الباحث متحف عايد ترابين يروي قصة حلمٍ عمره مائة عام

من صحراء النقب إلى باريس رحلة أول متحف تراث فلسطيني

متحف «من عبق التراب الفلسطيني» في باريس
متحف «من عبق التراب الفلسطيني» في باريس
TT

الباحث متحف عايد ترابين يروي قصة حلمٍ عمره مائة عام

متحف «من عبق التراب الفلسطيني» في باريس
متحف «من عبق التراب الفلسطيني» في باريس

عندما اختارت الطبيبة الفلسطينية حليمة عايد ترابين (1894-2014) أحد أحفادها لتطلق عليه اسم «متحف» كانت تمضي في تحقيق أحلامها بإعادة افتتاح متحف «تراث من عبق التراب» الذي أسسته جدتها حاكمة العايد ترابين (1775-1885) في قرية غزالة شمال بئر سبع، عام 1790. وتعرض للتخريب، ونهب الكثير من مقتنياته عام 1948، وفق ما يرويه الباحث الأكاديمي الفلسطيني متحف عايد ترابين بقوله إن جدته حليمة أخذته من كنف العائلة بعمر مبكر، وأرسلته إلى روسيا لدراسة علم المتاحف، والتعمق فيه، ليكون أحد «حراس التراث والثقافة الفلسطينية»، وأن حليمة، التي ورثت مهنة الطب العربي والبدوي عن جداتها، كرست شبابها لدراسته، ونالت درجة الدكتوراه بالجراحة من القسطنطينية عام 1916، وسافرت خلال حياتها إلى دمشق، وعدة مدن مصرية، وصنعاء في اليمن، ومكة، وسيناء، والنقب. وخلال وجودها في القسطنطينية كانت تلتقي ابن عمها الطبيب الشهير في دمشق أحمد منيف عثمان محمد عايد ترابين (1886-1962) مؤسس معهد الطب والكلية العلمية بدمشق، وهو من الفرع الفلسطيني المصري عائلة «أباظة العايد» التي استقرت في سوريا عام 1831، وعرفت في سوريا باسم العائدي، وعرفت في مدينة يافا بـ«عائلة هيكل».

د. متحف العايد ترابين في مكتبة أكاديمية «علم المتاحف الفلسطيني والعربي» في باريس

خلال اللقاءات كانا يناقشان الأفكار، ويتبادلان الخبرات، واتفقا على ضرورة تعريف الأوروبيين بالثقافة الفلسطينية والعربية. ومثّل ذلك دافعاً لإرسال حليمة حفيدها (متحف) إلى روسيا لتهيئته من قبل معارفها من المختصين لدراسة فن إدارة الدبلوماسية الثقافية الدولية من خلال علم المتاحف والتربية المتحفية. وبدوره اعتنى منيف العائدي بإرسال أبنائه وإيفاد طلابه للدراسة في أوروبا، ومنهم الراحل الدكتور عثمان العائدي الذي له مساهمات مهمة على مدار أكثر من خمسين سنة في تطوير قطاع السياحة والثقافة والاقتصاد في سوريا.

والباحث الأكاديمي متحف عايد ترابين هو اليوم الممثل الأوروبي للاتحاد العام للمؤرخين الآثاريين في فلسطين، والمنسق الدولي في المجلس الدولي للمتاحف التابع لمنظمة «اليونيسكو» الدولية نيابة عن «إيكوم فلسطين». وقد تمكن من تحقيق حلم جدته بعد وفاتها بستة أعوام وأسس «أكاديمية علم المتاحف الفلسطيني والعربي» في العاصمة الفرنسية باريس عام 2022، والتي ضمت «متحف تراث من عبق التراب» الذي جمع ما تبقى من مقتنيات المتحف التي تبعثرت نتيجة الأحداث التي شهدتها فلسطين عام النكبة 1948، إلى جانب وثائق وموجودات تحمل قيمة تاريخية معرفية وتراثية منها نحو 250 ثوباً فلسطينياً من كافة المناطق، وحلي، وأدوات طب شعبي، وطوابع، ونقود، وأوراق مالية، وغيرها، بالإضافة إلى مكتبة تحوي أكثر من 1000 كتاب، وأرشيفات من القرن السابع عشر إلى القرن الحادي والعشرين، وإلى جانبها دار نشر تعنى بنشر الدراسات والأبحاث المتعلقة بالتراث والثقافة الفلسطينية، بهدف تطوير ومأسسة علم المتاحف الفلسطيني والعربي، ونيل الاعتراف الدولي بهذا العلم بوصف أنه مفهوم أكاديمي، وقد نجح في ذلك، ونال اعتراف العديد من الدول الأوروبية في المفهوم الأكاديمي.

قطعة من الحلي الفلسطينية كانت ترتديها نساء قبيلة العايد ترابين أواخر القرن التاسع عشر

ويعبر متحف عايد ترابين عن اعتزازه بعائلته التي لم تكن «مجتمعاً مغلقاً؛ فلأكثر من ألف عام، استكشف الرجال والنساء الثقافة والطب والقانون وطرق التجارة، وحماية الضعفاء»، كما يفخر بجداته، لا سيما جدته حليمة التي ربتّه قائلاً: «تخيل امرأة شابة من الشرق، تبلغ من العمر سبعة عشر أو ثمانية عشر عاماً، تذهب إلى تركيا في بداية الحرب العالمية الأولى لتتعلم، وتطلع على ثقافات مختلفة، بعقل منفتح».

ويحضّر الباحث الأكاديمي متحف عايد ترابين لإصدار دراسة أخذت من عمره خمسة عشر عاماً من البحث والتدقيق والجمع، بمشاركة من الفرنسية الباحثة كلمنتينا بولي، حول تاريخ عائلته المتحدرة من قبيلة العايد ترابين، والأدوار الريادية التي لعبتها في مناطق وجودها عبر التاريخ بين مصر وبلاد الشام على مدى مائتي وثلاثين عاماً. ليكون بحثه «وثيقة» تركز بشكل رئيس على الروابط بين المساهمات الثقافية والتاريخية للقبائل العربية التي تنقلت عبر الجغرافيا الممتدة من اليمن والحجاز ومصر، وحتى بلاد الشام.

وتتناول الدراسة تجربة الطبيبة حاكمة التي تعلمت الطب في الإسكندرية، وتخصصت بطب العيون، وكانت «صاحبة أفكار ثورية في زمانها، فقد تمكنت من إقناع البدو في محيطها بالاحتفاظ بمقتنيات المتوفين بدل دفنها معهم كما جرت العادة». ثم أسست «متحف تراث من عطر الأرض» ليكون وسيلة «لـتعزيز المعرفة، وشفاء الذاكرة»، انطلاقاً من مبدأ «العقل السليم في الجسم السليم»، ومفهوم «الحكيم والفهيم» في ربط بين صحة الجسد وسلامة الذاكرة باعتبارها هوية حية تتنقل عبر الأجيال، بما يعكس السياق الفريد لفلسطين باعتبار أنه جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني.


مقالات ذات صلة

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)

لوحتان لمونيه لم تُعرضا أمام العامّة تُطرحان في مزاد بباريس

لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)
لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)
TT

لوحتان لمونيه لم تُعرضا أمام العامّة تُطرحان في مزاد بباريس

لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)
لوحة «آيرس» التي رسمها الفنان كلود مونيه في أيامه الأخيرة خلال ظهورها بمزاد تُقيمه دار «سوذبيز» (رويترز)

ستُطرَح لوحتان للفنان كلود مونيه لم تُعرَضا للعامّة مطلقاً، في مزاد تُقيمه دار «سوذبيز» في باريس، خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في إطار عملية بيع مجموعة فنية تعود لعائلة شلومبرجيه، وتضم أيضاً أعمالاً لبول سيزان.

ويتراوح السعر التقديري لـ«آيرس»، وهي لوحة ضخمة رسمها مونيه في أيامه الأخيرة، بين 22 و30 مليون يورو (25.27 و34.46 مليون دولار)، مما يشكل «أعلى سعر تقديري يُمنَح على الإطلاق للوحة تُطرح في مزاد بفرنسا»، وفق ما أوضحت دار «سوذبيز»، الخميس، في مقرها الرئيسي بباريس.

ويتخطى السعر التقديري الإجمالي للأعمال الفنية البالغ عددها 28 في المجموعة والمقرر طرحها ضِمن المزاد المرتقب في 22 أكتوبر، 40 مليون يورو (45.95 مليون دولار)، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

بالإضافة إلى لوحة «آيرس»، تتضمن المجموعة ثلاث لوحات أخرى لمونيه؛ من بينها لوحة «ويبينغ ويلوو» التي تُقدّر بما بين 9 و12 مليون يورو (بين 10.34 و13.79 مليون دولار).

وقال توما بومبار، أحد المسؤولين عن قسم الفن الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بفرنسا، إن «هذه المجموعة استثنائية؛ لِما تحمله الأعمال الفنية من تاريخ عريق وجودة عالية».

وأضاف أن «لوحة آيرس ستُعرَض أمام العامّة للمرة الأولى»، إذ لم تُخرَج مطلقاً من منزل عائلة شلومبرجيه في باريس، مشيراً إلى أنّ هاوية جمع الأعمال الفنية جان شلومبرجيه (1889 - 1983) اقتنتها من عائلة الرسام عن طريق صاحبة معرض ذات رؤية مستقبلية هي كاتيا غرانوف.

يُقام المزاد في السنة التي تصادف فيها الذكرى المئوية لوفاة كلود مونيه في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 1926.

وسيُقام لهذه المناسبة معرضان في أواخر سبتمبر (أيلول) الحالي في باريس، الأول يحمل عنوان «مونيه يرسم الزمن»، والثاني «حكايات مناظر طبيعية: من مونيه إلى هوكني».


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.