10 إصدارات لـ«بيت الزبير» في الفكر والفلسفة وأدب الرحلات

ينظم جلسات حوار وندوات ثقافية وفنية داخل «معرض مسقط للكتاب»

يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
TT

10 إصدارات لـ«بيت الزبير» في الفكر والفلسفة وأدب الرحلات

يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)

بالإضافة إلى شراكته في تنظيم الفعاليات الثقافية لـ«معرض مسقط الدولي للكتاب»، يمثل جناح «بيت الزبير»؛ المؤسسة التي تُعنى بالثقافة والفنون والتاريخ والنشر، ملتقى لإقامة جلسات حوار ثقافي، وأمسيات فنية وموسيقية، وندوات أدبية وفكرية.

وخلال مشاركته في المعرض، قدّم «بيت الزبير» عدداً كبيراً من إصداراته، بينها 10 مؤلفات جديدة، تحلّق في فضاءات الفكرِ والمعرفة، وتتيحُ إطلالةً واسعةً على مفاصل مهمّة من الواقع الثقافي؛ العالمي والعربي من جانبٍ، والعُماني من جانبٍ آخر.

قدّم «بيت الزبير» 10 مؤلفات جديدة خلال مشاركته في «معرض مسقط الدولي للكتاب»

وبمناسبة صدور هذه الكتب، قالت الدكتورة منى حبراس، المديرة العامة لـ«مؤسسة بيت الزبير»: «تصدر هذه الكتب العشرة عن (مؤسسة بيت الزبير) لتضيف لبناتٍ أخرى في رصيد الإنتاج المعرفي الذي سعت (المؤسسة) إلى مراكمته منذ سنوات، حتى بلغت تلك الإصدارات مجتمعةً نحو 40 كتاباً في حقول ثقافية متنوعة؛ بين أدب، وفكر، وترجمة، وأدب رحلات، ودراسات ثقافية، وأدب طفل، ومنجز فلسفي، ونقد فني».

وأضافت: «تسدّ هذه الإصدارات فجوة مهمة في المكتبتين العُمانية والعربية؛ نظراً إلى شح الإصدارات غالباً في المجالات المعرفية التي اشتغلت عليها، وقد شارك فيها باحثون وكتّاب أسهموا بفكرهم وجهدهم فرادى ومجموعات في صنع هذا الأثر».

إصدارات «مؤسسة بيت الزبير» لعام 2025 جاءت حديثاً ضمن مشروع التعاون المشترك مع دار «الآن... ناشرون وموزعون» الأردنيّة.

كتابُ «النقد الثقافي»

يبحث كتابُ «النقد الثقافي» في مسائل النقد الثقافيّ وإشكالياته النظريّة والتجريبيّة، عبر دراسات علميّة لنخبة من الباحثين والمفكرين والنقاد العرب، انطلاقاً من أن مجال النقد الثقافيّ ما زال مجالاً حييّاً في الثقافة العربيّة، ويحتاج إلى مزيد من ضبط المفاهيم والرؤى والأدوات، وأنه ما زال يحتاج إلى اختبارات وتطبيقات ليتسنّى له أن يحتلّ منزلة من النقد الأدبيّ، وأن تتوضّح رؤيته ذات المرجعيّات المتعدّدة، لعلّ الفلسفة وعلوم الإنسان هي رأسها.

يتأمّل الدكتور عبد اللّه الغَذّامي (السعودية) في ورقته بهذا الكتاب مشهدَ النقد الثقافي والنقد الأدبيّ والدراسات الثقافيّة، ويقدّم الدكتور إدريس الخضراوي (المغرب) عرضاً نظريّاً لدراسات ما بعد الكولونيالية، واقفاً على الأفق النظري لهذه الدراسات وأثرها في إعادة تشكيل مفهوم الأدب. وفي إطارٍ من التنوّع والثراء، يقدّم الدكتور خالد البلوشي (سلطنة عُمان) ورقة بحثيّة بعنوان: «النقد الثقافي في عُمان: القصّة القصيرة أنموذجاً». أمّا القاصّ الدكتور محمود الرحبي (سلطنة عُمان)، فيشارك بدراسة بعنوان: «الذاكرة النسوية موضوعاً للنقد الثقافي» عبر قراءة في كتاب «نساء في غرفة فرجينا وولف» للكاتبة الكويتية سعاد العنزي.

«هل نحتاج إلى الفلسفة في حياتنا؟»

يثيرُ كتاب «هل نحتاج إلى الفلسفة في حياتنا؟»، الذي حرَّره الدكتور محمد زرّوق، الأسئلةَ القديمةَ بشأن الإنسانِ والوجودِ، في ظلّ التحوّلات العلميّة والجيوسياسيّة والاقتصاديّة، التي تعصفُ بالعالم من حولنا. أما الإجابات، فقد قدمها عددٌ من الفلاسفة والمفكرين والباحثين العرب. في هذا الكتاب، عاين الدكتور عبد السلام بنعبد العالي (المغرب) صلة الترجمة بالفلسفة، وقُدرة النصّ المُترجَم على التموضع في مقامات تختلف عن مقامه الأصل، وتحدث الدكتور الزواوي بغورة (الجزائر) عن ضرورة الفلسفة في عصرنا، ورجع محمد شوقي الزين (الجزائر) إلى «أصل التفلسف»، مُظهراً الترابط بين تجربة روحيّة ميتافيزيقيّة؛ هي «التصوّف»، وتجربة منطقيّة عقليّة؛ هي «فعل التفلسف».

وطرح مشير باسيل عون (لبنان) عدداً من الأسئلة والإشكالات المعرفيّة، منها: «إشكاليّات التعدّديّة الثلاث»، في أصولها الفلسفيّة؛ التأويليّة والإبستمولوجيّة والأنثروبولوجيّة. وبحث محمد المصباحي (المغرب) في «ضرورة المكان المحايد لتجاوز انسداد الأفق». وتوجّه رضوان السيّد (لبنان) إلى دراسة منزلة العقل في التصوّرين الفلسفيّ والأصوليّ. وعاين محمد العجمي (سلطنة عمان) العلاقة بين فلسفة ما بعد الإنسانيّة واللامركزيّة الأوروبيّة.

وبحث عبد الله ولد أباه (موريتانيا) عن الحلول التي تجعل الفلسفة العربيّة الراهنة تستوعب مكاسب الكونيّة عبر النظر في العقل الفلسفي المعاصر.

كما عرف علي الرواحي (سلطنة عُمان) بأعمال هابرماس، راصداً الفارق الزمنيّ بين صدور الكتاب الأصلي وبين تلقّيه العربي عبر الترجمة، مع إلقاء الضوء على أعمال أخرى للكاتب لم تُتَرجم إلى اللّغة العربيّة.

وتضمن الكتاب بحثين يتناولان فكر صادق جواد عبر بيان القضايا التي همّته وشغلته وتفكيك رأيه فيها، أولهما بحث لمحمد بن رضا اللّواتي (سلطنة عمان) بعنوان: «صلة الإنسان بالثقافة والدين»، وثانيهما لبدر العبري (سلطنة عمان) وقدم فيه قراءة وصفيّة في فكر صادق جواد.

«مراوغات مارادونا»

«مراوغات مارادونا»

ويمثّلُ كتابُ «مراوغات غير متوقَّعة... عن مارادونا والأدب وكرة القدم» محاولةً جادّةً لردم الهوّة المصطنَعة بين الثقافة والرياضة، وبناء الجسور بين الأدب وكرة القدم.

تضمّن هذا الكتابُ مشاركاتٍ لعدد من الباحثين والدّارسين، قدّموا أوراقاً علميّة، جمعها وحررها سليمان المعمري، وتحدث كل من حسن مدن (البحرين)، وسيد محمود ومحمد الفولي (مصر)، وسليمان المعمري ومنى حبراس (سلطنة عمان)، باستفاضة عن علاقة هذه اللعبة بالأدب؛ العالمي منه، والعربي، والعُماني. كما تضمّن الكتاب ورقة للروائي والكاتب السوداني أمير تاج السر، بعنوان: «الحياة الثقافية في وسط الكرة».

ينطلق الكتاب من أن مارادونا لم يكن مجرّدَ لاعبِ كرة، إنما هو أيضاً مزيج نادر من الموهبة العبقريّة، و«الكاريزما»، والحسّ الإنساني الذي جعله محبوباً لكثير من الناس باختلاف مشاربهم وثقافاتهم. ولأنه كان رمزاً من رموز لعبة كرة القدم، وأحد الذين جعلوا الملايين يعشقون هذه «الساحرة المستديرة»، فقد ارتأت «مؤسسة بيت الزبير» أن توظّف مناسبة ذكرى رحيله لتوجيه الانتباه إلى الجانب الثقافي في اللّعبة الشعبية الأولى بالعالم، عبر كتاب جديد بعنوان: «مراوغات غير متوقَّعة... عن مارادونا والأدب وكرة القدم».

ويمثّل الكتاب محاولةً لردم الهوّة المصطنَعة بين الثقافة والرياضة، وبناء الجسور بين الأدب وكرة القدم. وفي ورقته: «كرة القدم والأدب العربي»، ورغم أن كرة القدم أضحت اليوم صناعة ضخمة، ونالت شعبية جارفة لا تنافسها فيها أي رياضة أخرى، فإننا لن نعدم من يتساءل عنها مُحِقّاً: أهي لعبة سلام ومحبة أم لعبة كراهية وحروب؟ وهذا هو موضوع ورقة تأملية تضمنها هذا الكتاب قدمها الكاتب العُماني سليمان المعمري، الذي يرى أن الجدل والتمزق بين صورتَي السلم والحرب المرتبطتين بهذه اللعبة سيبقيان طويلاً ما بقيتْ اللعبة، وما بقي عشاقها وكارهوها.

بينما تطرق الروائي والكاتب السوداني المقيم في الدوحة أمير تاج السر، عبر ورقته: «الحياة الثقافية في وسط الكرة» إلى علاقة الثقافة عموماً بالحدث المقبل (المونديال) وفق ذلك التوقيت، وما يمكن أن يحدث في وجود ثقافات مختلفة داخل بوتقة المونديال.

«مهمة المترجم»

«مهمّةُ المترجم»

ويوفّر كتابُ «مهمّةُ المترجم» ترجمةً ثلاثيةً متعدّدةَ الوجوه لمقالةٍ نظريّةٍ وفلسفيّةٍ دقيقةٍ، كتبها الفيلسوف والناقد والمترجم الألماني «فالتير بنيامين» (1892 - 1940)، سنة 1921، وهي مقالة تضطلعُ بمكانة متميزة في الثقافة العالمية الحديثة؛ إذ تُرجمت مراتٍ كثيرة إلى لغاتٍ عدّة؛ لأنها نصّ نظريّ وفلسفيّ دقيق بشأن الترجمة، خصوصاً مهمّة المترجم. وقد ترجمها عن الألمانية والإنجليزية والفرنسية الأستاذ الدكتور أحمد بوحسن (المغرب)، وراجعها الدكتور رضوان ضاوي (المغرب). وبيّن بوحسن جانباً من أهميّة الكتابِ بالإشارة إلى أنّه قدّم فيه «ترجمة ثلاثية متعدّدة الوجوه لنصّ فلسفي شديد الصعوبة»، مؤكداً أن إعادة ترجمة هذا النص وتدقيقه وتحقيقه ومراجعته تتيح فهماً مضمونيّاً أقرب إلى المعنى الأصلي.

«التوغل داخل المغرب المظلم»

«التّوغلُ داخل المغرب المظلم»

ويتيحُ كتابُ «التّوغلُ داخل المغرب المظلم... يوميات رحلة فنان سويسري 1858م» تتبّعاً لرحلة الرسّام السويسري فرنك بوكسر، التي اتجه فيها إلى فاس انطلاقاً من طنجة، مصوِّراً ملامحَ من المشهد الثقافيّ والإثنوغرافيّ للمغرب، وموثِّقاً تجاربه وتفاعلاته مع الثّقافة المغربيّة. وتكمنُ أهمية ترجمة هذا الكتاب، التي أنجزها عن اللغة الألمانية الدكتور رضوان ضاوي (المغرب)، في أنه يقدّم لدارسي الأدب المقارن والدّراسات الثقافيّة والإثنوغرافيّة وأدب الرحلات، نصّاً إثنوغرافياً سويسرياً مكتوباً باللغة الألمانية في أصله، في ظل اكتفاء القارئ العربي بقراءة النصوص السويسرية المكتوبة باللغة الفرنسية أو المترجمة عنها فحسب.

«الفن والتأويل»

«الفن والتأويل»

ويتأمّلُ كتابُ «الفن والتأويل... دراسات نقدية في الفن التشكيلي العُماني» الذي حررته وراجعته الدكتور فخرية اليحيائية (سلطنة عمان)، المُنجَز الفني العُماني، الحديث والمعاصر، وفق مناهج ومداخل تهدف إلى فحص ظواهرِه في تناميها التاريخي، وفي علاقتها بالجاري على ساحة الفن العالمي. ويشكّل الكتاب إضافة جديدة في قائمة الدراسات النقدية الفنية.

ويضمّ الكتابُ 3 دراسات لباحثين معتبَرين في تاريخ الفن والنقد الفني؛ الأولى بعنوان: «النحت العُماني والمغربي... مقاربة جمالية في المشابهة والاختلاف» للناقد الفني إبرهيم الحيسن (المغرب)، والثانية بعنوان: «الفن العُماني... تأويلات التلاقي والتقاطُع في سياق الفن العالمي» للفنان والناقد الفني الدكتور ياسر منجي (مصر)، والثالثة بعنوان: «الفن والتأويل» للفنان والناقد السوري طلال معلّا.

غلاف «مناديل لأجنحة الفراشة»

«مناديل لأجنحة الفراشة»

كذلك يسبرُ كتاب «مناديل لأجنحةِ الفراشةِ» الذي راجعتِ الدراساتِ المتضمّنةَ فيه وحررتْها الدكتور فخرية اليحيائية (سلطنة عمان)، أغوار الفن التشكيلي العُماني، واضعاً هذا الفنّ في المكانة التي تليق به ضمن خريطة الفن العربي، ومتحركاً به عبر مناطقَ تلقٍّ جديدةٍ، عبر إعادة قراءته بعيون عربية من جهة، ومن خلال مقارنة التجربة الفنية العُمانية بمثيلتَيها العربية والعالمية، من جهةٍ أخرى.

ويستنطق الكتابُ اللوحةَ واللّونَ، وقد جاء حصاداً لندوة حملت عنوان: «النبش في مخيلة اللون»، أقامها «بيت الزبير» لتقديم قراءات نقدية لما اختزلته مخيّلة الفنان العُماني وما حاول التعبيرَ عنه بفرشاته وأدواته، وضمن المسعى نحو أن يحقّق الفن التشكيلي العُماني معانيه المتعددة التي يستحقّها بطبيعة الحال، ومن أجل سدّ ثغرة الشُّحّ في الكتابات النقدية المختصة في التجربة الفنية العُمانية التي قطعت أشواطاً كبيرة وأثّرت في المشهد الفني العربي عموماً.

«شعرية اللغة في القصة العمانية القصيرة»

«شعريّة اللغة في القصّة العُمانيّة القصيرة»

ويتوقّف كتاب «شعريّة اللّغة في القصّة العُمانيّة القصيرة»، للباحثة العُمانيّة خالصة بنت خليفة السعدي، عند محاولات الجيل الجديد من كتّاب القصّة العُمانية القصيرة تطوير لغة كتابتهم، التي اتّخذت صورة شعرية في بعض المجموعات. الكتاب نفسه تكمن أهميّته في أنه أول دراسة تتناول موضوع شعرية اللغة في القصة القصيرة العُمانية بشيء من التفصيل، وقد غطّت فيها الباحثةُ الموضوعات التالية: الشعرية وحضورها في القصة العُمانية القصيرة، ولغة العتبات، ولغة الأسلوب، ولغة الصورة الشعرية.

وتوضح المؤلّفة أن هذا الكتاب جاء بعد قراءة مستفيضة للنتاجات القصصية العُمانية، على مجموعات الكاتبين سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي، وأن سبب ذلك هو تطور الظاهرة لدى الاثنين.

«أراجيح تتأمّل صورتها في النبع»

ويضمّ كتاب «أراجيح تتأمّل صورتها في النبع» مجموعةً من الدّراسات المتعلّقة بالنتاجِ الثقافيّ الموجَّه إلى الطفل، وتتناول الفضاء السردي في القصة المُوجَّهة للطفل، والقصص الموجَّهة إلى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وصناعة شخصيات قصص الأطفال في زمن الألفية، والمبادرات الثقافية الموجَّهة للطفل، ومسرح الطفل العماني بين بواكير النهضة وتأكيد الحضور.

وضمّت قائمة المشاركين: خلود البوسعيدي (سلطنة عُمان)، ونورة الهاشمية (سلطنة عُمان)، والدكتور محمود كحيلة (مصر)، ومحمد شمشاد عالم القاسمي (سلطنة عُمان)، ويونس بن علي بن سالم المعمري (سلطنة عُمان)، وليلى عبد الله (سلطنة عُمان)، ومحمد الغزي (تونس)، وشيخة الفجرية (سلطنة عُمان).



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي