تتناول الناقدة المصرية د. سامية حبيب، أستاذ النقد والدراما بأكاديمية الفنون، في كتابها «تحرير مسرحنا» الصادر عن دار «إضاءات» بالقاهرة، عدداً من القضايا المسرحية التي تجمع بين النظرية والرؤى والأفكار من جانب، والتطبيق العملي من خلال بعض العروض المسرحية التي تلقى عليها الضوء، من جانب آخر.
ومن تلك العروض التي توقفت عندها المؤلفة بالكثير من التأمل «سأموت في المنفى» للفنان الفلسطيني غنام غنام الذي يستعرض الهم الإنساني للفلسطينيين ببراعة، وبشكل غير تقليدي، فهو ليس فقط الممثل أو الراوي الوحيد الماثل أمامنا، بل هو كل عناصر المسرحية: الكاتب ومصمم السينوغرافيا والمطرب والمخرج، إنها روايته الشخصية عن حياته كمواطن فلسطيني.
يتداخل الهم الخاص بالهم العام، والسيرة الذاتية بالقضية الإنسانية، في هذا العرض الذي يحكي لنا عن حياة أسرة غنام وتاريخها الذي ارتبط بالوطن منذ عام النكبة 1948، علماً بأن هذا العمل عرض في عدد من الدول منذ عام 2014 مثل مصر، ثلاث مرات، والأردن وتونس وقطر والسودان والمغرب والبحرين وسلطنة عمان والكويت وألمانيا واليابان.
يتحلق المتفرجون في حجرة أو قاعة أو ساحة في شكل أقرب للدائرة، بينما يتحرك غنام المؤدي (الراوي) وسط الحلقة وحيداً لا يحمل سوى الشال القماشي الشهير بالكوفية الفلسطينية حول عنقه، ثم يستعين بمقعد مما يجلس عليه المتفرجون ليجلس هو عليه وسط الحلقة أو الدائرة.
بتلك البساطة يقدم بها المؤدي غنام روايته الذاتية كفلسطيني على نحو يحمل في طياته دلالةً فكريةً ودراميةً، فهو مؤدٍّ وحيد بين جموع من الغرباء المتفرجين، فهل يشعر الفلسطيني بأنه وحيد وسط جموع عربية لا تساعده؟ تجلس الجموع وتتفرج عليه بينما هو وبنو وطنه يصارعون المحتل من أجل استعادة وطنهم وأرضهم. يقف الراوي (المواطن الفلسطيني) وحيداً خارج وطنه نموذجاً لكل فلسطيني فهو بعيد عن أسرته التي يعيش بعضها داخل أرض فلسطين مثل ابنتيه اللتين لم يحضر عرسهما.
في المفتتح يعود الراوي (المؤدي) إلى ذكرياته مع السفر، فالمكان الأول الذي ينطلق منه الحدث هو المطار والفعل حمل حقيبة سفر، أي أن فكرة الترحال حاكمة في حياته ولكن أي ترحال؟ إنه ترحال السفر حول الوطن فلسطين، فيعود بذاكرته إلى سنوات مضت، إلى وطنه فلسطين لعرض مسرحية «عائد إلى حيفا»، ويصف تفاصيل الذهاب من عمان إلى حيفا عبر جسر يربط بين الأردن وفلسطين، فيمر بمدن رام الله وصولاً إلى جنين ونابلس. تلك أسماء مدن أصيلة في فلسطين، حيث يتعمق في وصف الطبيعة وأشجار البرتقال والزيتون.
ولوالدته «خديجة»، يعود فضل هذا التراث حيث كانت تغني موال وديع الصافي «على الله تعود بهجتنا... على الله» حنيناً للوطن ولابنها البكر فهمي الذي تغرب بالمنافي، وحمل وثائق سفر من كل البلاد إلا بلده. حولت الأم الثكلى الموال لحدوتة حزينة تنعي بها ولدها الذي عاد ليموت بينهم وقد ظنوه عاد ليعيش في مفارقة درامية تتوج كل المفارقات التي مر بها الراوي عبر حياة أسرته التي تجسد نموذجاً صغيراً لوطنه.
تعود جماليات هذا العرض الجميل للبساطة في الشكل، وعمق الفكر السياسي والطرح الإنساني، فنحن شاهدنا شكلاً متطوراً لعروض «الراوي الشعبي» الذي عرفته ثقافتنا الشعبية في الحارات والأزقة والمقاهي. راوٍ حاذق يجيد حرفته في الأداء والتمثيل والحكي، يمزج بين الجد والهزل. حين يجد مكاناً لإثارة ضحك المتفرج، لا يتوانى عن فعل ذلك، يلمز ويرمز بالنقد والتقريع لأعدائه وظالميه دون تصريح. لم يردد بيانات وإحصاءات غليظة، بل التزم بما وعد منذ بداية العرض حين قال: «سأحدثكم عن ناس عاديين لكنهم أبطال تراجيديون، شهداء لم يسقطوا في المعارك، بل قتلتهم المنافي والغربة».


