إبراهيم نصر الله: ما يحدث في غزة أكبر من 100 رواية

الروائي والشاعر الفلسطيني يقول إن متعته تكمن في ابتكار أشكال جديدة

إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله
TT

إبراهيم نصر الله: ما يحدث في غزة أكبر من 100 رواية

إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله

يضع الروائي والشاعِر الفلسطيني إبراهيم نصر الله سردية الوطن الفلسطيني في قلب مشروعه الأدبي المُتراوح ما بين الكتابة الأدبية والشِعرية والنقدية، منذ ديوانه الأول «الخيول على مشارف المدينة»، مروراً بملحمة «الملهاة الفلسطينية» التي تروي أكثر من 250 عاماً من التاريخ الفلسطيني، حتى أحدث أعماله «مصائد الرِياح».

وُلد نصر الله (1954) في عمان بالأردن لأب وأم فلسطينيين هُجِرا من قرية البريج عام 1948، وتُوّجت أعماله بالعديد من الجوائز الأدبية، أبرزها «البوكر العربية» التي ترشح لها أكثر من مرة ونالها عام 2018 عن روايته «حرب الكلب الثانية»، كما فاز بجائزة «كتارا» مرتين الأولى عن روايته «أرواح كليمنجارو» والثانية عن «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، كما نال جائزة «سلطان العويس للشعر العربي» عام 1997. هنا حوار معه حول روايته الجديدة وتجربته الأدبية.

> انتهيت من روايتك الجديدة هل يمكن أن تحدثنا عن ملامحها؟

- الرواية الجديدة ضمن مشروع «الملهاة الفلسطينية» وواحدة من ثلاثية أطلقتُ عليها اسم «ثلاثية الرّاوي العَليم» بقدر ما هي معنيّة بحالنا اليوم، هي معنيّة بتاريخ البشر، وكل رواية منها مستقلة تماماً عن الروايات الأخرى.

أحداث هذه الرواية التي تحمل اسم «مصائد الرّياح» تتشكل من ثلاثة مسارات بين عام 1936 وعام 2021، في كل من فلسطين وبريطانيا والعالم العربي، وتلعب فيها النساء والخيول الأدوار الرئيسية، وكلّ ذلك عبر علاقة حب تُشكِّل الخيطَ النّاظم لهذه المسارات، وستصدر عن «الدار العربية للعلوم» في بيروت، وطبعة فلسطينية خاصة عن دار «طباق».

> تتزامن روايتك الجديدة مع الوضع الكارثي الذي تمرّ به فلسطين منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كيف تؤثر المستجدات اليومية في متنك الأدبي بشكل أو بآخر؟

- هذه الرواية بدأتُ بكتابتها أواخر عام 2021، وكانت كتابتها الأولى قد أنجزت عام 2022، بالتالي كانت خارج ما يحدث الآن. هذا العام كنت منشغلاً بكتابتها الثالثة. لكن ما يدور أثَّر تماماً على كل شيء في حياتنا، وكان الشِعر هو الأقرب للتعبير عن هذا، وقد كتبتُ عدداً من القصائد التي ستصدر بالإنجليزية بترجمة لهدى فخر الدين الشهر المقبل في أميركا بعنوان «فلسطيني»، وستصدر في فلسطين بعنوان «مريم غزة»، وقد تمّ تحويل هذه القصيدة إلى عمل سيمفوني غنائي شعري من قِبل «معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى» في القدس، ولحَّنه الموسيقار الفلسطيني سهيل خوري، وستقدم الفنانة التونسية غالية بنعلي قصيدة «فلسطيني».

> على مدار مشروعك الأدبي، وأنت تنحاز لتصوير شخصياتك بعيداً عن التنميط، فلا هو طفل الحجارة، ولا هي المرأة التي تزغرد في جنازة ابنها، بل نرى شخوصك ممتلئين بالحياة. حدثنا عن هذا الاختيار في ضوء نظرتك الخاصة لأدب المقاومة.

- في ظنّي أن من ينظر إلى الإنسان عبر زاوية واحدة فإنه لن يرى منه شيئاً، في الأدب علينا أن نرى الإنسان في صفاته كلها، ويكفي أن ننظر بصدق إلى أنفسنا لكي نتأكد من أننا هكذا، أو كما جاء في قصيدة «فلسطيني»: « أنا كلُّ هذي العناصر يا ربُّ: نارٌ ترابٌ وريحٌ وماءٌ/ وخامسها وجعٌ لا تراهُ الأغاني الضّريرةُ/ سادسها أن أكونَ وحيداً، وسابعها مُذْ ذُبِحْتُ: دماءٌ».

لحسن الحظ أنّ هذا ما توصَّلتُ إليه مبكراً في تجربتي الأدبية وأنا أتأمّل كثيراً من التجارب الفلسطينية.

> طفل المُخيم الذي كُنتَه يسكن في شِعرك ورواياتك، ومنحته صوتاً مركزياً في «طفولتي حتى الآن». لماذا لم تكتبها سيرة ذاتية بحتة واخترت في المقابل أن تمزج فيها بين السيرة وفن الرواية؟

- «طفولتي حتى الآن» من أكثر الروايات قرباً إلى قلبي، وسعيد أن قلوب القراء احتضنتها بمحبة رائعة. لقد تعمَّدتُ أن أكتبها روايةً حتى لا أكون «بطلها» الوحيد، فالسيرة الذاتية تلتهم الآخرين عادة، ولذا عملتُ على كتابتها بمنطق الرواية لكي أتيح لكل من أثروا في حياتي أن يكونوا معي من أول الرواية حتى آخرها، وبعضهم أعدّه بطلها الفعلي، مثل نور والأمّ. كنت أسعى لتذويب الأنا ودفْعها للخلف.

> ما الذي منحته الهُوية والبُعد الأردنيّ لمشروعك الأدبي، ولزاوية رؤيتك الأدبية لفلسطين؟

- عشت حياتي كلها في الأردن، بالتالي عشت الأردن وكل ما مرّ به، لذا كان مشروع «الشرفات» المكوّن من عشر روايات حتى الآن مكرّساً بدرجة كبيرة لهذه الحياة التي عشتها هنا، وهي روايات تحتضن الكثير أيضاً من حياتنا العربية.

> أثار إطلاقك اسم «الملهاة الفلسطينية» المفارقة بين «الملهاة» وأعماق «المأساة» التاريخية لفلسطين. لماذا اخترت «الملهاة» عنواناً لهذا العمل الملحمي؟

- ليس من السهل أن يُطلق كاتبٌ مشروعاً أدبيّاً طموحاً إلى هذا الحدّ، فأول ما يواجهه هو نفسه وسؤاله لهذه النفس إن كان سيستطيع القيام بمهمة شاقة، بل مرعبة، كهذه. هذا خوفي الأول، أما تعبير «الملهاة» بدل «المأساة»، فكنتُ أدرك أن هذا الأمر ليس مشكلة، إذ سيدرك الناس ذلك مع مرور الوقت، وهذا ما حدث.

> هل يمكن اعتبار «الملهاة» مشروعاً مفتوحاً، خصوصاً أنك سبق وذكرت أن علاقتك بجمع وقراءة الشهادات والمرويات هي عملية مُتواصلة ومستمرة؟

- المشروع لا ينتهي، فما يحدث في غزة منذ عشرة أشهر أكبر من 100 رواية، وما يحدث في الضفة الغربية ليس أقل من هذا. الشهادات استخدمتها في رواية «زمن الخيول البيضاء» بشكل خاص، و«دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، وكانت ضرورية لأنها وضعتْني في الجو العام الذي كان يعيشه الناس، لكن ما استخدمته من الشهادات ليس أكثر من 15 في المائة فعلياً، ولا توجد أي شخصية كاملة من الشهادات في الروايتين؛ كنت أريد أن أفهم الإيقاع النفسي لحياة الناس لأكتب نصاً غير بعيد عن هذا الإيقاع.

> أنت تقف على مسافة واحدة بين القضية المُتمثلة في الجذور والتاريخ، وبين الفن الذي لا تتوقف فيه عن التجريب والتخييل وتراسل الفنون. حدثنا عن هذه التركيبة الأدبية.

- لا يمكن أن تكون مُخلصاً لقضية ما، ككاتب، إن لم تكن مُدركاً وعارفاً لأفضل الطرق التي يمكن أن تُقدِّمها عبرها. «القضايا الفنية الكبيرة تحتاج لمستويات فنية كبيرة للتعبير عنها»، قلتُ هذا في أول حوار صحافي معي وأنا في السادسة والعشرين من عمري، ولم أزل متمسكاً بهذا، ثم إن الأدب فنٌّ بالدرجة الأولى، وإن لم يستطيع أن يكون فناً فهو لا شيء. كما أن متعتي الحقيقية هي ابتكار أشكال فنية جديدة، مثل أي مهندس لا يمكن أن يكون مهندساً إذا أمضى عمره مُكرِّراً نموذجاً عمرانيّاً واحداً في كلّ مشروع ينفذه.

> ذكرت في لقاء لك بالجامعة الأميركية بالقاهرة أخيراً أن الدّور الذي قدمه غسان كنفاني بعمله «رجال تحت الشمس» يفوق ما فعلته المؤسسات الفلسطينية والعربية منذ النكبة، لماذا؟

- ببساطة لأنها رواية متجدّدة، عابرة للذائقة المُتغيِّرة، ومؤثرة في أجيال متلاحقة ومكتوبة بصدق كبير وفنية عالية.

> سبق وذكرت على لسان أحد أبطالك أنه «يُقاتل من أجل ألّا يضيع حقه»، وضمن كلمتك في «البوكر» قلت «نكتبُ لنهُز العالمَ لا لنُرَبّت عليه»، من أين تستمدّ إيمانك بالكتابة بعد كل هذه الأعوام وسط موجات اليأس التي لا تهدأ؟

- أستمده من أنّ لي هذا الحقّ، ومن إيماني بأن البشر يستحقون ما هو أجمل، ومن تجربتي المباشرة مع قارئاتي وقرائي، سواء كانوا شباباً أو ما بعد الشباب، وسواء كانوا يعيشون حياة عادية أو كانوا سجناء منذ عشرات السنوات في سجون دولة الاحتلال، ومن يقيني أن الكتب غيّرتني، ولولا قراءة كتب غيري لما كنتُ الشخص الذي أنا عليه الآن.

> أعمالك لا ينقطع فيها الجرس الموسيقي، وتضمين لسير غنائية وتراثية، فهل صالحك الأدب على حلمك القديم الذي لم يتحقق بدراسة الموسيقى؟

- لكل عمل أدبي إيقاعه الخاص، ومن لا يستطيع العثور على إيقاع عمله سيتعثّر كثيراً أثناء كتابته. كلّ بناء لأيّ عمل أدبي، شعري أو روائي، له بناء موسيقي لا يختلف عن بناء أي مقطوعة موسيقية، حتى الأمسية الشعرية، يجب أن تتدرّج قصائدها حسب هذا من البداية للنهاية. هنا يحدث التّصالح، كما أن تحويل كثير من أعمالي إلى أعمال موسيقية فيه مصالحة أيضاً، أو الأدق فيه استكمال.

> سبق وتوقّف تحويل «زمن الخيول البيضاء» إلى عمل سينمائي. هل هناك جديد في هذا المشروع؟

- للأسف كانت هناك محاولتان في الفترة الأخيرة، وبدا لي أنهما جادّتان، لكنهما في اللحظة الأخيرة قُوبلتا بعقبات، الأولى سياسية، والثانية إداريّة غير بريئة.

> لدينا أمثلة كثيرة في العالم العربي على مبدعين هجروا الشِعر لصالح الرواية، هل تؤمن بأن هناك لحظات للشِعر ولحظات للرواية؟

- بالتأكيد، هناك وقتان للشِعر والرواية، معي على الأقل، لكن الشعر، حقًا، لا يغيب عن سردي، كما أن سردي لا يغيب عن شِعري، حتى أن عنوان قصيدة كتبتُها عن غزة حديثا اسمها «رواية قصيرة».

> ارتبطت في طفولتك بالأدب العالمي، فيكتور هوغو «البؤساء» على سبيل المثال، برأيك متى يمكن أن تصير الرواية الفلسطينية بعمقها الإنساني والمأسوي، وفنّياتها المتصاعدة، رواية عالمية؟

- هي رواية عالمية، مثل أي رواية تكتب في تشيلي، أو اليابان، أو أي مكان، الفرق أنه لم يُتح للرواية الفلسطينية والعربية أيضاً أن تترجم كما تستحق.

> وماذا عن ترجمة كتبك؟

- هناك حوالي 40 إصداراً لكتبي بلغات مختلفة، هذا العام سيصدر عشرة كتب بلغات مختلفة.

> هل نجحت عبر سنواتك الطويلة في أن تحتفظ بتكريس طقوس للكتابة؟

- دائماً كنتُ أكتب في النهار، وما زلتُ، ومنذ تفرّغي للكتابة عام 2016 أعمل في مكتبي 8 ساعات يومياً، قراءة وكتابة وبحثاً.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.