حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

قال لـ«الشرق الأوسط»: «المعلقة» علمتني «صناعة الشاعر النجم»

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
TT

حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)

يمثل الشاعر العُماني حسن المطروشي، تجربة شعرية ناضجة عبرّت عن تميزها بالفوز في فبراير (شباط) الماضي، بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح»، التي تنظمها وزارة الثقافة السعودية، وقيمة الجائزة مليون ريال.

المطروشي (1963) شاعر لديه العديد من المجموعات الشعرية، أصدرها مؤخراً في مجموعة كاملة، كما أنه مترجم وإعلامي، وخبير في التطوير الثقافي، وقد حصل على العديد من الجوائز من أهمها جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي.

«الشرق الأوسط»، التقت الشاعر حسن المطروشي في مسقط بسلطنة عُمان، بمناسبة معرض مسقط الدولي للكتاب، وتحدث في هذا الحوار عن تجربته في مسابقة «المعلقة»، واصفاً ما مرّ به على مسرح «المعلقة» بأنه «كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة».

وقال إن الانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية ساهم في إنضاج تجربته الشعرية، واعتبر أن «الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي». وأكد أنه لا يكتب الطلاسم... وأنه يمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص، كما أوضح أن بعض نصوصه تفتش عن «القارئ النوعي»، كما تحدث عن الحداثة الشعرية في بلده عُمان، معتبراً أن هناك «حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها رغم انفتاحها على منجز الحداثة».

فيما يلي الحوار مع الشاعر حسن المطروشي:

الشاعر العُماني حسن المطروشي عند إعلان فوزه بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح» فبراير الماضي (الشرق الأوسط)

أعاصير «المعلقة»...

* ماذا يعني لك الفوز بجائزة «المعلقة»، ماذا أضاف لك هذا الفوز؟

- لعلي لا أبالغ إذا قلت إنني بعد «المعلقة» غير الذي كنته قبلها. فهذه الجائزة تحظى بحضور إعلامي كثيف، ويتم نقلها عبر عدة قنوات فضائية عامة وثقافية من التي تحقق أعلى المشاهدات عربياً. وهنا تكمن صناعة الشاعر النجم، وهذا لم يتحقق لي عبر مسيرتي السابقة، رغم حضوري في المحافل والمهرجانات ومعارض الكتب طيلة أكثر من ربع قرن. وإلى جانب الحضور الإعلامي والقيمة المادية المجزية لهذه الجائزة، فهي أيضاً ذات قيمة أدبية عالية كونها تحتكم إلى المعايير الأدبية والفنية البحتة. كما لا أنسى أن الجهة المنظمة والراعية لهذه الجائزة هي وزارة الثقافة السعودية. كل ذلك يمنح الشاعر إحساساً عالياً بأنه أضاف إلى رصيده جائزة مرموقة جديرة بالفخر والاعتزاز.

* أين موقع المجازر الشعرية بالنسبة لما حدث في مسابقة «المعلقة»؟ أنت قلتَ بعد الفوز «وصفتُ نفسي بأنني مثل الناجين من أحد الحروب أو الكوارث الكونية لأن هذه مجازر شعرية»

- بكل تأكيد أنني بعد انتهاء الفصل الأخير من الجائزة وتحقيق الفوز، تملكني ذلك الشعور، بأنني ناجٍ أكثر من كوني فائزاً. لأن ما مررت به وما واجهته على مسرح المعلقة كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة. كانت لحظات هائلة من القلق والتوجس. لأن الشعراء الذين واجهتهم في كل مراحل الجائزة لم يكونوا شعراء عاديين، بل كانوا كباراً وصائدي جوائز ولهم تجاربهم الكبيرة ومن الأسماء المعروفة على خريطة الشعر العربي. كان الرهان صعباً، والتحدي ضخماً ومرعباً. لذلك فإنني عند إعلان النتيجة في كل مرحلة من مراحل الجائزة لا أشعر بأنني فزت بقدر شعوري بأنني نجوت من مجزرة شعرية هائلة.

* قبل جائزة «المعلقة» حصلتَ على جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي عن قصيدتك «النسل المطرود»، ما علاقة الجوائز بالإبداع؟

- الجوائز لها علاقة بالمبدع ذاته وبالإبداع أيضاً. ففيما يتعلق بالمبدع فإن الجوائز تمنحه مكاسب كثيرة من السطوع والشهرة وفرص الحضور والانتشار أكثر من غيره، ناهيك عما تقدمه بعض هذه الجوائز من مكاسب مالية تعين الأديب على الاستقرار الحياتي والمعيشي. أما فيما يتعلق بالإبداع، فإن الجوائز تشكل مؤشراً عملياً على قدراته الإبداعية، إذ لولا ذلك لما تمكن من منافسة كبار الكتاب والأدباء واقتناص الجوائز، لا سيما إذا ما تعددت هذه الجوائز في أكثر من منافسة وبلد.

«الأعمال الشعرية» لحسن المطروشي صدرت الشهر الحالي وتضم خمسة دواوين وهي «وحيداً... كقبر أبي» و«على السفح إيّاه» و«لدي ما أنسى» و«مكتفياً بالليل» و«ليس في غرفتي شبح» (الشرق الأوسط)

الأعمال الشعرية

* لماذا أسقطتَ أول ديوانين شعريين صدرا لك حين جمعتَ أعمالك الشعرية عام 2023 هما: ديوان «فاطمة»، و«قَسَم»، هل هذا تعبير عن عدم رضاك عن بداياتك الشعرية؟

- البدايات غالباً ما تكون بسيطة. التجربة الشعرية تبدأ مثل طفولة الكائنات غضة، مرتبكة وبسيطة، ثم تنمو رويداً كما تنمو الورود، حتى تبلغ نضجها في مرحلة ما. شخصياً أتأمل الأعمال الشعرية الكاملة للكثير من الشعراء، فأشعر أن الكثير مما دونوه لم يكن شعراً يستحق أن يصرف عليه المال وتملأ به الأوراق. هو مجرد عبء على رف المكتبة، بعيداً عن مسوغات الباحثين والنقاد. وعلى كل حال فأنا حاولت الإفلات من فكرة الأعمال الكاملة فاخترت أن يكون العنوان (الأعمال الشعرية: 2003 - 2019م)، وهذا يعني أنه يمكن أن يكون هناك أعمال قبل هذه المرحلة، وكذلك يفتح الباب لأية أعمال قادمة.

* يرى نقادٌ أن مجموعاتك الشعرية: «وحيداً... كقبر أبي»، و«على السفح إيّاه»، و«لَدَيَّ ما أنسى»، و«مكتفياً بالليل»، و«ليس في غرفتي شبح»، مثلّت مرحلة النضج في مسيرتك الشعرية؛ ما العوامل التي ساهمت في إنضاج هذه التجربة؟

- أبرز العوامل التي أسهمت في نضج التجربة لديّ تتمثل في القراءة الكثيرة، والانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية في المجالات الإبداعية الأخرى. كما لا أنسى تأثير مشاركاتي الكثيرة في المهرجانات واحتكاكي بالكثير من شعراء العالم والاستماع إلى وجهات النظر حول الشعر عامة وشعري خاصة، وعدم التعجل والاندفاع في البحث عن الشهرة.

آخر إصدارات المطروشي «شبابيك الكلام» وهي مجموعة مختارة من المقالات الأدبية، تبدأ عناونيها بكلمة «عن» لتصبح هذه العنعنة «مجازاً» بمنزلة العتبة الأولى للدخول إلى فضاءات النص (الشرق الأوسط)

الشعر والترجمة

* تُرجم العديد من أعمالك إلى لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وصدرت ترجمة إسبانية لمختارات من شعرك بعنوان «أطلّ عليكم من هذه الكوة» عن وزارة الثقافة بكوستاريكا. ماذا تضيف الترجمة لرصيد الشاعر؟

- ثمة مقولة ترى بأن الأدب المكتوب بلغته الأم هو أدب محلي، أما الأدب المترجم فهو أدب عالمي. وفي الحقيقة، وإن لم يحقق شعري صفة العالمية، فإنني أعتبر الترجمة هي الباب الوسع للوصول إلى الآخر ونقل صوتك الإبداعي وثقافتك وقيمك والتعريف بحضارتك. الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي.

* يظهر في نصوصك تأثر بالتراث العربي... إلى أي مدى يمثل التراث معيناً في ثقافتك وتجربتك الشعرية؟ ماذا يمنحك المكان والبيئة والتراث؟

- التراث العربي يجسد مرجعيتي الثقافية بشكل عام. أنا ابن المكان العربي واللسان العربي والتاريخ العربي. أنا عربي الوجه والدم واللسان، فكيف أتجرد من كل هذا وأنسلخ من هويتي؟ أنا بكل تأكيد أنفتح على ثقافات العالم وأقرأ الشعر الذي تكتبه كل الشعوب ويُقال في مختلف العواصم، ولكني أجد في تراثي العربي ثروة عظيمة تمنحني الخصوصية والفرادة عن غيري، كما أجد أنني مسؤول عن خدمة هذا التراث وإيصاله للعالم بلغة حديثة يفهمها الآخر.

القارئ النوعي

* تمتاز بعض أعمالك بالغموض، يصف ذلك الشاعر اللبناني الراحل محمد علي شمس الدين، قائلاً إن «المطروشي يكتب قصائده بضبابية موحية، والضبابية في الشعر تقدّم منطق الاحتمالات الخصب على منطق اليقين المحدد»، ما رأيك؟

- الغموض هو أحد الظواهر الأسلوبية في الشعر عموماً، وقد وُجِدت له جذور وتأصيلات في شعرنا العربي منذ القدم. فها هو أبو إسحاق الصابي أحد نقاد العصر العباسي يقول: «أفخم الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه». وهناك طائفة ترى عكس ذلك تماماً. أنا شخصياً أجد في «الغموض الشفيف» متعة خاصة. فلا أذهب إلى التعمية والترميز والإغلاق التام للنص ليصبح كالطلسم، وإنما أترك بيني وبين القارئ شعرة قائمة لأمنحه المشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص. رغم أنه هناك بالفعل لدي قصائد تتطلب قارئاً نوعياً. الشعر في نظري يدور في فضاء اللغة الإشارية أو ما يطلق عليه المجاز، ويذهب باتجاه الابتكار والتجديد، بعيداً عن القوالب القاموسية الجاهزة للألفاظ.

* كيف ترى صورة المشهد الشعري والابداعي في عُمان؟ أين موقع التجربة الحداثية في هذا المشهد؟

- أستطيع القول إن نهر الشعر في عمان يتدفق منذ الأزل ولم فتر يوماً أبداً. والمشهد الشعري في عمان يجسد الامتداد الطبيعي لسلالته الشعرية المجيدة منذ أقدم العصور. الشعر في عمان مواكب لكل تحولات الشعر في العالم، وقد أفرز تجربة حداثية كان لها حضورها وتأثيرها في المشهد العربي بشكل عام. ثمة حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها العمانية ومخلصة لهويتها المكانية بامتياز، رغم انفتاحها الواسع على منجز الحداثة في سياقها الإنساني الكبير.

نص شعري

حِيَلٌ لغزواتٍ خاسرة

أَبَتاهُ... سَلِ الطرقاتِ عن ابنِكَ يا أبتي، سترى بَحَّاراً خَطَّاء،

لا ذكرى، لا امرأةً، لا صحبَ لديه هُنا

أبتي... أنا هذا الهاربُ مِنْ قَسَماتِكَ مُذْ نَبَذَتْني كُلُّ كتاتيبِ الحاراتِ،

أُسَمّي الغيمَ حقيبتَنا

أَتَسَكَّعُ وحدي مَذْعوراً، أُخْفي وحْشِيةَ أسلافٍ غرباءَ بدائيينَ، جبيني يَرْشَحُ مِلْحاً، يفْضَحُني

ويدلُّ الحُرّاسَ عَلَيَّ،

ولكني لَمْ أبرحْ مُدَّخِراً أحزانَكَ يا أبتي

كيْ أفتَحَ منزلَنا

سأخونُ أسانيدَ التاريخِ وأشْطُبُ مِنْ زمني الزمَنا

سأَشنُّ رحيلاً، فَلْيَصِفوا وَطَنا

هيّأْتُ الليلةَ مُتَّكَأ الغَوّاصِ الكَهْلِ،

عَثَرْتُ بسَحْنتِهِ فَتَطايَرَ سِرْبُ نوارسَ هاجعةٍ، أيقظْتُ البحْرَ وهيّأْتُ الشطآنْ هيّأْتُ سلاماً للجيرانْ

هيّأْتُ مواسمَ للبحَّارةِ والغرقى، هيّأْتُ «عريشَ القيظِ» أحاديثَ السُّمارِ،

حَكايا الجِنِّ، وقَهْوَتَنا

هيّأْتُ رياحيَ والسُّفُنا

أحْضَرْتُ نُباحَ الليلِ الصاعدَ مِنْ آبارٍ نائيةٍ، ومُواءَ الظُّهْرِ يعَكِّرُ قَيْلولةَ صَيَّادٍ مُضْنى

هيّأْتُ ُلِيُتْمي أدعيةً

وعباءَةَ أُمّي... بَسْمَتَها الأشهى، إبريقَ وضوءِ أبي، وبَكَيْتُ كعاداتِ الأشجارِ طويلاً

أحْضَرْتُ سماءً دافئةً ونخيلا

هيّأْتُ حظائرَ فارِغَةً لنُرَبّي أحلاماً لنْ تُشْبِهَنا

هيّأْتُ طريقي الضائعَ نَحْو مُصَلّى الحَيِّ،

جَلَبْتُ قصائديَ الأولى للبنتِ،

قصائديَ المنحولةَ مِنْ موسيقى ضِحكتِها العصماءْ

هيّأْتُ دُروباً ماطرةً للمنسيّين بلا أسماءْ

أَنْجَبْتُ لِذاتيَ أشْباهاً كُثراً وغَزوْتُ بِهمْ مُدُنا

أحْضَرْتُ رُعودَ الأزمنةِ الأولى، ورأَيْتُ الدهرَ بِرُمَّتِه ينهارُ على بابي، والأرضُ مهيأةٌ كيْ تخْرُجَ للتجْوالِ معي عَلَنا

المشهدُ مُكْتَمِلٌ، والآن سأنْفُخُ مِنْ روحي، وأُعيدُ العالَمَ سيرتَه الأولى،

لكنَّ المفقودَ الأوْحَدَ كان... أنا!



هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».