محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

أصدر كتاباً يوثِّق فيه سيرته التشكيلية وسنوات التكوين

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة
TT

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

يكشف الفنان التشكيلي محمد عبلة في كتابه «مصر يا عبلة – سنوات التكوين» عن خريطة متعددة الأبعاد والملامح للواقع المصري في فترة حرجة من السبعينات شهدت كثيراً من التحولات المفاجئة على شتى المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، من أبرزها توغل الجماعات الإسلامية المتطرفة في نسيج الحياة، ملقيةً بظلالها الكئيبة على المعنى والقيمة للفن والجمال ودورهما في بناء المجتمع.

ورغم أن الكتاب الصادر عن «دار الشروق» بالقاهرة معنيٌّ بالسيرة الذاتية للفنان، فإنه بالتوازي معها، وعلى هامشها يحفر سيرة خاصة للحياة والتشبث بإرادة الأمل في مواجهة الصعاب الجمَّة التي واجهها من أجل بلورة حلمه وتحقيقه بصورة فنية راقية على أرض الواقع.

تشكل الطفولة المحطة الأُم في رحلة هذه السيرة، وهي طفولة قروية محضة، لا طرف فيها سوى ضرورة العيش والتأقلم مع حياة شجية في كنف أسرة تنتمي لعائلة كبيرة بدوية الأصل هاجرت إلى مصر، وبعد موت الجد تحمل الأب رعايتها بالمحبة والكدح في مهن شتى. في هذا المناخ ترعرعت طفولة عبلة، وانبثقت موهبته في الرسم... هنا تبرز اللبنة الأولى في سنوات التكوين، التي تعد أحد الدروس الأساسية في الفن بشتى دروبه وتقاطعاته؛ حيث المحاكاة هي المعلم الأول للفنان؛ محاكاة الطبيعة وفضاء القرية بحقولها وأشجارها وطيورها، مما سهَّل من عملية التعلم وكسر جمودها النمطي المدرسي، وشحذ خيال الطفل بطاقة خصبة للتحليق فيما هو أبعد وأعمق.

بدأت هذه المحاكاة بشخبطات دأب على رسمها بالطبشور على جدران وسور المدرسة، كأنه بتلقائية طفولية أراد أن يكسر حاجز الفراغ الوهمي بينها وبين العين العابرة التي تتأمل المدرسة بخشية وحذر. الطريف أنه كان يستسلم للعقاب بوصفه مكافأة على هذه الشخبطات. يوثق الكتاب لهذا النزق الطفل بنظرة لا تخلو من محبة لتلك الأيام قائلاً: «أول هدية تلقيتها في حياتي كانت علبة طباشير ملون من ناظرة المدرسة الابتدائية (أبلة نجية) وهي التي اعتادت من قبل أن تعاقبني على شخبطاتي التي ترى أنني بها أشوِّه جدران المدرسة، تغيَّرتْ الحال بعد أن زار المدرسة مفتش التربية الفنية، وطلب مني أن أرسم على السبورة مباراة لكرة القدم بين فريقي الأهلي والزمالك، ولما فرغت من الرسم، وأعجب به، أوصى الناظرة بمكافأتي، وقال لها: اهتمي بيه. ده فنان. رافقني هذا اللقب من يومها طيلة سنوات دراستي، وكان عذراً لي إذا ارتبكت أي خطأ؛ (أصله فنان)». لكنَّ هذا العذر الذي أصبح بمثابة رخصة وحصانة فنية، لم يفلح في ثني والده عن إصراره على أن يلتحق عبلة بالكلية الحربية، بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، حتى يتباهى بابنه الضابط في أوساط القرية، معززاً ذلك بأنه تحدث مع مسؤولين كبار سيسهِّلون له الأمر، ساخراً من رغبته في دراسة الفن والتحاقه بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية: «هل سمعت أن هناك رئيس مجلس مدينة خريج فنون جميلة... رئيس البلد كلها، واحد من الجيش، هل هناك فنان أصبح رئيساً للجمهورية؟ راجع نفسك يا محمد».

لم يكن أمام عبلة سوى التمرد على سلطة الأب بكذبة بيضاء مؤكداً أنه سيحقق رغبته لكنه ذهب في الطريق المعاكس والتحق بكلية الفنون، لكنَّ المصادفة تخونه وتفضح كذبته البيضاء؛ ففي محطة القطار وهو عائد من الإسكندرية يفاجأ بوالده أمامه، ويكشف شعره الطويل عن السِّر، فيجذبه والده منه صارخاً في وجهه: «فيه حد في الكلية الحربية شعره طويل كده؟». ويهدده بأنه سوف يتخلى عنه إذا لم يسحب أوراقه من كلية الفنون، ويرجوه أن الفرصة لا تزال مواتية، وأنه إذا لم يفعل ذلك فعليه أن يتحمل وحده مسؤولية اختياره، لكنَّ عبلة يُصرّ، لتتعقد حبال القطيعة بينهما لسنوات، حتى إنه كان يتحين فرصة عدم وجود الأب في البيت ليتسلل خلسة لزيارة أمه وإخوته وأصدقائه في القرية.

يعيش عبلة الفن في كل تفاصيل الحياة، ويؤكد في تقديمه للكتاب أن من الدروس التي تعلمها، وأصبحت بمثابة اليقين هي أن الفن يجب أن يكون في خدمة الناس، لذلك يشكل الحلم بالفن وهاجسه ومحبته الباذخة مطاردة مغوية لعبلة على مدار صفحات الكتاب الممتدة عبر 225 صفحة مزيلة بملزمة بالألوان تعكس رسوماته في مراحل مختلفة. باسم هذه المحبة وتحت وطأة ضغوط الحياة وتدبير نفقات ومستلزمات العيش عمل عبلة في مهن عديدة، معظمها لا علاقة مباشرة له بالفن: عمل نقاشاً وخطاطاً وبائع قطع غيار للسيارات، ورساماً في مصلحة الدمغة، وغيرها من المهن والحرف التي أكسبته معرفة أوسع بموازين القوة والربح والخسارة في المجتمع.

بعد تخرجه في الكلية بمرتبة الشرف وكان ترتيبه الأول على دفعته، انتقل للعيش في القاهرة لأداء الخدمة العسكرية بالجيش، وقبل نحو شهر من خروجه وحصوله على شهادة إتمام الخدمة يطارده هاجس الفن بشكل مربك، قلم يكد يصفو لنفسه ويفرح بنجاح معرضه الأول بالمركز لثقافي الإسباني في القاهرة، ومن خلال خبر نُشر بصحيفة «الأهرام» عن المعرض يستدعيه قائد المعسكر، وكان شخصاً قاسياً، ويهدده بعدم الخروج من الجيش قبل أن ينجز تصميم جديد لبوابة المعسكر عبارة عن لوحة كبيرة بها «قوس نصر وفوقه نسر، فارداً جناحيه، ارتفاعه 12 متراً من الحديد، وعلى الجانبين شعار السلاح وشعار الوحدة، وفي كل جنب تكتب: (مصر أولاً)».

في تلك الفترة كان عبلة يسكن في غرفة بشقة في الجيزة مع شاب طيب من الصعيد. الطريف أنهما تقاسما معاً دورتَي الليل والنهار؛ ففي الليل يذهب رفيقه إلى عمله في وردية في المطار، تاركاً الحجرة لعبلة حتى ينام ويستريح، وحين يعود في الصباح يفعل عبلة الأمر نفسه؛ يستيقظ ويخرج للتجوال في شوارع القاهرة، يُمعن النظر في بيوتها القديمة، وطرزها المعمارية العتيقة، ويعيشها حالةً فنيةً متجددةً.

خمس سنوات هي مدة الدراسة بالكلية، ورغم مشاقّ الحياة حافظ عبلة على تفوقه، وقام برحلتين تركا أثراً عميقاً في هذه السيرة؛ الأولى إلى بغداد والأخرى إلى الأقصر بجنوب مصر. في بغداد التي أحبها، ورأى فيها مزيجاً فريداً من دمشق والقاهرة، اشتغل في مهن كثيرة وكوَّن صداقات قوية مع عراقيين وأكراد أحسَّ معهم بأنه وسط أهله وناسه، وحصل على كتابين مهمين مترجَمَين عن التصوير والخط العربي صدرا عن وزارة الثقافة العراقية لم يجدهما في القاهرة، وكان وزير الثقافة آنذاك سعدون حمادي، سخياً، حين استقبله بترحاب وسهَّل مأموريته لتصبح الحصيلة كرتونة من الكتب المهمة التي أصدرتها الوزارة. كما أصبح له مرسم يطلّ على نهر دجلة، وأقام معرضاً لأعماله التي رسمها هناك بمدخل أكاديمية الفنون، وتجمعه المصادفة بصديق عمره عادل مراد، عاشق العزف على العود. في الأقصر التي قضى بها شهراً راح يبحث عن فكرة لمشروع التخرج الذي يتوّج به دراسته في الكلية متأملاً جدران المعابد والمقابر الفرعونية وما تحويه من رسوم وأشكال نحتية تزداد ألقاً مع حركة الشمس ودوران الطبيعة، أوقعه هذه التراث العريق وجمالياته النابضة بالحيوية والحياة في حالة من الحيرة والارتباك، فثمة أسئلة كثيرة ملحّة لا يجد إجابة عنها: ماذا سيرسم، وكيف إذن في مشروع التخرج؟

يصف عبلة انطباعه فور زيارته لمقبرة «رخا رع»: «كان كل ذلك بألوان، كأنها رُسمت بالأمس، كما كانت حركات الأجسام وهي تلتفّ وتميل كأنها رقصات مقدسة في ممر طويل... ثمة طيبة غريبة تجعلك كأنك تعرفهم وتشعر بأنفاسهم حولك».

في العودة صادف صندلاً راسياً في النيل يتأهب للإبحار، ينجح في إقناع رئيس العمال بأن يأخذوه معهم في رحلتهم النيلية من الأقصر إلى قنا، تبهره حركاتهم، وهم يصعدون على لوح خشبي بقوالب الطوب الأحمر من الشاطئ، ويرصّونها بعناية لافتة فوق سطح المركب، ويرددون بإيقاع دافئ: «هيلا هيلا... يا الله يا مهوِّن»، فيحس بأنه أمام طقس حياة خاص، وأن رسوم مقبرة «رخا رع» تتحرك أمامه في مشهد حي. من هذا المشهد استقى فكرته لمشروع التخرج وأعطته لجنة التحكيم عليه أعلى درجة في تقريرها.

يحتفي عبلة في الكتاب بكوكبة من الفنانين لعبوا دوراً مؤثراً في هذه السيرة، على رأسهم سيف وانلي «الأستاذ»، وكامل مصطفى عميد الكلية، وحامد ندا، وبيكار، ومر على من سمَّاهم «أولياء الفن الصالحين»: النحات الفطري عبد البديع عبد الحي، والمخرج شادي عبد السلام، وفنان الخزف سعيد الصدر، ليودِّعهم قبل سفره إلى إسبانيا، كما احتفى بناس بسطاء تركوا لمسه حانية في هذه السيرة الشيقة، وهذا الكتاب النادر من نوعه على الأقل في محيطنا الثقافي العربي.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».