قسطنطين كفافيس... مكانة شعرية «مُبالغ فيها»

ولد وعاش ودفن في مصر إلا أن شيئاً منها لم يتسلل إلى شعره

كفافيس
كفافيس
TT

قسطنطين كفافيس... مكانة شعرية «مُبالغ فيها»

كفافيس
كفافيس

وُلد قسطنطين كفافيس في مصر سنة 1863 لأسرة يونانية استقرت في الإسكندرية في أوائل القرن التاسع عشر، وأثرت من التجارة قبل أن تنضب مواردها ويتبدد إرثها بعد وفاة الأب. عاش كفافيس حياته كلها في الإسكندرية (فيما عدا بضع سنوات من طفولته قضاها في لندن حتى عادت به أسرته في سن التاسعة)، وعمل موظفاً بسيطاً لدى الحكومة المصرية في وزارة الأشغال العامة حتى تقاعده ووفاته عن سبعين عاماً في سنة 1933، حيث دُفن في الإسكندرية، واليوم يحمل الشارع الذي عاش فيه اسمه وتحولت شقته إلى متحف. إلا أن شيئاً من حياة مصر أو ثقافتها أو ناسها لم يكد يتسلل إلى شعره رغم هذه المعايشة الطويلة. عاش عمره كاملاً في الإسكندرية، إلا أنه عاش أجنبياً، يونانياً، منغلقاً على التاريخ اليوناني والروماني القديم والإرث الأدبي والأسطوري لتلك الثقافة، ورغم أن التاريخ اليوناني والتاريخ المصري وحضارتيهما امتزجا في مراحل عدة منذ الإسكندر الأكبر الذي أسس الإسكندرية ومنذ حكم البطالمة الذي تلى موته (323 ق.م.)، إلا أن هذا الامتزاج القديم والاحتضان المصري للثقافة الهيلينية لقرون طويلة لم يتسلل إلى الواعية الشعرية لذلك الشاعر اليوناني المحدث.

لعل هذا لم يكن بالشيء الغريب تماماً في مدينة كوزموبوليتانية مثل الإسكندرية كانت في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين تموج تحت الاحتلال البريطاني بشتى الأجناس واللغات والأديان من أقطار أوروبا، وقد ينعزل بعضها عن البعض، وإن اشترك الجميع في الانعزال المتعالي عن المصريين. ربما لا يُستغرب هذا كله في وسط كوزموبوليتاني كولونيالي، لكني أستغربه من نفس شاعرة، دارسة للتاريخ والحضارة، المفروض فيها الانفعال بما حولها، وأن تصل الحاضر بالماضي. لذلك اندهشت دهشة شديدة حين استجبت مؤخراً لفضول معرفي قديم لم يُتح لي إشباعه من قبل، فضول نحو استكشاف هذا الشاعر اليوناني «المصري» الإسكندراني، الذي ظننت أنني أستطيع أن أعده ابن بلدي على نحو ما. فحصلت على ديوانه الشعري الكامل مترجماً إلى الإنجليزية للأكاديمي الأمريكي Daniel Mendelsohn، فقرأته من الغلاف إلى الغلاف مع المقدمة المسهبة للمترجم المتخصص وشروحه وهوامشه التي فاقت في طولها مجمل قصائد كفافيس، الذي يقصر إنتاجه الشعري الكامل عن ثلاثمائة قصيدة قصيرة، أغلبها لا يتجاوز الصفحة الواحدة.

أقبلت على القراءة بمزيد الشغف كما يحدث لي كلما شرعت في استكشاف كاتب أو شاعر جديد عليَّ، خصوصاً إن كان ذا مكانة تاريخية وشهرة واسعة وإجلال نقدي. إلا أني كنت كلما أمعنت في التوغل في عالمه الشعري، تناقص شغفي وتعاظمت دهشتي أني لا أجد في ذلك الاسم الكبير شيئاً مما كنت أتوقعه. أُحبطتُ وخاب أملي ولن يمنعني من التنويه بذلك المقام العالي الذي رفعه إليه مؤرخو الأدب اليوناني ودارسوه.

كاد الديوان يخلو من قصيدة واحدة يمكن أن تلصق بالذاكرة الفردية أو الجماعية، كما الحال دائماً مع الشعراء العظام، بل لم أجد أبياتاً مفردةً تقبس حكمة كبرى أو فكرة متفردة تظل تراود الذهن وتقفز إلى الواعية إذا ما استدعتها التجربة المُعاشة، ناهيك عن أن شعره يكاد يخلو من الصور والأخيلة والاستعارات التي تثري التجربة البشرية، وتقيم الصلة بين عوالم من الإدراك ما كنا نتصور وجود الصلة بينها حتى يكشف عنها لنا شاعر ذو حسٍّ مرهف.

فكيف يكتب كفافيس الشعر؟ شعره قائم على السرد الأجرد لمواقف أو شخوص تاريخية أو أسطورية، إبان لحظة لحظة فارقة. ومن أين يستقي ذلك؟ كله من التاريخ الإغريقي والروماني القديم ومن أساطير هاتين الحضارتين. هذا شاعر كان يعيش في عالم يموج بالاضطرابات الكبرى وعاصر الحرب العالمية الأولى كما عاصر صعود الفاشية والنازية والبلشفية في أوروبا وعاش حتى مشارف الحرب العالمية الثانية وكان يعيش في مصر الخاضعة لاستعمار بغيض، وعاصر ثورة 1919 التي هزَّت البلاد إلخ إلخ. فأين كان يعيش شاعرنا؟ ليس في هذا العالم. كان يعيش في عالم خاص به، عالم من صنعه، عالم استخرجه من كتب التاريخ الكلاسيكي، عالم يعود أشخاصه وحوادثه وقصصه التاريخية والخرافية إلى ما يزيد على ألفي عام، وإذا بالغ في الحداثة فلن يجاوز لفتة هنا أو هناك إلى العصور الوسيطة في أوروبا. وكيف يتناول هذه المادة؟ عن طريق السرد الأجرد. يأتي بحدث أو شخصية تاريخية في كثير من الأحيان لم يسمع بها أحد، فيستدعيها في قصيدة من عشرة أو عشرين بيتاً مليئة بذكر أماكن وشخوص مغرقة في الإغراب، ومن هنا الهوامش الغزيرة التي وضعها المترجم لكل قصائد الديوان تقريباً، فنجد قصيدةً لا تتجاوز أبياتها الصفحة الواحدة قد يُكرّس لها هامشاً في عدة صفحات، ليس لفكّ ما فيها من رموز وكشف ما فيها من تأمل وعِبَر ولكن فقط لشرح السياق التاريخي أو الأسطوري والتعريف بالأماكن والأسماء المذكورة. فهل تكافئك القصيدة بعد كل ذلك العناء بشيء يصالحك مع الحياة، بحكمة تعينك على احتمال الوجود؟ لا شيء من ذلك، بل يذهب عناؤك في الأغلب بغير تعويض.

في كل ما قرأت من شعر وشعراء من ثقافات مختلفة ومن عصور مختلفة، لم أعثر على شاعر غير كفافيس لا ينفعل بالحياة المُعاشة، بالأحداث الواقعة من حوله، بالتاريخ الحي والدامي، بل يضع على عينيه عصابة تحجب عنه كل ذلك لا يخلعها إلا ليقرأ في كتب وأضابير عتيقة وحينئذ فقط يتحرك فيه شيء. ولكن إحقاقاً للحق كان ثمة موضوع واحد كتب فيه كفافيس من واقع التجربة الحياتية، ذلك هو الغزل الذكوري. كان الشاعر مِثْليّاً وديوانه يحفل بعدد لا بأس به من قصائد الغزل المثلي، ومن تسجيل تجاربه الجنسية. في بدء حياته كان يلجأ إلى التورية مستغلاً التباس الضمائر، ولكنه لاحقاً أسقط هذا التحفظ. على أن غزله الحسي هذا كان أيضاً يخلو من الخيال ويميل إلى السردية التقريرية، وحين تقرأ الديوان كاملاً يدهشك أن القصائد التي تفصل بينها سنوات أو عقود تدور كلها في نفس المجال اللغوي والوصف الحسي المباشر، ما يجعلني أقول إن كفافيس في المجال الوحيد من شعره الذي قام على الخبرة الحياتية المباشرة لم ينجح في ضح الحياة فيه تماماً، كما لم ينجح في ضخ الحياة في شعره التاريخي الكُتُبي. تأمَّلْ هذه الأبيات التقريرية «أن أكون مراتٍ عديدة على قربٍ حميم/ من تلك العيون وتلك الشفاه الشبقة/ من ذلك الجسد المراود للأحلام/ أن أكون مرات عديدة على قربٍ حميم» (ص311).

ولنتأمل في منظور كفافيس، إذ يكتب عن الغزوات الصليبية للأراضي المقدسة التي توالت على امتداد قرنين من أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر: «الآن وقد وقفوا أمام أورشليم/ غادرتهم الحميّة والشره والمطامع/ ومن أرواحهم تسلل هارباً على عجل كبرياؤهم الفروسي (...) الآن وقد وقفوا أمام أورشليم/ الصليبيون الشجعان الذين لا يُقهرون/ المتأججون حماسةً في كل زحف وكل هجوم/ هم الآن خائفون متوجسون/ لا يقدرون على التقدُّم ويرتعبون كالأطفال الصغار/ وكالأطفال الصغار يبكون، جميعهم يبكون/ إذْ ينظرون لأسوار أورشليم». (ص 274) هو منظور غاية في السذاجة يبُطن نفس الكولونيالية المتقنِّعة بالدين التي وسمت الحملات الصليبية نفسها. القصيدة تمجد الغازين وتصورهم تصويراً رومانسياً مفرطاً في سذاجته أو نفاقه، إذا يتحول الفرسان الغازون السافكون للدماء الباحثون عن الغنائم والأسلاب إلى أطفال أبرياء تسيل من عيونهم دموع الورع الديني أمام أبواب بيت المقدس.

لا يتسع المجال للمزيد من الاستشهاد والاقتباس من ديوان كفافيس، لكني لا أود أن أختم مقالتي بدون أن أقول إنه حينما يجد المجاز المناسب للحالة الشعورية ويستخدم الخيال عوضاً عن السرد والتقرير، فإنه قادر على الوصول والتأثير ولمس الشعور بغنائية جميلة، لكني - وأسفاه - لم أحصِ في ديوانه الكامل سوى 20 قصيدة أو نحوها مما ترك فيَّ أثراً ومما يطيب للنفس أن تعود إليه من وقت لآخر. ها هي واحدة من تلك القصائد بعنوان «النوافذ»: «في هذه الغرف الظليلة/ حيث أقضي أيامي المقبضة، أذرع المكان جيئة وذهاباً/ لعلي أجد النوافذ/ ذلك أن فتح نافذة فيه بعض التسرية/ لكنه ليس هناك نوافذ/ أو أني لا أستطيع أن أجدها/ وربما من الأفضل ألّا أجدها/ فقد يكون في الضوء قهرٌ جديدٌ/ ومن يعلم أي أشياء جديدة قد يكشف عنها»، هنا في قصيدة قصيرة محكمة لا تتجاوز الأبيات الثمانية، يتسلل بنا كفافيس في يسر شديد إلى عالم خصوصي شخصي، تسوده الظلمة والكآبة، عالم موحش منغلق على الخارج فهو بلا نوافذ بمعنييها الحرفي والمعنوي، لكن من ناحية أخرى فإن قاطن هذا العالم يخاف الضوء، وما قد يكشف عنه من أهوال غير مألوفة، فيستسلم لسجنه في ظلمته ووحشته الأليفة.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.