محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

دور نشر كبرى رفضت روايته الفائزة بجائزة «البوكر»

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا
TT

محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا

رافق فوز الكاتب المصري محمد سمير ندا بـ«الجائزة العالمية للرواية العربية»، المعروفة إعلامياً باسم «البوكر»، عن روايته «صلاة القلق» كثير من الجدل واللغط على نحو لم يتوقف حتى الآن، إثر الكشف عن أن دور نشر كبرى رفضت قبول العمل، الذي صدر لاحقاً عن دار «مسكلياني» التونسية.

امتد الجدل ليشمل مضمون الرواية باعتبارها تحمل «سردية هجائية» لعصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. واحتفى البعض بالعمل باعتباره أول نصّ مصري يفوز بالجائزة الشهيرة منذ عام 2009 حين فاز بها يوسف زيدان عن روايته «عزازيل»، ورأى البعض الآخر أن العمل الفائز يشوبه بعض نقاط الضعف أسلوبياً وجمالياً.

في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط»، يؤكد ندا احترامه لكل الآراء وتقديره لمختلف الانطباعات، لكنه لا يخفي استغرابه وأسفه ممن هاجموا العمل بشراسة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءته مكتفين بالأقاويل المرسلة.

> ربط البعض بين تأثرك ودموعك لحظة الإعلان عن فوزك بالجائزة، وبين رفض العديد من دور النشر المصرية المرموقة نشر العمل، برأيك لماذا تم رفض الرواية مصرياً؟ ولماذا تحمس لها الناشر التونسي؟ وهل كان هذا سبب تأثرك؟

- كان تأثري اشتياقاً لأبي الراحل، فقد كان هو أكثر من تمنيت وجوده في هذه اللحظة، والعبارة التي غرقتْ آنذاك في دموعي ولم تُسمع جيّداً كانت «هذه الجائزة لسمير ندا».

أما ما يخص اللغط حول دور النشر فلا بد من توضيحه، رُفضت الرواية من دور مصرية وعربية، والرفض هنا بلغني بالاعتذار الصريح عن النشر، وهو أمر أحترمه وأقدره، إذ لست مختلّاً حتى ألوم دور النشر إذا ما قررت عدم نشر روايتي.

ما أزعجني وآلمني كان تجاهل بعض دور النشر وعدم اهتمامها بالرد علىّ ، وقد واجهت هذا الأمر من دور مصرية وعربية كذلك، ولكنه أبداً لم يكن سبباً في تأثري، فلا يمكن أن أبكي لو رفضت بعض دور النشر نصي، حيث سبق أن واجهت الحالة ذاتها في روايتي السابقة «بوح الجدران».

أما ما يخص إيمان «مسكلياني» بالنص فهذا أمر يُسأل عنه الناشر بالأساس، ولكن، منطقيّاً، كنت محظوظاً إذ آمن الناشر بالنص وبكاتبه، حتى بات بيننا اليوم عقد مفتوح الأمد لكل ما سأكتبه لاحقاً، لو كان في العمر بقيّة.

> «صلاة القلق» هي النص الثالث في مسيرتك الإبداعية... هل تتعمد أن تكون قليل الإنتاج، ألا يمكن الجمع بين الغزارة والجودة في الإبداع معاً؟

- الفكرة أنني أمارس الكتابة كلعبة أستمتع بها، والبعض يتعجّب عندما أقول إنني لست ممن يتعجّلون النشر، يبدو الأمر كادعاء للزهد والمثالية، وهو ما لا أستطيع أن أثبته إلا من خلال النصوص المنتهية لديّ، والتي لم تُنشر بعد.

بالفعل أنا قليل الإنتاج، نظراً لما شرحته الآن، وكذلك لأنني أؤمن أن المنجز الأدبي للكاتب لا يُقاس «بالمتر»، أي عدد النصوص، إنما بجودة هذه النصوص وعمرها. على سبيل المثال، أنا أرى أن أستاذنا محمد المنسي قنديل من أهم وأعظم الكتاب العرب المعاصرين، ولكن من حيث الإنتاج ربما يكون عدد أعماله أقل من بعض الكتاب الشباب. الجمع بين الجودة والغزارة يستلزم تفرّغاً للكتابة، وبالنسبة لي هذا أمر شبه مستحيل.

> يأخذ البعض على لغة الرواية أنها جاءت محملة بـ«بلاغة قديمة» أعاقت حيوية الحدث والشخصيات عبر تعبيرات من نوعية «أطلقت سراح الجواد الهرِم في صدري» و«محرر ألسنة الصامتين»... كيف تعلق على تلك الملاحظة؟

- أحترم كل الآراء، وأرى أن لغة الرواية بمثابة العمود الفقري لكل نص، ولكل كاتب هويّته اللغوية وأسلوبه وذائقته المختلفة عن الآخر. وفي النهاية، تتنوع ذائقة المتلقي كما تتنوع ذائقة الكاتب، ولكل متلقٍّ كل الاحترام. الأمثلة التي ذكرتها تحديداً لا أرى بها أي بلاغة قديمة، عبارات واضحة ومفهومة، هذا بالنسبة لي ووفق وجهة نظري، ولكن قد يرى بها آخرون لغة قديمة وميتة، في كل الحالات أحترم وجهات النظر، ومن حسن الحظ أن أغلبية القراء لم تستوقفهم اللغة، وأن لجنة التحكيم عدّت اللغة في «صلاة القلق» من عناصر قوة النص.

> تعدّ أجواء نكسة 1967 المحرك الأساسي للعمل، على غرار روايات سابقة اشتغلت على نفس الموضوع، مثل: «بيوت وراء الأشجار» لمحمد البساطي، و«الصيف السابع والستون» لإبراهيم عبد المجيد، و«67» لصنع الله إبراهيم، و«الأسرى يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي، ما ملامح الاختلاف التي يحملها نصّك من وجهة نظرك؟

- أنتِ ذكرتِ أمثلة لأعمال كُتّابٍ عظماء، لا يمكن أن أضع نفسي في مقارنة معهم، ولكن أعتقد أن أي كاتب، أيّاً كان عمره أو مهما كان منجزه الأدبي، يكتب بخطٍّ مختلف عمّن سبقه وعمن سيأتي بعده. بالتالي، قد نقرأ 100 رواية عن ذات الحرب، ولكن سيظل لكل منها ما يميّزه، ثم يأتي الزمن ليحكم على هذه الروايات، فيمنح بعضها الخلود، ويضع بعضها فوق أرفف النسيان. عن نفسي أتمنى أن تعيش «صلاة القلق» طويلاً، كما عاشت أعمال الأساتذة الكبار الذي أشرتِ لهم.

> تلعب الرواية على فكرة عزل الشخصيات في المكان من خلال «نجع المناسي» المنفصل عن العالم، الذي يعيش فيه سكان يتعرضون لأشكال مختلفة من القهر في أجواء فانتازية... ألا تعتقد أن تلك «الثيمة» تكررت أصداؤها عربياً وعالمياً في روايات وأفلام سينمائية مختلفة؟

- صحيح، ولكن الأفكار لا تموت، ولا تُستهلك كما يُشاع أحياناً، طالما ظل التناول مختلفاً، والتقنيات في تباين وتطور مضطردين. على سبيل المثال، لن يتوقف الأدب العربي عن الكتابة عن الحب المستحيل أو عن القضايا النسوية أو عن سلطة الدين، رغم أن هناك مئات الروايات التي تناولت هذه الثيمات، فالمهم هنا هو أن يكون الطرح مختلفاً، والخط مغاير.

> كثيرون يرون أن الرواية تعدّ «هجائية سردية» تنال من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر... ألم تتخوف من إثارة حفيظة «الناصريين» في العالم العربي ضدك؟

- هل قرأ المعترضون، الذين أحترم المهذبين منهم، رواية «الكرنك» على سبيل المثال لصعوبة الحصر؟ هل شاهدوا الفيلم المأخوذ عن الرواية؟ هل شاهدوا فيلم «البريء» أو فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»؟ المؤسف هنا أن هناك من ينتقد قبل أن يقرأ، ويرتكز في هجومه على نظرية «قالوا له» التي أطلقها بسخرية الفنان عادل إمام.

الرواية تتناول الهمّ العربي، والقلق الذي فرض علينا منذ 1948، وتتخذ من الفترة بين عامي 67 و77 فضاءً زمنياً للحكاية، ومن قرأ الرواية سيعرف أن الديكتاتور الحقيقي الوحيد في الرواية كان شخصية «خليل الخوجة» الذي لا يمت للنظام الحاكم بأي صفة، وكل ما نسب إلى الرئيس جمال عبد الناصر في النصّ كان وهماً فرضه «الخوجة» على الناس بسطوة الإيهام.

ولكن مرة أخرى، مهاجمة ناقد لنصّ قبل أن يقرأه هي سقطة كبيرة في حق النقد الأدبي في مصر، إذ لا يستقيم أن يُصاب ناقد أو نفر من النقاد بهذه الحالة من التعجّل وسرعة إطلاق الاتهامات قبل قراءة أي نص.

> هل أنت مستريح لهذه الضجة التي أحدثتها الرواية ما بين «مع أو ضد»؟

- بسبب ما ذكرتُه للتو، لم أخشَ أي ردّة فعل من أي تيار ينتمي لآيدولوجيّة بعينها، لأنني لم أتوقع هذا القدر من سوء الظن والفهم. وبصراحة؛ لو توقعته لما غيّرت حرفاً في ما كتبت، لأن هذا ما أراه وما أردت قوله.

الجدل بين «مع أو ضد» لا يريحني، فأنا شخص يحبّ أن يعيش كخفاش عندما يتعلق الأمر بالكتابة، لا أحب الضوء وإن كان قد فُرض عليّ الآن لفترة، أؤكد أنها مؤقتة، يقول أصدقاء إن كل جدل هو في صالح الرواية وانتشارها في نهاية المطاف، وأنا أقول إنني لا أحب هذا الجدل ولا أستحسنه على الإطلاق، وأودّ لو تنتهي آثار الفوز بالجائزة في أقرب فرصة.

> لكن الجدل حول الرواية وضعك فجأة في بؤرة الحدث وجعلك، وفق التعبير الشهير، «رجل الساعة» في الأوساط الثقافية؟

- عندما أتابع هذا الجدل لا أشعر بالارتياح، أحرص أن تكون متابعتي من مسافة أمان، كأنه لا يخصني، الجدل يدور في الوسط الثقافي المصري وأنا خارج الوسط لأسباب شخصية تتعلق بمشاغل الحياة وظروف العمل، علاوة على سماتي الشخصية التي تنهض على القلق والخجل والرغبة في الانعزال والابتعاد عن بؤر الصراع. الآن أرى اسمي في بؤرة صراع مُختلق، فأتابع، أحزن أحياناً حين يسبّ أحدهم أبي مثلاً، بسبب تأويلات للنصّ سمع بها فلم يكلف نفسه عناء القراءة، وأضحك أحياناً حين تصادفني أمور تجافي أسس المنطق واللياقة في ذات الوقت.

> أنت إذن لم تتابع كل ما كُتب أو أثير؟

- اللطيف أنني لا أتابع الجدل بصفة يوميّة، ولا أسعى وراء الإساءات، لكنها تردني من أصدقاء يرسلونها لي كل يوم، فأحرص على الاحتفاظ بها، كي لا أنسى كيف يُقرأ ويُفسر أو «يؤدلج الأدب» في مصر من جانب البعض، كما أنني حريص على الاحتفاظ بحقّ الردّ وقتما أقرر ذلك.

وحتى لا أضخّم الأمر أو أمنحه أكثر مما يستحق، المسيؤون لا يتجاوزون نسبة 1 في المائة ممن قرأوا النص، بينما الغالبية سعيدة بالنصّ، وبفوز رواية لكاتب مصري بأكبر جائزة عربية.

> سبق أن وصفت روايتك «بوح الجدران» بأنها نوع من «قتل الأب» بالنسبة إليك، بمعنى التحرر من تأثير والدك عليك كمثقف معروف تريد الخروج من جلبابه. كيف ذلك؟ وهل تنوى قتل «آباء آخرين» من رواد الأدب العربي، من الأجيال السابقة؟

- ما أقصده أن تلك العبارة التي تذكرينها هنا قيلت في سياق مجازي محدد، وليس بالمعنى الواقعي طبعاً، كما أنها لا تمتد إلى تجاربي في الرواية كلها، وإنما تقتصر على عمل محدد بعينه. وللأسف، فإن البعض ظنّ أنها قيلت بمناسبة صدور رواية «صلاة القلق»، وهذا ليس صحيحاً، كما أن البعض الآخر عدّها مقياساً يحدد علاقتي بالأجيال السابقة، بما فيهم من أساتذة ورواد، وهذا أيضاً ليس صحيحاً.

لقد قصدت في حينها أنني تخلّصت من طيف أبي - رحمه الله - عندما كتبت حكايته، إثر ذلك شعرت بأنني أخفّ وزناً، وأكثر حريّة في التعبير عن نفسي. المقصد إذن هو التحرر من طيف والدي الذي يسكنني، وليس الخروج من عباءته، لأن انتمائي له سيظل وساماً ما حييت. المؤكد هنا هو أنني لا أسعى إلى قتل أيّ أدباء، ولا أفكر في قتل أيّ من رواد الفكر العربي.

> أخيراً، تنقلت منذ مولدك بين مدن مختلفة وأسفار عديدة... إلى أي حدّ انعكس ذلك على تجربتك إنسانياً وإبداعياً؟

- الكتابة ابنة التجربة، ومن الحتمي أن تكون تلك المحطّات قد تركت في نفسي أثراً ما، ربما لا يمكنني أن أحيط بهذا الأثر مستنداً إلى عقلي الواعي، فالأثر الحقيقي مطويّ في حقائب الذاكرة المصفوفة في العقل الباطن، لذلك فأنا أقدر على تلخيصه واستيعابه عندما أقرأ ما كتبت.

على سبيل المثال، القلق جزء من تكويني الخاص، وهو أحد مضارّ الغربة المستمرة، حالة عدم استقرار ولا يقين مستمرة، ويبدو أنني حتى بعد عودتنا واستقرارنا في مصر، لم أتخلّص تماماً من الغربة.

من ناحية أخرى، أدعي أن تنقلي بين أكثر من بلد عربي ساهم في اهتمامي بالأدب العربي في العموم، هكذا نشأت متحرّراً من حالة الانغلاق على الأدب المصري، تلك الحالة التي سيطرت على كثيرين، فأثّرت على منجزهم الأدبي بطريقة ما، وبدرجات متفاوتة. وعن نفسي؛ أعتقد أن هذا الانفتاح على الآخر قد ساهم في تكوين هويّتي كشخص يهوى الكتابة، كما أثرى المعجم اللغوي الخاص بي، نتيجة القراءات لمختلف الأدباء العرب المنتمين إلى مراحل زمنية مختلفة.


مقالات ذات صلة

جنون الشعر أو شعر الجنون

ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت»

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.