ميخائيل نعيمة في ميلاده الـ135... طوق نجاة روحاني من مادية مظلمة

لبنان يتذكّر «ناسك الشخروب» بدراسات وشهادات وغناء ورسم

نعيمة مع ابنة شقيقه وابنتها عائلته التي عاش معها (الشرق الأوسط)
نعيمة مع ابنة شقيقه وابنتها عائلته التي عاش معها (الشرق الأوسط)
TT

ميخائيل نعيمة في ميلاده الـ135... طوق نجاة روحاني من مادية مظلمة

نعيمة مع ابنة شقيقه وابنتها عائلته التي عاش معها (الشرق الأوسط)
نعيمة مع ابنة شقيقه وابنتها عائلته التي عاش معها (الشرق الأوسط)

يحتفل لبنان، بعد غدٍ، بمرور 135 عاماً على ولادة «ناسك الشخروب»، تحت عنوان «وشلٌ من بحر»، بمشاركة بحّاثة، وأدباء وفنانين ومحبي الأدب، وعائلة نعيمة. وهذا الاحتفال مؤجل من العام الماضي بسبب الحرب.

احتفالية ميخائيل نعيمة تجمع بين الدراسات الأكاديمية، والموسيقى، والقراءات النثرية والشعرية، والشهادات الحية ممن عايشوا الأديب وشاركوه شطراً من عمره، وهو ما سيمنح يوم الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نكهة إنسانية تضاف إلى مسحة الأدب الروحانية التي امتازت بها كتابات نعيمة، وتأملاته الوجودية.

بين أصحاب الشهادات سامية قربان، تيريز ضاهر، ورانيا فيفونا، أسماء مجهولة في عالم الأدب، لكنهن كنّ جارات نعيمة، وعلى تماسّ معه، يروين حكاياته، وانطباعاتهن عنه. من يعرفه أكثر من تيريز، صاحبة صالون الحلاقة النسائي «سي جولي» الذي كان في الطابق الأرضي للعمارة التي قطنها نعيمة في منطقة الزلقا، طوال السنوات العشرين الأخيرة من حياته.

و«جولي» أي (جميل) بالفرنسية، هو كذلك اسم المركب الذي أقله من لبنان إلى الناصرة في فلسطين، يافعاً، حين ذهب لإتمام دراسته هناك. و«كأنما الجمال هو الذي كتبه القدر لميخائيل نعيمة»، تقول حفيدته، سهى نعيمة، لـ«الشرق الأوسط». وهي التي مع «جمعية ميخائيل نعيمة» (ميماسونا) حضّروا لهذا اليوم الأدبي الطويل، الذي يُقام في «مسرح الأخوين رحباني» في أنطلياس.

ندى كلّاس، أمينة سر الجمعية، تفتتح الجلسات في الصباح، ومن بعد، كلمة وزارة الثقافة راعية الحفل.

والدكتورة الروسية أولغا فليونوفا، لها كلمة من وحي بحثها العلمي عن نعيمة الذي فاز، عام 2023، بأفضل دراسة في مجلة «سوراه» الروسية العلمية المحكمة.

أما شهادة رانيا فيفونا فمختلفة، لأنها عرفت نعيمة صغيرة، وهي من عمر حفيدته سهى، كانت تلعب معها بحضور وتحت أعين نعيمة، الذي كان يضحك معهما، وهو يجالسهما تلعبان. كل واحد من أصحاب الشهادات المسجلة أو التي يحضر أصحابها، يعرف الأديب من زاويته، وربطته به علاقة مختلفة عن الآخر، من حبيب يونس، إلى إسكندر داغر، خالد حميدان، أميل معلوف، جوزيف أبي ضاهر، هنري زغيب، ميخائيل مسعود وغالب غانم، وبالطبع سهى حداد الحفيدة الأقرب.

أربعون كتاباً تركها لنا ميخائيل نعيمة، لكنْ اثنان منها يحتفل بيوبيلهما الذهبي، ومرور خمسين سنة على صدورهما. أولهما «نجوى الغروب»، ميزته أنه أصدره وهو في الرابعة والثمانين كان ذلك عام 1973.

سهى كانت شاهده على كتابته «بدأه في أول الربيع وانتهى منه في آخر الصيف. استغرق الأمر أشهراً ليجهز الكتاب». هو مناجاة أشبه بالصلاة من ميخائيل لربه. ابن أخيه نديم اختار قطعة منه ليضعه على ضريح نعيمة في الشخروب.

نقرأ عند زيارة الضريح: «طفلك أنا يا ربي. وهذه الأرض البديعة الكريمة الحنون التي وضعتني في حضنها، ليست سوى المهد، أدرج منه إليك». الكتاب غالٍ على قلب سهى، لأن فيه يصف ديناميكية الحياة التي جمعته مع أمها مي (ابنة أخيه) ومعها، في منزلهم بالزلقا، والصيفيات التي كانوا يقضونها في بسكنتا. وهو الفصل الذي سيقدم مقروءاً بصوت نزار طه حجّ أحمد خلال الاحتفال.

الكتاب الثاني الذي بلغ الخمسين هو «من وحي المسيح» (صدر عام 1974). مناجاة يتوجه بها الأديب إلى السيد المسيح، الذي كانت علاقته الإيمانية به وثيقة «لكنه ليس إيماناً تقليدياً، مؤسساتياً، وإنما كان له إيمانه الخاص به»، بحسب سهى، وكما شرح نعيمة أكثر من مرة.

في هذا الكتاب يقول مخاطباً السيد المسيح: «ما كتبته من وحيك ليس إلا وشلٌ من بحر». وهي العبارة التي استلَّتها سهى والجهة المنظمة لتجعل منها عنواناً لهذا النهار، بمعنى أن «ما يحكى طوال هذه الاحتفالية ليس إلا وشلٌ (أي قطرة) من بحر ميخائيل نعيمة».

وتضيف الحفيدة: «مع احترامي الكامل لكل عظماء بلادي؛ فإن ميخائيل نعيمة كما كل الاستثنائيين في هذا العالم كان له صوته الخاص، وبصمته الفريدة»، مضيفة: «أما شخصياً، فأنا أعشقه لأنني تربيت على يديه، ووُلدت في بيته، بينما كان أبي قد انفصل عن أمي. واعتبرني جدي ميخائيل بعد مولدي هدية الله له في نهاية حياته، لهذا مهما فعلت، فأنا لا أسديه جزءاً مما أعطاني».

تعشق سهى من كتب نعيمة «مرداد» و«مذكرات الأرقش»، و«اليوم الأخير» و«نجوى الغروب». أما الكتاب الذي اختتم به إصداراته قبل وفاته فهو «ومضات»، عبارة عن شذرات وحكم. تخبرنا سهى أن نعيمة بقي يكتب بيده حتى قبل وفاته في 28 فبراير (شباط) 1988 بيوم واحد؛ حيث كتب لها: «إلى العزيزة سهى»، متمنياً لها مستقبلاً باهراً. لكنه قبلها بيومين، كان قد دوَّن تأملات على قصاصة وضعها في جيب بدلته، وما زالت تحتفظ بها. خبأت والدتها (مي) التي كانت تعنى به، كل شيء يخصه، حتى أعقاب سجائره الأخيرة، وجواربه والمحرمة الورقية التي مسحت بها فمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن يزُر منزله يستطِع أن يراها.

أما «همس الجفون» الديوان الشعري الوحيد المطبوع لناسك الشخروب؛ فبعض قصائده بلغت المائة، وستُلقى وتغنى خلال الاحتفالية، بينها: «العراك»، «ترنيمة الرياح»، و«فتّش لقلبك» و«أغمض جفونك تبصر» التي يقول فيها:

«إذا سماؤكَ يوماً - تحجبت بالغيوم - أغمضْ جفونكَ تبصرُ - خلفَ الغيومِ نجومْ» وتنتهي: «وعندما الموتُ يدنو - واللّحدُ يفغرُ فاهْ - أغمضْ جفونكَ تبصرْ - في اللّحدِ مهد الحياة».

ميزة الاحتفالية أنها جاءت لمتعة محبي نعيمة وعشاق الأدب، بل وعشاق الموسيقى والفن التشكيلي والغناء الأوبرالي؛ إذ تصدح حنجرة نادين نصّار بقصيدة ميخائيل «إم دي بي»، بأدائها الأوبرالي من دون موسيقى.

ويقدم الموسيقار باسم جمال (باسم النعيمي) مقطوعة موسيقية خاصة مستوحاة من محبة نعيمة، يهديها إلى روحه.

كما يغني الفنان شربل روحانا برفقة عوده قصيدة نعيمة «الطمأنينة» التي فيها يقول: «سقف بيتي حديد، ركن بيتي حجر، فاعصفي يا رياح، وانتحب يا شجر». وأغنية أخرى يؤديها روحانا وهي عبارة عن مقتطف من خطاب لنعيمة بعنوان «الخيال»، لحنه روحانا. والأغنيتان هما من أسطوانته الأخيرة، وبهما يختتم هذا اليوم النعيمي الأدبي.

الموسيقى من وحي كتابات ناسك الشخروب، كما اللوحات والصور الفوتوغرافية سترافق المحتفين بهذا اليوم حتى في فترات استراحاتهم؛ إذ يستمعون كخلفية لجلساتهم، إلى موسيقى وضعها الموسيقار الراحل وليد غلمية سنة 1978، باسم «مرايا الحنين» من 7 فصول، تصف حياة نعيمة بمراحلها المتعددة والمختلفة. كما تعرض لوحتان تشكيليتان؛ إحداهما من وحي كتاب «نجوى الغروب»، وأخرى مستقاة من أجواء «من وحي المسيح» رسمتهما للفنانة ريما علم. كما يشارك الأخوة عساف الذين نحتوا نعيمة أكثر من مرة، وأشهرها تلك المنحوتة الجميلة الموجودة في الشخروب.

مكتبة ميخائيل نعيمة (الشرق الأوسط)

تقول سهى التي ستكون من الذين يدلون بشهادتهم في هذا اليوم التكريمي الكبير: «ميخائيل نعيمة هو ذاتي المتكلمة، وهو ذاتي الصامتة؛ فهو الذي قال في مطلع كتابه «مذكرات الأرقش»: «الناس قسمان؛ متكلمون وساكتون. أنا قسم الإنسانية الساكت، وما بقي متكلمون»، وتكمل سهى: «إنه قسمي المتكلم والساكت معاً. السنوات التي قضيتها بحضوره الدائم الذي ينضح إنسانية، سيبقى دائماً المحرك الأقوى لأقدمه للناس كما عرفته».

هو يوم لم يكن ليكتسب أهمية بهذا الحجم لولا أن حضور ميخائيل نعيمة، وأمثاله من الأدباء الإنسانيين الذين جايلوه من جبران خليل جبران إلى أمين الريحاني ومارون عبود، وغيرهم، بات بمثابة طوق نجاة في زمن يغرق، ويزداد غرقاً بمادية صفيقة ومظلمة.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي