اللعب على وتر البساطة

عبلة يخوض مغامرة تشكيلية جديدة في معرضه «بساط الريح»

محمد عبلة في المعرض
محمد عبلة في المعرض
TT

اللعب على وتر البساطة

محمد عبلة في المعرض
محمد عبلة في المعرض

بروح الفن المرح يخوض الفنان محمد عبلة مغامرته التشكيلية الجديدة في معرضه «بساط الريح» الذي استضافه «غاليرى الزمالك» بالقاهرة، متخذاً من الحلم بالطيران والتحليق في الفضاء رافداً أساسياً في بناء التكوين والشكل، حيث يتواثب كمتوالية جمالية، يتنوع إيقاعها بحيوية في اللوحات. بيد أنه ليس حلماً من أحلام الطفولة الغضّة فحسب، وإنما يتجاوز ذلك ليصبح حلماً بالحرية والوجود والانعتاق من عتمة الواقع والعالم، ورحلة في الزمن تلامس برهافة أغوار النفس البشرية وما يعتمل فيها من توترات وانفعالات، كأن اللوحات مرايا تتراءى فيها صورتها الحقيقية وزمنها الهارب.

يفرِّغ عبلة رمزية البساط من صورتها النمطية القارَّةِ في مخيلة التراث الشعبي المرتبطة بقصص وحكايات الملوك والأميرات والأمراء والسلاطين، تاركاً بساطه مفتوحاً لشتى طبقات المجتمع: فقراء وبسطاء، مثقفين وأناساً عاديين، رجالاً ونساءً وأطفالاً وأُسراً، شباباً وعشاقاً ممسوسين بمراهقة الحب والمنظر... يسافرون في رحلة عبر الزمن ومعهم بعضٌ من زادهم ومفرداتٌ من أشيائهم الحميمة وحيواناتهم الأليفة، قطط وكلاب وأصص زهور وكتب أحبّوها. ويعم الجميع حالة من البهجة والسكينة والفرح بعالمهم الجديد، كأنهم تخلصوا من عبء حياة ثقيلة، أصبحت مملوءة بالعنف والكراهية، والافتقار إلى المحبة والأمان. وتشكيلياً يستغل عبلة ولعه بالمساحات الكبيرة في الرسم، بما توفره من فراغ واسع تتجلى فيه مقدرته اللافتة على تنويع التفصيلات الرمزية البسيطة، وشحنها بطاقة تعبيرية موحية، وخلق مفهوم جديد للفضاء بعيداً عن المفهوم الصوري التقليدي، تستقي منه العناصر التشكيلية حياة خاصة بها، فسطح الصورة ينبض بنسق إيقاعي لا يكفّ عن استثارة علاقات مباغتة للون والضوء والخط، مما يمنح الشكل حيوية الامتداد في الزمان والمكان، كما يبدو السطح مندغماً ومعجوناً بسلاسة في حنايا التكوين، بينما تتنوع الحركة في فضاءات وتكوينات متعددة. في هذا الزخم تصعد اللوحات برشاقة بصرية من الأسفل إلى الأعلى، بينما تسبح الأشكال في الفضاء ما بين خطَّي الأرض والأفق، تلهو وتمرح وتتأمل ذواتها في حالة من الصفاء والنشوى، تذوب فيها الفواصل والعقد الزمنية السميكة ما بين الحلم واليقظة، ما بين الواقع والخيال، والشكل والمضمون.

يشدِّد عبلة من اللعب على وتر البساطة في التعبير بوصفها مقوماً أساسياً بارزاً في كل أعماله، لكنه هنا يتخلص من سطوة الفكرة لتصبح مجرد حافز ومثير فني، يعيد اكتشافها في فضاء الرسم ببصيرة يقظة وكفؤة من منطلق معايشته شخوصه وعلاقتها العفوية التلقائية بالأشكال والعناصر التي تشكل عالمه الجديد في هذا المعرض، فهم يحبون ويعشقون، ويتنفسون هواءً جديداً، وفي حالة اكتشاف وتكشّف لحيواتهم وأحلامهم، تغمرهم هالة من السرور والدفء، حتى في لحظات الترقب والتأمل، وهي الحالة نفسها التي عاشها الفنان عبر عدد من معارضه اللافتة، ورافقته في أحلامه ومواجهته للمدينة، بليلها ونهارها، ودبيب البشر في شوارعها وأرصفتها، ومزاجهم الدافئ الحنون، وكدرهم الطيب الصاخب، وفوضاها وزحامها الذي لا يكفّ عن الضجيج. أسهم كل هذا في إبراز جماليات الصورة والحفاظ على اتزانها التلقائي على السطح، حتى يمكننا رؤيتها بانسجام في لقطات من شتى الزوايا؛ من الأمام والخلف والأجناب أيضاً، كما أن الشخوص بحركتها العفوية ومحبتها العائلية، تبدو كأنها حارس للصورة تتضافر في بلورتها، وفي الوقت نفسه تمنح الشكل مقدرة خاصة على الانفتاح بنضج وعفوية على شتى العناصر في الواقع واللوحات معاً. ويولي عبلة اهتماماً بالخلفية (أرضية اللوحة)، فتنساب في مساحات لونية صريحة (الأصفر والأزرق، والأخضر والأحمر) مشطوفة أحياناً بدرجات أقل من اللون الأساسي. كما لجأ إلى حيلة فنية بسيطة وذكية، باستخدام فقاعات الأغلفة البلاستيكية التي تُلفّ بها الأشياء، يفردها على اللون وهو طري، لتحدث دوائر وكُريّات صغيرة، يقوم بتمويهها بضربات الفرشاة، ليُكسب الأرضية ملمساً نحتياً، يعززه بعرض قطع صغيرة من تجربته في النحت، ترافق بعض اللوحات، وتتماهى معها في شكل حوار شفيف، بين مغامرتين تتصارعان من أجل مغامرة واحدة، هي مغامرة الفن، يخفف كل هذا من حدة التضادات اللونية، ويُكسب الرؤية عمقاً يتجاوز خط الأفق، وفي الوقت نفسه، يبرز البساط في سمْته الخاص، ويحقق التوازن والانسجام بين عناصر اللوحة، فلا شيء إذاً مكتفياً بذاته، بل بالقدرة على الحلم والمغامرة. فأنت أمام اللوحات تحس بأنها جزء منك، تلامس ملامحها وحركاتها وتُلقي عليها التحية متمنياً أن تكون في هذه الرحلة. هذه الطاقة الحيوية ليست بنت المصادفة المحضة، فالحلم ببساط الريح يأتي من الطفولة؛ البئر الأولى، مخزن الذكريات، وسجل اللمسات البكر للعناصر والأشياء. لا ينفصل هذا عن رحلة عبلة ومعاناته من أجل أن يكون فناناً له خياله وحلمه الخاص، ومغامرة سفره إلى أوروبا وإقامته في ألمانيا سنوات طويلة، يتأمل ويحتكّ بمدارس وتجارب رائدة لكبار الفنانين، لكنه مع ذلك ظل مشدوداً لبئره الأولى، وهو ما رواه في كتاب مهم صدر حديثاً بعنوان «مصر يا عبلة - سنوات التكوين».

لقد شكّلت هذه المغامرة دعماً لهذا الحلم، لعلّ من ثمراته المهمة التفكير بحريةٍ فيما يخص الفن والواقع معاً، وأن على الفنان أن يجدد دائماً حلمه بالواقع، ويعيشه بوصفه صيرورة مضفورة بقوة الجمال والحب.

نحن أمام صورة طفلة ابنة الحلم، يتوالى حضورها المرح، ويتقافز بمحبة في اللوحات، لا ترتدي عباءة عوالم مثالية أسطورية، وما تنتجه من أشكال غريبة، إنما ترتدي عباءة الواقع، بكل تناقضاته ومفارقاته، وتشد العين إلى ما هو أبعد فيما وراء العناصر والأشياء. يعزز ذلك ماهية البساط نفسه وطرائق تشكيله في اللوحات، فهو ليس بساطاً سحرياً عجائبياً، أو سفينة فضائية، هو ابن الألفة في بساطتها الحياتية الواقعية، وتراث الوجدان الشعبي الخصب الثري... بساط عبلة، مجرد «كليم» بسيط، يُصنع من قصاصات القماش أو لفائف الصوف ويُستخدم مفرشاً للأرض في البيوت، ويتميز بألوان طبيعية ناصعة، ولا يزال المصنوع منه يدويّاً هو الأجود الذي يتمتع بالأصالة، كما يعلَّق كلوحات فنية تزيّن الجدران.

بمحبة هذا التراث يرسم عبلة بساطه بألوان زيتية صريحة وزاهية، تتقلب ما بين الأحمر والأخضر والأرجواني والأزرق، والأبيض المشرب بمسحة رمادية خفيفة، تقطعها خطوط بارزة، طولية وعرضية تمتد إلى الحواف، وأحياناً موشّاة ببعض الموتيفات الزخرفية. لا تدعم هذه المفردات جماليات الصورة فحسب، وإنما تُكسب الشكل امتداداً كلياً في اللوحات، يترك تأثيراً قوياً على العين، له رنين النغمات الموسيقية الخاطفة، لنصبح أمام حالة مزاجية، ابنة علاقة حية ما بين الداخل والخارج، يشكل الرسم بؤرتها الأساسية ويتحول إلى طقس يظلل فضاء هذه الرحلة المغوية. ومن ثم، يتكثف الإحساس بالمرح في المعرض، ففي إحدى اللوحات يجمع البساط بين زوج وزوجة وطفلهما في ونسة عائلية، يتحول على إيقاعها إلى ما يشبه منصة مسرح، ففي الأسفل يتراءى الواقع في كتل بشرية متراصة ومشتتة، تتأمل البساط من فوقها في مشهد فرجة بامتياز، هو بمثابة دراما موازية لوجودٍ أصبح شبحياً، أو سقْط متاعٍ لحياة انطفأ بريقها. وفي بعض اللوحات يلعب عبلة على رمزية البالون مشيعاً حالةً من المرح تبدو كأنها مباراة أو سباق في التنزّه والسباحة الحرة الراقصة في الهواء: امرأة تحمل طفلها على يدها وفي اليد الأخرى يحلِّق عنقود من البالونات، خلفها فتاة ممسكة بعنقود آخر، وعلى مقربة شاب يحلّق بحقيبته المعلقة في كتفه، وخلفه آخر يود اللحاق به، و آخران يتمايل جسداهما كأنهما يتهيآن للدخول في بهجة سباق المرح، وعلى مقربة منهم يراقب المشهد فتى وفتاة يبدوان في حالة من الدهشة والذهول.

يتنوع هذا المشهد في عدد من اللوحات، بزوايا ورؤى فنية مباغتة، وتوحي لطشات الفرشاة المتموجة الخاطفة، ونثارات الزُّرقة المشعَّة بألوانها المتدرجة في الثقل والخفة، بإيقاع الدوامة كلعبة من ألاعيب الحياة، بينما تؤكد السباحة في الفضاء قدرة الجسد على التحرر من الجاذبية الأرضية وكسر تراتبها الصارم. يبتكر عبلة مسارات مفاجئة لمفردات عالمه، تطل وتومض في اللوحات مثل نوافذ ضوء تضيف حيواتٍ وأدواراً جديدة لها على شتى المستويات الفكرية والجمالية والإنسانية، فلا بأس أن يتقمص البساط دور الدليل والمرشد السياحي لركابه، فيأخذهم في إطلالة حانية على تراث الأجداد بعراقته وأصالته: الأهرامات، والقلعة، والنيل، ومآذن الجوامع العتيقة، وما يتناثر في الصحراء من ألواح ومقابر فرعونية ساحرة الجمال، كأنه يروي لهم قصصها الشيقة، ليس فقط بوصفها أحد كنوز المدينة الخالدة، إنما بصفتها كنوز الحضارة والتاريخ.

ويبلغ المرح بالفن ذروته بمجسم للبساط، صنعه عبلة وأفردَ له حجرةَ صغيرة في المعرض علَّق في وسطها البساط المجسم، بنسيجه من الخطوط والألوان الزاهية للكليم في صورته الشعبية، تعلوها على أحد حوائط الحجرة لوحة صغيرة للبساط، وهو يشق عباب الفضاء محلِّقاً بفتى وفتاة.

خلقت هذه الموازاة الفنية بين البساط في صورته المحلِّقة في الأعلى والأخرى المثبتة على الأرض، حالة شيقة ومثيرة من التجاور بين كينونتين، هما في الأصل كيان واحد. والمدهش أنها أثارت خيال زوار المعرض، وأغرت معظمهم بركوب البساط والحرص على التقاط صور تذكارية، وهم يمارسون حيواتهم فوق ظهره، يمرحون ويغنون، ويعزفون الموسيقى، كأنهم يُحلقون في الفضاء... اتسعت هذه المتعة بغواية كتابة تعليقات على جدران الحجرة البيضاء بأقلام الفلوماستر، والتي تحولت إلى جدارية سردية، يمكن تسميتها «دفتر البساط»، تنوعت ككتلة من المشاعر والأحاسيس بانطباعات خاطفة شديدة المرح، ما بين القفشة والمزاح، وخفة الدم، والرسم أيضاً. فهكذا، حقق محمد عبلة في هذا المعرض متعة أن يصبح الفن أنشودة للبساطة والعمق، يمشي في الحياة، ويشد أحلام البشر وأشواقهم إلى الأعلى والأسمى والأنقى، بعيداً عن غبار الواقع وتناقضاته التي تعيد تكرار نفسها بمزيد من الملل والرتابة.


مقالات ذات صلة

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

يوميات الشرق عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

تتعدد رهانات الفنان التشكيلي المصري مجدي عثمان في معرضه الأحدث «مراحل».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «الأبد هو الآن» يقام في منطقة الأهرامات (بوستر الدورة السادسة)

مصر: «الأبد هو الآن» يراجع مواقف فنان فرنسي متهم بدعم إسرائيل

شهدت أزمة النسخة السادسة من معرض الفن التشكيلي «الأبد هو الآن»، المقرر إقامته في منطقة أهرامات الجيزة في المدة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) تطورات متلاحقة.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه، وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توّجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

عبير مشخص (لندن)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.