هل يصح أن نقارن بين منظرين ونقاد أكاديميين؟

تعقيب على مقالة «دليلك إلى النظرية الأدبية» للطفية الدليمي

د.عبد الله الغذامي
د.عبد الله الغذامي
TT

هل يصح أن نقارن بين منظرين ونقاد أكاديميين؟

د.عبد الله الغذامي
د.عبد الله الغذامي

للروائية والمترجمة القديرة لطفية الدليمي حرصٌ كبيرٌ على إدامة التواصل مع مستجدات الثقافة الغربية. وعادةً ما تسعى في اختيار موضوعاتها نحو الملاحقة الجادة لآخر إصدارات الكتب النقدية والفلسفية، بخاصة تلك الصادرة عن «دار روتلدج». وهو ما ينمُّ عن توق نحو التزويد (بجرعة معرفية تكفي في الأقلّ لشدّ عضد القارئ) كما جاء في مقالتها «دليلك إلى النظرية الأدبية» المنشورة في صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 10-9-2025 وفيها سعت إلى وضع «دليل» للنظرية الأدبية هو عبارة عن مجموعة كتب نقدية لمؤلفين غربيين.

وليس لي إلا أن أعبر عن تقديري لجهدها في طرق موضوع شائك مثل النظرية الأدبية، كما أثني على مسعاها في تنوير القارئ العربي الذي تفترض فيه احتياجه إلى قدر معين من الثقافة الموسوعية. ولا أروم في مناقشتي لمقالتها الاستدراك، وإنما المشاركة النقدية التي تثري ميدان النقاش بما هو مناسب ومفيد.

بدءاً تقوم فكرة المقالة على البحث عن كتب تأسيسية، تنضبط بموجبها عملية «المثاقفة» استناداً إلى «القراءات المنتظمة»، وإيماناً بالحاجة إلى «موجّهات دليلية نظرية». وما بين التأسيس والتوجيه، يصبح التمييز مهماً بين فلاسفة وأدباء - مثل سارتر وإليوت - مارسوا التنظير من منطلق تجاربهم في حقل أدبي، هم فيه مبدعون، وبين مفكرين كرسوا أعمارهم باتجاه التخصص في التنظير لأطروحة نقدية خاصة بالأدب مثل رومان جاكوبسون ورولان بارت ونورثروب فراي وهارولد بلوم.

وإذا كانت كتب «الدليل» متفاوتة في قيمتها المعرفية وفي تباعد أزمان تأليفها ومقدار صلتها بما يجري الآن من مستجدات في ساحة النقد العالمي، فإنها جاءت - باستثناء كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارين - مشتركة في بعدين اثنين؛ الأول أنها تعليمية، معدة لطلاب المدارس والجامعات. وليست التعليمية هي المعتمد الأدبي بوصفه «مجموعة كتب أصلية، ولها تاريخ لا يمكن تجاهله، وهي ذات صيغ راسخة ولها قيمتها وغير مشكوك في صحة نسبتها إلى مؤلفيها»، والبعد الآخر في كتب «الدليل» أنها لمؤلفين ناطقين بالإنجليزية. وتوجهاتهم ومرجعياتهم واحدة تمثلها المدرسة الأنجلوسكسونية، باستثناء ويليك الذي انتمى إلى النقد الجديد، وكتبه اليوم من أهم مراجع المدرسة الأنجلوأميركية.

رولان بارت

وكان لانحياز المقالة موضع التعقيب إلى كتب النقاد الإنجليز والأميركان مع حضور الصيغة التعليمية الإرشادية باستعمال كاف الخطاب، أن جعلا «الدليل» يوحي بحتمية تلاقي «النظرية الثقافية بالنظرية الأدبية أي بمعنى صار هناك توجّه عام لمثاقفة (Acculturation) النظرية الأدبية». والمعروف أن الدراسات الثقافية التي وضعها النقاد الإنجليز هي اتجاه منهجي ليس نهائياً، بيد أن الطابع الإرشادي (دليلك) يجعل القارئ يفهم أن التلاقي بين النظريتين هو توجه حاصل وجارٍ العمل به حالياً على مستوى النقد العالمي. وحقيقة الأمر ليست كذلك، فثمة اتجاهات أخرى كان يفترض بـ«الدليل» أن يتطرق إليها كي يرسم خريطة موضوعية، تضع القارئ العربي في صورة ما يطمح إلى التثقف فيه. وما لا اختلاف حوله أن تتبع تاريخ النظرية الأدبية هو غيره البحث في النظرية الأدبية؛ فالأول لا يقوم به أي باحث بسبب ما يحتاج إليه من نظر نقدي وتكريس للعمر الإبداعي في حين أن التتبع التاريخي أمر يمكن أن يقوم به أي باحث أو دارس يجد في نفسه قدرة على تتبع المسارات ورصد التطورات.

فهل يصح بعد ذلك أن نقارن بين منظرين مثل جاكبسون وجينيت ورينيه ويليك وبين نقاد أكاديميين هم باحثون في تاريخ النظريات وليست لهم أي إضافة نظرية مثل رامان سلدن وهانز بيرتنس. والأخير مغمور على صعيد النقد الغربي، فهو وإن كان أستاذاً فخرياً، وأعيدت طباعة كتابه - وهو على حد علمي الوحيد - عدة مرات، فلا يعني هذا تميزه المعرفي. ولا ذكر لهذا الاسم يرد لدى النقاد العرب المتخصصين وغير المتخصصين لسبب بسيط هو أن كتابه هذا غير مترجم إلى اللغة العربية. ولقد دار نصف مقالة الدليمي حوله، فاستعرضت الفصول الواردة في الطبعة الرابعة ثم عرجت على مميزات هذه الطبعة عن سابقتها الثالثة، علماً بأن الطبعة الأولى كانت عام 2001 ومن الطبيعي أن يضيف المؤلف إليها جديداً، لأن النظريات تتبدل وتتطور باستمرار.

وليس بيرتنس وحده في ميدان كتابة تاريخ النظريات، بل هناك أكاديميون كثر مثل البريطاني تيري إيغلتن بكتابه «نظرية الأدب» والأميركيين رامان سلدن بكتابه «النظرية الأدبية المعاصرة» وجوناثان كولر «النظرية الأدبية: مقدّمة وجيزة»، وليس من العدل أن نصف هذه الكتب بالتأسيسية أو نضاهيها بالكتب المؤسسة مثل «قضايا الشعرية» لجاكبسون، و«لذة النص» و«درس السيمولوجيا» لرولان بارت، و«خطاب الحكاية» لجيرار جينيت و«علم النص» لجوليا كرستيفا، و«بلاغة الخطاب القصصي» لواين بوث، وفيها وضعوا أطروحات نظرية، ساهمت في التأصيل النقدي للأدب. وبسببها تأسست مدارس عتيدة في النقد الأدبي.

ولا يعني تقديم النظرية الأدبية على تاريخ النظرية، التقليل من قيمة ما أُلف في هذا المجال أو انتقاص جهد أصحابها، لكنها فكرة «الدليل» التي تفرض على المتخصص الفصل علمياً بين النظرية والتاريخ، وأيضاً الفصل بين نظرية الأدب والدراسات الثقافية. وهذه الأخيرة عبارة عن اتجاه نقدي لاقى رواجاً منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين ثم خفت صيته مع مطلع القرن الحالي بعد أن صعد نجم الاتجاهات التي تبنتها المدرسة الأنجلو أميركية.

ومن المهم أن نشرح بإيجاز دواعي اجتراح النقاد الإنجليز لهذا الاتجاه المنهجي الذي يجمع الأدب بالثقافة، واصطلحوا على تسميته بالدراسات الثقافية (Cultural studies)، وقد يجد القارئ في الدواعي تعليلاً ضمنياً للأسباب التي حملت النقاد العرب على تبني هذه الدراسات والاحتفاء الكبير بها أيضاً. إذ من المعلوم أن الشكلانيين الروس نجحوا نجاحاً باهراً في تأسيس مدرسة لاقت انتشاراً خلال النصف الأول من القرن العشرين. وتوطدت أركانها بإنجازات نقاد أوروبيين في مجال الأسلوبيات والدراسات الألسنية. وكان لظهور النقاد الجدد ثم البنيويين أن سحب بساط النظرية الأدبية من تحت أقدام الشكلانيين. فنشأت المدرسة الفرانكفونية وهيمنت على عرش النقد الأدبي خلال ستينات وسبعينات القرن نفسه. في هذه الأثناء كان النقاد الإنجليز دائمي البحث عن موطئ قدم لهم ما بين الروس والألمان والفرانكفونيين. واستندوا في مسعاهم هذا إلى كتب نقدية تجمع الممارسة بالنظرية، بعضها يعود إلى القرن التاسع عشر مثل كتاب «النقد العملي» لأرمستونغ ريتشاردز وكتب جون ستوارت ميل. وبعضها الآخر يعود إلى أدباء ونقاد ظهروا في حدود النصف الأول من القرن العشرين مثل رايموند ليفز بكتابه «الاتجاهات الجديدة في الشعر الإنجليزي» وت. س. إليوت بكتابه «التقليد والموهبة الفردية»، وكانت مساعي الثقافيين موجهة نحو التقوقع على الفكر الإنجليزي من جهة، واتخاذ «الثقافة» من جهة أخرى منهجاً ونظرية وفلسفة في دراسات تقوم على النقد البنَّاء (رايموند وليامز) والنقد المستهجن والساخر (تيري إيغلتون)، والهدف هو الارتقاء بالمدرسة الأنجلوسكسونية لتكون في مصاف المدرستين الفرانكفونية والأنجلوأميركية، لكن الهدف لم يتحقق. فلقد بقيت الدراسات الثقافية مجرد منهجية، لا يزال النقاد الإنجليز يواظبون على الاشتغال بها من دون أن يضعوا نظرية محددة في «الأدب» يمكن وصفها بأنها نظرية أدبية. واستناداً إلى واقع الدراسات الثقافية البريطانية لا تكون كتب إيغلتون وستوارت هول وهانز بيرتنس تأسيسية ولا دليلاً مرجعياً للنظرية الأدبية.

عربياً كان الدكتور عبد الله الغذامي من أوائل المطبقين لهذا الجمع بين الأدب والثقافة، وفات الأستاذة الدليمي الإشارة إلى كتابه «النقد الثقافي» (2000)، وفيه جهد واع وبأفق نظري في الدعوة إلى النقد الثقافي. ولاقت دعوته رواجاً، وتباينت طرائق استيعابها؛ فكثير من نقاد الأدب العربي فهموا الثقافية على أنها دعوة إلى تجاهل النظريات الأدبية بمفاهيمها وأجهزتها الاصطلاحية. وبرأيهم أن ما داموا يعملون تحت يافطة «النقد الثقافي»، فإنهم في منأى من أي مؤاخذات علمية أو تصحيحات مفاهيمية. ووجد غيرهم في الإنشائيات واللعب على مفردات مثل «الأسئلة، الآخر، السرديات» ما يسهل عليهم تدبيج مقالات، هي في تصورهم نقدية، تغني عن عناء المدارسة المكثفة والتكريس المنتظم وقصدية الإحاطة المستمرة في عالم النقد الأدبي.

وكان من متحصلات القراءة السلبية لدعوة الدكتور الغذامي أن صار لدينا نوعان من الناظرين بانتقاص إلى «النقد الأدبي»: النوع الأول يرى أن النقد الثقافي بديل عن النقد الأدبي، والنوع الآخر يرى علم الأدب بديلاً عن النقد الأدبي. وهذا ما أكدته أيضاً مقالة الدليمي، فالنقد الأدبي كان في زمن ماض «ذا سطوة لا يمكن مخاتلتها»، ثم ذهبت السطوة و«خفت النقد الأدبي كثيراً» إلى أن تلاشى هذا النقد و«ظهر الأدب اشتغالاً عاماً لمختصين بالذكاء الاصطناعي والرياضيات والفيزياء، ولم يعُدْ احتكاراً خالصاً»، وكأن ليس النقد الأدبي حقلاً معرفياً عمره من عمر الفلسفة الإغريقية، وكأن ليس له من التخصص والعلمية والعمق التاريخي والأهمية الجمالية ما يؤكد استقلاليته، ويفنِّد أي محاولة لشطبه.

وأشاطر الدليمي مسعاها في البحث عن كتب عربية تصلح أن تكون «موجّهات دليلية نظرية في فضاء الأدب العربي والثقافة العربية»، لكن بشرط أن تكون مواكبة لمستجدات النظرية الأدبية، لا أن تعود بنا إلى ما قبل ثلاثين عاماً بأطروحتين لعبد الله إبراهيم (1996) وسعيد يقطين (1989) الأولى اتبعت في دراسة السرد العربي المنهج البنيوي، والأخرى اتبعت المنهج البنيوي التركيبي. فهل يصح عدّهما تأسيسيتين وفي مجال الدراسات الثقافية؟ بالطبع لا؛ إذ لم تقدما نظرية أدبية، ولا هما نهجتا منهج الدراسات الثقافية.

وما لا شك فيه أنَّ مشروع د. عبد الله الغذامي في اتخاذ النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي، كان واضحاً كل الوضوح. ليكون اسم الغذامي الأول في أي دليل عربي يوضع للدراسات الثقافية - وليس النظرية الأدبية - وبغض النظر عن مدى صحة المشروع أو بطلانه.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.