الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

آمال موسى في ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر»

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة
TT

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

الشعر بين نداء العاشق وهتاف الحياة

تسيطر هموم العشق وما يثيره من مكابدات عاطفية على أجواء ديوان «عاشقة ولا أنظر في النهر» الصادر عن دار «سراس» للشاعرة التونسية آمال موسى، ويتحول كينونةَ وجودٍ وحياة؛ فلا تستحضر الشاعرة العشق برموزه ودلالاته كقيمة مطلقة مجردة، لا علاقة لها بالواقع المعيش، إنما هو ابن هذا الواقع، من نبعه يستفي فيضه وتوهجه، وانطفاءه وذبوله أيضاً. يحيل إلى ذلك على نحو لافت، عنوان الديوان، الذي يكرس برمزيته لنهر الذات الخاص، ويعلي من شأنه، في مقابل غض النظر عن النهر بمفهومه المادي المباشر الماثل للعيان، يعزز كل هذا شعرية تعتمد على المكاشفة والبوح، تغلف نصوص الديون، وتتقلب ما بين الوضوح والجرأة والحدة، والهدوء المفاجئ، الذي يبدو بمثابة استراحة مؤقتة للذات من مكابدات هذا العشق؛ تتأمل تحت مظلتها الواقع والأشياء من نقطة الصفر، وتلملم ما قد تناثر في قلب النص «المتن»، وعلى الخواف من فتات، يشكل خليطاً من الأفكار والرؤى البسيطة والمعقدة التي تحكم الوجود، وتنتهك دورانه الطبيعي بتعقيدات الفلسفة التي تحبس الحياة في طوفان من الأسئلة العقلية ذات المنطق المراوغ.

وسط كل هذا تبحث الشاعرة عن نقطة تلمّ شتات المتناقضات، ربما تستقيم العلاقة، وتصبح أكثر وضوحاً بخاصة بين العلة والمعلول، أو بين الدال والمدلول. اللافت أيضاً أن البحث عن هذه النقطة، يظل مفتوحاً بحيوية على شتى العناصر والأشياء التي تشكل حركة الحياة والوجود، فلا بأس أن تستدعى هذه النقطة من عوالم الطفولة تداعب من خلالها الأم، حيث تتصدر صورتها المشهد، وتتذكر ابنتها الشاعرة كيف أنها لم تعجن الخبز يوماً، وأنها كانت تتمنى أن تتعلم منها خبيزه وتشم رائحته الشهية، وهو ما يطالعنا في النص الذي تستهل به الديوان «أَعلَّمُني عجينَ الخبزِ بكلِّ شيء»، حيث اللعب على وتر الزمن، وفي لحظة عبثية تبدو فيها الذات وكأنها تدور على نفسها تحت رحاه الثقيلة الوطأة، فتقول في مقاطع من النص:

«ها أنّيِ في اللحظة الصفرِ من العشقِ

في اللحظة الصفرِ من الكتابةِ

في اللحظة الصفرِ من المعنى

في اللحظة الصفر من المتعةِ

في اللحظة القصوى من الملّلِ

أُجالسُ عاشقاً مُنهكاً وجان بودريار ورولان بارت

وجسداً يحملُ حلُماً تجاوز الشهرَ التّاسعَ بعشرةِ أيامٍ.

قلتُ لبودريار:

الدّالُ والمدلولُ عادا إلى الصفر أخيراً

عادا قُبَيلَ موسمِ الحصادِ بقليلٍ، يُلملمانِ شتاتَ

معنىً جديدٍ

أخضرَ لم يبلغِ السعادةَ بعدُ

لم يأخذْ من السّماءِ كفايتَه من الماءِ

بينَ الصِّفرِ وإكسيرِ الحياةِ سرٌ لم يهتكْهُ بودريار.

الصِّفرُ ليس موتاً

ليس وحدةً

الصِّفرُ بدايةُ حبٍّ جديدٍ

تحرُّشُ الفكرةِ بِجسدي

واستسلامي لها

زفافٌ بينَ دال ومدلولٍ في ذروةِ الانحرافِ بالكلماتِ

هما أنا وأنت يا عاشقي المنهك».

نلاحظ هنا أن الشاعرة استخدمت دال الصفر، ليس بمعنى النهاية أو العدم، إنما بمعنى المقدرة على التشبث بإرادة الحياة، وكأنها في هذه النقطة الصفرية تحديداً تولد بشكل جديد. وسط الانهاك تستدعي صورة الأم والخبز، ولا يتسم هذا الاستدعاء بالحنين إلى الماضي فقط، إنما باللعب معه أيضاً، كأنه حلم يتراءى في المنام:

«قال لي رجلٌ رأيتُه يمسكُ بِيَدي في المنامِ:

الحياة ترتشفُ قهوتَها باردةً.

يا أيتّهُا الحياةُ:

أمي من نساءِ المدينةِ

لم تعجنِ الخبزَ يوماً

لم أتعلَّمْ صُنعَ الخُبزِ

ما جدوى القراءةِ والكتابةِ والأناقةِ والانتباهِ للتفاصيل

والقبضِ على الشياطينِ من وراءِ الملائكةِ؟

لم أتعلَّمْ عجْنَ الخُبزِ

وعندما جرَّبتُ

هالني ما يتطلَّبهُ الخُبزُ من عِنادٍ

لستُ عنيدةً بِما يكفي

هكذا اعترفَ لي عجينُ الخبزِ الذي لم أُفلحْ في مزيدِ

من استفزازِ بياضِهِ».

في المطبخ يرافقها هذا المشهد، كظل لها بخاصة في نص «أنا والبيضة شقيقتان» فتحاور كائناته «الملاعق والشوك والسكاكين والأطباق» وغيرها، وكأنها عناصر حية، تتمتع بعلائق سرية لوحدة وجود، تملك القدرة على تفكيكه وصياغته من جديد، وتوهم بأن ثمة حواراً متقطعاً ومتخفياً بينها وبين هذه الكائنات يتسرب في نسيج بعض النصوص ويبلغ ذروته من التهكم والسخرية حين يستحضر رموزاً من أبرز صانعي الفلسفة والفكر والحكمة في العالم.، مثل جان بودريار، رولان بارت، كارل ماركس، ميشيل فوكو، أرسطو، أفلاطون، كما تقول في هذا النص:

«أشياءُ كثيرةٌ في مطبخي تُشبهني

أتماهى معَ هذه الأشياءِ ونُؤنسُ بعضَنا.

الماءُ والنّارُ والكهرباءُ

الخضارُ والفواكهُ الممتلئةُ بالماءِ والفواكهِ الجافَّةِ

الصحونُ والكؤوسُ

وأواني الطبخ النّحاسية تروي سيرةَ امرأة من

القيروان

ملاعقُ صغيرةٌ وكبيرةٌ في مقاساتِ أحلامي

النّحيفةِ والمُكتنزةِ قليلاً

وسكينٌ واحدة.

لا أحبُّ السّكاكين.

في السَّكاكين يختبئُ خوفُ هابيلَ».

.........

«المطبخ غرفةٌ تستيقظُ فيها الشهواتُ

حسابُنا البنكيُّ المبعثرُ داخلَ الثلاجةِ وبينَ الطاولةِ

وسلة المُهملاتِ.

البعضُ يكتبُ

البعضُ يُعدُّ طعامَه

وأنا أكتبُ وأطبخُ

بعضي يُعِدُّ طبقاً عاشقاً لقطبٍ قد يطرقُ بابَ مطبخي

وكلي يكتبُ الشّعر لبطلٍ صنعتُه يدايَ بالماءِ

والخيالِ ورطلٍ من شهد الملكات.».

تخلص الشاعرة في هذا النص الطويل الشيق إلى إحساس ما، يتدفق بشكل تلقائي أن «في هذا المطبخ/ ما يشبه وحدة الوجود/ أو كوكتيل من عصيرِ الحكمةِ والحشائشِ البريّةِ/ تسكبه كل صباح.». إنها إذن حالة وجود، لا تنفصل فيها الأشياء عن ظلالها، ولا يمكن النظر لأحدهما بمعزل عن الآخر، تماماً كما في العشق، حيث لا ينفصل العاشق عن المعشوق، بل يبتعدان أحياناً لتضيق المسافة بينهما، ويصبحان أقرب، بل أكثر انسجاماً مع مشاغل الروح والجسد. فليس ثمة قطيعة عدمية بين البشر والأشياء، بقدر ما هي مجرد وجهات نظر متباينة، لا تلغي وجود الآخر، بل تحرص عليه في أقصى لحظات الحب والعشق؛ أقصى لحظات الحزن والبكاء... ربما لذلك تهدي الشاعرة الديوان إلى العشق في صورته المطلقة قائلة: «إلى من رفعه العشق إلى درجات اللهب وتداوى به شهدا ومرارة. إلى من تدثر بالعشق في شتاء الحياة وخريفها... إليه هذه القصائد المضمخة بعناصر الوجود الأربعة».

يقع الديوان في (117) صفحة ويضم 14 قصيدة، تنهل من براح قصيدة النثر، بل إنه يسمي المرأة باسمها «قصيدة نثر»، في ظلالها تقلب الشاعرة دفتر أيامها، محاولة الإمساك بالبئر الأولى للحنين، وعلى سبيل السخرية من الزمن تقول:

«حتى الخيبات أشتاقُ إلى بداياتها.

أحنُ إلى حربٍ شرسة عاشها أجدادي

أصوبُ فيها البندقية نحو هذا الحاضر

فيسقطُ قتيلاً،

وينزفُ طحيناً أبيضَ ورقائق بطاطا معلبة وبيبسي كولا.

أحنُ،

إلى من ألقى بي في كل هذا الحنين.» في القصائد الأخيرة بالديوان تتكثف معاني الغربة إلى حد الشعور بالعزلة والاستلاب أحياناً، وتنجح الذات الشاعرة في مواجهتها وترويضها وتضفيرها في بنية الصورة الشعرية التي تنفتح بشكل أكثر اتساعاً على روح الحكاية والتفاصيل بما تضمره من روائح حسية ومعنوية توثق للحالة في مجريات الحياة، كما يذهب الشعر إلى الأشياء البسيطة ونزقها المباغت، مثل «شوق الإبرة للخيط»، «القط البري» «رجل البلدية (حارق الأمل)» وتتناص القصائد مع معطيات من التراث الديني، لكنها مع ذلك تتحاشى السرد كفعل قص، وتتعامل معه كوميض يضيء فضاء المشهد وينميه درامياً وجمالياً. هكذا ترسم الشاعرة صورة العاشق الذي تتمنى في نص بعنوان » فراغ الوردة من الاستروجين» تقول فيه:

«الشفاه فهمتْ كم يهابُ الموتُ القبلةَ

شفاهُك تثأر من صورة العاشق السخيف

عاشقٌ تاب عن المرآة

لا يذهب إلى النهر

عاشقٌ تعلَّمَ الزهو بوجه من يُحب

لا بوجهه

أن ينحني بشهامةٍ للماء

ويركب أعلى موجةٍ في الشعور حتى يصبحَ وجههُ مرآةً للنهر.

عاشقٌ،

يُلاعب الأزمنة

يُبارزها

لا يخشاها

يُربكُ عقارب السّاعة

يمنحنا ساعةً في اليوم يغلبُ فيها الضوءُ الظلمة

ليطمئنَ فينا الأملُ ويكبرَ.«

في الختام، هذا ديوان مهم ومتميز في تجربة الشاعرة آمال موسى، أرجو أن أكون في هذه الإطلالة أمسكت بشيء من خيوط هذا التميز، أو العشق الذي يوحد نداء العاشق بهتاف الحياة.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».