السخرية في الشعر العربي

موقف من الذات والمجتمع والوجود

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور
TT

السخرية في الشعر العربي

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور

رافقت السخرية الشعر العربي في كل مراحله وعصوره، وتحولت من نزعة للتهكم والدعابة والمرح إلى موقف ورؤية للعالم والواقع والأشياء، كما ترسخّت في بنية النص الشعري وأثرَتْ لغته، ووسعت من أفقه التخييلي والتأويلي بالاشتباك مع حقول المفارقة والدلالة والرمز، ليس كعناصر لفظية محضة في سياق معنى مستعار من الخارج، وإنما كمقومات فنية وجمالية نابعة من نسيج القصيدة، تمنحها خصوصية وتمايزاً على مستويي المعنى واللفظ. كما ارتبطت السخرية بقضايا الوجود والتساؤل عن ماهيته وجوهره، بل الحيرة إلى درجة الشك، وذلك في سياق التعبير عن قلق الذات الشاعرة وهمومها الخاصة.

يمكننا أن ننظر هنا إلى صرخة المصير الداخلية المكتومة في معلقة طرفة بن العبد، وهي تنساب بغضب مشوب بالسخرية، يصل إلى حد التلويح بالانتحار والتخلص من الحياة، مؤكداً أن الزمن لا يخطئ في حساب الأيام والسنين، إنما هي إشاراته الرخوة إلى البشر، ربما يدركون طوق النجاة وقوسي البداية والنهاية، فلا شيء مُخَلَّد، ولا أحد يستطيع أن يهب الخلد لأحد، في حياة مبنية على شره الأضداد وصراعاتها المقيتة المحفوفة دوماً بالعبث والسخرية... يقول طرفة في معلقته:

ألا أَيُّهذا اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى

َوأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي

ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً

ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوّدِ

فإن كنتَ لا تسْطِيعُ دفعَ منيَّتي

فدعني أبادِرهَا بمَا ملَكَتْ يَدي

حافظ إبراهيم

كذلك صرخة بشار بن برد وهو الشاعر الأموي المخضرم، بعدما أعجب بامرأة جارية، أشجاه صوتها وهي تشدو في مجلسه ذات يوم وسط رهط من النساء، محاولاً إيجاد الوجود البديل للعمى الذي أصيب به:

يا قومُ أذني لبعض الحيِّ عاشقةٌ

والأذنُ تعشقُ قبل العينِ أحيانا

يستهل بشار قصيدته باستهلال إنساني، يبدو بمثابة مرثية شديدة التبجيل للأذن، وفكرة السمع ورهافته في التقاط دبيب خطى البشر والطبيعة، لافتاً إلى أن الإحساس بالأشياء لا يتعلق فقط بعنصر الرؤية، بل الجسم البشري بما لديه من تكوين متداخل ومتراكب، يستطيع أن يعوِّض افتقاد عضو منه، وكما يقول:

قالوا بمَن لا تَرى تهذي فقلتُ لهم

الأذنُ كالعين توفي القلبَ ما كانا

ما كنتُ أوّلَ مشغوفٍ بجاريةٍ

يلقى بلقيانها روحاً وريحانا

ومن باب الفرح بالشعر ورهافة تعويض الفقد، كلف بشار صبيه بتتبع المرأة، وأن يبلغها بمحبته لها، وينشد لها هذه الأبيات السابقة، ففرحت المرأة وهشّت لها، وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها، ولا طمع في نفسه، وفي نفسها غير ذلك.

معروف الرصافي

لم تقتصر السخرية والتهكم المضمر في شعر بشار بن برد على رثاء الذات، وواقع الحال، وإنما امتدت إلى مظاهر الطبيعة، صانعاً نوعاً من الموازاة بين جرحه الخاص وتجليات هذه المظاهر. فهو الأعمى الذي لا يرى الشمس، لكنه يحسها، متجاوزاً حالته ككفيف، وما يفور في نفسه من لواعج الأسى والحيرة والحزن، لكنه مع ذلك يستطيع أن يرصد المشهد من زاوية خاصة جداً، وعلى سبيل التصريح لا التلميح، كأنه في لحظة مكاشفة مع ذاته والعالم والأشياء من حوله، بل دفعت هذه المكاشفة إلى أن يتأمل حكمة دورة النهار والليل، وتحولاتهما في فلك الوجود، فيصف الشمس التي يحسها، ويراها بعين قلبه، ونوره الداخلي قائلاً:

والشمسُ في كبد السماء كأنها

أعمى تحيَّر ما لديه قائدُ

ومن سمات السخرية في الشعر العربي أنها كثيراً ما تحولت إلى طقس له أعرافه وتقاليده ولغته وأسراره. ومن اللافت في ذلك الطقس، أن السخرية أصبحت بمثابة حوارية على مسرح مفتوح، تدافع بها الذات عن فردانيتها وتفردها، بل تفتخر بلحظات ضعفها وهشاشتها، وترى فيها مصدر قوة، وشكلاً من أشكال التميز اجتماعياً، خاصة في كنف المجموع سواء كان قبيلة أو عشيرة، أو صحبة من الأصدقاء.

أحمد شوقي

ينهض هذا الطقس ويشتعل شعرياً، في أثناء المشدات والمكائد والحروب الصغيرة بخاصة بين الشعراء، ومن منطلق أن صوت الشاعر هو صوت القبيلة، ولسان حالها، حتى إن كتب التراث تحفظ لنا مشاهد من المعارك بين القبائل، كانت تفتتح بمبارزات شعرية بين الشعراء، قبل أن تبدأ عجلة الكر والفر والقتال بالسيوف والنبال.

ولعل من أشهر المعارك الشعرية في تراث الشعر العربي المعركة التي جرت بين الشاعرين الشهيرين جرير والفرزدق، واستمرت على مدار 40 عاماً، فشلت خلالها كل مساعي الصلح بينهما. كان من دواعي المفارقة في تلك المعركة أن الشاعرين ينتميان لقبيلة تميم، إحدى قبائل العرب البارزة آنذاك، فلماذا العداء والحرب إذن، حتى أصبح لكل شاعر منهما «جيتو» يضم فريقاً من الشعراء، يدافع عنه ويناصره، وفي المقابل يسخر من الفريق الآخر ويهجوه بشكل مقذع أحياناً. الطريف في الأمر أن معظم مناصري الشاعرين سقطوا من ذاكرة التاريخ، وقليل منهم من تبقى، وكان من أبرزهم الشاعر الأخطل الذي ناصر الفرزدق ضد جرير، وكتب فيه أبشع أبيات السخرية والتهكم في سجل الشعر العربي ومنها قوله في الحط من شأن جرير:

قومٌ إذا استنبحَ الأضياف كلبَهُمُ

قالوا لأمهم بولي على النَّارِ

فتمسكُ البولَ بخلاً أن تجودَ به

وما تبولُ لهم إلا بمقدار

وتذكر أدبيات التراث أن الخليفة سليمان بن عبد الملك حاول الصلح بينما، لكن دون جدوى، حيث سأل جرير: «ما لكَ والفرزدق؟ فأجاب: إنه يظلمني، بينما قال الفرزدق: رأيت آبائي يظلمون آباءه، فسرت فيه بسيرتهم». كان الفرزدق يتباهى بأهله المباشرين من بني مجاشع ودارم في حين كان جرير يهاجم الفرزدق في عروبته ويعده هجيناً، وقد قال فيهما أحد الشعراء المعاصرين لهما:

ذهب الفرزدقُ بالفخـــار وإنمـــا ... حلو الكــــلام ومُرُّهِ لجرير

وتصادف أن اجتمع الثلاثة (الأخطل والفرزدق وجرير) في مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان، فأحضر بين يديه كيساً فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيكم غلب فله الكيس وبدأ الفرزدق... فقال:

أنا القطرانُ والشعــــراء جَربَى ... وفى القطــــرانِ للجَربَى شِفاءُ

وبعده قال الأخطل:

فـــإن تــكُ زِقَّ زاملةٍ فإني ... أنا الطاعــــونُ ليس لــــه دواءُ

وبعدهما قال جرير:

أنا المــوتُ الذي آتي عليكم ... فليس لهـــــاربٍ مني نجــــاءُ

فقال عبد الملك لجرير: خذ الكيس، فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء.

امتدت حبال السخرية إلى الشعر في أطواره الحديثة وأصبحت فضاء للمسامرة والترويح عن النفس خاصة في مجالس الشعراء. فها هو حافظ إبراهيم شاعر النيل، يداعب رفيق دربة أمير الشعراء أحمد شوقي، بلطشات شعرية خاطفة، وهما يجلسان في شرفة بيت شوقي قائلاً له، بابتسامة مرحة ساخرة:

يقولون إن الشوقَ نارٌ ولوعةٌ ... فما بالُ شوقي اليومَ أصبح باردا

وببديهة أكثر دعابة ومرحاً يرد شوقي على صاحبه قائلاً:

وأودعتُ إنساناً وكلباً أمانةً ... فضيعها الإنسانُ والكلبُ حافظُ

وتبلغ السخرية ذروتها في مرآة المجتمع عاكسة ظروفه المضطربة وتعقيداته السياسية والاجتماعية والثقافية، فنراها صدى صرخة موجعة، تتكسر في ظلال هذه المرآة، من المجتمع والحياة يطلقها الشاعر العراقي معروف الرصافي، فيقول في مفارقة تصويرية مركبة، يكشف من خلالها فداحة واقعه المعيش:

يا قوم لا تتكلموا ... إن الكلام محرمُ

ناموا ولا تستيقظوا ... ما فاز إلا النُّوم

وتأخروا عن كل ما ... يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانباً ... فالخير ألا تفهموا

وتثبتوا في جهلكم ... فالشرُّ أن تتعلموا

وكان الشاعر صلاح عبد الصبور «ابن نكتة» يحب السخرية، وصفه أحد النقاد قائلاً: «كان ابن نكتة ويعشق الدعابة والسخرية في جلساته الخاصة ولو تم تسجيل قفشاته الساخرة في كتاب، لصُنِّف كأحد أهم الساخرين في مصر، حيث كان يستخدم السخرية كوسيلة لمحاربة الواقع السيئ الذي يعيشه، فكانت دائماً رؤيته وأحلامه تختلف تماماً عن الواقع الذي يعيشه، ما كان يصيبه بنوبات اكتئاب عديدة ظهرت في أشعاره، حيث طغت لمحات الحزن على شعره»... هذا الوصف تجسد على نحوٍ لافت في ديوان عبد الصبور «الناس في بلادي» حيث يقول:

الناس في بلادي جارحون كالصقور

خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون

لكنهم بشر

وطيبون حين يملكون قبضتي نقود

ومؤمنون بالقدر

ارتبطت السخرية بقضايا الوجود والتساؤل عن ماهيته وجوهره

لا يصف صلاح عبد الصبور حياة الناس فحسب، وإنما يتوغل في دواخلهم بروح شعرية، تمتزج فيها التلقائية بالسخرية بالفانتازيا أحياناً، فتحت قشرة الوضوح يكمن العمق، وشوق الإنسان إلى الحرية، والأمل في أن يلمس ذاته بدفء وحنان. حتى ولو تشرّب هذا الأمل بنبرة من المفارقة والسخرية، وهو ما نراه مجسداً بشكل مكثف ومتعدد التأويل في قصيدته من «مذكرات الصوفي بشر الحافي»، وفيها يقول:

يا شيخي الطيّب

هل تدري في أي الأيام نعيش؟

هذا اليومُ الموبوءُ هو اليوم الثامن

من أيام الأسبوع الخامس

في الشهر الثالث عَشَرْ

الإنسان الإنسان عَبَرْ

من أعوامٍ

ومضى لم يعرفه بشرْ

فهكذا، في هذه الإطلالة على روح السخرية في شعرنا العربي، نجد أنها لم تكن فعل هدم، أو مجرد سخرية للسخرية، إنما فعل بناء، يضيف إلى القصيدة، ويفيض عنها، من دون ترهل أو افتعال، وهو فعل ابن الحياة، ابن مصادقتها ومعايشتها، لا يكف عن نشدانه الدائم للمحبة والحرية والجمال.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».