أحمد

> برأيك، لماذا لا تحظى كتابات الناشئة بالاهتمام الكافي من النقاد والناشرين العرب؟

- ربما لأن الغالبية من النقاد يعانون من كسل البحث وعدم التعاطي مع هذه النصوص في وسطٍ محكومٍ بنظرة تقليدية واستعلائية في تناول هذه النصوص، لكنّ واقع الحال أن الناشر أصبح أكثر جرأة في تبني هذا النوع من الكتابات، لأنه بات يرى ازدياداً في توجه بعض الكتاب إليها، وقدرةً في استقطابها لقراء مختلفين، كما أن دور النشر المتخصصة بالطفل والناشئة واليافعين في ازدياد وباتت أكثر اعتناءً بالرسم.

> في زمن يهرع فيه الجميع لكتابة الرواية حتى لو لم يكن لديهم ما يضيفونه أو يعانون من همٍّ إبداعي يؤرقهم، يبدو عزوفك عن تقديم نصك الروائي الأول كأنه مفاجأة... ما السبب؟

- أنا لا أحب الرياضة كثيراً وربما ذلك جعلني لا أطيق الركض. بصدق لست معنية بكل ما يفعله الآخرون، أنا كتبت رواية للناشئة لأنني استمتعت بها، أما الكتابة لفئة الكبار فلم تكتمل لعدة أسباب منها تهيّبي، أو ربما لافتقاري إلى التركيز الروائي في بناء نصه الممتد، أو لوساوس الكمال، أو ببساطة لأن اللحظة المناسبة لإنجازها لم تأتِ بعد. أو أنه ليس بالضرورة كل قاصٍّ هو روائياً كامناً، والعكس بالعكس، هكذا يتضح أنني لست ضد أن أكتب الرواية لكنني ضد الاتجاه إليها بحثاً النجومية.

> أخيراً، ماذا عن تجربتك في كتابة السيناريو وهل تعدينها رافداً أساسياً لك أم نشاطاً على الهامش؟

- هو شغف أتمنى أن يجد مكانه على رف اهتماماتي كما يجب، أشعر أنني تأخرت في الإمساك بأدواته إلى حد ما، لكنه صدى لحلم تمنيته واحتجت لوقت طويل للعثور على من يضعني على أول الطريق. وهنا أوجه التحية إلى الأستاذ السيناريست خالد الصغير والسيناريست إيناس لطفي، علماً أن نصوصي القصصية تحمل بداخلها روحها السينمائية.

> ما مبررات توجهك إلى كتابة روايات للناشئة... أي فارق تطمحين لصنعه؟

- لا أجد أننا نحتاج إلى مبررات في المراوحة بين أنواع السرد ولا غيره من تجارب، نحن نلاحق ما نظن أنه الأكثر مناسبة لما نريد التعبير عنه، ولا أنكر تأثير تشجيع الصديقة الفنانة التشكيلية إيناس عمارة التي ترسم بعض المجلات والكتب وأفلام الكرتون وترى أن روايات الناشئة تجربة سأجد نفسي في كتابتها (لا أعرف سبباً لثقتها) وأنني سأكون أكثر حرية في تمرير ما أريد.

في البداية شعرت بأنه من الصعب الاتجاه إلى هذا النوع من الكتابة التي لها فئتها من القراء، لاحقاً اكتشفت انسجامي وبهجتي بعد انتهائي من كتاب «الطائر الأبيض في البلاد الرمادية» عام 2018 ليتبعه «ساطع» عام 2023 والذي مضى للقائمة الطويلة عبر «جائزة الشيخ زايد للكتاب»، كما أضافت اللوحات الفنية في العملين بأنامل إيناس عمارة جمالاً ودهشةً للتجربة في مجملها.


مقالات ذات صلة

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».