بطلات شكسبير يتحدثن عن أنفسهن

يشكون من أن الشاعر لا يمنحهن اهتماماً كافياً مثل الرجال

هاريت والتر
هاريت والتر
TT

بطلات شكسبير يتحدثن عن أنفسهن

هاريت والتر
هاريت والتر

إذا ذكر اسم شاعر الإنجليزية الأكبر وليم شكسبير (1564 - 1616) ترد على الذهن لأول وهلة أسماء أبطاله من أمثال هاملت وماكبث وعطيل ولير ويوليوس قيصر، أو أشراره من أمثال المرابي شايلوك الذي أراد أن يقتطع رطلاً من لحم المدين، أو ياجو الذي سمم ذهن عطيل وجعله يشك في عفاف زوجته البريئة دزدمونة. ولكننا قلما نفكر في بطلاته من النساء، أو نحن على الأقل لا نفكر فيهن إلا من حيث هن توابع - في حبكة المسرحية - للرجال، ولسن كائنات لها وجودها الإنساني المستقل وأفكارها ومشاعرها وخيرها وشرها. وهكذا فإننا لا نذكر أوفيليا إلا من حيث علاقتها بهاملت، ولا جوليت إلا لأنها محبوبة روميو، ولا كورديليا إلا لأنها ابنة الملك لير.

ظل الحال كذلك في أغلب النقد المكتوب عن شكسبير في القرن التاسع عشر إلى أن بدأ أنصار الحركة النسوية يوجهون النظر إلى هذا الخلل الفادح في قراءتنا لأعماله، وبدأت تظهر كتب كاملة عن النساء في مسرحه، أحدثها الكتاب الذي أقدمه هنا: كتاب عنوانه «إنها تتحدث! ما كانت نساء شكسبير خليقات أن يقلنه»

She Speaks! What Shakespeare›s Women might have Said

من تأليف الناقدة هاريت والتر Harriet Walter التي سبق أن أصدرت كتاباً عنوانه «بروتس وبطلات أخريات» (2016). والمفارقة المقصودة في العنوان واضحة، فبروتس (في مسرحية «يوليوس قيصر») رجل وليس امرأة.

والكتاب صادر عن دار النشر الإنجليزية «فيراجو» Virago وهي دار متخصصة في نشر الأدب النسائي إبداعاً ونقداً. يقع في 238 صفحة، وتحليه رسوم بريشة الرسامة كاي بلجفاد Kay Blegvad.

الكتاب ناطق بلسان بطلات شكسبير؛ إذ يتحدثن من منظور أنثوي شاكيات من أن الشاعر لا يمنحهن في مسرحياته اهتماماً كافياً كالاهتمام الذي يوليه لأبطاله من الرجال رغم أهمية الدور الذي يلعبنه. فليدي ماكبث، مثلاً، هي التي حضت زوجها على قتل الملك دنكان واعتلاء العرش مكانه، وعقوق الابنتين ريجان وجونريل (على العكس من وفاء شقيقتهما الصغرى كورديليا) هو ما دفع بالأب العجوز لير إلى حافة الجنون، وهكذا.

تقدم المؤلفة لكل بطلة من بطلات شكسبير بمقدمة وجيزة تشرح شخصيتها ودوافعها وتصرفاتها. وفي عرض للكتاب في «ملحق التايمز الأدبي» (28 مارس/ آذار 2025) تلاحظ الناقدة لوي بوتر Louis Potter أن شكسبير حرص على تنويع اللغة والأعاريض التي تتكلم بها الشخصية: فميراندا (في مسرحية «العاصفة») تتحدث بشعر حر متحرر من بحر الأيامب الخماسي الذي تتحدث به سائر الشخصيات (بحر الأيامب مكون من خمس تفاعيل كل منها يتضمن مقطعين أولهما غير منبور والثاني منبور). والأميرة كاثرين الفرنسية (في إحدى مسرحيات شكسبير التاريخية) تتحدث بخليط من الإنجليزية والفرنسية.

تقدم المؤلفة لكل بطلة من بطلات شكسبير بمقدمة وجيزة تشرح شخصيتها ودوافعها وتصرفاتها

وتضم مؤلفة الكتاب كاليبان (وهو مسخ ذكوري شائه في مسرحية «العاصفة» وابن لساحرة تدعى سيكوراكس) إلى زمرة البطلات لأنها تعده - مثل الجني اللطيف آريل في المسرحية نفسها - امرأة مسجونة.

وجرترود أم هاملت تقر بأنها رسمت صورة مثالية جميلة لانتحار أوفيليا غرقاً (للشاعر والكاتب المسرحي الألماني برخت قصيدة يصف فيها موت أوفيليا). ومن ابتكارات المؤلفة (التي لم ترد عند شكسبير) أنها تجعل أوفيليا تقول إنها حذت حذو هاملت فلم تكتفِ فقط بالتظاهر بالجنون وإنما تظاهرت أيضاً بأنها ماتت، وهي ما زالت على قيد الحياة، ثم لجأت إلى دير جمع شمل نساء ينشدن التوبة والمغفرة. وليدي كابيولت، أم جوليت، تعبر عن أسفها لأن صلتها بابنتها جوليت لم تكن صلة وثيقة.

وفي مجال النظم تعيد مؤلفة الكتاب صياغة مونولوج لأوفيليا مستخدمة أنصاف قوافٍ. وفي مواضع أخرى تستخدم مزدوجات (أي أزواجاً من الأبيات) مقفاة، وشعراً حراً، وأغنيات، وسوناتات مكونة من أربعة عشر بيتاً، ومونولوجات نثرية.

ولا أدلّ على أهمية الدور المحوري الذي تلعبه النساء في مسرح شكسبير من أنه يضع على ألسنتهن بعضاً من أخلد الشعر وأعلقه بالذاكرة كأن تقول ليدي ماكبث، مثلاً، وهي تغري زوجها بقتل الملك وقد لمست في الزوج تردداً: «أنا أرضعت من لباني وأدري رقة الحب للوليد الرضيع ـ غير أني لو كنت أقسمت في الأمر يميناً كما عقدت يمينك ورنا الطفل باسماً نحو وجهي لانتزعت الثدي الذي في لثاه الغض حتى أدق عظم دماغه» (من ترجمة محمد فريد أبو حديد للمسرحية شعراً مرسلاً).

كلمات مخيفة لو صدرت عن رجل لراعتنا، فما بالك وهي تصدر عن امرأة يفترض أن صدرها - الذي عرف الأمومة - يدر بالحنان والرحمة!

ومن تمام عبقرية شكسبير، وعمق فهمه لتعقيدات الطبيعة البشرية، أنه لا يجعل من قائلة هذه الكلمات شراً خالصاً؛ فهي، من نواحٍ أخرى، زوجة فاضلة مخلصة لزوجها تريد له أن يرقى إلى أعلى المراتب وإن أخطأت تبيُّن السبيل.

ثم هي لا تلبث - بعد الخوض في بحر الدماء - أن يتولاها الشعور بالذنب فتختل قواها العقلية، وتسير في نومها وهي تهذي قبل أن تموت. هكذا يرسم شكسبير الشخصية بكل أبعادها من خير وشر. أو كما تقول الشاعرة آجنس لي Agnes Lee في قصيدة لها عن شكسبير (لندع الكلمة الأخيرة للنساء):

لأنه مغني عصر، تغنى

بعواطف العصور.

كانت الإنسانية ذاتها هي التي وثبت

إلى الحياة على صفحاته.

لم يرو حكاية كائن واحد ـ إنما تنبض

كل الكائنات على قلمه.

وعندما كان يجعل رجلاً يسير في الشارع

كان مليون رجل يسيرون من ذلك الحين فصاعداً.


مقالات ذات صلة

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

ثقافة وفنون الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

شجرة ديوان قصر هشام

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.


رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية
TT

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة في العقل الجمعي الغربي إلى العاصمة البلجيكية، لكنها في جوهرها رواية سياسية واجتماعية لاذعة تستخدم السخرية السوداء لرصد التحولات السريعة التي يمكن أن تصيب الناس حين يعتقدون أن معجزة ما على وشك الوقوع.

صدرت الرواية عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عثمان خليفة، وهى نص قصير أقرب إلى «النوفيلا» يقوم على فرضية محددة: ماذا لو اعتقد الناس فجأة أن زمن المعجزات عاد وأنهم باتوا على موعد مع حدث خارج نطاق العقل يوم 21 يوليو (تموز)، بالتزامن مع العيد الوطني لبلجيكا؟ رغم أنه لا يعرف أحد مصدر الخبر على وجه الدقة، فإن غموضه لا يمنع الناس من التعامل معه بوصفه حقيقة وشيكة.

منذ اللحظة الأولى، تتحول بروكسل مدينةً أخرى، فتبدأ الواجهات في الترميم، وتوضع الزهور في الشوارع، وتتراجع الجريمة بصورة مفاجئة، ويتبدل سلوك المواطنين الذين اعتادوا البرود والعدائية واللامبالاة، حسب النص.

لا يحدث ذلك لأنهم أصبحوا أفضل بالضرورة، بل لأنهم يريدون الظهور في صورة لائقة أمام الزائر المنتظر، وهنا يلتقط فيرهولست المفارقة الأساسية في الرواية: هل يكفي انتظار شخصية مقدسة كي يتصرف البشر بإنسانية، أم أن هذا التحسن المؤقت ليس سوى قناع اجتماعي جديد؟

يجعل النص من سكان العاصمة بروكسل أبطالاً جماعيين، فالمواطنون والإعلاميون وأصحاب المصالح جميعهم يدخلون في حالة من الترقب والارتباك. أما السياسيون، فينشغلون بالسؤال عن الشخصيات التي تستحق حضور اللقاء، وما هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الزائر المزعوم داخل المدينة، بينما يتعامل آخرون مع الزيارة المحتملة بوصفها فرصة دعائية أو مناسبة لتعزيز نفوذهم ومصالحهم.

يمكن القول إن الرواية تنتمي إلى نمط «ماذا لو؟» أو «الرواية الافتراضية»؛ إذ لا تعتمد على كثافة الأحداث بقدر انشغالها بمتابعة ردود الفعل الجماعية تجاه حدث مزلزل، فالسؤال الأساسي ليس هل تحدث المعجزة، وإنما ماذا يكشف انتظار قدومها عن الناس والطبيعة الإنسانية؟

يمزج أسلوب فيرهولست بين اللغة الساخرة والتفاصيل اليومية الدقيقة والملاحظات الذكية التي لا تخلو من الطرافة، حيث برزت قدرته على تحويل مشهد جماعي عابر إلى بانوراما واسعة عن البشر حين يواجهون فكرة الخلاص، أو حتى مجرد الوعد به.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«يزعم الناس أن من يستهل الحكي بالحديث عن الطقس هو حكاء حديث عهد بالصنعة، وإني لأجد في زعمه هذا وجهة نظر، وصدّقني عندما أقول لك إنني فكرت في البدائل كافة، ومع ذلك فأنا لا أملك بديلاً أفضل من أن أبدأ هذه الحكاية بالقول إن السماء لم تكن تمطر في ذاك الصباح.

عمّ الطقس الباهت الرتيب نفسه الذي لطالما ميز بروكسل والذي ساعد المدينة في أن تحوز الريادة في استهلاك مضادات الاكتئاب، وهو في حد ذاته ظاهرة ألفها كل من حطّ الرحال في عاصمتنا.

ترى بعين المسافر من نافذة الطائرة سحاباً تبدو كحلوى غزل البنات، ولكن ما إن تجد الطائرة مكاناً لها على سطح أرضنا يتحول ذلك السحاب غماماً داكناً مثقلاً بالأمطار في مشهد كئيب كفيل بتبديد كل نشاط وحماس في روح الركاب العائدين إلى وطنهم بعد أن أمضوا العطلة بطولها في شحن بطاريات الحياة.

تتهادى الطائرة في مسارها وسط ضباب كثيف بينما يصدح صوت مألوف النبرة بالفرنسية منبهاً إلى لحظة فك الأحزمة، ثم يكرر صوت مختلف التنبيه ذاته بهولندية لا معنى لها بينما يبذل جهده حتى لا ينتبه أحد إلى لكنته التي تفضح انتماءه إلى (لفان) مدينة الجعة.

وبالتالي، فإن أسابيع من المطر المستمر هي التوقع الواقعي الوحيد ولا يتوقف المرء عن الاندهاش وهو يرى الأرض مع اقتراب الطائرة من المطار، فتظهر التفاصيل التي يتأملها بين المروج الخضراء، حيث تجد (الترمبولين) وحمامات السباحة التي تبدو أقرب إلى أطباق حساء زرقاء لم يمسها أحد وفيلا أهل الطبقة المتوسطة المربعة المتطابقة التي تصطف في انتظام بارع على جانبي الطريق والأسيجة الشجرية المشذبة بعناية حول المنازل والأحياء التي تحمي فيها أنظمة الإنذار الأطفال والمتاع على حد سواء».