ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

مع الذكاء الاصطناعي سيعادُ تشكيلُ مفاهيمنا وكامل كينونتنا البشرية!

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟
TT

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

ما هي الثقافة الرابعة؟ وكيف تتشكل؟

نعرفُ في المواضعات السائدة أنّ الثقافة صنفان: أدبية وعلمية. هكذا جرت العادة حدّ أنّ الدراسة الإعدادية (توصف بالثانوية في بعض الأقطار العربية) تحدّد المسار الدراسي للطالب وفقاً لاختياره بين الدراسة العلمية أو الأدبية. يعرف الطالب منذ البدء إلى أين سينتهي به هذا المسار. قد تكون بعض التفصيلات الصغيرة حاضرة؛ لكنْ في العموم هذا هو العنوان الأكبر: الدراسة صنفان: علمية وأدبية. قد يضافُ أحياناً خيارُ التركيز على الرياضيات كما هو حاصل في مصر وبلدان الشمال الأفريقي العربية، وقد يحصل تركيز على الفلسفة ضمن الدراسة الأدبية، كما قد يحصل شطرُ الدراسة العلمية إلى قسم تطبيقي يقود إلى العلوم والهندسة، وقسم أحيائي يقود إلى الدراسة الطبية وتفريعاتها، وهو ما حصل في العراق ثم انتهت القناعة لوأد التجربة والعودة إلى السياق الكلاسيكي: علمي وأدبي.

كل دراسة تقود إلى صناعة ثقافة تدور في مداراتها. نعرفُ في الصورة العامة ما الذي سيكون موضع الاهتمام الثقافي لدى الدارس الأدبي. سيدور هذا الدارس (أو هكذا تفترض البداهة) في مدار الأدب والفلسفة والتاريخ والنقد والرواية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. قد لا يدور في كل تلكم المدارات، لكنّه في الأقلّ سيدور في واحد منها ويتطلّع لمعرفة بعض الشيء عمّا يدور في الأفلاك الأخرى. الأمر ذاته يحصل مع ثقافة الدارس العلمي. سيدلّنا الحدسُ على أنّه سيتابع التطوّرات العلمية في حقله الاختصاصي مع رغبة في مدّ عنقه للإطلالة على الحقول العلمية الأخرى. هذا التمركز الاختصاصي حول الأدب أو العلم خلق لنا أصولية ثقافية ناشزة لم تعُدْ مناسبة للتعامل مع معضلات العالم الطارئة. لم يعُد مقبولاً أو مناسباً أن نستخدم مخرجات العلم التقنية من غير أن تكون لنا خلفية مناسبة لمعرفة السياق التاريخي والمجتمعي الذي قاد لتلك المخرجات، وقبل هذا معرفة السياسات العلمية للدول وبخاصة أنّها صارت سياسات معقّدة تشتبك فيها المؤثرات العلمية والتقنية والاقتصادية والثقافية.

كان اللورد سي بي سنو C. P. Snow من أوائل من كتبوا عن القصور الفاضح في الانكفاء على ثقافة علمية أو أدبية؛ فكتب مؤلفه الأشهر (الثقافتان The Two Cultures) الذي سعى فيه لتجسير الهوّة بين الثقافتين العلمية والأدبية. المقصود بهذا التجسير هو امتلاك القدرة على إدامة نمط من التواصل الحي المنتج بين المشتغلين بالعلم والأدب، وقد برهنت الوقائع على أنّ المعرفة بالآخر كانت منتجة وذات نتائج مثيرة. بدأت معالم هذا التجسير من تطعيم المناهج الدراسية الجامعية لكلّ طرف بدراسات من الطرف الآخر في سياق تكاملي لا يرى العلم أو الأدب ومشتقاتهما الثقافية جزراً معزولة بل صوراً متعدّدة لعالم جميل يتّسم بالتعقيد المثير.

نشر اللورد سنو كتابه المثير عام 1959، ثمّ أتْبَعَهُ بتحديث عام 1962. مضى أمرُ الثقافتين بهدوء وسلاسة ولاقى قبولاً واستحساناً عالمياً، وفي مستطاع القارئ حتى اليوم قراءةُ موضوعات على شاكلة «الثقافتان بعد ستين عاماً»، لكنْ يبدو أنّ الوكيل الأدبي والمهتم بشؤون الثقافة العالمية جون بروكمان John Broakman لم يكتفِ برؤية سنو بل أراد الترويج لمفهوم (أو بالأصح سياسة ثقافية) وصفه بالثقافة الثالثة The Third Culture. حصل الأمر ابتداءً من منتصف تسعينات القرن الماضي، وأراد منه بروكمان أن يتوجه العلماءُ المتخصصون إلى عامّة القرّاء بكيفية مباشرة من غير وسيط. هنا حصل انفجار حقيقي (Boom كما يوصف في الأدبيات الثقافية) في كمّ ونوع المنشورات التي تخاطب القارئ العادي. انبرى الفيزيائيون يكتبون عن موضوعات الانفجار الكبير، وأصل الكون ونهايته، وميكانيكا الكم وتطبيقاتها المثيرة، والمصادم الهادروني الكبير والجسيمات الأولية على شاكلة جسيم هيغز. من جانبهم راح الرياضياتيون يكتبون عن نظرية الفوضى Chaos Theory والنظم الدينامية المعقّدة ونظرية الكوارث؛ في حين بدأت بواكير الذكاء الاصطناعي حينذاك وكثُرَ الحديث عن النظم الخبيرة والمعالجة الحاسوبية للغة الطبيعية. الأمثلة أكثر من التعداد البسيط والانتقائي، وقد ساهم بروكمان ذاته في تعزيز مفهوم الثقافة الثالثة ولم يكتفِ بالدعوة المخلصة لها، فأنشأ موقعاً إلكترونياً أسماه Edge.com لم يزل فاعلاً حتى اليوم، وأحسبه كنزاً معرفياً حقيقياً لثراء الموضوعات والحوارات والشخوص فيه، وفي العادة كان بروكمان يصنع من محتويات هذا الموقع كتاباً كلّ سنة أو سنتيْن. قراءة كتب بروكمان متعة عظيمة لمن خَبِر أهمية الموضوعات التي كان يختارها. من المهم الإشارةُ إلى أنّ بروكمان لم يَدْعُ صراحة أو تلميحاً إلى أصولية علمية (أو نزعة علموية) كما قد نظن؛ بل أراد نقل العلم من بنيته الفوقية إلى طور المشاعية العامة. أراد تقريب صورة المشتغل بالعلم إلى الجمهور حتى لا نبقى مشدوهين نحسبُ العلم أقرب إلى كهانة جديدة يلعبُ فيها العلماء دور سَحَرَة العالم القديم. من المفيد أن نتذكّر حقيقة كون بروكمان مشتغلاً في الصناعة الثقافية الأدبية ولم يكن ذا تخصّص علمي معروف، وهذا ما يضفي على دعوته للثقافة الثالثة مصداقية حقيقية ومضاعفة.

أفكّرُ اليوم بمفهوم سيكون مسوّغاً أن أصفه بـ«الثقافة الرابعة The Fourth Culture». لا بأس أن نضيف واحداً إلى (عدّاد) بروكمان الثقافي. الأمر ليس نزوة أو رغبة عابرة أو سباقاً جامحاً لحيازة قصب السبق في ابتكار المسمّيات الجديدة. الأمر أكبر من هذا وله مفاعيله المفاهيمية والعملية. لم أجد في البحث الغوغلي المستفيض ما يشيرُ إلى اعتماد توصيف الثقافة الرابعة، لكنّي موقنة أنّها ستصبحُ مفهوماً جوهرياً في زمن قريب جداً.

أولاً وقبل كل شيء، ما هي الثقافة الرابعة؟ هي -باختصار- الثقافة التي تتعشّق مع الذكاء الاصطناعي وتتناغم مع معطياته. الأصل في هذه الثقافة هي القناعة الراسخة بأنّ الذكاء الاصطناعي ليس ثورة تقنية جديدة فحسب (خامسة أو سادسة أو سابعة. ليس أمراً مهمّاً هذا)، بل هو إيذان بعصر تنوير جديد The New Enlightenment. سيعادُ مع الذكاء الاصطناعي تشكيلُ مفاهيمنا وكامل كينونتنا البشرية، وسيكون من المعيب أن يبقى المرء بعيداً أو ناكراً أو جاهلاً لهذه الثورة التنويرية الجديدة.

كيف تتشكّل الثقافة الرابعة؟ لن نكون مغالين أو متشدّدين ونتصوّر أنّ على المرء دراسة الذكاء الاصطناعي كما يدرسه طلبة الجامعة، علماً بأنّ دراسة الذكاء الاصطناعي في جامعاتنا تجربة قاصرة لا تختلف نوعياً عن الدراسات التقليدية المعروفة في الجامعة، لكن برغم ذلك فمن سعى مخلصاً للمعرفة التقنية في الذكاء الاصطناعي ولم يشأ الاكتفاء بالعموميات الثقافية التي تشكّل الحدّ الأدنى The Minimum فيمكنه الاستعانة ببرامج دراسية مجانية ورائعة على الشبكة العالمية (الإنترنت)، وهي أرقى وأنفع بكثير من مقرراتنا الجامعية. ستكون تجربة ثقافية مميزة أن نقرأ عن تاريخ تطوّر الذكاء الاصطناعي، وفلسفته، ومفاهيم على شاكلة: الخوارزميات، التفكير الحوسبي، البيانات الكبيرة، الروبوتات، مع تركيز خاص على المعضلات التي ينجح الذكاء الاصطناعي في تفكيكها أو قدح شرارتها. يتوجّب أن ننتبه للوجهين؛ إذ لكلّ تقنية جديدة جوانب طيبة ومؤذية. هذا ما تعلّمُنا إياه الثوراتُ التقنية السابقة، وعلينا أن نتخيّل كيف سيكون الحال مع تقنية عظمى هي أقرب إلى عصر تنوير جديد! الأمر منوط بنا في نهاية المطاف. يمكن أن نكون أتباعاً شريرين لمفيستوفيليس أو رفقاء مخلصين لبروميثيوس في تطلعاته الثورية اللانهائية.

علينا أن نتخيّل كيف سيكون الحال مع تقنية عظمى هي أقرب إلى عصر تنوير جديد

ما أهمية الثقافة الرابعة؟ ببساطة، عصرنا هو عصر الذكاء الاصطناعي، وحتى يحوز المرء أقلّ الشغف اللازم للتعامل مع المنتجات الثورية للذكاء الاصطناعي فيتوجّب عليه معرفةُ الأساس الثقافي الذي يتأسّس عليه هذا الذكاء. هذا يصحّ مع الذكاء الاصطناعي أو أي حقل معرفي آخر. الثقافة هي البنية التحتية اللازمة لإدامة أيّ فعل ناجح في العلم والتقنية أو أيّ منشط إنساني. لا شيء يمنعنا أن يحقق شباب عربٌ مجموعات ناشطة في الذكاء الاصطناعي تناظرُ ما حقّقه الهنود أو الصينيون. كل ما نحتاج إليه هو الشغف والرغبة الحقيقية في الإنجاز. المال ليس عائقاً، وهذه واحدة من الخواص الطيّبة للتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي. مع حاسوب ووصلة إنترنت وشغف حقيقي (ولا ننسى الكثير من الشاي أو القهوة بالطبع) نستطيع أن نفعل الكثير ممّا فعله الهنود أو الصينيون وأذهلوا به العالم. لن يموت الأدب أو الإبداع كما قد يتوهّم بعضنا، كما لن نكون في حاجة لقتل تراثنا الإبداعي والفلسفي العالمي. ليس مَنْ يبشّرُ بحتمية قتل الجاحظ أو دوستويفسكي أو سارتر أو راسل لكي نكون بارعين في التعامل مع الثقافة الخوارزمية ومعطيات ثورة الذكاء الاصطناعي. الأمر هو العكس تماماً: ليس ثمّة ما يمنعُ أن تكون روائياً بارعاً أو فيلسوفاً متسلّحاً بأفضل المنتجات الثقافية ما بعد الحداثية، وفي الوقت ذاته يمكنك التعامل مع أدوات الثورة الرابعة. بكلمات وجيزة: ليس من المناسب أن نشعر بضياع كامل في متاهة اغترابية كلّما واجهتنا معضلة أو موضوعة يكون الذكاء الاصطناعي طرفاً فيها. هذا هو جوهر الثقافة الرابعة.

لنفعلْ شيئاً. هذا أفضل من أن نبقى شبيهي «فاوست» المأسور بغواية مسمومة ما عادت مناسبة للبقاء والاستمرارية في عصر التنوير الجديد الذي نعيش تباشير ثورته القادمة.


مقالات ذات صلة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».