قسطنطين كفافيس... مكانة شعرية «مُبالغ فيها»

ولد وعاش ودفن في مصر إلا أن شيئاً منها لم يتسلل إلى شعره

كفافيس
كفافيس
TT

قسطنطين كفافيس... مكانة شعرية «مُبالغ فيها»

كفافيس
كفافيس

وُلد قسطنطين كفافيس في مصر سنة 1863 لأسرة يونانية استقرت في الإسكندرية في أوائل القرن التاسع عشر، وأثرت من التجارة قبل أن تنضب مواردها ويتبدد إرثها بعد وفاة الأب. عاش كفافيس حياته كلها في الإسكندرية (فيما عدا بضع سنوات من طفولته قضاها في لندن حتى عادت به أسرته في سن التاسعة)، وعمل موظفاً بسيطاً لدى الحكومة المصرية في وزارة الأشغال العامة حتى تقاعده ووفاته عن سبعين عاماً في سنة 1933، حيث دُفن في الإسكندرية، واليوم يحمل الشارع الذي عاش فيه اسمه وتحولت شقته إلى متحف. إلا أن شيئاً من حياة مصر أو ثقافتها أو ناسها لم يكد يتسلل إلى شعره رغم هذه المعايشة الطويلة. عاش عمره كاملاً في الإسكندرية، إلا أنه عاش أجنبياً، يونانياً، منغلقاً على التاريخ اليوناني والروماني القديم والإرث الأدبي والأسطوري لتلك الثقافة، ورغم أن التاريخ اليوناني والتاريخ المصري وحضارتيهما امتزجا في مراحل عدة منذ الإسكندر الأكبر الذي أسس الإسكندرية ومنذ حكم البطالمة الذي تلى موته (323 ق.م.)، إلا أن هذا الامتزاج القديم والاحتضان المصري للثقافة الهيلينية لقرون طويلة لم يتسلل إلى الواعية الشعرية لذلك الشاعر اليوناني المحدث.

لعل هذا لم يكن بالشيء الغريب تماماً في مدينة كوزموبوليتانية مثل الإسكندرية كانت في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين تموج تحت الاحتلال البريطاني بشتى الأجناس واللغات والأديان من أقطار أوروبا، وقد ينعزل بعضها عن البعض، وإن اشترك الجميع في الانعزال المتعالي عن المصريين. ربما لا يُستغرب هذا كله في وسط كوزموبوليتاني كولونيالي، لكني أستغربه من نفس شاعرة، دارسة للتاريخ والحضارة، المفروض فيها الانفعال بما حولها، وأن تصل الحاضر بالماضي. لذلك اندهشت دهشة شديدة حين استجبت مؤخراً لفضول معرفي قديم لم يُتح لي إشباعه من قبل، فضول نحو استكشاف هذا الشاعر اليوناني «المصري» الإسكندراني، الذي ظننت أنني أستطيع أن أعده ابن بلدي على نحو ما. فحصلت على ديوانه الشعري الكامل مترجماً إلى الإنجليزية للأكاديمي الأمريكي Daniel Mendelsohn، فقرأته من الغلاف إلى الغلاف مع المقدمة المسهبة للمترجم المتخصص وشروحه وهوامشه التي فاقت في طولها مجمل قصائد كفافيس، الذي يقصر إنتاجه الشعري الكامل عن ثلاثمائة قصيدة قصيرة، أغلبها لا يتجاوز الصفحة الواحدة.

أقبلت على القراءة بمزيد الشغف كما يحدث لي كلما شرعت في استكشاف كاتب أو شاعر جديد عليَّ، خصوصاً إن كان ذا مكانة تاريخية وشهرة واسعة وإجلال نقدي. إلا أني كنت كلما أمعنت في التوغل في عالمه الشعري، تناقص شغفي وتعاظمت دهشتي أني لا أجد في ذلك الاسم الكبير شيئاً مما كنت أتوقعه. أُحبطتُ وخاب أملي ولن يمنعني من التنويه بذلك المقام العالي الذي رفعه إليه مؤرخو الأدب اليوناني ودارسوه.

كاد الديوان يخلو من قصيدة واحدة يمكن أن تلصق بالذاكرة الفردية أو الجماعية، كما الحال دائماً مع الشعراء العظام، بل لم أجد أبياتاً مفردةً تقبس حكمة كبرى أو فكرة متفردة تظل تراود الذهن وتقفز إلى الواعية إذا ما استدعتها التجربة المُعاشة، ناهيك عن أن شعره يكاد يخلو من الصور والأخيلة والاستعارات التي تثري التجربة البشرية، وتقيم الصلة بين عوالم من الإدراك ما كنا نتصور وجود الصلة بينها حتى يكشف عنها لنا شاعر ذو حسٍّ مرهف.

فكيف يكتب كفافيس الشعر؟ شعره قائم على السرد الأجرد لمواقف أو شخوص تاريخية أو أسطورية، إبان لحظة لحظة فارقة. ومن أين يستقي ذلك؟ كله من التاريخ الإغريقي والروماني القديم ومن أساطير هاتين الحضارتين. هذا شاعر كان يعيش في عالم يموج بالاضطرابات الكبرى وعاصر الحرب العالمية الأولى كما عاصر صعود الفاشية والنازية والبلشفية في أوروبا وعاش حتى مشارف الحرب العالمية الثانية وكان يعيش في مصر الخاضعة لاستعمار بغيض، وعاصر ثورة 1919 التي هزَّت البلاد إلخ إلخ. فأين كان يعيش شاعرنا؟ ليس في هذا العالم. كان يعيش في عالم خاص به، عالم من صنعه، عالم استخرجه من كتب التاريخ الكلاسيكي، عالم يعود أشخاصه وحوادثه وقصصه التاريخية والخرافية إلى ما يزيد على ألفي عام، وإذا بالغ في الحداثة فلن يجاوز لفتة هنا أو هناك إلى العصور الوسيطة في أوروبا. وكيف يتناول هذه المادة؟ عن طريق السرد الأجرد. يأتي بحدث أو شخصية تاريخية في كثير من الأحيان لم يسمع بها أحد، فيستدعيها في قصيدة من عشرة أو عشرين بيتاً مليئة بذكر أماكن وشخوص مغرقة في الإغراب، ومن هنا الهوامش الغزيرة التي وضعها المترجم لكل قصائد الديوان تقريباً، فنجد قصيدةً لا تتجاوز أبياتها الصفحة الواحدة قد يُكرّس لها هامشاً في عدة صفحات، ليس لفكّ ما فيها من رموز وكشف ما فيها من تأمل وعِبَر ولكن فقط لشرح السياق التاريخي أو الأسطوري والتعريف بالأماكن والأسماء المذكورة. فهل تكافئك القصيدة بعد كل ذلك العناء بشيء يصالحك مع الحياة، بحكمة تعينك على احتمال الوجود؟ لا شيء من ذلك، بل يذهب عناؤك في الأغلب بغير تعويض.

في كل ما قرأت من شعر وشعراء من ثقافات مختلفة ومن عصور مختلفة، لم أعثر على شاعر غير كفافيس لا ينفعل بالحياة المُعاشة، بالأحداث الواقعة من حوله، بالتاريخ الحي والدامي، بل يضع على عينيه عصابة تحجب عنه كل ذلك لا يخلعها إلا ليقرأ في كتب وأضابير عتيقة وحينئذ فقط يتحرك فيه شيء. ولكن إحقاقاً للحق كان ثمة موضوع واحد كتب فيه كفافيس من واقع التجربة الحياتية، ذلك هو الغزل الذكوري. كان الشاعر مِثْليّاً وديوانه يحفل بعدد لا بأس به من قصائد الغزل المثلي، ومن تسجيل تجاربه الجنسية. في بدء حياته كان يلجأ إلى التورية مستغلاً التباس الضمائر، ولكنه لاحقاً أسقط هذا التحفظ. على أن غزله الحسي هذا كان أيضاً يخلو من الخيال ويميل إلى السردية التقريرية، وحين تقرأ الديوان كاملاً يدهشك أن القصائد التي تفصل بينها سنوات أو عقود تدور كلها في نفس المجال اللغوي والوصف الحسي المباشر، ما يجعلني أقول إن كفافيس في المجال الوحيد من شعره الذي قام على الخبرة الحياتية المباشرة لم ينجح في ضح الحياة فيه تماماً، كما لم ينجح في ضخ الحياة في شعره التاريخي الكُتُبي. تأمَّلْ هذه الأبيات التقريرية «أن أكون مراتٍ عديدة على قربٍ حميم/ من تلك العيون وتلك الشفاه الشبقة/ من ذلك الجسد المراود للأحلام/ أن أكون مرات عديدة على قربٍ حميم» (ص311).

ولنتأمل في منظور كفافيس، إذ يكتب عن الغزوات الصليبية للأراضي المقدسة التي توالت على امتداد قرنين من أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر: «الآن وقد وقفوا أمام أورشليم/ غادرتهم الحميّة والشره والمطامع/ ومن أرواحهم تسلل هارباً على عجل كبرياؤهم الفروسي (...) الآن وقد وقفوا أمام أورشليم/ الصليبيون الشجعان الذين لا يُقهرون/ المتأججون حماسةً في كل زحف وكل هجوم/ هم الآن خائفون متوجسون/ لا يقدرون على التقدُّم ويرتعبون كالأطفال الصغار/ وكالأطفال الصغار يبكون، جميعهم يبكون/ إذْ ينظرون لأسوار أورشليم». (ص 274) هو منظور غاية في السذاجة يبُطن نفس الكولونيالية المتقنِّعة بالدين التي وسمت الحملات الصليبية نفسها. القصيدة تمجد الغازين وتصورهم تصويراً رومانسياً مفرطاً في سذاجته أو نفاقه، إذا يتحول الفرسان الغازون السافكون للدماء الباحثون عن الغنائم والأسلاب إلى أطفال أبرياء تسيل من عيونهم دموع الورع الديني أمام أبواب بيت المقدس.

لا يتسع المجال للمزيد من الاستشهاد والاقتباس من ديوان كفافيس، لكني لا أود أن أختم مقالتي بدون أن أقول إنه حينما يجد المجاز المناسب للحالة الشعورية ويستخدم الخيال عوضاً عن السرد والتقرير، فإنه قادر على الوصول والتأثير ولمس الشعور بغنائية جميلة، لكني - وأسفاه - لم أحصِ في ديوانه الكامل سوى 20 قصيدة أو نحوها مما ترك فيَّ أثراً ومما يطيب للنفس أن تعود إليه من وقت لآخر. ها هي واحدة من تلك القصائد بعنوان «النوافذ»: «في هذه الغرف الظليلة/ حيث أقضي أيامي المقبضة، أذرع المكان جيئة وذهاباً/ لعلي أجد النوافذ/ ذلك أن فتح نافذة فيه بعض التسرية/ لكنه ليس هناك نوافذ/ أو أني لا أستطيع أن أجدها/ وربما من الأفضل ألّا أجدها/ فقد يكون في الضوء قهرٌ جديدٌ/ ومن يعلم أي أشياء جديدة قد يكشف عنها»، هنا في قصيدة قصيرة محكمة لا تتجاوز الأبيات الثمانية، يتسلل بنا كفافيس في يسر شديد إلى عالم خصوصي شخصي، تسوده الظلمة والكآبة، عالم موحش منغلق على الخارج فهو بلا نوافذ بمعنييها الحرفي والمعنوي، لكن من ناحية أخرى فإن قاطن هذا العالم يخاف الضوء، وما قد يكشف عنه من أهوال غير مألوفة، فيستسلم لسجنه في ظلمته ووحشته الأليفة.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».