10 إصدارات لـ«بيت الزبير» في الفكر والفلسفة وأدب الرحلات

ينظم جلسات حوار وندوات ثقافية وفنية داخل «معرض مسقط للكتاب»

يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
TT

10 إصدارات لـ«بيت الزبير» في الفكر والفلسفة وأدب الرحلات

يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)
يشهد جناح «بيت الزبير» في «معرض مسقط الدولي للكتاب» جلسات للحوار وندوات ثقافية وأمسيات فنية (الشرق الأوسط)

بالإضافة إلى شراكته في تنظيم الفعاليات الثقافية لـ«معرض مسقط الدولي للكتاب»، يمثل جناح «بيت الزبير»؛ المؤسسة التي تُعنى بالثقافة والفنون والتاريخ والنشر، ملتقى لإقامة جلسات حوار ثقافي، وأمسيات فنية وموسيقية، وندوات أدبية وفكرية.

وخلال مشاركته في المعرض، قدّم «بيت الزبير» عدداً كبيراً من إصداراته، بينها 10 مؤلفات جديدة، تحلّق في فضاءات الفكرِ والمعرفة، وتتيحُ إطلالةً واسعةً على مفاصل مهمّة من الواقع الثقافي؛ العالمي والعربي من جانبٍ، والعُماني من جانبٍ آخر.

قدّم «بيت الزبير» 10 مؤلفات جديدة خلال مشاركته في «معرض مسقط الدولي للكتاب»

وبمناسبة صدور هذه الكتب، قالت الدكتورة منى حبراس، المديرة العامة لـ«مؤسسة بيت الزبير»: «تصدر هذه الكتب العشرة عن (مؤسسة بيت الزبير) لتضيف لبناتٍ أخرى في رصيد الإنتاج المعرفي الذي سعت (المؤسسة) إلى مراكمته منذ سنوات، حتى بلغت تلك الإصدارات مجتمعةً نحو 40 كتاباً في حقول ثقافية متنوعة؛ بين أدب، وفكر، وترجمة، وأدب رحلات، ودراسات ثقافية، وأدب طفل، ومنجز فلسفي، ونقد فني».

وأضافت: «تسدّ هذه الإصدارات فجوة مهمة في المكتبتين العُمانية والعربية؛ نظراً إلى شح الإصدارات غالباً في المجالات المعرفية التي اشتغلت عليها، وقد شارك فيها باحثون وكتّاب أسهموا بفكرهم وجهدهم فرادى ومجموعات في صنع هذا الأثر».

إصدارات «مؤسسة بيت الزبير» لعام 2025 جاءت حديثاً ضمن مشروع التعاون المشترك مع دار «الآن... ناشرون وموزعون» الأردنيّة.

كتابُ «النقد الثقافي»

يبحث كتابُ «النقد الثقافي» في مسائل النقد الثقافيّ وإشكالياته النظريّة والتجريبيّة، عبر دراسات علميّة لنخبة من الباحثين والمفكرين والنقاد العرب، انطلاقاً من أن مجال النقد الثقافيّ ما زال مجالاً حييّاً في الثقافة العربيّة، ويحتاج إلى مزيد من ضبط المفاهيم والرؤى والأدوات، وأنه ما زال يحتاج إلى اختبارات وتطبيقات ليتسنّى له أن يحتلّ منزلة من النقد الأدبيّ، وأن تتوضّح رؤيته ذات المرجعيّات المتعدّدة، لعلّ الفلسفة وعلوم الإنسان هي رأسها.

يتأمّل الدكتور عبد اللّه الغَذّامي (السعودية) في ورقته بهذا الكتاب مشهدَ النقد الثقافي والنقد الأدبيّ والدراسات الثقافيّة، ويقدّم الدكتور إدريس الخضراوي (المغرب) عرضاً نظريّاً لدراسات ما بعد الكولونيالية، واقفاً على الأفق النظري لهذه الدراسات وأثرها في إعادة تشكيل مفهوم الأدب. وفي إطارٍ من التنوّع والثراء، يقدّم الدكتور خالد البلوشي (سلطنة عُمان) ورقة بحثيّة بعنوان: «النقد الثقافي في عُمان: القصّة القصيرة أنموذجاً». أمّا القاصّ الدكتور محمود الرحبي (سلطنة عُمان)، فيشارك بدراسة بعنوان: «الذاكرة النسوية موضوعاً للنقد الثقافي» عبر قراءة في كتاب «نساء في غرفة فرجينا وولف» للكاتبة الكويتية سعاد العنزي.

«هل نحتاج إلى الفلسفة في حياتنا؟»

يثيرُ كتاب «هل نحتاج إلى الفلسفة في حياتنا؟»، الذي حرَّره الدكتور محمد زرّوق، الأسئلةَ القديمةَ بشأن الإنسانِ والوجودِ، في ظلّ التحوّلات العلميّة والجيوسياسيّة والاقتصاديّة، التي تعصفُ بالعالم من حولنا. أما الإجابات، فقد قدمها عددٌ من الفلاسفة والمفكرين والباحثين العرب. في هذا الكتاب، عاين الدكتور عبد السلام بنعبد العالي (المغرب) صلة الترجمة بالفلسفة، وقُدرة النصّ المُترجَم على التموضع في مقامات تختلف عن مقامه الأصل، وتحدث الدكتور الزواوي بغورة (الجزائر) عن ضرورة الفلسفة في عصرنا، ورجع محمد شوقي الزين (الجزائر) إلى «أصل التفلسف»، مُظهراً الترابط بين تجربة روحيّة ميتافيزيقيّة؛ هي «التصوّف»، وتجربة منطقيّة عقليّة؛ هي «فعل التفلسف».

وطرح مشير باسيل عون (لبنان) عدداً من الأسئلة والإشكالات المعرفيّة، منها: «إشكاليّات التعدّديّة الثلاث»، في أصولها الفلسفيّة؛ التأويليّة والإبستمولوجيّة والأنثروبولوجيّة. وبحث محمد المصباحي (المغرب) في «ضرورة المكان المحايد لتجاوز انسداد الأفق». وتوجّه رضوان السيّد (لبنان) إلى دراسة منزلة العقل في التصوّرين الفلسفيّ والأصوليّ. وعاين محمد العجمي (سلطنة عمان) العلاقة بين فلسفة ما بعد الإنسانيّة واللامركزيّة الأوروبيّة.

وبحث عبد الله ولد أباه (موريتانيا) عن الحلول التي تجعل الفلسفة العربيّة الراهنة تستوعب مكاسب الكونيّة عبر النظر في العقل الفلسفي المعاصر.

كما عرف علي الرواحي (سلطنة عُمان) بأعمال هابرماس، راصداً الفارق الزمنيّ بين صدور الكتاب الأصلي وبين تلقّيه العربي عبر الترجمة، مع إلقاء الضوء على أعمال أخرى للكاتب لم تُتَرجم إلى اللّغة العربيّة.

وتضمن الكتاب بحثين يتناولان فكر صادق جواد عبر بيان القضايا التي همّته وشغلته وتفكيك رأيه فيها، أولهما بحث لمحمد بن رضا اللّواتي (سلطنة عمان) بعنوان: «صلة الإنسان بالثقافة والدين»، وثانيهما لبدر العبري (سلطنة عمان) وقدم فيه قراءة وصفيّة في فكر صادق جواد.

«مراوغات مارادونا»

«مراوغات مارادونا»

ويمثّلُ كتابُ «مراوغات غير متوقَّعة... عن مارادونا والأدب وكرة القدم» محاولةً جادّةً لردم الهوّة المصطنَعة بين الثقافة والرياضة، وبناء الجسور بين الأدب وكرة القدم.

تضمّن هذا الكتابُ مشاركاتٍ لعدد من الباحثين والدّارسين، قدّموا أوراقاً علميّة، جمعها وحررها سليمان المعمري، وتحدث كل من حسن مدن (البحرين)، وسيد محمود ومحمد الفولي (مصر)، وسليمان المعمري ومنى حبراس (سلطنة عمان)، باستفاضة عن علاقة هذه اللعبة بالأدب؛ العالمي منه، والعربي، والعُماني. كما تضمّن الكتاب ورقة للروائي والكاتب السوداني أمير تاج السر، بعنوان: «الحياة الثقافية في وسط الكرة».

ينطلق الكتاب من أن مارادونا لم يكن مجرّدَ لاعبِ كرة، إنما هو أيضاً مزيج نادر من الموهبة العبقريّة، و«الكاريزما»، والحسّ الإنساني الذي جعله محبوباً لكثير من الناس باختلاف مشاربهم وثقافاتهم. ولأنه كان رمزاً من رموز لعبة كرة القدم، وأحد الذين جعلوا الملايين يعشقون هذه «الساحرة المستديرة»، فقد ارتأت «مؤسسة بيت الزبير» أن توظّف مناسبة ذكرى رحيله لتوجيه الانتباه إلى الجانب الثقافي في اللّعبة الشعبية الأولى بالعالم، عبر كتاب جديد بعنوان: «مراوغات غير متوقَّعة... عن مارادونا والأدب وكرة القدم».

ويمثّل الكتاب محاولةً لردم الهوّة المصطنَعة بين الثقافة والرياضة، وبناء الجسور بين الأدب وكرة القدم. وفي ورقته: «كرة القدم والأدب العربي»، ورغم أن كرة القدم أضحت اليوم صناعة ضخمة، ونالت شعبية جارفة لا تنافسها فيها أي رياضة أخرى، فإننا لن نعدم من يتساءل عنها مُحِقّاً: أهي لعبة سلام ومحبة أم لعبة كراهية وحروب؟ وهذا هو موضوع ورقة تأملية تضمنها هذا الكتاب قدمها الكاتب العُماني سليمان المعمري، الذي يرى أن الجدل والتمزق بين صورتَي السلم والحرب المرتبطتين بهذه اللعبة سيبقيان طويلاً ما بقيتْ اللعبة، وما بقي عشاقها وكارهوها.

بينما تطرق الروائي والكاتب السوداني المقيم في الدوحة أمير تاج السر، عبر ورقته: «الحياة الثقافية في وسط الكرة» إلى علاقة الثقافة عموماً بالحدث المقبل (المونديال) وفق ذلك التوقيت، وما يمكن أن يحدث في وجود ثقافات مختلفة داخل بوتقة المونديال.

«مهمة المترجم»

«مهمّةُ المترجم»

ويوفّر كتابُ «مهمّةُ المترجم» ترجمةً ثلاثيةً متعدّدةَ الوجوه لمقالةٍ نظريّةٍ وفلسفيّةٍ دقيقةٍ، كتبها الفيلسوف والناقد والمترجم الألماني «فالتير بنيامين» (1892 - 1940)، سنة 1921، وهي مقالة تضطلعُ بمكانة متميزة في الثقافة العالمية الحديثة؛ إذ تُرجمت مراتٍ كثيرة إلى لغاتٍ عدّة؛ لأنها نصّ نظريّ وفلسفيّ دقيق بشأن الترجمة، خصوصاً مهمّة المترجم. وقد ترجمها عن الألمانية والإنجليزية والفرنسية الأستاذ الدكتور أحمد بوحسن (المغرب)، وراجعها الدكتور رضوان ضاوي (المغرب). وبيّن بوحسن جانباً من أهميّة الكتابِ بالإشارة إلى أنّه قدّم فيه «ترجمة ثلاثية متعدّدة الوجوه لنصّ فلسفي شديد الصعوبة»، مؤكداً أن إعادة ترجمة هذا النص وتدقيقه وتحقيقه ومراجعته تتيح فهماً مضمونيّاً أقرب إلى المعنى الأصلي.

«التوغل داخل المغرب المظلم»

«التّوغلُ داخل المغرب المظلم»

ويتيحُ كتابُ «التّوغلُ داخل المغرب المظلم... يوميات رحلة فنان سويسري 1858م» تتبّعاً لرحلة الرسّام السويسري فرنك بوكسر، التي اتجه فيها إلى فاس انطلاقاً من طنجة، مصوِّراً ملامحَ من المشهد الثقافيّ والإثنوغرافيّ للمغرب، وموثِّقاً تجاربه وتفاعلاته مع الثّقافة المغربيّة. وتكمنُ أهمية ترجمة هذا الكتاب، التي أنجزها عن اللغة الألمانية الدكتور رضوان ضاوي (المغرب)، في أنه يقدّم لدارسي الأدب المقارن والدّراسات الثقافيّة والإثنوغرافيّة وأدب الرحلات، نصّاً إثنوغرافياً سويسرياً مكتوباً باللغة الألمانية في أصله، في ظل اكتفاء القارئ العربي بقراءة النصوص السويسرية المكتوبة باللغة الفرنسية أو المترجمة عنها فحسب.

«الفن والتأويل»

«الفن والتأويل»

ويتأمّلُ كتابُ «الفن والتأويل... دراسات نقدية في الفن التشكيلي العُماني» الذي حررته وراجعته الدكتور فخرية اليحيائية (سلطنة عمان)، المُنجَز الفني العُماني، الحديث والمعاصر، وفق مناهج ومداخل تهدف إلى فحص ظواهرِه في تناميها التاريخي، وفي علاقتها بالجاري على ساحة الفن العالمي. ويشكّل الكتاب إضافة جديدة في قائمة الدراسات النقدية الفنية.

ويضمّ الكتابُ 3 دراسات لباحثين معتبَرين في تاريخ الفن والنقد الفني؛ الأولى بعنوان: «النحت العُماني والمغربي... مقاربة جمالية في المشابهة والاختلاف» للناقد الفني إبرهيم الحيسن (المغرب)، والثانية بعنوان: «الفن العُماني... تأويلات التلاقي والتقاطُع في سياق الفن العالمي» للفنان والناقد الفني الدكتور ياسر منجي (مصر)، والثالثة بعنوان: «الفن والتأويل» للفنان والناقد السوري طلال معلّا.

غلاف «مناديل لأجنحة الفراشة»

«مناديل لأجنحة الفراشة»

كذلك يسبرُ كتاب «مناديل لأجنحةِ الفراشةِ» الذي راجعتِ الدراساتِ المتضمّنةَ فيه وحررتْها الدكتور فخرية اليحيائية (سلطنة عمان)، أغوار الفن التشكيلي العُماني، واضعاً هذا الفنّ في المكانة التي تليق به ضمن خريطة الفن العربي، ومتحركاً به عبر مناطقَ تلقٍّ جديدةٍ، عبر إعادة قراءته بعيون عربية من جهة، ومن خلال مقارنة التجربة الفنية العُمانية بمثيلتَيها العربية والعالمية، من جهةٍ أخرى.

ويستنطق الكتابُ اللوحةَ واللّونَ، وقد جاء حصاداً لندوة حملت عنوان: «النبش في مخيلة اللون»، أقامها «بيت الزبير» لتقديم قراءات نقدية لما اختزلته مخيّلة الفنان العُماني وما حاول التعبيرَ عنه بفرشاته وأدواته، وضمن المسعى نحو أن يحقّق الفن التشكيلي العُماني معانيه المتعددة التي يستحقّها بطبيعة الحال، ومن أجل سدّ ثغرة الشُّحّ في الكتابات النقدية المختصة في التجربة الفنية العُمانية التي قطعت أشواطاً كبيرة وأثّرت في المشهد الفني العربي عموماً.

«شعرية اللغة في القصة العمانية القصيرة»

«شعريّة اللغة في القصّة العُمانيّة القصيرة»

ويتوقّف كتاب «شعريّة اللّغة في القصّة العُمانيّة القصيرة»، للباحثة العُمانيّة خالصة بنت خليفة السعدي، عند محاولات الجيل الجديد من كتّاب القصّة العُمانية القصيرة تطوير لغة كتابتهم، التي اتّخذت صورة شعرية في بعض المجموعات. الكتاب نفسه تكمن أهميّته في أنه أول دراسة تتناول موضوع شعرية اللغة في القصة القصيرة العُمانية بشيء من التفصيل، وقد غطّت فيها الباحثةُ الموضوعات التالية: الشعرية وحضورها في القصة العُمانية القصيرة، ولغة العتبات، ولغة الأسلوب، ولغة الصورة الشعرية.

وتوضح المؤلّفة أن هذا الكتاب جاء بعد قراءة مستفيضة للنتاجات القصصية العُمانية، على مجموعات الكاتبين سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي، وأن سبب ذلك هو تطور الظاهرة لدى الاثنين.

«أراجيح تتأمّل صورتها في النبع»

ويضمّ كتاب «أراجيح تتأمّل صورتها في النبع» مجموعةً من الدّراسات المتعلّقة بالنتاجِ الثقافيّ الموجَّه إلى الطفل، وتتناول الفضاء السردي في القصة المُوجَّهة للطفل، والقصص الموجَّهة إلى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وصناعة شخصيات قصص الأطفال في زمن الألفية، والمبادرات الثقافية الموجَّهة للطفل، ومسرح الطفل العماني بين بواكير النهضة وتأكيد الحضور.

وضمّت قائمة المشاركين: خلود البوسعيدي (سلطنة عُمان)، ونورة الهاشمية (سلطنة عُمان)، والدكتور محمود كحيلة (مصر)، ومحمد شمشاد عالم القاسمي (سلطنة عُمان)، ويونس بن علي بن سالم المعمري (سلطنة عُمان)، وليلى عبد الله (سلطنة عُمان)، ومحمد الغزي (تونس)، وشيخة الفجرية (سلطنة عُمان).



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.