هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

رواية «العشيق الفلسطيني» تبني على أسطورة ارتباطها بالفلسطيني ألبرت فرعون

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟
TT

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

هل عاشت غولدا مائير علاقة عاطفية مع عربي؟

عمل سليم نصيب مؤلف هذه الرواية مراسلاً لصحيفة ليبراسيون الفرنسية خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان، وقد صدرت بنسختها الإنجليزية المترجمة عام 2007 عن دار «يوروب إيديشينز» ولا أستبعد أن يكون للمترجمة أليسون أندرسون دور في تحقيق انتشار هذه النسخة في العالم الأنجلو-ساكسوني انتشاراً واسعاً، أكثر مما حققته النسخة الفرنسية الأصلية بفضل جزالة لغتها وكثافة جملتها، وبالطبع لصغرها من حيث الحجم فعدد صفحاتها لا يتجاوز المائة والستين، رغم أنها تتناول تاريخاً يمتد ربع قرن تأسست في آخره دولة إسرائيل عام 1948. وفي إعلان «الاستقلال» الذي وقعه 37 شخصية كانت نسبة اليهود القادمين من «روسيا القيصرية» (التي كانت تضم أيضاً أوكرانيا وبيلاروسيا وبولندا) تزيد على التسعين في المائة.

في الروايات المعنية بالسيرة أو التاريخ المعاصر، قد ينطبق عليها أيضاً رأي كارل ماركس القائل إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا حدث ذلك فإنه سيكون في المرة الأولى تراجيدياً وفي المرة الثانية مهزلة.

فالروائي يتعقب حياة أفراد غادروا عالمنا، ويسعى لإقناعنا بأن النسخة التي يقدمها لنا عنهم سواء فيما قالوه أو فعلوه سراً أو علانية هي فعلاً مطابقة لحياتهم.

سليم نسيب

مع ذلك، فالقارئ قد ينشدّ إلى الرواية إذا استطاع كاتبها إقناعنا بأنه كان محايداً في عرضه، وحقق لنا عبر أسلوبه السردي إمتاعاً يجعلنا مقتنعين بأن واقع الأحداث الأصلي ليس بعيداً عن نسخته.

في هذه الرواية اتبع الروائي سليم نصيب ثلاث تقنيات لتحقيق هذا الهدف: شدّ القارئ حتى الانتهاء منها، من دون الاهتمام بما سيترك من انطباعات في نفسه لاحقاً.

التقنية الأولى استخدام الفعل المضارع في السرد الروائي بدلاً من الفعل الماضي كما هو الحال مع معظم الروايات المكتوبة باللغات الأوروبية، وهذا ما جعل القارئ يتابع أحداثها وكأن ما يقرأه هو سيناريو حولته اللغة الأنيقة المكثفة إلى فيلم تتشكل صوره في المخيلة بعد تحول الكلمات إلى صور.

التقنية الثانية التي ترتبت عن الأولى هي تجنب نقل ما كان يحدث خلال تلك الفترة داخل فلسطين عبر السرد الروائي، وذلك باستخدام الحوار كي يؤدي هذه المهمة، وهنا أصبح الحوار في الكثير من أجزائه مثقلاً بأعباء القص والتنظير والتذكر وتداعي الخواطر، مما جعلته هذه التقنية فاقداً لصفة أساسية فيه، ألا وهي مصداقيته.

لا يمكن استبعاد أن جوهر الحكاية التي نمت حولها رواية «العشيق الفلسطيني» جاءت للكاتب نصيب في هيئة إشاعة انتشرت خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي في لبنان، وتناقلها الأبناء جيلاً بعد جيل.

ففي المقدمة القصيرة التي تصدرت الكتاب أشار الروائي إلى صداقته بفؤاد خوري حفيد الأرستقراطي الفلسطيني الأصل ألبرت فرعون، بطل هذه الرواية، وأشار كذلك إلى مصدر آخر هو نينا، ابنة أخت الأخير، التي أُجبرت في سن مبكرة على الزواج من مصري، وانتقلت بذلك للقاهرة. أما المصادر الإسرائيلية (وبالطبع ساعدت هوية نصيب على التنقل بسهولة داخل إسرائيل فهو نفسه من أصول يهودية حلبية) فلم تشر إلى أي علاقة عاطفية عاشتها غولدا مائير مع عربي، رغم أن كتّاب سيرتها أكدوا خوضها أكثر من علاقة جانبية خلال سنوات ارتباطها بزوجها موريس ميرسون.

لذلك، فإن نصيب تعامل مع مادته التي تجمع الكثير من الحقائق والإشاعات الصغيرة وكأنها «صور مقطعة» (جيكسو) عليه أن يرتبها كي تتكون صورة واحدة موحدة هي نص روايته «العشيق الفلسطيني».

يمكن تقسيم هذه الرواية لأجزاء: الأول يضم أول ستة فصول، وفيها نتعرف على حياة الشاب الأرستقراطي ألبرت فرعون، الذي يعيش في بيروت ويدير بنكاً عائلياً في حيفا، وعلى حياة غولدا مائير، وبنت أخته نينا (التي ستكون كاتمة أسراره لاحقاً)، والقليل عن أفراد أسرته: زوجته آيرين وأخته مارسيل وزوجها الماركيز الكسول جاك دو كرَيْم.

في هذه الفصول الستة الأولى: انتقل ألبرت فرعون إلى حيفا قاطعاً كل صلاته بزوجته وولديه وأخته، حيث أقام في بيت ورثه يطل على البحر. ولعل إجبار ابنة أخته ذات السبعة عشر عاماً على الزواج من كهل مصري ثري كان المحفز على قراره، لكنه كان شديد الملل من زوجته آيرين والجو العائلي الخانق بتصنعه ونفاقه.

في المقابل، نجد غولدا وقد اضطرت إلى ترك الكيبوتز ميرهافيا لمرض زوجها موريس الناجم عن ظروف الإقامة القاسية هناك وانتقالهما إلى القدس، لكنها وبعد إنجاب طفلين شعرت بأن حياتها انحرفت عما أرادت تحقيقه منذ كانت في سن العاشرة: بناء وطن لليهود فقط في فلسطين. لقد أيقظ الشاعر زلمان شازار خلال الاحتفال بعيد العمال عام 1928 هذا الميل الذي خبا لديها بسبب التزاماتها الأسرية للمساهمة الفعالة في تحقيق هذا الحلم بعيد المنال آنذاك: دولة لليهود فقط لا مكان فيها للسكان الأصليين بينهم. تستمع غولدا لخطابه الذي قدمه بطريقة مسرحية مؤثرة أمام أولئك المهاجرين القادم أغلبهم من بلدان روسيا القيصرية قبل ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917: «نحن اُصطفينا من بين جميع الأمم كي نكون شاهدين على وحدانية الرب، لكننا شكّكنا به فعاقبنا لألفي سنة في الشتات، لكن بالنسبة إلينا كيهود جذورنا في الرب وفي الأرض التي اختارها لنا... وإذا كانت لديكم أي شكوك اذهبوا إلى حائط المبكى في القدس، ابقوا هناك لوقت طويل. واجهوا آخِر أثر من معبد الملك سليمان. ثم إنكم لن تروه فقط، بل ستشعرون بسر الحياة الطويلة لشعبنا، لأننا شعب واحد».

سيصبح هذا الحائط أشبه بمسمار جحا. تقول غولدا لصديقها ديفيد رميز: «ذهبت إلى الحائط. أنا لا أؤمن بوجود إله، لكن الحائط حي، أستطيع التحدث معه، وإقامة علاقة معه. هذا الحائط مثل حصن ظل يحرس الأرض الموعودة لإسرائيل».

بفضل ديفيد رميز رئيس اتحاد العمال الصهيوني (الهستدروت) وتشجيعه انتقلت غولدا إلى تل أبيب تاركة أسرتها وراءها، وبفضله حصلت على عمل وسكن وتعرفت على المجموعة الصغيرة القادمة من «نطاقات الاستيطان» في «روسيا القيصرية» المخصصة لليهود إلى فلسطين.

الجزء الآخر من الرواية يضم ستة فصول تبدأ من الفصل السابع المكرس لحفل نظمه «المندوب السامي البريطاني» لفلسطين المنتدبة بمناسبة عيد ميلاد الملك جورج الخامس في القدس.

في هذا الحفل يتعرف ألبرت على غولدا التي حضرت مع المحركين الحقيقيين للماكينة الصهيونية بصفتها مترجمة لهم، فهم لا يتقنون الإنجليزية وليس لهم أواصر قوية بالعالم الأنجلو- ساكسوني بعكس غولدا التي قضت ما يقرب من 15 سنة في مدينة ميلْووكي الأميركية بعد هجرة أبيها النجار موشي مابوفيتش من كييف عام 1903، ثم التحقت أسرته به بعد ثلاث سنوات حين استقر في تلك المدينة التي أصبحت ملاذاً لليهود القادمين من روسيا القيصرية.

نتعرف كذلك خلال الحفل على طبيعة الزعامة الفلسطينية التي تديرها عائلتا الحسيني والنشاشيبي. فعند قدوم أول «مندوب سامي بريطاني» لفلسطين المنتدبة بعد الحرب العالمية الأولى عين الأخير أمين الحسيني مفتياً عاماً لكل البلاد ومنح راغب النشاشيبي سلطة بلدية القدس.

مقابل تركيز السلطة بيد أبناء هاتين العائلتين فقط، نجد توزيعاً للمسؤوليات بين أفراد قلائل في الوكالة اليهودية تقاسموا أدوارهم فيما بينهم وكان عملهم بالدرجة الأولى إنشاء البنيتين التحتية والفوقية بدأب مستميت ابتداء من شراء الأراضي بالدرجة الأولى من مالكيها اللبنانيين الذين ظنوا أنهم أصبحوا فرنسيين بعد انتداب فرنسا لبلدهم.

بالقدر الذي كان الزعماء الفلسطينيون على استعداد للقبول بدولة تضم اليهود المهاجرين كان زعماء الوكالة اليهودية رافضين تماماً لهذه الفكرة.

في هذه الفصول السبعة تنشأ علاقة حميمية سرية بين ألبرت وغولدا. كان لكل واحد منهما أسبابه في هذا الانجذاب إلى الآخر. فهي من جانب وجدت فيه خلال اللقاء الأول الذي جمعها به شبهاً كبيراً بأول شاب أحبته حين كانت في سن المراهقة، لكن غرقه قبل أن تنشأ علاقة بينهما في مدينة ميلْووكي، جعل حضوره قوياً في ذاكرتها.

أما ألبرت فقد وجد فيها شيئاً غير مألوف مقارنة بالنساء اللواتي عرفهن في حياته. نقرأ ما دار في رأسه: «تبدو قوية الإرادة وحادة لكنها في الوقت نفسه لطيفة... ليس فيها ذرة من العالم الدنيوي أو التصنع في العادات... هذه المرأة تعيش تماماً في اللحظة الحالية».

يتعقب الروائي حياة أفراد غادروا عالمنا ويسعى لإقناعنا بأن النسخة التي يقدمها لنا هي فعلاً مطابقة لحياتهم

رغم مساعي الروائي نصيب لإقناعنا بالعلاقة العاطفية السرية التي جمعت بين غولدا اليهودية والفلسطيني ألبرت، فإنها تظل في الجوهر حسية، وربما شدت هذه الفصول السبعة العديد من القراء لأنها تقترب من أن تكون حلماً غير قابل للتحقق، وبالطبع تخللتها تفاصيل عما كان يجري على الأرض من نزاعات بين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود نعرف عنها من خلال حواراتهما معاً.

فحادث قتل فتى يهودي على يد أفراد أسرة فلسطينية فقيرة ظناً منهم أنه اعتدى على ابنتهم فجر المواجهات بين حركة جابوتنسكي المتطرفة التي بادرت إلى ضرب عدد كبير من المقدسيين بعصيان البيسبول، وحينما وصلت الأخبار إلى مدينة الخليل قام عدد من المشاغبين العنيفين بقتل 67 يهودياً من أبناء البلدة نفسها. بالمقابل تمكن 400 يهودي من النجاة بفضل المسلمين الذي خبأوهم في بيوتهم هناك. فيما كان الخلاف عمن يدير حائط المبكى نقطة ساخنة فجرت صراعات أخرى.

بين الفصلين الثالث عشر والتاسع عشر تفقد الرواية بريقها، بعد ما تضمنته المشاهد الحميمة الأنيقة بين خصمين لدودين وعاشقين مشدود أحدهما إلى الآخر جسدياً وروحياً. لكنها أعطت القارئ صورة مكثفة عما حدث خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، وما آلت إليه الأمور لظهور دولة كانت لحد عشر سنوات قبل عام 1948 مجرد حلم عسير المنال.

نحن هنا نواجه موجة هجرة جديدة من ألمانيا بعد صعود هتلر إلى الحكم. لكن هؤلاء المهاجرين كانوا يفضلون اعتبارهم ألماناً أولاً، بينما كان زعماء الحركة الصهيونية حريصين على اعتبارهم يهوداً أولاً وآخِراً، وهذا ما دفع الكثير منهم إما إلى السعي لتكوين دولة تضم الفلسطينيين واليهود الغربيين معاً أو مغادرة فلسطين. لكن قدومهم كان متأخراً، فالغضب الفلسطيني بلغ أوجه من الهجرات اليهودية بشكل عام خلال منتصف الثلاثينيات.

يمكن القول إن هذه الرواية أفضل شهادة بهذا النوع الأدبي وأكثرها حيادية عن فترة حاسمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد كان العشق الذي جمع غولدا مائير وألبرت فرعون مغناطيسها الحقيقي.


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».