محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

دور نشر كبرى رفضت روايته الفائزة بجائزة «البوكر»

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا
TT

محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا

رافق فوز الكاتب المصري محمد سمير ندا بـ«الجائزة العالمية للرواية العربية»، المعروفة إعلامياً باسم «البوكر»، عن روايته «صلاة القلق» كثير من الجدل واللغط على نحو لم يتوقف حتى الآن، إثر الكشف عن أن دور نشر كبرى رفضت قبول العمل، الذي صدر لاحقاً عن دار «مسكلياني» التونسية.

امتد الجدل ليشمل مضمون الرواية باعتبارها تحمل «سردية هجائية» لعصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. واحتفى البعض بالعمل باعتباره أول نصّ مصري يفوز بالجائزة الشهيرة منذ عام 2009 حين فاز بها يوسف زيدان عن روايته «عزازيل»، ورأى البعض الآخر أن العمل الفائز يشوبه بعض نقاط الضعف أسلوبياً وجمالياً.

في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط»، يؤكد ندا احترامه لكل الآراء وتقديره لمختلف الانطباعات، لكنه لا يخفي استغرابه وأسفه ممن هاجموا العمل بشراسة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءته مكتفين بالأقاويل المرسلة.

> ربط البعض بين تأثرك ودموعك لحظة الإعلان عن فوزك بالجائزة، وبين رفض العديد من دور النشر المصرية المرموقة نشر العمل، برأيك لماذا تم رفض الرواية مصرياً؟ ولماذا تحمس لها الناشر التونسي؟ وهل كان هذا سبب تأثرك؟

- كان تأثري اشتياقاً لأبي الراحل، فقد كان هو أكثر من تمنيت وجوده في هذه اللحظة، والعبارة التي غرقتْ آنذاك في دموعي ولم تُسمع جيّداً كانت «هذه الجائزة لسمير ندا».

أما ما يخص اللغط حول دور النشر فلا بد من توضيحه، رُفضت الرواية من دور مصرية وعربية، والرفض هنا بلغني بالاعتذار الصريح عن النشر، وهو أمر أحترمه وأقدره، إذ لست مختلّاً حتى ألوم دور النشر إذا ما قررت عدم نشر روايتي.

ما أزعجني وآلمني كان تجاهل بعض دور النشر وعدم اهتمامها بالرد علىّ ، وقد واجهت هذا الأمر من دور مصرية وعربية كذلك، ولكنه أبداً لم يكن سبباً في تأثري، فلا يمكن أن أبكي لو رفضت بعض دور النشر نصي، حيث سبق أن واجهت الحالة ذاتها في روايتي السابقة «بوح الجدران».

أما ما يخص إيمان «مسكلياني» بالنص فهذا أمر يُسأل عنه الناشر بالأساس، ولكن، منطقيّاً، كنت محظوظاً إذ آمن الناشر بالنص وبكاتبه، حتى بات بيننا اليوم عقد مفتوح الأمد لكل ما سأكتبه لاحقاً، لو كان في العمر بقيّة.

> «صلاة القلق» هي النص الثالث في مسيرتك الإبداعية... هل تتعمد أن تكون قليل الإنتاج، ألا يمكن الجمع بين الغزارة والجودة في الإبداع معاً؟

- الفكرة أنني أمارس الكتابة كلعبة أستمتع بها، والبعض يتعجّب عندما أقول إنني لست ممن يتعجّلون النشر، يبدو الأمر كادعاء للزهد والمثالية، وهو ما لا أستطيع أن أثبته إلا من خلال النصوص المنتهية لديّ، والتي لم تُنشر بعد.

بالفعل أنا قليل الإنتاج، نظراً لما شرحته الآن، وكذلك لأنني أؤمن أن المنجز الأدبي للكاتب لا يُقاس «بالمتر»، أي عدد النصوص، إنما بجودة هذه النصوص وعمرها. على سبيل المثال، أنا أرى أن أستاذنا محمد المنسي قنديل من أهم وأعظم الكتاب العرب المعاصرين، ولكن من حيث الإنتاج ربما يكون عدد أعماله أقل من بعض الكتاب الشباب. الجمع بين الجودة والغزارة يستلزم تفرّغاً للكتابة، وبالنسبة لي هذا أمر شبه مستحيل.

> يأخذ البعض على لغة الرواية أنها جاءت محملة بـ«بلاغة قديمة» أعاقت حيوية الحدث والشخصيات عبر تعبيرات من نوعية «أطلقت سراح الجواد الهرِم في صدري» و«محرر ألسنة الصامتين»... كيف تعلق على تلك الملاحظة؟

- أحترم كل الآراء، وأرى أن لغة الرواية بمثابة العمود الفقري لكل نص، ولكل كاتب هويّته اللغوية وأسلوبه وذائقته المختلفة عن الآخر. وفي النهاية، تتنوع ذائقة المتلقي كما تتنوع ذائقة الكاتب، ولكل متلقٍّ كل الاحترام. الأمثلة التي ذكرتها تحديداً لا أرى بها أي بلاغة قديمة، عبارات واضحة ومفهومة، هذا بالنسبة لي ووفق وجهة نظري، ولكن قد يرى بها آخرون لغة قديمة وميتة، في كل الحالات أحترم وجهات النظر، ومن حسن الحظ أن أغلبية القراء لم تستوقفهم اللغة، وأن لجنة التحكيم عدّت اللغة في «صلاة القلق» من عناصر قوة النص.

> تعدّ أجواء نكسة 1967 المحرك الأساسي للعمل، على غرار روايات سابقة اشتغلت على نفس الموضوع، مثل: «بيوت وراء الأشجار» لمحمد البساطي، و«الصيف السابع والستون» لإبراهيم عبد المجيد، و«67» لصنع الله إبراهيم، و«الأسرى يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي، ما ملامح الاختلاف التي يحملها نصّك من وجهة نظرك؟

- أنتِ ذكرتِ أمثلة لأعمال كُتّابٍ عظماء، لا يمكن أن أضع نفسي في مقارنة معهم، ولكن أعتقد أن أي كاتب، أيّاً كان عمره أو مهما كان منجزه الأدبي، يكتب بخطٍّ مختلف عمّن سبقه وعمن سيأتي بعده. بالتالي، قد نقرأ 100 رواية عن ذات الحرب، ولكن سيظل لكل منها ما يميّزه، ثم يأتي الزمن ليحكم على هذه الروايات، فيمنح بعضها الخلود، ويضع بعضها فوق أرفف النسيان. عن نفسي أتمنى أن تعيش «صلاة القلق» طويلاً، كما عاشت أعمال الأساتذة الكبار الذي أشرتِ لهم.

> تلعب الرواية على فكرة عزل الشخصيات في المكان من خلال «نجع المناسي» المنفصل عن العالم، الذي يعيش فيه سكان يتعرضون لأشكال مختلفة من القهر في أجواء فانتازية... ألا تعتقد أن تلك «الثيمة» تكررت أصداؤها عربياً وعالمياً في روايات وأفلام سينمائية مختلفة؟

- صحيح، ولكن الأفكار لا تموت، ولا تُستهلك كما يُشاع أحياناً، طالما ظل التناول مختلفاً، والتقنيات في تباين وتطور مضطردين. على سبيل المثال، لن يتوقف الأدب العربي عن الكتابة عن الحب المستحيل أو عن القضايا النسوية أو عن سلطة الدين، رغم أن هناك مئات الروايات التي تناولت هذه الثيمات، فالمهم هنا هو أن يكون الطرح مختلفاً، والخط مغاير.

> كثيرون يرون أن الرواية تعدّ «هجائية سردية» تنال من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر... ألم تتخوف من إثارة حفيظة «الناصريين» في العالم العربي ضدك؟

- هل قرأ المعترضون، الذين أحترم المهذبين منهم، رواية «الكرنك» على سبيل المثال لصعوبة الحصر؟ هل شاهدوا الفيلم المأخوذ عن الرواية؟ هل شاهدوا فيلم «البريء» أو فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»؟ المؤسف هنا أن هناك من ينتقد قبل أن يقرأ، ويرتكز في هجومه على نظرية «قالوا له» التي أطلقها بسخرية الفنان عادل إمام.

الرواية تتناول الهمّ العربي، والقلق الذي فرض علينا منذ 1948، وتتخذ من الفترة بين عامي 67 و77 فضاءً زمنياً للحكاية، ومن قرأ الرواية سيعرف أن الديكتاتور الحقيقي الوحيد في الرواية كان شخصية «خليل الخوجة» الذي لا يمت للنظام الحاكم بأي صفة، وكل ما نسب إلى الرئيس جمال عبد الناصر في النصّ كان وهماً فرضه «الخوجة» على الناس بسطوة الإيهام.

ولكن مرة أخرى، مهاجمة ناقد لنصّ قبل أن يقرأه هي سقطة كبيرة في حق النقد الأدبي في مصر، إذ لا يستقيم أن يُصاب ناقد أو نفر من النقاد بهذه الحالة من التعجّل وسرعة إطلاق الاتهامات قبل قراءة أي نص.

> هل أنت مستريح لهذه الضجة التي أحدثتها الرواية ما بين «مع أو ضد»؟

- بسبب ما ذكرتُه للتو، لم أخشَ أي ردّة فعل من أي تيار ينتمي لآيدولوجيّة بعينها، لأنني لم أتوقع هذا القدر من سوء الظن والفهم. وبصراحة؛ لو توقعته لما غيّرت حرفاً في ما كتبت، لأن هذا ما أراه وما أردت قوله.

الجدل بين «مع أو ضد» لا يريحني، فأنا شخص يحبّ أن يعيش كخفاش عندما يتعلق الأمر بالكتابة، لا أحب الضوء وإن كان قد فُرض عليّ الآن لفترة، أؤكد أنها مؤقتة، يقول أصدقاء إن كل جدل هو في صالح الرواية وانتشارها في نهاية المطاف، وأنا أقول إنني لا أحب هذا الجدل ولا أستحسنه على الإطلاق، وأودّ لو تنتهي آثار الفوز بالجائزة في أقرب فرصة.

> لكن الجدل حول الرواية وضعك فجأة في بؤرة الحدث وجعلك، وفق التعبير الشهير، «رجل الساعة» في الأوساط الثقافية؟

- عندما أتابع هذا الجدل لا أشعر بالارتياح، أحرص أن تكون متابعتي من مسافة أمان، كأنه لا يخصني، الجدل يدور في الوسط الثقافي المصري وأنا خارج الوسط لأسباب شخصية تتعلق بمشاغل الحياة وظروف العمل، علاوة على سماتي الشخصية التي تنهض على القلق والخجل والرغبة في الانعزال والابتعاد عن بؤر الصراع. الآن أرى اسمي في بؤرة صراع مُختلق، فأتابع، أحزن أحياناً حين يسبّ أحدهم أبي مثلاً، بسبب تأويلات للنصّ سمع بها فلم يكلف نفسه عناء القراءة، وأضحك أحياناً حين تصادفني أمور تجافي أسس المنطق واللياقة في ذات الوقت.

> أنت إذن لم تتابع كل ما كُتب أو أثير؟

- اللطيف أنني لا أتابع الجدل بصفة يوميّة، ولا أسعى وراء الإساءات، لكنها تردني من أصدقاء يرسلونها لي كل يوم، فأحرص على الاحتفاظ بها، كي لا أنسى كيف يُقرأ ويُفسر أو «يؤدلج الأدب» في مصر من جانب البعض، كما أنني حريص على الاحتفاظ بحقّ الردّ وقتما أقرر ذلك.

وحتى لا أضخّم الأمر أو أمنحه أكثر مما يستحق، المسيؤون لا يتجاوزون نسبة 1 في المائة ممن قرأوا النص، بينما الغالبية سعيدة بالنصّ، وبفوز رواية لكاتب مصري بأكبر جائزة عربية.

> سبق أن وصفت روايتك «بوح الجدران» بأنها نوع من «قتل الأب» بالنسبة إليك، بمعنى التحرر من تأثير والدك عليك كمثقف معروف تريد الخروج من جلبابه. كيف ذلك؟ وهل تنوى قتل «آباء آخرين» من رواد الأدب العربي، من الأجيال السابقة؟

- ما أقصده أن تلك العبارة التي تذكرينها هنا قيلت في سياق مجازي محدد، وليس بالمعنى الواقعي طبعاً، كما أنها لا تمتد إلى تجاربي في الرواية كلها، وإنما تقتصر على عمل محدد بعينه. وللأسف، فإن البعض ظنّ أنها قيلت بمناسبة صدور رواية «صلاة القلق»، وهذا ليس صحيحاً، كما أن البعض الآخر عدّها مقياساً يحدد علاقتي بالأجيال السابقة، بما فيهم من أساتذة ورواد، وهذا أيضاً ليس صحيحاً.

لقد قصدت في حينها أنني تخلّصت من طيف أبي - رحمه الله - عندما كتبت حكايته، إثر ذلك شعرت بأنني أخفّ وزناً، وأكثر حريّة في التعبير عن نفسي. المقصد إذن هو التحرر من طيف والدي الذي يسكنني، وليس الخروج من عباءته، لأن انتمائي له سيظل وساماً ما حييت. المؤكد هنا هو أنني لا أسعى إلى قتل أيّ أدباء، ولا أفكر في قتل أيّ من رواد الفكر العربي.

> أخيراً، تنقلت منذ مولدك بين مدن مختلفة وأسفار عديدة... إلى أي حدّ انعكس ذلك على تجربتك إنسانياً وإبداعياً؟

- الكتابة ابنة التجربة، ومن الحتمي أن تكون تلك المحطّات قد تركت في نفسي أثراً ما، ربما لا يمكنني أن أحيط بهذا الأثر مستنداً إلى عقلي الواعي، فالأثر الحقيقي مطويّ في حقائب الذاكرة المصفوفة في العقل الباطن، لذلك فأنا أقدر على تلخيصه واستيعابه عندما أقرأ ما كتبت.

على سبيل المثال، القلق جزء من تكويني الخاص، وهو أحد مضارّ الغربة المستمرة، حالة عدم استقرار ولا يقين مستمرة، ويبدو أنني حتى بعد عودتنا واستقرارنا في مصر، لم أتخلّص تماماً من الغربة.

من ناحية أخرى، أدعي أن تنقلي بين أكثر من بلد عربي ساهم في اهتمامي بالأدب العربي في العموم، هكذا نشأت متحرّراً من حالة الانغلاق على الأدب المصري، تلك الحالة التي سيطرت على كثيرين، فأثّرت على منجزهم الأدبي بطريقة ما، وبدرجات متفاوتة. وعن نفسي؛ أعتقد أن هذا الانفتاح على الآخر قد ساهم في تكوين هويّتي كشخص يهوى الكتابة، كما أثرى المعجم اللغوي الخاص بي، نتيجة القراءات لمختلف الأدباء العرب المنتمين إلى مراحل زمنية مختلفة.


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي