2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

فعاليات متنوعة وبرامج وجوائز ثقافية مستحدثة

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
TT

2024... عام «تمكين» الثقافة السعودية

برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة
برعاية ولي العهد السعودي.. وزير الثقافة يُتوّج الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة

شهدت السعودية في عام 2024 مجموعة من الفعاليات الثقافية البارزة التي ساهمت في تعزيز المشهد الثقافي والإبداعي، وساهمت في تعزيز التبادل الثقافي والفني بين دول المنطقة، ويمكن أن يطلق على عام 2024 عام تمكين الثقافة السعودية... عبر تعميق حضورها في الحياة العامة في المملكة، مما يعكس التزاماً بتطوير المشهد الثقافي والإبداعي.

الاستدامة في الثقافة

يرصد تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2023»، الذي صدر في نسخته الخامسة بداية سبتمبر (أيلول) 2024، تحت عنوان «الاستدامة في القطاع الثقافي»، الحراك الثقافي السعودي خلال العام المنصرم، مع حصر أهم وأبرز تطوراته، ومنجزاته، والتحديات التي تواجهه.

ويأتي تقرير الحالة الثقافية بوصفه منتجاً معرفياً تقدمه وزارة الثقافة للمهتمين برصد الحراك الثقافي المحلي داخل وخارج المملكة، ليمنحهم قراءةً منهجية للحالة الثقافية تُبيّن التحديات، وترصد المنجزات وفق هيكلةٍ موضوعية تعكس أبعاد الواقع الثقافي بقطاعاته المختلفة، وتعالج الثقافة بعدِّها بنية واحدة لا تتجزأ، وذلك لخلق نقطةِ أساسٍ معرفية يجري تحديثها بشكلٍ دوري، وتستند إلى أبحاث ودراسات معتمدة.

ويتضمن التقرير الذي صدر عن وزارة الثقافة السعودية، ستة فصول هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والاستدامة في القطاع الثقافي.

ويُشير مفهوم الاستدامة في القطاع الثقافي إلى الجهود المبذولة من قِبل مختلف الفاعلين لحماية وصَون التراث الثقافي والطبيعي من أخطار التلف والتدهور والاندثار، والعمل على تعزيز الجدوى الاقتصادية للأنشطة والمهن ذاتِ الصلة بالثقافة والتراث، وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية لمختلف فئات المجتمع.

ويتناول التقريرُ تقييم واقع الإدارة المستدامة للتراث الثقافي، وخدمة اللغة العربية، إضافةً إلى كفاءة البنية التحتية، وتطوّرات الأُطر التنظيمية والدعم في فصل «الإدارة والصون». أما الفصل الثاني «الإبداع والإنتاج الثقافي» فيقيس مستويات الإنتاج الثقافي سواءً في النشر أو الإنتاج السمعي والبصري أو الفنون والتصاميم والمسرح وفنون الأداء، إلى جانب رصد الجوائز التي حازها المبدعون محلياً ودولياً.

وأُفرد الفصل الثالث لـ«المعارف والمهارات»، متناولاً تطوُّراتِ ومؤشرات التعليم والتدريب في المجالات الثقافية نظراً للأهمية البالغة للتعليم الثقافي، ويُقدّم الفصلُ الرابع «المشاركة الثقافية» صورةً متعددة الأبعاد لمستويات المشاركة، ومدى قدرة القطاع الثقافي على الوصول إلى أطياف المجتمع المتنوعة، ولا يقتصر على سلوك المشاركة الفردية، وإنما يتلمّس مدى حيوية الانخراط الاجتماعي في القطاع عبر تناول الأنشطة غير الربحية فيه، وخُصِّص خامس فصول التقرير لـ«الاقتصاد الإبداعي»، مستعرضاً ومُحلِّلاً المؤشرات الاقتصادية للقطاع من إحصائيات العمل إلى الأعمال، والسياحة، والإنفاق، والطلب.

مهرجان بين ثقافتين يجمع الثقافة السعودية والعراقية في الرياض

* من «عام الإبل » إلى عام «الحِرف اليدوية »

أطلقت وزارة الثقافة السعودية على عام 2024 عام الإبل، وجاءت هذه التسمية «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثلها الإبل في حياة أبناء الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ وإلى اليوم؛ إذ كانت هي الوسيلة لاجتياز المسافات وقطع القفار وتخطي وحشة الطريق، وبها استُفتحت القصائد، واختُتمت الحكايات، وتشكلت الصور الشاعرية، وضُربت الأمثال في رفقتها الطويلة للإنسان ووفائها الشديد له. وصولاً إلى وقتنا الراهن الذي تبرز فيه الإبل بوصفها شاهداً حياً على الأصالة، وعنصراً ثقافياً أساسياً من عناصر الهوية السعودية».

وخلال هذا العام أقيمت العديد من الفعاليات بهذه المناسبة، اختتمت بمهرجان الإبل خلال الفترة من 26 إلى 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي في الرياض، الذي سيتزامن مع ختام مبادرة عام الإبل 2024، الذي شهد عرضاً لأبرز إنجازات العام الثقافي.

وبعد موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2025 «عام الحِرف اليدوية»؛ قال وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، إن هذه المبادرة تهدف «للاحتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثّلها الحِرف اليدوية في الثقافة السعودية منذ سنواتٍ طويلةٍ، وليعكس الإبداعات التي تميّزها من صناعةٍ إبداعية، ومشغولاتٍ يدوية فريدة من نوعها، وإظهار إبداعات الحِرفيين السعوديين لدى المجتمع الدولي».

مشيراً إلى أن مبادرة «عام الحِرف اليدوية» تُمثّلُ مظلة جامعة لكل مظاهر الاحتفاء بهذا المُكوّن الرئيسي بعدّه قيمةً ثقافيةً وفنيةً بالغة الأهمية، وركيزةً من ركائز الهوية الوطنية الأصيلة.

وأضاف: «تعكس الحِرف اليدوية السعودية إبداعات المجتمع السعودي من نسيجٍ، ومشغولاتٍ يدويةٍ، وإبداعاتٍ فنيةٍ، توارثوها جيلاً بعد جيل، ومن بينها صناعة الفخار من الطين، والأزياء، والأواني الفخارية، والخرازة، والنحاسة، والخياطة، والصباغة، والحدادة، وصياغة الذهب والمجوهرات، وخلافها من الإبداعات اليدوية التي أبدعها الإنسان السعودي».

وستعمل وزارة الثقافة من خلال «عام الحِرف اليدوية» على تعزيز حضور الحِرف اليدوية السعودية محلياً ودولياً، وتمكين الحِرفيين والحِرفيات السعوديين من إبراز إبداعاتهم في الأحداث والفعاليات داخلياً وخارجياً، وزيادة مستوى مساهمتها في الاقتصاد المحلي، وذلك عبر أنشطة وفعاليات تتولاها الوزارة مع شركائها الفاعلين للاحتفاء بهذا العنصر الثقافي المميز، والاعتزاز به؛ لتُحيي حضورها بعدّها عُنصراً ثقافياً يُمثّل الهوية السعودية، ويعكس قيمتها الأصيلة، والتعريف بقيمتها الثقافية، والتاريخية، والحضارية، والاقتصادية.

الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة السعودي خلال زيارته مركز الدرعية لفنون المستقبل

المتنبي يطلّ على الرياض

قبل أيام من نهاية العام 2024، حلّت الثقافة العراقية ضيفاً على الجمهور السعودي ضمن فعالية «بين ثقافتين» التي اقامتها وزارة الثقافة السعودية في الرياض وجمعت نخبة من الأدباء والفنانين من كلا البلدين.

أحيت الفعالية التراث الأدبي والفلكلور العراقي، ضمن حي بغدادي افتراضي جمع شارع المتنبي المعروف في بغداد ومقهى «الشابندر»، حيث تمّ تقديم محتوى ثقافي متنوع يحتفي بالثقافة العراقية، وبالروابط التاريخية والثقافية المشتركة بين السعودية والعراق في رحلة ثريّة تمزج بين التجارب الحسيّة، والبصريّة، والسمعية في أجواءٍ غامرة تدفع الزائر إلى التفاعل والاستمتاع بثقافتي البلدين.

ضمت الاحتفالية أربعة أقسام، تشمل المعرض الفني ويضم أكثر من 100 عمل فني لكبار الفنانين السعوديين والعراقيين، ويعكس التشابه الثقافي العميق بين المملكة والعراق، ويسلّط الضوء على محطات تاريخية بارزة مستندة إلى أبحاث موثوقة، تشمل مختلف القطاعات الثقافية مما يعكس تنوعاً ثقافياً أنيقاً، وإبداعاً متقناً في فضاءٍ مُنسجم.

القسم الثاني: «المضيف» الذي يحتوي بداخله مسار «حوار بين حضارتين»، ويُجسّد تاريخ الدولتين السعودية والعراقية، ومدى تأصل العلاقات المترابطة على مر العصور، ويؤكّد الترابط الثقافي بينهما.

أما شارع المتنبي، الذي يتيح الاستماع إلى قصائد المتنبي، فيجسد القيمة الثقافية التي يُمثلها الشاعر أبو الطيب المتنبي في العاصمة العراقية بغداد، حيث يُعدُّ الشارع من أبرز المعالم الثقافية في المعرض؛ ليعكس الأجواء الأدبية والثقافية الأصيلة عبر متاجر مليئة بالكتب، إلى جانب الندوات التي تناقش موضوعات ثقافية وفكرية متعلقة بتاريخ البلدين، وتستكمل تجربة الزائر بعزفٍ موسيقيٍ؛ ليربط كل عنصر فيها الزائر بتاريخ ثقافي عريق.

وفي القسم الثالث: «مقام النغم والأصالة» استضاف المسرح حفلات موسيقيةٍ كلاسيكيةٍ راقية تُناسب أجواء الحدث، وسط مشاركة لأبرز الفنانين السعوديين والعراقيين.

وجاء القسم الرابع: «درب الوصل» ليستعرض مجالات منوعة في الثقافة السعودية والعراقية تثري تجربة الزائر، وتُعرفه بمقومات الثقافتين، مع عروض تراثية وأنشطة الفنون، والحِرف اليدوية، ورواية القصص بطريقةٍ تفاعلية مما يُرسّخ التعلّم والمرح. كما تقدم في منطقة المطاعم تجربة فريدة تجمع بين النكهات السعودية والعراقية؛ لتعكس الموروث الثقافي والمذاق الأصيل للبلدين.

يمتدّ مهرجان «بين ثقافتين» حتى يوم 31 من شهر ديسمبر الحالي ليعزز من أواصر التعاون بين السعودية والعراق، وليوفر فرصة للجمهور لاستكشاف عمق العلاقة بين البلدين وتبادل الثقافات والفنون المشتركة.

شارك في المعرض السعودي الدولي للحِرف اليدوية (بَنان) أكثر من 500 حرفي وحرفية من المملكة كما مع مشاركة 25 دولة حول العالم

موسيقى وشعر ولغة

شهدت الرياض من 11 إلى 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، أسبوع الرياض الموسيقي بهدف تطوير القطاع الموسيقي في المملكة وتعزيز مكانتها على الساحة الموسيقية العالمية. تضمن الحدث فعاليات متنوعة مثل هاكاثون موسيقي عالمي، وفعالية «لحن المملكة» التي احتفت بالموسيقى الوطنية السعودية، وفعالية «الغناء بالفصحى» لإعادة إحياء الأغاني العربية الفصيحة بأسلوب معاصر.

وفي يومي 7 و8 نوفمبر أقيم مهرجان الغناء بالفصحى الذي ركز على جماليات اللغة العربية الفصحى من خلال حضور مجموعة من أشهر نجوم الغناء في العالم العربي، بالإضافة إلى أنشطة ثقافية وموسيقية تهدف إلى تنمية واكتشاف المواهب في المملكة.

من ناحية أخرى، أقيمت الدورة الثالثة عشرة من «ملتقى الشعر الخليجي» في محافظة الطائف السعودية، بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. شهد الملتقى مشاركة واسعة من الشعراء والنقاد والمختصين من دول مجلس التعاون، وتضمن أمسيات شعرية وندوات فكرية ناقشت قضايا الشعر العربي المعاصر. وخلال الفترة من 18 إلى 19 سبتمبر 2024 نظمّت وزارة الثقافة بالتعاون مع مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية هاكاثون «تعلُّم واحتضان اللغة العربية» في بينالي الدرعية، الذي تجمّع من خلاله المبدعون والمبتكرون في فرقٍ متعددة، لابتكار منتجاتٍ تُعزز من تعلُّم اللغة العربية عبر أساليبَ مبتكرةٍ تمزج بين الثقافة والإبداع، للمساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية.

الجوائز الثقافية الوطنية

شهدت الدورة الرابعة من مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية»، التي أقيمت في 10 سبتمبر في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، استحداث جائزتين للجوائز الثقافية الوطنية، هما: جائزة «الإعلام الثقافي» وجائزة «الحِرف اليدوية»، وذلك ضمن مساعي وزارة الثقافة لفتح منافذ جديدة للإبداع والتعبير الثقافي، ولِتكون مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» مظلة داعمة للإبداع. وتمّ هذا العام تكريم الفائزين بالجوائز الثقافية الوطنية للدورة الرابعة في جميع مساراتها، حيث حصل على جائزة «شخصية العام الثقافية» الدكتور سعد الصويان نظير إسهاماته العلمية والأدبية والثقافية الكبيرة التي قدّمها على مدى سنواتٍ طويلةٍ في الميدان الثقافي.

أما جائزة «الثقافة للشباب» فقد فازت بها الكاتبة والفنانة ضياء يوسف نظير جهودها في دعم الثقافة والمواهب الشابة، فيما ذهبت جائزة سيدات ورجال الأعمال الداعمين للنشاط الثقافي إلى بدر بن محمد البواردي نجل رجل الأعمال الراحل المهندس محمد بن سعد البواردي وذلك نظير جهود عائلة البواردي في الحفاظ على التراث الثقافي، في حين ذهبت جائزة «التميّز الثقافي الدولي» لمؤسسة جبل الفيروز نظير إسهاماتها في حماية التراث الثقافي الدولي ودعم الحرفيين، وعلى مستوى جائزة «المؤسسات الثقافية» فقد ذهبت الجائزة في مسار القطاع الخاص إلى مجموعة إم بي سي (MBC)، وفي مسار «القطاع غير الربحي» ذهبت الجائزة إلى مؤسسة الملك فيصل الخيرية.

وشهد الحفل تكريم الفائزين في بقية مسارات الجوائز الثقافية الوطنية بمختلف القطاعات الثقافية، حيث فاز بجائزة التراث الوطني الدكتور عبد الله الشارخ، وفي جائزة الأدب فاز القاصّ والروائي أسامة المسلم، فيما ذهبت جائزة النشر إلى «دار تربية قيادية» المتخصصة في النشر للأطفال، أما جائزة الترجمة فذهبت للدكتور المُترجم وليد العمري، وذهبت جائزة الأفلام للمخرج السينمائي توفيق الزايدي، وجائزة الموسيقى للفنان عبادي الجوهر، وفاز بجائزة العمارة والتصميم المعماري الدكتور خالد عزام، وفاز بجائزة المسرح والفنون الأدائية الفنان محمد الطويان، وذهبت جائزة فنون الطهي للباحث الدكتور محمد المنصوري، وجائزة الفنون البصرية للفنان طه الصبان، أما جائزة الأزياء فحصلت عليها الدكتورة ليلى البسام.

«مواطن الشعراء»

من المشاريع المهمة، ما أعلنته وزارة الثقافة في 24 مارس (آذار) 2024 بإطلاق مشروع التوثيق المكاني للمواقع السعودية التي عاش فيها الشعراء العرب وارتبطوا بها عبر التاريخ، حيث سيعمل المشروع على توثيق هذه المواقع في مختلف مناطق المملكة، وتسهيل الوصول لها عبر تركيب لوائحَ إرشاديةٍ وتعريفيةٍ تربط بين هذه المواقع التراثية وشعراء عصر ما قبل الإسلام بملاحِمهم وقصائدهم ومُعلّقاتِهم الشهيرة في تاريخ الثقافة العربية.

واشتملت خريطة المشروع على مواقع تنتشر على امتداد المملكة، ففي الرياض وثّق المشروع عدة مواقع تعود إلى شعراء شهيرين وُلدوا وعاشوا في مواقعها التاريخية، من بينهم الشاعرة ليلى الأخيلية، ومجنون ليلى، وامرؤ القيس، ولبيد بن ربيعة، فيما وثّق المشروع عدة مواقع في القصيم عاش فيها أو مرّ بها شعراء مثل برج الشنانة بمدينة الرس الذي ارتبط بالشاعر زهير بن أبي سلمى.

ويمتد نطاق المشروع ليشمل عدداً من مدن ومناطق المملكة مثل الباحة، والأحساء، والطائف، وحائل، والمدينة المنورة، وعسير، ونجران، ووثّق فيها المشروع المسار الذي عبر فيه ومن خلاله أشهر الشعراء العرب على مرّ التاريخ، مثل الشاعر الشنفرى الذي نشأ في قرية سلامان، والشاعر الصلتان العبدي الذي عاش في جبل البريقة، والشاعر طَرَفة بن العبد في جبل القارة، والشاعر علي بن المقرب العيوني في منتزه العيون. إضافة إلى الشاعر النابغة الذيباني وارتباطه بسوق عكاظ، ومنازل حاتم الطائي بحائل، والشاعر حسان بن ثابت في ساحة معركة أحد، والشاعرة الخنساء في المدينة المنورة، والشاعر عبد يغوث الحارثي الذي عاش في موقعٍ يضم حالياً منتزه الأمير جلوي بن عبد العزيز في نجران، والشاعر ابن الدمينة الذي كان موطنه في مدينة العبلاء التاريخية بعسير.

أول منصة ميتافيرس ثقافية عالمياً

وفي 23 فبراير (شباط) 2024 أطلقت وزارة الثقافة أول مبادرة وطنية في عالم «الميتافيرس» مدعومة بنظام الذكاء الاصطناعي لذكاء الوسائط التوليدي (GMI)، حيث تُقدم المنصة مزيجًا غير مسبوق من العروض الثقافية والابتكار الرقمي المدعوم من تقنية GMI. وتستضيف بيئة رقمية ديناميكية تسمح للمستخدمين بتجربة العديد من الأنشطة والمعالم السياحية من احتفالات يوم التأسيس «في الحياة الواقعية». ويشمل ذلك مناطق الجذب الثقافية الجذابة مثل مسيرة التاريخ، والقطاعات المخصصة للموسيقى، والفن، والتاريخ، وفنون الطهي، والحرف اليدوية بالإضافة إلى ألعاب الفيديو المصغرة. ويقوم مركز الأداء أيضاً ببث مباشر للأحداث بما في ذلك حفل سيمفونية البداية ليوم التأسيس على منصة الميتافيرس للوزارة.

وتُمكن هذه التجربة الملايين من المملكة، ومن جميع أنحاء العالم، من تجربة الأحداث السعودية في ميتافيرس، مما يمثل لحظة تحول في المشاركة الثقافية. وتُمثل هذه المبادرة قفزة كبيرة في مستقبل التعبير الثقافي والمشاركة.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.