الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

آمال موسى في ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر»

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة
TT

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

تسيطر هموم العشق وما يثيره من مكابدات عاطفية على أجواء ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر» الصادر عن دار «سراس» للشاعرة التونسية آمال موسى، ويتحول كينونةَ وجودٍ وحياة؛ فلا تستحضر الشاعرة العشق برموزه ودلالاته كقيمة مطلقة مجردة، لا علاقة لها بالواقع المعيش، إنما هو ابن هذا الواقع، من نبعه يستفي فيضه وتوهجه، وانطفاءه وذبوله أيضاً. يحيل إلى ذلك على نحو لافت، عنوان الديوان، الذي يكرس برمزيته لنهر الذات الخاص، ويعلي من شأنه، في مقابل غض النظر عن النهر بمفهومه المادي المباشر الماثل للعيان، يعزز كل هذا شعرية تعتمد على المكاشفة والبوح، تغلف نصوص الديون، وتتقلب ما بين الوضوح والجرأة والحدة، والهدوء المفاجئ، الذي يبدو بمثابة استراحة مؤقتة للذات من مكابدات هذا العشق؛ تتأمل تحت مظلتها الواقع والأشياء من نقطة الصفر، وتلملم ما قد تناثر في قلب النص «المتن»، وعلى الخواف من فتات، يشكل خليطاً من الأفكار والرؤى البسيطة والمعقدة التي تحكم الوجود، وتنتهك دورانه الطبيعي بتعقيدات الفلسفة التي تحبس الحياة في طوفان من الأسئلة العقلية ذات المنطق المراوغ.

وسط كل هذا تبحث الشاعرة عن نقطة تلمّ شتات المتناقضات، ربما تستقيم العلاقة، وتصبح أكثر وضوحاً بخاصة بين العلة والمعلول، أو بين الدال والمدلول. اللافت أيضاً أن البحث عن هذه النقطة، يظل مفتوحاً بحيوية على شتى العناصر والأشياء التي تشكل حركة الحياة والوجود، فلا بأس أن تستدعى هذه النقطة من عوالم الطفولة تداعب من خلالها الأم، حيث تتصدر صورتها المشهد، وتتذكر ابنتها الشاعرة كيف أنها لم تعجن الخبز يوماً، وأنها كانت تتمنى أن تتعلم منها خبيزه وتشم رائحته الشهية، وهو ما يطالعنا في النص الذي تستهل به الديوان «أَعلَّمُني عجينَ الخبزِ بكلِّ شيء»، حيث اللعب على وتر الزمن، وفي لحظة عبثية تبدو فيها الذات وكأنها تدور على نفسها تحت رحاه الثقيلة الوطأة، فتقول في مقاطع من النص:

«ها أنّيِ في اللحظة الصفرِ من العشقِ

في اللحظة الصفرِ من الكتابةِ

في اللحظة الصفرِ من المعنى

في اللحظة الصفر من المتعةِ

في اللحظة القصوى من الملّلِ

أُجالسُ عاشقاً مُنهكاً وجان بودريار ورولان بارت

وجسداً يحملُ حلُماً تجاوز الشهرَ التّاسعَ بعشرةِ أيامٍ.

قلتُ لبودريار:

الدّالُ والمدلولُ عادا إلى الصفر أخيراً

عادا قُبَيلَ موسمِ الحصادِ بقليلٍ، يُلملمانِ شتاتَ

معنىً جديدٍ

أخضرَ لم يبلغِ السعادةَ بعدُ

لم يأخذْ من السّماءِ كفايتَه من الماءِ

بينَ الصِّفرِ وإكسيرِ الحياةِ سرٌ لم يهتكْهُ بودريار.

الصِّفرُ ليس موتاً

ليس وحدةً

الصِّفرُ بدايةُ حبٍّ جديدٍ

تحرُّشُ الفكرةِ بِجسدي

واستسلامي لها

زفافٌ بينَ دال ومدلولٍ في ذروةِ الانحرافِ بالكلماتِ

هما أنا وأنت يا عاشقي المنهك».

نلاحظ هنا أن الشاعرة استخدمت دال الصفر، ليس بمعنى النهاية أو العدم، إنما بمعنى المقدرة على التشبث بإرادة الحياة، وكأنها في هذه النقطة الصفرية تحديداً تولد بشكل جديد. وسط الانهاك تستدعي صورة الأم والخبز، ولا يتسم هذا الاستدعاء بالحنين إلى الماضي فقط، إنما باللعب معه أيضاً، كأنه حلم يتراءى في المنام:

«قال لي رجلٌ رأيتُه يمسكُ بِيَدي في المنامِ:

الحياة ترتشفُ قهوتَها باردةً.

يا أيتّهُا الحياةُ:

أمي من نساءِ المدينةِ

لم تعجنِ الخبزَ يوماً

لم أتعلَّمْ صُنعَ الخُبزِ

ما جدوى القراءةِ والكتابةِ والأناقةِ والانتباهِ للتفاصيل

والقبضِ على الشياطينِ من وراءِ الملائكةِ؟

لم أتعلَّمْ عجْنَ الخُبزِ

وعندما جرَّبتُ

هالني ما يتطلَّبهُ الخُبزُ من عِنادٍ

لستُ عنيدةً بِما يكفي

هكذا اعترفَ لي عجينُ الخبزِ الذي لم أُفلحْ في مزيدِ

من استفزازِ بياضِهِ».

في المطبخ يرافقها هذا المشهد، كظل لها بخاصة في نص «أنا والبيضة شقيقتان» فتحاور كائناته «الملاعق والشوك والسكاكين والأطباق» وغيرها، وكأنها عناصر حية، تتمتع بعلائق سرية لوحدة وجود، تملك القدرة على تفكيكه وصياغته من جديد، وتوهم بأن ثمة حواراً متقطعاً ومتخفياً بينها وبين هذه الكائنات يتسرب في نسيج بعض النصوص ويبلغ ذروته من التهكم والسخرية حين يستحضر رموزاً من أبرز صانعي الفلسفة والفكر والحكمة في العالم.، مثل جان بودريار، رولان بارت، كارل ماركس، ميشيل فوكو، أرسطو، أفلاطون، كما تقول في هذا النص:

«أشياءُ كثيرةٌ في مطبخي تُشبهني

أتماهى معَ هذه الأشياءِ ونُؤنسُ بعضَنا.

الماءُ والنّارُ والكهرباءُ

الخضارُ والفواكهُ الممتلئةُ بالماءِ والفواكهِ الجافَّةِ

الصحونُ والكؤوسُ

وأواني الطبخ النّحاسية تروي سيرةَ امرأة من

القيروان

ملاعقُ صغيرةٌ وكبيرةٌ في مقاساتِ أحلامي

النّحيفةِ والمُكتنزةِ قليلاً

وسكينٌ واحدة.

لا أحبُّ السّكاكين.

في السَّكاكين يختبئُ خوفُ هابيلَ».

.........

«المطبخ غرفةٌ تستيقظُ فيها الشهواتُ

حسابُنا البنكيُّ المبعثرُ داخلَ الثلاجةِ وبينَ الطاولةِ

وسلة المُهملاتِ.

البعضُ يكتبُ

البعضُ يُعدُّ طعامَه

وأنا أكتبُ وأطبخُ

بعضي يُعِدُّ طبقاً عاشقاً لقطبٍ قد يطرقُ بابَ مطبخي

وكلي يكتبُ الشّعر لبطلٍ صنعتُه يدايَ بالماءِ

والخيالِ ورطلٍ من شهد الملكات.».

تخلص الشاعرة في هذا النص الطويل الشيق إلى إحساس ما، يتدفق بشكل تلقائي أن «في هذا المطبخ/ ما يشبه وحدة الوجود/ أو كوكتيل من عصيرِ الحكمةِ والحشائشِ البريّةِ/ تسكبه كل صباح.». إنها إذن حالة وجود، لا تنفصل فيها الأشياء عن ظلالها، ولا يمكن النظر لأحدهما بمعزل عن الآخر، تماماً كما في العشق، حيث لا ينفصل العاشق عن المعشوق، بل يبتعدان أحياناً لتضيق المسافة بينهما، ويصبحان أقرب، بل أكثر انسجاماً مع مشاغل الروح والجسد. فليس ثمة قطيعة عدمية بين البشر والأشياء، بقدر ما هي مجرد وجهات نظر متباينة، لا تلغي وجود الآخر، بل تحرص عليه في أقصى لحظات الحب والعشق؛ أقصى لحظات الحزن والبكاء... ربما لذلك تهدي الشاعرة الديوان إلى العشق في صورته المطلقة قائلة: «إلى من رفعه العشق إلى درجات اللهب وتداوى به شهدا ومرارة. إلى من تدثر بالعشق في شتاء الحياة وخريفها... إليه هذه القصائد المضمخة بعناصر الوجود الأربعة».

يقع الديوان في (117) صفحة ويضم 14 قصيدة، تنهل من براح قصيدة النثر، بل إنه يسمي المرأة باسمها «قصيدة نثر»، في ظلالها تقلب الشاعرة دفتر أيامها، محاولة الإمساك بالبئر الأولى للحنين، وعلى سبيل السخرية من الزمن تقول:

«حتى الخيبات أشتاقُ إلى بداياتها.

أحنُ إلى حربٍ شرسة عاشها أجدادي

أصوبُ فيها البندقية نحو هذا الحاضر

فيسقطُ قتيلاً،

وينزفُ طحيناً أبيضَ ورقائق بطاطا معلبة وبيبسي كولا.

أحنُ،

إلى من ألقى بي في كل هذا الحنين.» في القصائد الأخيرة بالديوان تتكثف معاني الغربة إلى حد الشعور بالعزلة والاستلاب أحياناً، وتنجح الذات الشاعرة في مواجهتها وترويضها وتضفيرها في بنية الصورة الشعرية التي تنفتح بشكل أكثر اتساعاً على روح الحكاية والتفاصيل بما تضمره من روائح حسية ومعنوية توثق للحالة في مجريات الحياة، كما يذهب الشعر إلى الأشياء البسيطة ونزقها المباغت، مثل «شوق الإبرة للخيط»، «القط البري» «رجل البلدية (حارق الأمل)» وتتناص القصائد مع معطيات من التراث الديني، لكنها مع ذلك تتحاشى السرد كفعل قص، وتتعامل معه كوميض يضيء فضاء المشهد وينميه درامياً وجمالياً. هكذا ترسم الشاعرة صورة العاشق الذي تتمنى في نص بعنوان » فراغ الوردة من الاستروجين» تقول فيه:

«الشفاه فهمتْ كم يهابُ الموتُ القبلةَ

شفاهُك تثأر من صورة العاشق السخيف

عاشقٌ تاب عن المرآة

لا يذهب إلى النهر

عاشقٌ تعلَّمَ الزهو بوجه من يُحب

لا بوجهه

أن ينحني بشهامةٍ للماء

ويركب أعلى موجةٍ في الشعور حتى يصبحَ وجههُ مرآةً للنهر.

عاشقٌ،

يُلاعب الأزمنة

يُبارزها

لا يخشاها

يُربكُ عقارب السّاعة

يمنحنا ساعةً في اليوم يغلبُ فيها الضوءُ الظلمة

ليطمئنَ فينا الأملُ ويكبرَ.«

في الختام، هذا ديوان مهم ومتميز في تجربة الشاعرة آمال موسى، أرجو أن أكون في هذه الإطلالة أمسكت بشيء من خيوط هذا التميز، أو العشق الذي يوحد نداء العاشق بهتاف الحياة.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.