السخرية في الشعر العربي

موقف من الذات والمجتمع والوجود

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور
TT

السخرية في الشعر العربي

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور

رافقت السخرية الشعر العربي في كل مراحله وعصوره، وتحولت من نزعة للتهكم والدعابة والمرح إلى موقف ورؤية للعالم والواقع والأشياء، كما ترسخّت في بنية النص الشعري وأثرَتْ لغته، ووسعت من أفقه التخييلي والتأويلي بالاشتباك مع حقول المفارقة والدلالة والرمز، ليس كعناصر لفظية محضة في سياق معنى مستعار من الخارج، وإنما كمقومات فنية وجمالية نابعة من نسيج القصيدة، تمنحها خصوصية وتمايزاً على مستويي المعنى واللفظ. كما ارتبطت السخرية بقضايا الوجود والتساؤل عن ماهيته وجوهره، بل الحيرة إلى درجة الشك، وذلك في سياق التعبير عن قلق الذات الشاعرة وهمومها الخاصة.

يمكننا أن ننظر هنا إلى صرخة المصير الداخلية المكتومة في معلقة طرفة بن العبد، وهي تنساب بغضب مشوب بالسخرية، يصل إلى حد التلويح بالانتحار والتخلص من الحياة، مؤكداً أن الزمن لا يخطئ في حساب الأيام والسنين، إنما هي إشاراته الرخوة إلى البشر، ربما يدركون طوق النجاة وقوسي البداية والنهاية، فلا شيء مُخَلَّد، ولا أحد يستطيع أن يهب الخلد لأحد، في حياة مبنية على شره الأضداد وصراعاتها المقيتة المحفوفة دوماً بالعبث والسخرية... يقول طرفة في معلقته:

ألا أَيُّهذا اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى

َوأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي

ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً

ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوّدِ

فإن كنتَ لا تسْطِيعُ دفعَ منيَّتي

فدعني أبادِرهَا بمَا ملَكَتْ يَدي

حافظ إبراهيم

كذلك صرخة بشار بن برد وهو الشاعر الأموي المخضرم، بعدما أعجب بامرأة جارية، أشجاه صوتها وهي تشدو في مجلسه ذات يوم وسط رهط من النساء، محاولاً إيجاد الوجود البديل للعمى الذي أصيب به:

يا قومُ أذني لبعض الحيِّ عاشقةٌ

والأذنُ تعشقُ قبل العينِ أحيانا

يستهل بشار قصيدته باستهلال إنساني، يبدو بمثابة مرثية شديدة التبجيل للأذن، وفكرة السمع ورهافته في التقاط دبيب خطى البشر والطبيعة، لافتاً إلى أن الإحساس بالأشياء لا يتعلق فقط بعنصر الرؤية، بل الجسم البشري بما لديه من تكوين متداخل ومتراكب، يستطيع أن يعوِّض افتقاد عضو منه، وكما يقول:

قالوا بمَن لا تَرى تهذي فقلتُ لهم

الأذنُ كالعين توفي القلبَ ما كانا

ما كنتُ أوّلَ مشغوفٍ بجاريةٍ

يلقى بلقيانها روحاً وريحانا

ومن باب الفرح بالشعر ورهافة تعويض الفقد، كلف بشار صبيه بتتبع المرأة، وأن يبلغها بمحبته لها، وينشد لها هذه الأبيات السابقة، ففرحت المرأة وهشّت لها، وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها، ولا طمع في نفسه، وفي نفسها غير ذلك.

معروف الرصافي

لم تقتصر السخرية والتهكم المضمر في شعر بشار بن برد على رثاء الذات، وواقع الحال، وإنما امتدت إلى مظاهر الطبيعة، صانعاً نوعاً من الموازاة بين جرحه الخاص وتجليات هذه المظاهر. فهو الأعمى الذي لا يرى الشمس، لكنه يحسها، متجاوزاً حالته ككفيف، وما يفور في نفسه من لواعج الأسى والحيرة والحزن، لكنه مع ذلك يستطيع أن يرصد المشهد من زاوية خاصة جداً، وعلى سبيل التصريح لا التلميح، كأنه في لحظة مكاشفة مع ذاته والعالم والأشياء من حوله، بل دفعت هذه المكاشفة إلى أن يتأمل حكمة دورة النهار والليل، وتحولاتهما في فلك الوجود، فيصف الشمس التي يحسها، ويراها بعين قلبه، ونوره الداخلي قائلاً:

والشمسُ في كبد السماء كأنها

أعمى تحيَّر ما لديه قائدُ

ومن سمات السخرية في الشعر العربي أنها كثيراً ما تحولت إلى طقس له أعرافه وتقاليده ولغته وأسراره. ومن اللافت في ذلك الطقس، أن السخرية أصبحت بمثابة حوارية على مسرح مفتوح، تدافع بها الذات عن فردانيتها وتفردها، بل تفتخر بلحظات ضعفها وهشاشتها، وترى فيها مصدر قوة، وشكلاً من أشكال التميز اجتماعياً، خاصة في كنف المجموع سواء كان قبيلة أو عشيرة، أو صحبة من الأصدقاء.

أحمد شوقي

ينهض هذا الطقس ويشتعل شعرياً، في أثناء المشدات والمكائد والحروب الصغيرة بخاصة بين الشعراء، ومن منطلق أن صوت الشاعر هو صوت القبيلة، ولسان حالها، حتى إن كتب التراث تحفظ لنا مشاهد من المعارك بين القبائل، كانت تفتتح بمبارزات شعرية بين الشعراء، قبل أن تبدأ عجلة الكر والفر والقتال بالسيوف والنبال.

ولعل من أشهر المعارك الشعرية في تراث الشعر العربي المعركة التي جرت بين الشاعرين الشهيرين جرير والفرزدق، واستمرت على مدار 40 عاماً، فشلت خلالها كل مساعي الصلح بينهما. كان من دواعي المفارقة في تلك المعركة أن الشاعرين ينتميان لقبيلة تميم، إحدى قبائل العرب البارزة آنذاك، فلماذا العداء والحرب إذن، حتى أصبح لكل شاعر منهما «جيتو» يضم فريقاً من الشعراء، يدافع عنه ويناصره، وفي المقابل يسخر من الفريق الآخر ويهجوه بشكل مقذع أحياناً. الطريف في الأمر أن معظم مناصري الشاعرين سقطوا من ذاكرة التاريخ، وقليل منهم من تبقى، وكان من أبرزهم الشاعر الأخطل الذي ناصر الفرزدق ضد جرير، وكتب فيه أبشع أبيات السخرية والتهكم في سجل الشعر العربي ومنها قوله في الحط من شأن جرير:

قومٌ إذا استنبحَ الأضياف كلبَهُمُ

قالوا لأمهم بولي على النَّارِ

فتمسكُ البولَ بخلاً أن تجودَ به

وما تبولُ لهم إلا بمقدار

وتذكر أدبيات التراث أن الخليفة سليمان بن عبد الملك حاول الصلح بينما، لكن دون جدوى، حيث سأل جرير: «ما لكَ والفرزدق؟ فأجاب: إنه يظلمني، بينما قال الفرزدق: رأيت آبائي يظلمون آباءه، فسرت فيه بسيرتهم». كان الفرزدق يتباهى بأهله المباشرين من بني مجاشع ودارم في حين كان جرير يهاجم الفرزدق في عروبته ويعده هجيناً، وقد قال فيهما أحد الشعراء المعاصرين لهما:

ذهب الفرزدقُ بالفخـــار وإنمـــا ... حلو الكــــلام ومُرُّهِ لجرير

وتصادف أن اجتمع الثلاثة (الأخطل والفرزدق وجرير) في مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان، فأحضر بين يديه كيساً فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيكم غلب فله الكيس وبدأ الفرزدق... فقال:

أنا القطرانُ والشعــــراء جَربَى ... وفى القطــــرانِ للجَربَى شِفاءُ

وبعده قال الأخطل:

فـــإن تــكُ زِقَّ زاملةٍ فإني ... أنا الطاعــــونُ ليس لــــه دواءُ

وبعدهما قال جرير:

أنا المــوتُ الذي آتي عليكم ... فليس لهـــــاربٍ مني نجــــاءُ

فقال عبد الملك لجرير: خذ الكيس، فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء.

امتدت حبال السخرية إلى الشعر في أطواره الحديثة وأصبحت فضاء للمسامرة والترويح عن النفس خاصة في مجالس الشعراء. فها هو حافظ إبراهيم شاعر النيل، يداعب رفيق دربة أمير الشعراء أحمد شوقي، بلطشات شعرية خاطفة، وهما يجلسان في شرفة بيت شوقي قائلاً له، بابتسامة مرحة ساخرة:

يقولون إن الشوقَ نارٌ ولوعةٌ ... فما بالُ شوقي اليومَ أصبح باردا

وببديهة أكثر دعابة ومرحاً يرد شوقي على صاحبه قائلاً:

وأودعتُ إنساناً وكلباً أمانةً ... فضيعها الإنسانُ والكلبُ حافظُ

وتبلغ السخرية ذروتها في مرآة المجتمع عاكسة ظروفه المضطربة وتعقيداته السياسية والاجتماعية والثقافية، فنراها صدى صرخة موجعة، تتكسر في ظلال هذه المرآة، من المجتمع والحياة يطلقها الشاعر العراقي معروف الرصافي، فيقول في مفارقة تصويرية مركبة، يكشف من خلالها فداحة واقعه المعيش:

يا قوم لا تتكلموا ... إن الكلام محرمُ

ناموا ولا تستيقظوا ... ما فاز إلا النُّوم

وتأخروا عن كل ما ... يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانباً ... فالخير ألا تفهموا

وتثبتوا في جهلكم ... فالشرُّ أن تتعلموا

وكان الشاعر صلاح عبد الصبور «ابن نكتة» يحب السخرية، وصفه أحد النقاد قائلاً: «كان ابن نكتة ويعشق الدعابة والسخرية في جلساته الخاصة ولو تم تسجيل قفشاته الساخرة في كتاب، لصُنِّف كأحد أهم الساخرين في مصر، حيث كان يستخدم السخرية كوسيلة لمحاربة الواقع السيئ الذي يعيشه، فكانت دائماً رؤيته وأحلامه تختلف تماماً عن الواقع الذي يعيشه، ما كان يصيبه بنوبات اكتئاب عديدة ظهرت في أشعاره، حيث طغت لمحات الحزن على شعره»... هذا الوصف تجسد على نحوٍ لافت في ديوان عبد الصبور «الناس في بلادي» حيث يقول:

الناس في بلادي جارحون كالصقور

خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون

لكنهم بشر

وطيبون حين يملكون قبضتي نقود

ومؤمنون بالقدر

ارتبطت السخرية بقضايا الوجود والتساؤل عن ماهيته وجوهره

لا يصف صلاح عبد الصبور حياة الناس فحسب، وإنما يتوغل في دواخلهم بروح شعرية، تمتزج فيها التلقائية بالسخرية بالفانتازيا أحياناً، فتحت قشرة الوضوح يكمن العمق، وشوق الإنسان إلى الحرية، والأمل في أن يلمس ذاته بدفء وحنان. حتى ولو تشرّب هذا الأمل بنبرة من المفارقة والسخرية، وهو ما نراه مجسداً بشكل مكثف ومتعدد التأويل في قصيدته من «مذكرات الصوفي بشر الحافي»، وفيها يقول:

يا شيخي الطيّب

هل تدري في أي الأيام نعيش؟

هذا اليومُ الموبوءُ هو اليوم الثامن

من أيام الأسبوع الخامس

في الشهر الثالث عَشَرْ

الإنسان الإنسان عَبَرْ

من أعوامٍ

ومضى لم يعرفه بشرْ

فهكذا، في هذه الإطلالة على روح السخرية في شعرنا العربي، نجد أنها لم تكن فعل هدم، أو مجرد سخرية للسخرية، إنما فعل بناء، يضيف إلى القصيدة، ويفيض عنها، من دون ترهل أو افتعال، وهو فعل ابن الحياة، ابن مصادقتها ومعايشتها، لا يكف عن نشدانه الدائم للمحبة والحرية والجمال.


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.