«مؤتمر قصيدة النثر المصرية» يحتفي بالرموز ويحرر القصيدة من الرتابة والتكرار

مداخلات نقدية متنوعة وقراءات شعرية على مدار 3 أيام في دورته الثامنة

«مؤتمر قصيدة النثر المصرية» يحتفي بالرموز ويحرر القصيدة من الرتابة والتكرار
TT

«مؤتمر قصيدة النثر المصرية» يحتفي بالرموز ويحرر القصيدة من الرتابة والتكرار

«مؤتمر قصيدة النثر المصرية» يحتفي بالرموز ويحرر القصيدة من الرتابة والتكرار

دورة ناجحة لمؤتمر قصيدة النثر المصرية تنوعت فيها الرؤى والدراسات النقدية، والقراءات الشعرية لكوكبة من الشاعرات والشعراء من شتى الأقاليم المصرية، كما احتفت بتجربة شاعرين من الرموز المؤثرة والمؤسسة لهذه الكتابة الشعرية الجديدة.

على مدار ثلاثة أيام استضافت مؤسسة «الدستور» الصحافية وقائع الدورة الثامنة من «مؤتمر قصيدة النثر المصرية»، التي شهدت مشاركة واسعة لأسماء عديدة من مختلف المشارب والأجيال الشعرية والأدبية؛ وسط تنوع لافت في الفعاليات ما بين الجلسات النقدية والمداخلات النقاشية، والاحتفاء برموز مؤثرة في سياق مغامرة قصيدة النثر وترسيخ وجودها ودورها الإبداعي الذي يتعمق يوماً بعد يوم، فضلاً عن قراءات شعرية متنوعة لكوكبة كبيرة من الشعراء والشاعرات في تظاهرة فنية لافتة حررت المشهد الشعري المصري من الرتابة والتكرار وأكسبته حيوية مفتقدة، كما أتاحت الفرصة أمام أصوات مختلفة للتعبير عن نفسها.

ألقى الناقد والأكاديمي د. محمود الضبع كلمة لافتة في الجلسة البحثية الأولى بعنوان «ما بعد العولمة وتبعاتها في الشعر المعاصر»، مشيراً إلى أن ما بعد العولمة ليست مجرد تطور اقتصادي أو حتى فكري، بل هى في الأساس سلطة سياسية جديدة تتخذ تجليات عدة، مما يجعل الأدب عموماً، والشعر في القلب منه، منوطاً به معرفة دوره الخطير إزاءها باعتباره الوعاء الرئيسي للتعبير عن العادات والتقاليد والثقافة العامة في عصر ما. وأشار إلى أن الشعر ليس نغماً أو جمالاً معزولاً أو حالة جمالية منبتة الصلة عن الواقع، فقد أثبتت الثورات التي شهدتها المنطقة العربية في حقبة ما بعد الألفية الثالثة أن الشعر استعاد أدواره القديمة فعلاً تحريضياً وأداة حماسية.

وتحت عنوان «قليل من المحبة»، خصص المؤتمر جلستين للاحتفاء باثنين من رموز قصيدة النثر هما الشاعران محمد فريد أبو سعدة وجمال القصاص. تحدث القصاص عن أبو سعدة، رفيق الدرب، متمنياً له الشفاء، مؤكداً أن أبو سعدة ينظر إلى الشعر في كليته، وبراءته الحميمة، ليتباهى كصوفي عاشق يدرك أن الوجود هو حلقة متصلة للروح، تسبق الصورة والفكرة، والنغمة والموسيقى والإيقاع، وأن هزة السطر والحرف والكلمة ليست شرخاً ناتئاً في المرآة، وإنما ضرورة للإمساك بأزمنة وملامح، وحدس إنساني هارب في ظلالها وبياض عتمتها ونصوعها الشائك المراوغ.

ولفت إلى أن أبو سعدة في دواوينه المتنوعة مثل «معلقة بشص»، «جليس لمحتضر»، «سماء على الطاولة»، «أنا صرت غيري»، يصل إلى سؤاله الشعري، ويخلص له عبر تدفقات الذهن والحس معاً، وبراح فضاء قصيدة النثر، كأنه يوقظ أعماقاً مغايرةً في داخلنا، فعلى السطح وفي العمق تبني الصورة عالمها بشفافية لافتة، بينما يتخلى الماضي عن فكرة الترجيع، أو أنه صدى لأشياء بائدة، هو صدى للنص نفسه، وما يرشح عنه، ما يعلق في وعينا ولا وعينا معاً، من انكشاف النص نفسه لذاته أولاً، قبل أي شيء آخر.

يلاحظ القصاص في شعرية أبو سعدة كيف يتسع المشهد على نحو خاص ليشمل حضور الأنثى وعناصر الطبيعة ونثريات الواقع والأشياء العابرة المهمّشة المنسية، وتصبح الحسية أداة للمعرفة والسؤال، وفي الوقت نفسه، يخلع النص قناع الآخر، ويتوحد بقناع الشاعر الذي يعرف كيف ومتى يخلعه ويلقيه خلفه، وكيف يلجأ إليه، كنوع من التمويه والتخفي والانعتاق من فوضى العالم، كما في ديوانه «سماء على الطاولة»: «ذهبوا/ وظل وحده/ على صدره جبل/ وتحت جلده مناقير تنهش في القلب/ قضى عمراً ليصل إلى الباب/ عيناه جوهرتان/ ويداه تمسكان بالفراغ».

وقدم الشاعر والناقد عمر شهريار ورقة بحثية بعنوان «قصيدة النثر والاغتراب: جدل القطيعة والتواصل»، رفض فيها عدداً من «الاتهامات الجاهزة» الموجهة لقصيدة النثر، من أشهرها أنها في قطيعة دائمة وأبدية مع التراث، كما أنها تمثل خطراً على الهوية العربية وتجسد حالة من الانسلاخ من الماضي. وعدَّ شهريار أن قصيدة النثر مثلها مثل الأشكال الشعرية الأخرى كقصيدة التفعيلة وقصيدة العمود، هي في حالة جدل دائم مع التراث، فتارة تتمرد عليه وتارة أخرى تستلهمه وتارة ثالثة تنطلق منه أو ترفضه و... هكذا. وشدد شهريار على أن شاعر قصيدة النثر مثله مثل بقية نظرائه على خريطة الإبداع الأدبي لا يستطيع الهروب من اللغة كأداة أساسية بما تمثله من حامل أو وعاء للعادات والتقاليد والثقافة بمفهومها الواسع، بالتالي تجد قصيدة النثر نفسها في حوار جدلي مع التراث، على الأقل من خلال الاشتغال الذي لا بد منه على اللغة.

وفي الجلسة النقدية باليوم الثالث للمؤتمر، التي أدارتها بحيوية الكاتبة الروائية والإعلامية دكتورة صفاء النجار قدمت الباحثة هبة رجب شرف الدين بحثاً بعنوان «سرديات الماهية في قصيدة النثر المعاصرة بين المرجعية والتخييل الذهني»، ارتكزت فيه على نماذج لكوكبة الشعراء والشاعرات، وتوقفت بالتحليل أمام قصيدة للشاعر إبراهيم المصري بعنوان «ما هو الشعر»؛ حيث يعرّف الشاعر ماهية الشيء/الشعر بقوله: الشعرُ/ حضورٌ كونىٌّ للبذخِ/ وجسورٌ معلقةٌ/ نعبرُ عليها من غيمةٍ إلى غيمة». وتنبع أفكار الشاعر في تصوير حقيقة الشعر من البيئة، لافتة إلى أن الأفكار الشعرية لديه تماثل الغيمة؛ وهذا النعت لها من الطبيعي أن يبرز موقع الشاعر موقعاً علوياً حتى يحدث الإشراق الذهني منفرطاً، وهذا المعنى هو ما استهل به الشاعر الوحدة الشعرية.

وتنتقل الباحثة إلى تجربة شعرية أخرى للشاعر أحمد إمام، حيث يتأثر في قصيدة النثر بالتقنيات القصصية من الحوار والوصف ومنظور الرؤية؛ وهو يقدم مفهوماً أو تعريفاً لماهية صورة الشاعر في «قصائد بحجم راحة اليد»؛ إذ يقول في قصيدة بعنوان «الشاعر»: نظَّفَ حَنجرتَه من بقايا غناءٍ قديم/ وذاكرتَه من غبارِ القوافلِ/ ومشى وحيداً إلى الليلِ/ وحيداً كذئب/ لا كطريدة/ حدَّقَ في المرآة طويلاً/ كأنه يشربُ صورتَه على ظمأ»، مشيرة إلى أنه يصف الذات الشاعرة بمجموعة من السمات القابعة في تصوره؛ فتتضح هذه السمات عبر الإخبار بشكل قصصي عن الحالة التي تسبق الكتابة، وهي حالة جوهرية تخص الشعراء؛ من هذه السمات أن الشاعر لديه فنان في المقام الأول، مسافر رحَّال في المقام الثاني ترحالاً معنوياً أكثر منه مادياً؛ لذا فهو منفرد دائماً بذاته التي دائماً ما تتشكل في صور كثيرة بعدد صوره الشعرية.

ويتخذ الباحث إبراهيم أحمد أردش من ديوان «ما أنا فيه» للشاعر أحمد الشهاوي نموذجاً لدراسة بعنوان «البحث عن راحة الذات المتعبة من الأفكار في قصيدة النثر»، حيث يرصد حيرة الشاعر مع الأفكار وتداعياتها عليه، عن اقترابها وابتعادها؛ ليصبح ما فيه الشاعر هو البحث عن الأفكار أحياناً والهروب منها أحياناً أخرى، حتى يزهد الشاعر في الاستيقاظ، باعتباره معادلاً للتفكير: «مُستغنٍ عن الصَّحوِ/ أخبَّئُ جرَسَ البابِ/ في الجَيْبِ/ أخفي جرَسَ الهاتف/ في سُترةِ الصَّمتِ/ أقايضُ إغفاءةً/ بقيراطين من ماس».

وفي جلسة احتفاء بتجربة الشاعر جمال القصاص تحدث الشاعر أسامة حداد عن علاقته بالقصاص والمرتكزات الجمالية والفلسفية التي تشكل رؤيته للشعر والحياة، وتنعكس على تشكيله الجمالي للقصيدة ومغامرته في البحث عن الجديد دائماً. وتناول الشاعر والباحث د. خالد حسان جماليات قصيدة الشاعر جمال القصاص، لا سيما في دواوين «السحابة التي في المرأة» و«ما من غيمة تشعل البئر» و«جدار أزرق»، مشيراً إلى أن القصيدة تبدو لديه مفعمة بعذابات شخص شديد الحزن، بالغ الرقة والرهافة، شخص بسيط ليست لدية أي قناعات أو آيديولوجيات، أو أفكار جاهزة، شخص شديد الالتصاق بذاته، بهواجسه، بأحلامه الصغيرة، وطموحاته التافهة والمريضة، ها هو يقول: «ليس لدي اعترافات/ ولا سلطة مطلقة/ لكنني حين أجهش في الليل/ أحس أن هذا الخراب مجرد شيء سقط مني».

ويعدُّ حسان أن أهم ما يميز إنتاج جمال القصاص قدرته على تفجير الشعر طوال الوقت في كل جملة وكل تركيب وكل كلمة، بحيث تتابع الانفجارات الشعرية على طول القصيدة، ومن ثم الديوان، فقصيدته لا تعتمد المباشرة أو المفارقة أو غيرها من جماليات قصيدة النثر في نسختها الأخيرة، وهي أيضا لا تقوم على إثارة القضايا الكبرى من خلال السعي وراء عوالم ميتافيزيقية، كما اقترحت النسخة الأولى من القصيدة على أيدي روادها، فالتركيبة السحرية التي جاء بها القصاص يمكن أن نصفها بالقدرة على الالتصاق بالذات الشعرية الصغيرة والهشة في محاولة لسبر أغوارها، وإظهار عذاباتها، لكن من خلال آليات جديدة، أو فلنقل آليات خاصة تحمل بصمة الشاعر التي يصعب تكرارها في قصائد غيره.

وتعليقاً على حصاد تلك الدورة من المؤتمر، يشير رئيس المؤتمر ومنسقه الشاعر عادل جلال إلى أن الأهداف لم تختلف عن الدورات السابقة، حيث لا يزال كسر مركزية وهيمنة مجموعة محددة على المشهد الشعري عموماً، وقصيدة الشعر الحر في مصر، هدفاً رئيسياً لم يتغير. ويضيف جلال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن من أهداف المؤتمر كذلك إتاحة الفرصة لأصوات جديدة من الشعراء للتعبير عن نفسها دون وصاية، وتسليط ضوء قوي على مواهب جديدة. ويشير عادل جلال إلى أن الخروج من القاهرة والانفتاح على بقية المدن والأقاليم لا يزال هدفاً مشروعاً، لكنه يحتاج إلى دعم كبير وتمويل سخي، وهو ما لا يتوفر حتى الآن.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».