«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

شعراء وكتاب عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط» عن معايشتهم للتجربة والكتابة عنها

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية
TT

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

أعاد فوز الكاتب الفلسطيني باسم الخندقي الذي يقضي سجناً بالمؤبد مدى الحياة في السجون الإسرائيلية بجائزة البوكر العربية عن روايته «قناع بلون السماء» ما يعرف بـ«أدب السجون» إلى الواجهة، وهو الأدب الذي رافق نشأة السجن نفسه وارتبط به على مر العصور. فكيف إذن يتحرر الخيال ليسطر إبداعاً ملهماً من وراء القضبان وليل الزنزانة الطويل، وإلى أي مدى يعكس هذا اللون الأدبي الضارب في عمق التاريخ شكلاً من أشكال المقاومة لفكرة الحرمان والشوق العارم للحرية والعدالة، علماً بأنه لا يقتصر على من عانى ويلات السجن مباشرة، فقد يستعين المبدع بالوثائق والشهادات الحية ليصبح «التخييل» بديلاً عن «التوثيق الذاتي»، كما في رواية «تلك العتمة الباهرة» للكاتب المغربي طاهر بن جلون، وغيرها.

في هذا التحقيق يتحدث شعراء وكتاب عرب لـ«الشرق الأوسط» عن معايشتهم لتجربة السجن، وكيف حولوها إلى إبداع راقٍ معجون بشوق عارم للحرية.

تعد حقبة الستينات في التاريخ العربي من أقوى الحقب التي برزت فيها ظاهرة «أدب السجون»، بخاصة في الشعر والكتابة السردية، فقد شهد الشعر الفلسطيني بعضاً من تجلياتها هذه الظاهرة في قصائد شعراء ألقى بهم الاحتلال وراء القبضان. منهم الشاعر حنا أبو حنا، الذي كتب من معتقله في «سجن الرملة» عام 1958، مجموعة من القصائد يقول في واحدة منها:

«خسئوا، فما حبسوا نشيدي بل ألهبوا نار القصيدِ - نار تأجج، لا تكبّل بالسلاسل والقيودِ - نار، جحيم للطغاة وزمرة العسف المريدِ - شرف لشعري أن يقض مضاجع الخصم اللدودِ - فأعجب لشعر يستثير الرعب في مهج الحديدِ - أقوى من السجن المزنر بالعساكر والسدودِ».

وفي مصر زج الكثير من الأدباء والمثقفين في السجون بتهمة الانتماء إلى التنظيمات الشيوعية. ويروي الكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى واقعة ذات دلالة في هذا السياق قائلاً: «يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1966 جرى اعتقال الجميع، وكان أغلبهم من المثقفين والمبدعين، أخذونا إلى سجن القلعة، حيث تعرضنا لعمليات من التعذيب والتنكيل لانتزاع الاعترافات منا، وقضينا نحو 35 يوماً في زنازين انفرادية لا يعرف أي منا ما يجرى لبقية المعتقلين». ومن وحي تلك الفترة البسيطة، استلهم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي قصيدته الشهيرة «أحزان عادية» التي يقول فيها: «وتذكرت سنة ما اتبنت القلعة - وكنت أنا أول مسجون - وكان الضابط ده أول سجان - يوم ما ركلني نفس الركلة - يوم ما صفعني نفس الصفعة - نفس طريقة الركل - وآخر الليل جانى بدم صحابي في الأكل».

ويلهم نفس السجن الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة مهمة يقول مطلعها: «أنا رحت القلعة وشفت ياسين - نحوه العسكر والزنازين - والشوم والبوم وكلاب الروم - يا خسارة يا أزهار البساتين - عيطي يا بهية على القوانين».

ويعد صنع الله إبراهيم واحداً من أصحاب التجارب الأدبية البارزة التي استندت في أحد مصادرها إلى تجربة السجن، وهو ما تجلى في العديد من أعماله مثل المجموعة القصصية «تلك الرائحة» ورواية «شرف» ونصوص «يوميات الواحات»، التي استند فيها إلى ذكريات اعتقاله منذ أواخر الخمسينات بتهمة الانتماء إلى حزب شيوعي ضمن حملة موسعة شملت أسماء بارزة في الثقافة مثل يوسف إدريس ومحمود أمين العالم ولويس عوض وشهدي عطية وعبد الحكيم قاسم وسامي خشبة. يقول صنع الله في «يوميات الواحات»: «أمرونا نحن الأربعة أن نجلس القرفصاء في جانب ونضع رؤوسنا في الأرض، ففعلنا، ثم أمرونا أن نرفع رؤوسنا بحيث نرى ما يجري لزملائنا، وتتابعوا أمامنا يُجرّدون من ملابسهم وهم يُضربون ويترنحون عرايا وهم يلهثون ويُغمى عليهم فيُغمسون في مياه ترعة صغيرة ويُداسون بالأقدام».

الشاعر زين العابدين فؤاد تعرض لتجربة الاعتقال السياسي أكثر من مرة في حقبة السبعينات، ومن وحي ما عاشه وراء القضبان أخرج واحدة من أشهر القصائد السياسية بالعامية المصرية، وهي قصيدة «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» والتي غناها الملحن والمطرب إمام عيسى (1918 – 1995) الذي اشتهر بغنائه السياسي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات، وعُرفت على نطاق واسع باسم «واتجمعوا العشاق». يقول مطلع القصيدة: يتجمعوا العشاق في سجن القلعة - يتجمعوا العشاق في باب الخلق - والشمس غنوة م الزنازن طالعة - ومصر غنوة مفرعة م الحلق. وتطرح القصيدة صوراً مدهشة للوطن كما في قول الشاعر: «مصر النهار يطلقنا في الميادين - مصر البكا مصر الغنا والطين - مصر الشموس الهالة م الزنازين - هالة وطارحة من دمنا بساتين».

يوضح زين العابدين فؤاد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن القصيدة كتبت أثناء اعتقاله في «سجن القلعة»، لكنه لم يستطع تهريبها إلى الخارج إلا حين انتقل إلى «سجن الاستئناف»، حيث تحولت القصيدة إلى نواة ديوان صدر في بيروت بعنوان «حلم السجن»، ثم أعيد طبع الديوان في القاهرة لاحقاً ليصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر». ويشير إلى أن تلك القصيدة الشهيرة لم تكن الأولى التي غناها له «الشيخ إمام»، فهناك قصيدة أخرى بعنوان «يا شمس» كُتبت داخل الزنزانة عام 1972 وغناها أيضاً مطربون عديدون في فترات لاحقة مثل أحمد إسماعيل وغيره. ويوضح أن تجربته في السجن كأديب ومثقف لم تكن تخلو من المفارقات، فعلى سبيل المثال، تم إلقاء القبض عليه بتهمة «التحريض» على المظاهرات التي عرفت باسم «انتفاضة الخبز» في 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977. ورغم أن المظاهرات شهدت مشاركة الملايين بحسب التقديرات الرسمية، فإن التحريض عليها بحسب الاتهام الرسمي تم من أربعة أشخاص هم الشاعر أحمد فؤاد نجم والصحافيين صلاح عيسى وحسين عبد الرازق إلى جانب زين العابدين الذي واجه طوال الوقت تهمة فضفاضة تقول نصاً «دأب على كتابة قصائد مناهضة لنظام الحكم».

واعتقل الشاعر والروائي المغربي صلاح الوديع في الحقبة الزمنية نفسها، وتحديداً في عام 1974 بتهمة الانتماء إلى إحدى فصائل «اليسار الجديد»، حيث صدر ضده حكم بالسجن 20 عاماً لكن أفرج عنه بعد مرور 10 سنوات فقط. وكان «الوديع» يهرب قصائده إلى الخارج ليتم نشرها وتلقى رواجاً ثم يجمعها لاحقاً في ديوان بعنوان «جراح الصدر العاري» عام 1985. ومن ضمن قصائد الديوان قصيدة بعنوان «باهظ انتماؤك للمدى» يقول الشاعر فيها: «أعود بالآمالِ من حلم يُجْنَد - له الوتدْ - كبَّدتني قلبي - أبنوك أم أنتَ الذي - كبدتني أملي - فديتُكَ يا بلدْ - كبدتني أملي وأحلامي - وألياف الجلدْ - ماذا أقول وما تبقى ما بقاءك - يا جسدْ».

يقول صلاح الوديع لـ«الشرق الأوسط» إن «شغفاً بكتابات السجون تجلى في المغرب منذ نهاية الثمانينات وطوال التسعينات وظهر في عدد من المؤلفات مثل (منازل وقضبان)، الذي صدر عام 1988 ويضم الرسائل المتبادلة بيني وبين شقيقي وتحمست المرحومة والدتي لجمعها في كتاب وكذلك كتاب (كان وأخواتها) للكاتب والناقد عبد القادر الشاوي، وكتاب (الغرفة السوداء)، وهو سيرة ذاتية للكاتب جواد مديدش، كما اهتمت الصحافة آنذاك بمحاورة أصحاب هذه التجارب ولم يعد الأمر يحمل محاذير كما في السابق».

يضيف الوديع أنه مع انتشار موجة أدب السجون على هذا النحو بالمغرب، لاحظ أنها كتابات تستعيد لحظات الألم بقوة وعلى نحو يكاد يكون مباشراً فأراد أن يصنع شيئاً مختلفاً، واهتدى إلى إعادة كتابة تجربته في السجن بشكل ساخر كما ظهر في روايته «العريس»، التي تتطرق لوقائع التعذيب والإهانة والاختفاء القسري وانتهاك حقوق الإنسان ولكن من خلال سرد المأساة بحس فكاهي.

في سبتمبر (أيلول) 1981. جرت بمصر حملة اعتقالات شهيرة على خلفية معارضة معظم المثقفين للصلح مع إسرائيل، وطالت الحملة العديد من الأسماء البارزة، منهم أصوات نسائية معروفة في الأدب والإبداع والتخصصات الأكاديمية مثل نوال السعداوي وصافيناز كاظم ولطيفة الزيات وأمينة رشيد وعواطف عبد الرحمن. وصدر لنوال السعداوي في هذا السياق كتابها الشهير «مذكراتي في سجن النساء» والذي تقول فيه: «لا يموت الإنسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار، الانتظار يُحوِّل الزمن إلى اللا زمن، والشيء إلى اللا شيء، والمعنى إلى اللا معنى».

ومؤخراً صدر للأكاديمية البارزة د. عواطف عبد الرحمن كتاب «أوراق من سجن النساء» عن دار «العربي» بالقاهرة والذي ترصد فيه مذكراتها حول التجربة نفسها. وتشير د. عواطف إلى مفارقة بارزة تتمثل في أنها سمعت بورود اسمها ضمن قائمة المطلوب حبسهم ضمن «اعتقالات سبتمبر» وهي في المجر تزور الكاتبة رضوى عاشور والشاعر مريد البرغوثي قادمة من ألمانيا التي جاءتها للمشاركة في مؤتمر «برلين الشرقية» للأمم المتحدة حول «نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا».

وتروى عواطف عبد الرحمن ملابسات عودتها إلى مصر كيف كانت صدمة اللحظات الأولى في السجن. تقول: «عندما وصلت إلى سجن النساء في القناطر وجدت بوابة كبيرة وبها باب صغير، دخلت من الباب الصغير ورأيت السجانات اللاتي نشاهدهن في السينما يعلقن المفاتيح في الحزام الجلد، شكلهن مخيف جداً وغير مريح. وفجأة صفقت السجانات وقلن: (إندهوا الست زينب سجانة السياسيات... تعالي تسلمي فيه إيراد جديد)، فاستغربت جداً كيف يتحول الإنسان في لحظة إلى شيء، خصوصاً أني قادمة من مؤتمر دولي أطالب فيه بحقوق الشعوب. كيف أتحول في نظرهم إلى (إيراد)... إيراد يعني إيه؟ يعني تخفيض قيمتي إلى أن أصبح مجرد شيء».

وينتمي كتاب «رسائل سجين سياسي إلى حبيبته» الصادر مؤخراً عن الناشر نفسه بالقاهرة للكاتب مصطفى طيبة إلى «أدب الرسائل»، حيث اختار المؤلف قالب الخطابات، بما فيه من حميمية وبساطة وبعد عن الآيديولوجيات الكبرى، التي يبعث بها لمحبوبته ويحكي فيها مشاهد مختلفة من تجربته العريضة وراء القضبان عبر عقود عدة شملت الأربعينات والخمسينات والستينات بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي.

يكشف المؤلف في واحدة من تلك الرسائل عن تجربة «الإضراب عن الطعام» بهدف الضغط على إدارة السجن لتحسين المعيشة وجلب المزيد من الحقوق للسجناء. يقول: «أصعب الأوقات التي يواجهها المضرب عن الطعام هي الأيام الثلاثة الأولى، بعدها تكون المعدة قد تعودت على عدم استقبال الطعام ثم يبدأ التعب في هد الجسم وعادة ما يتعجل المضربون عن الطعام حضور النيابة للتحقيق في مطالبهم. ومن المفروض أن تأتي في موعد لا يزيد على 48 ساعة منذ بداية الإضراب، ومع أن مأمور السجن أرسل التحقيق الإداري إلى المسؤولين في مصلحة السجون التي عليها أن ترسل في طلب النيابة، فقد مضى اليوم العاشر ولم تأتِ، والعدول عن الإضراب قبل أن تأتي النيابة هزيمة لنا. في اليوم الثالث عشر ساءت صحة زميلين إلى حالة خطيرة، ومع ذلك لم ينقلا إلى المستشفى إلا في اليوم السابع عشر بعد أن أعلن الطبيب عدم مسؤوليته عما يحدث لهما إذا لم يعدلا عن الإضراب وتناول العلاج الضروري. وكان الطبيب أكد على أهمية نقلهما إلى المستشفى بعد اليوم الثالث عشر، إلا أن إدارة السجن امتنعت عن تنفيذ توصية الطبيب هرباً من أي دليل يثبت أننا أضربنا عن الطعام، وبالتالي امتنع هو الآخر عن الحضور إليهما في الزنزانة».

ويشير الناقد والأكاديمي اليمني د. فارس البيل إلى أن ظاهرة «أدب السجون» تراجعت في العقود الأخيرة بسبب اتساع وسائل التعبير وتعدد أشكال التدوين والتوثيق، فضلاً عن خفوت اعتقال الأدباء والمبدعين لأسباب آيديولوجية بحتة بنفس الغزارة التي شهدتها حقب زمنية ماضية من التاريخ العربي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات. ورغم أن أسباب وأشكال مضايقات الأدباء لم تنته وما زالت تتردد هنا أو هناك بشكل أو بآخر، فإن العصر الذهبي لكتابات ما وراء الجدران يبدو أنه قد ولى، ولم يعد أمامنا سوى التصدي بالدرس النقدي واستخلاص العبر والسمات والملامح لهذا التراث الضخم في تجلياته المختلفة عربياً وعالمياً.

ويرى البيل أن هذا اللون من الأدب نشأ نتيجة احتياجات تعبيرية ضاغطة وملحة تتعلق بالتجارب شديدة القسوة والمرارة التي تعرض لها الأدباء بكثافة في حقب زمنية سابقة، مشيراً إلى غلبة الطابع السوداوي وهيمنة الأجواء الكابوسية على معظم الإنتاج السردي العربي تحت هذه اللافتة.

ولا يميل الناقد اليمني إلى تصنيف رواية «قناع بلون السماء» للروائي الفلسطيني باسم خندقي ضمن أدب السجون، مشيراً إلى أنها تناقش الحالة الفلسطينية في فضائها المفتوح، ولا تركز على عالم السجن، برغم أن المؤلف محكوم عليه بالسجن مدى الحياة.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.