بيير بايل... مثقف بروتستانتي في فرنسا الكاثوليكية

أمضى حياته كلها في مكافحة التعصب الديني وتحليله وتفكيكه

 بيير بايل
بيير بايل
TT

بيير بايل... مثقف بروتستانتي في فرنسا الكاثوليكية

 بيير بايل
بيير بايل

أكبر خطيئة نرتكبها نحن المثقفين العرب هي إقامة المقارنة بين مجتمعاتنا العربية الإسلامية الحالية ومجتمعات الغرب المتطورة التي تجاوزت كلياً مشكلة الأصولية الدينية الطائفية. هذا ما يدعوه المؤرخون بالمغالطة التاريخية. ينبغي أن نقارن ما تمكن مقارنته، لا ما تستحيل مقارنته. بمعنى آخر، وبالعربي الفصيح، ينبغي أن نقارن أوضاعنا الحالية بأوضاعهم قبل 300 سنة حتى 400 سنة عندما كانوا لا يزالون يتخبطون في صراعاتهم الطائفية والمذهبية... عندئذ تصبح المقارنة ممكنة ومشروعة. ففي القرن السادس عشر أو السابع عشر، كانوا يعانون مما نعاني منه نحن حالياً؛ أي الحروب الطائفية والأحقاد المذهبية والذبح على الهوية. وأكبر دليل على ذلك سيرة حياة المفكر الفرنسي البروتستانتي بيير بايل الذي عاش في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر (1647 - 1706). في ذلك الوقت كانت فرنسا كاثوليكية في غالبيتها الكبرى. ولكنها كانت تحتوي على أقلية بروتستانتية لا يستهان بها وتحاذي 20 بالمائة. وقد شاء له الحظ العاثر أن يولد في أحضان الأقلية لا الأكثرية. ولذلك هرب من الاضطهاد الطائفي من بلد إلى بلد حتى استقرت به الأمور في بلاد بروتستانتية مثله، هي هولندا. لقد عانى هذا المفكر الكبير من التعصب الديني إلى درجة أنه أمضى حياته كلها في مكافحته وتحليله وتفكيكه بغية الخلاص منه. فمن هو بيير بايل يا ترى؟ إنه الرائد الأول الذي سبق فلاسفة التنوير الكبار وأرهص بهم. فقد جاء قبلهم بقرن من الزمن. لقد مات عام 1706 في حين أن فولتير ولد عام 1694، أي قبل 10 سنوات من وفاته أو أكثر قليلاً. ومعلوم أنه كان يحبه كثيراً ويستشهد به كمرجعية فكرية كبرى بالنسبة له. ولكن الشهرة ذهبت لفولتير، لا إلى بيير بايل. فمن يعرف اسم بيير بايل في العالم العربي؟ لا أحد تقريباً. لقد كان بيير بايل مع الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أحد المفكرين الكبار الذين ساهموا في انبثاق فكرة التسامح الديني وتجاوز الطائفية والمذهبية في أوروبا. وكان ذلك إبان احتدام الصراعات المذهبية بين البروتستانتيين والكاثوليكيين. وكان أول منظر يدعو إلى التسامح مع الجميع، بل كان يدعو إلى التسامح مع غير المتدينين، أي الأشخاص الذين لا يلتزمون بالطقوس والشعائر المسيحية. وبالتالي، فقد كان سابقاً عصره كثيراً. ومعلوم أن الرواد يجيئون قبل الأوان لكي يشقوا للآخرين الطريق. ولكنهم يعانون كثيراً بسبب ذلك ويدفعون الثمن غالياً.

كان بيير بايل ينتمي إلى الأقلية البروتستانتية الفرنسية. بل كان أبوه رجل دين، أي قساً بروتستانتياً. ولكن بايل الشاب غيّر مذهبه عام 1669 عندما أصبح طالباً في المعهد اليسوعي الكاثوليكي بمدينة تولوز. وذلك لكي يلتحم بالأغلبية الكاثوليكية وينجو من الاضطهاد والاحتقار الطائفي الذي تمارسه عادة الأغلبية على الأقلية. ثم اكتشف بعدئذ أنه أخطأ، لأن المذهب البروتستانتي كان أكثر تقدمية واستنارة من المذهب الكاثوليكي آنذاك. فعاد إلى مذهبه الأصلي بعد 18 شهراً فقط من اعتناقه للكاثوليكية البابوية. وهكذا خاطر بنفسه، لأن الملك لويس الرابع عشر كان يرفض أي ارتداد عن الكاثوليكية التي تشكل المذهب الرسمي للبلاد. وبالتالي، فقد أصبح الرجل مرتداً لأنه عاد إلى حضن «الهرطقة والزندقة» من جديد. وويلٌ لمن يفعل ذلك في فرنسا الكاثوليكية. سوف يباح دمه مباشرة.

ينبغي العلم أن صاحب المذهب البروتستانتي كان يعدّ زنديقاً مهرطقاً في ذلك الزمان، على الرغم من إيمانه بالمسيح والإنجيل كالكاثوليك. ولكن كانت هناك بعض الخلافات اللاهوتية التفصيلية الهامة مع الكاثوليك. علاوة على ذلك، فقد كان تفسيره للدين المسيحي أكثر عقلانية واستنارة، كما ذكرنا. ولذلك كانوا يكفرونه ويكفرون أتباعه ويحلّون دمهم. وقد عانوا من المجازر ما عانوه، ثم اضطروا إلى الفرار بمئات الألوف إلى الدول البروتستانتية المجاورة كإنجلترا وألمانيا وهولندا... ينبغي العلم أن جميع ملوك فرنسا كانوا يعتلون العرش، ويتم تنصيبهم الرسمي والشرعي في كاتدرائية مدينة «رانس» الشهيرة، التي طالما مررت أمامها وتأملت بمعانيها وشموخها، عندما كنت أقيم في تلك المدينة الصغيرة الوديعة التي تبعد عن باريس مسافة 45 دقيقة بالقطار. كانوا جميعاً يحلفون القسم التالي أمام الجمهور الكبير المحتشد داخل الكاتدرائية: «أقسم بالله العظيم سوف أستأصل الأقلية البروتستانتية المهرطقة الكافرة عن بكرة أبيها. سوف أنظف أرض المملكة الفرنسية الكاثوليكية الطاهرة من رجسهم وضلالهم». بهذا المعنى. كان آخر من أقسم هذا اليمين هو لويس السادس عشر، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية عام 1789. وعندئذ أخذ البروتستانتيون حقوقهم كمواطنين لأول مرة في التاريخ الفرنسي. عندئذ نصّ الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن على ما يلي: ممنوع بعد اليوم منعاً باتاً أي تمييز بين إنسان وآخر على أساس طائفي. ممنوع إقلاق أي شخص أو إرعابه بسبب انتماءاته الدينية أو المذهبية. ممنوع تعييره واحتقاره لأنه لم يولد كاثوليكياً. الجميع أصبحوا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بمن فيهم البروتستانتيون، حتى اليهود. هذا ربيع حقيقي، هذا ربيع أنواري وتنويري. هذه ثورات حقيقية تقذف بك إلى الأمام، لا كذلك الربيع العربي القرضاوي التكفيري، الذي أوشك أن يعيدنا قروناً إلى الوراء.

لكن لنعد إلى بيير بايل وقصته. بعد أن تراجع عن المذهب الكاثوليكي وعاد إلى مذهبه الأصلي البروتستانتي عرف أنه أصبح مهدداً بالقتل فهرب إلى هولندا البروتستانتية مثله، واستقر في مدينة روتردام. وهناك وجد وظيفة كمدرس لمادتي الفلسفة والتاريخ. وراح ينشر مجلة أيضاً تحت عنوان «أخبار جمهورية الآداب». ومعلوم أن هولندا كانت في ذلك الزمان أكثر بلدان أوروبا تسامحاً وحرية، بالإضافة إلى إنجلترا. وإليها كان يلجأ الفلاسفة لكي يعبروا عن أفكارهم وينشروا كتبهم، كما فعل ديكارت مثلاً. نقول ذلك على الرغم من أنه كان كاثوليكياً ينتمي إلى مذهب الأغلبية، ولا يعاني في فرنسا من الاضطهاد الطائفي الذي أصاب بيير بايل وبقية أبناء الأقليات. ولكن ما كان يستطيع أن يتنفس بحرية ويبلور فلسفته الجديدة داخل جدران المملكة الفرنسية الكاثوليكية البابوية، التي كانت ظلامية متزمتة جداً في ذلك الزمان.

إن تجربة بيير بايل الشخصية في تغيير مذهبه واعتناق المذهب المعادي ثم العودة إلى مذهبه من جديد برهنت له على عبثية الإكراه في الدين. فالإنسان يعتقد أن دينه أو مذهبه هو وحده الصحيح، ولكنه لو ولد في الدين الآخر أو المذهب الآخر لاعتقد ذات الشيء أيضاً. المسيحي لو ولد في الهند لكان بوذياً أو هندوسياً براهمانياً، ولو ولد في الصين لكان كونفشيوساً... إلخ. ولهذا السبب عدّ بيير بايل أن الأمور نسبية وراح يتبنى مبدأ التعددية وحرية الضمير فيما يخص المعتقد الديني.

لقد ألف بيير بايل عدة كتب، شهرته وجعلته مقروءاً بكثرة طيلة القرن الثامن عشر، أي عصر التنوير الكبير. فقد راح فلاسفة التنوير من أمثال فولتير وديدرو وجان جاك روسو والموسوعيين يستشهدون بها لدعم مواقفهم المضادة للتعصب الديني والأصولية الكاثوليكية البابوية. نذكر من بين مؤلفاته كتاباً بعنوان «ما معنى فرنسا الكاثوليكية المتعصبة في عهد لويس الكبير؟» أي لويس الرابع عشر أعظم ملوك فرنسا وباني قصر فرساي الشهير. وفي هذا الكتاب يشنّ بيير بايل حملة شعواء على هذا الملك الجبار، الذي حاول استئصال البروتستانتيين عن بكرة أبيهم... كما انتقد بعنف التعصب المذهبي الذي كان سائداً في فرنسا آنذاك. وصبّ جام غضبه على الإخوان المسيحيين الكاثوليكيين الذين كانوا يكفرون الآخرين في كل أرجاء المملكة الفرنسية التوتاليتارية الإرهابية، التي تجبر الناس كلهم على اعتناق مذهب واحد غصباً عنهم. ثم نشر كتاباً آخر بعنوان «مرافعة من أجل الدفاع عن حقوق الضمير التائه» أي الضمير الحرّ في الواقع... إلخ. ولا ننسى كتابه الأكبر والأهم «القاموس التاريخي والنقدي» الذي فكّك فيه كل العصبيات الطائفية والفتاوى التكفيرية بشكل فلسفي دقيق ومقنع. وقد مارس هذا الكتاب الضخم تأثيراً كبيراً على جميع فلاسفة الأنوار اللاحقين.

كل هذه الكتب أزعجت الملك الكاثوليكي والسلطات الكنسية أيما إزعاج. فانتقموا منه عن طريق قتل أخيه «يعقوب بايل» في السجن، لأنهم كانوا عاجزين عن الوصول إليه هو شخصياً بسبب التجائه إلى المنفى الهولندي البعيد الخارج عن إرادتهم. والواقع أنهم عرضوا على أخيه اعتناق المذهب الكاثوليكي في آخر لحظة قبل تصفيته لكي ينجو بجلده، ولكنه رفض وعندئذ قتلوه. كانت الحزازات المذهبية على أشدّها آنذاك في فرنسا. ولكنها اختفت الآن نهائياً، ولم يعد لها أي وجود. وكل ذلك تم بفضل جهود الأنوار وفلاسفة الأنوار، وعلى رأسهم بيير بايل الذي سيستلم فولتير الشعلة منه، ويشنّ حرباً ضارية على الأصولية الكاثوليكية والتعصب الطائفي الأعمى كما هو معلوم.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».