«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

شعراء وكتاب عرب يتحدثون لـ «الشرق الأوسط» عن معايشتهم للتجربة والكتابة عنها

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية
TT

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

«أدب السجون»... قصائد مهرّبة وسرد مثقل بالشوق للحرية

أعاد فوز الكاتب الفلسطيني باسم الخندقي الذي يقضي سجناً بالمؤبد مدى الحياة في السجون الإسرائيلية بجائزة البوكر العربية عن روايته «قناع بلون السماء» ما يعرف بـ«أدب السجون» إلى الواجهة، وهو الأدب الذي رافق نشأة السجن نفسه وارتبط به على مر العصور. فكيف إذن يتحرر الخيال ليسطر إبداعاً ملهماً من وراء القضبان وليل الزنزانة الطويل، وإلى أي مدى يعكس هذا اللون الأدبي الضارب في عمق التاريخ شكلاً من أشكال المقاومة لفكرة الحرمان والشوق العارم للحرية والعدالة، علماً بأنه لا يقتصر على من عانى ويلات السجن مباشرة، فقد يستعين المبدع بالوثائق والشهادات الحية ليصبح «التخييل» بديلاً عن «التوثيق الذاتي»، كما في رواية «تلك العتمة الباهرة» للكاتب المغربي طاهر بن جلون، وغيرها.

في هذا التحقيق يتحدث شعراء وكتاب عرب لـ«الشرق الأوسط» عن معايشتهم لتجربة السجن، وكيف حولوها إلى إبداع راقٍ معجون بشوق عارم للحرية.

تعد حقبة الستينات في التاريخ العربي من أقوى الحقب التي برزت فيها ظاهرة «أدب السجون»، بخاصة في الشعر والكتابة السردية، فقد شهد الشعر الفلسطيني بعضاً من تجلياتها هذه الظاهرة في قصائد شعراء ألقى بهم الاحتلال وراء القبضان. منهم الشاعر حنا أبو حنا، الذي كتب من معتقله في «سجن الرملة» عام 1958، مجموعة من القصائد يقول في واحدة منها:

«خسئوا، فما حبسوا نشيدي بل ألهبوا نار القصيدِ - نار تأجج، لا تكبّل بالسلاسل والقيودِ - نار، جحيم للطغاة وزمرة العسف المريدِ - شرف لشعري أن يقض مضاجع الخصم اللدودِ - فأعجب لشعر يستثير الرعب في مهج الحديدِ - أقوى من السجن المزنر بالعساكر والسدودِ».

وفي مصر زج الكثير من الأدباء والمثقفين في السجون بتهمة الانتماء إلى التنظيمات الشيوعية. ويروي الكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى واقعة ذات دلالة في هذا السياق قائلاً: «يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1966 جرى اعتقال الجميع، وكان أغلبهم من المثقفين والمبدعين، أخذونا إلى سجن القلعة، حيث تعرضنا لعمليات من التعذيب والتنكيل لانتزاع الاعترافات منا، وقضينا نحو 35 يوماً في زنازين انفرادية لا يعرف أي منا ما يجرى لبقية المعتقلين». ومن وحي تلك الفترة البسيطة، استلهم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي قصيدته الشهيرة «أحزان عادية» التي يقول فيها: «وتذكرت سنة ما اتبنت القلعة - وكنت أنا أول مسجون - وكان الضابط ده أول سجان - يوم ما ركلني نفس الركلة - يوم ما صفعني نفس الصفعة - نفس طريقة الركل - وآخر الليل جانى بدم صحابي في الأكل».

ويلهم نفس السجن الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة مهمة يقول مطلعها: «أنا رحت القلعة وشفت ياسين - نحوه العسكر والزنازين - والشوم والبوم وكلاب الروم - يا خسارة يا أزهار البساتين - عيطي يا بهية على القوانين».

ويعد صنع الله إبراهيم واحداً من أصحاب التجارب الأدبية البارزة التي استندت في أحد مصادرها إلى تجربة السجن، وهو ما تجلى في العديد من أعماله مثل المجموعة القصصية «تلك الرائحة» ورواية «شرف» ونصوص «يوميات الواحات»، التي استند فيها إلى ذكريات اعتقاله منذ أواخر الخمسينات بتهمة الانتماء إلى حزب شيوعي ضمن حملة موسعة شملت أسماء بارزة في الثقافة مثل يوسف إدريس ومحمود أمين العالم ولويس عوض وشهدي عطية وعبد الحكيم قاسم وسامي خشبة. يقول صنع الله في «يوميات الواحات»: «أمرونا نحن الأربعة أن نجلس القرفصاء في جانب ونضع رؤوسنا في الأرض، ففعلنا، ثم أمرونا أن نرفع رؤوسنا بحيث نرى ما يجري لزملائنا، وتتابعوا أمامنا يُجرّدون من ملابسهم وهم يُضربون ويترنحون عرايا وهم يلهثون ويُغمى عليهم فيُغمسون في مياه ترعة صغيرة ويُداسون بالأقدام».

الشاعر زين العابدين فؤاد تعرض لتجربة الاعتقال السياسي أكثر من مرة في حقبة السبعينات، ومن وحي ما عاشه وراء القضبان أخرج واحدة من أشهر القصائد السياسية بالعامية المصرية، وهي قصيدة «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» والتي غناها الملحن والمطرب إمام عيسى (1918 – 1995) الذي اشتهر بغنائه السياسي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات، وعُرفت على نطاق واسع باسم «واتجمعوا العشاق». يقول مطلع القصيدة: يتجمعوا العشاق في سجن القلعة - يتجمعوا العشاق في باب الخلق - والشمس غنوة م الزنازن طالعة - ومصر غنوة مفرعة م الحلق. وتطرح القصيدة صوراً مدهشة للوطن كما في قول الشاعر: «مصر النهار يطلقنا في الميادين - مصر البكا مصر الغنا والطين - مصر الشموس الهالة م الزنازين - هالة وطارحة من دمنا بساتين».

يوضح زين العابدين فؤاد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن القصيدة كتبت أثناء اعتقاله في «سجن القلعة»، لكنه لم يستطع تهريبها إلى الخارج إلا حين انتقل إلى «سجن الاستئناف»، حيث تحولت القصيدة إلى نواة ديوان صدر في بيروت بعنوان «حلم السجن»، ثم أعيد طبع الديوان في القاهرة لاحقاً ليصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر». ويشير إلى أن تلك القصيدة الشهيرة لم تكن الأولى التي غناها له «الشيخ إمام»، فهناك قصيدة أخرى بعنوان «يا شمس» كُتبت داخل الزنزانة عام 1972 وغناها أيضاً مطربون عديدون في فترات لاحقة مثل أحمد إسماعيل وغيره. ويوضح أن تجربته في السجن كأديب ومثقف لم تكن تخلو من المفارقات، فعلى سبيل المثال، تم إلقاء القبض عليه بتهمة «التحريض» على المظاهرات التي عرفت باسم «انتفاضة الخبز» في 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977. ورغم أن المظاهرات شهدت مشاركة الملايين بحسب التقديرات الرسمية، فإن التحريض عليها بحسب الاتهام الرسمي تم من أربعة أشخاص هم الشاعر أحمد فؤاد نجم والصحافيين صلاح عيسى وحسين عبد الرازق إلى جانب زين العابدين الذي واجه طوال الوقت تهمة فضفاضة تقول نصاً «دأب على كتابة قصائد مناهضة لنظام الحكم».

واعتقل الشاعر والروائي المغربي صلاح الوديع في الحقبة الزمنية نفسها، وتحديداً في عام 1974 بتهمة الانتماء إلى إحدى فصائل «اليسار الجديد»، حيث صدر ضده حكم بالسجن 20 عاماً لكن أفرج عنه بعد مرور 10 سنوات فقط. وكان «الوديع» يهرب قصائده إلى الخارج ليتم نشرها وتلقى رواجاً ثم يجمعها لاحقاً في ديوان بعنوان «جراح الصدر العاري» عام 1985. ومن ضمن قصائد الديوان قصيدة بعنوان «باهظ انتماؤك للمدى» يقول الشاعر فيها: «أعود بالآمالِ من حلم يُجْنَد - له الوتدْ - كبَّدتني قلبي - أبنوك أم أنتَ الذي - كبدتني أملي - فديتُكَ يا بلدْ - كبدتني أملي وأحلامي - وألياف الجلدْ - ماذا أقول وما تبقى ما بقاءك - يا جسدْ».

يقول صلاح الوديع لـ«الشرق الأوسط» إن «شغفاً بكتابات السجون تجلى في المغرب منذ نهاية الثمانينات وطوال التسعينات وظهر في عدد من المؤلفات مثل (منازل وقضبان)، الذي صدر عام 1988 ويضم الرسائل المتبادلة بيني وبين شقيقي وتحمست المرحومة والدتي لجمعها في كتاب وكذلك كتاب (كان وأخواتها) للكاتب والناقد عبد القادر الشاوي، وكتاب (الغرفة السوداء)، وهو سيرة ذاتية للكاتب جواد مديدش، كما اهتمت الصحافة آنذاك بمحاورة أصحاب هذه التجارب ولم يعد الأمر يحمل محاذير كما في السابق».

يضيف الوديع أنه مع انتشار موجة أدب السجون على هذا النحو بالمغرب، لاحظ أنها كتابات تستعيد لحظات الألم بقوة وعلى نحو يكاد يكون مباشراً فأراد أن يصنع شيئاً مختلفاً، واهتدى إلى إعادة كتابة تجربته في السجن بشكل ساخر كما ظهر في روايته «العريس»، التي تتطرق لوقائع التعذيب والإهانة والاختفاء القسري وانتهاك حقوق الإنسان ولكن من خلال سرد المأساة بحس فكاهي.

في سبتمبر (أيلول) 1981. جرت بمصر حملة اعتقالات شهيرة على خلفية معارضة معظم المثقفين للصلح مع إسرائيل، وطالت الحملة العديد من الأسماء البارزة، منهم أصوات نسائية معروفة في الأدب والإبداع والتخصصات الأكاديمية مثل نوال السعداوي وصافيناز كاظم ولطيفة الزيات وأمينة رشيد وعواطف عبد الرحمن. وصدر لنوال السعداوي في هذا السياق كتابها الشهير «مذكراتي في سجن النساء» والذي تقول فيه: «لا يموت الإنسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار، الانتظار يُحوِّل الزمن إلى اللا زمن، والشيء إلى اللا شيء، والمعنى إلى اللا معنى».

ومؤخراً صدر للأكاديمية البارزة د. عواطف عبد الرحمن كتاب «أوراق من سجن النساء» عن دار «العربي» بالقاهرة والذي ترصد فيه مذكراتها حول التجربة نفسها. وتشير د. عواطف إلى مفارقة بارزة تتمثل في أنها سمعت بورود اسمها ضمن قائمة المطلوب حبسهم ضمن «اعتقالات سبتمبر» وهي في المجر تزور الكاتبة رضوى عاشور والشاعر مريد البرغوثي قادمة من ألمانيا التي جاءتها للمشاركة في مؤتمر «برلين الشرقية» للأمم المتحدة حول «نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا».

وتروى عواطف عبد الرحمن ملابسات عودتها إلى مصر كيف كانت صدمة اللحظات الأولى في السجن. تقول: «عندما وصلت إلى سجن النساء في القناطر وجدت بوابة كبيرة وبها باب صغير، دخلت من الباب الصغير ورأيت السجانات اللاتي نشاهدهن في السينما يعلقن المفاتيح في الحزام الجلد، شكلهن مخيف جداً وغير مريح. وفجأة صفقت السجانات وقلن: (إندهوا الست زينب سجانة السياسيات... تعالي تسلمي فيه إيراد جديد)، فاستغربت جداً كيف يتحول الإنسان في لحظة إلى شيء، خصوصاً أني قادمة من مؤتمر دولي أطالب فيه بحقوق الشعوب. كيف أتحول في نظرهم إلى (إيراد)... إيراد يعني إيه؟ يعني تخفيض قيمتي إلى أن أصبح مجرد شيء».

وينتمي كتاب «رسائل سجين سياسي إلى حبيبته» الصادر مؤخراً عن الناشر نفسه بالقاهرة للكاتب مصطفى طيبة إلى «أدب الرسائل»، حيث اختار المؤلف قالب الخطابات، بما فيه من حميمية وبساطة وبعد عن الآيديولوجيات الكبرى، التي يبعث بها لمحبوبته ويحكي فيها مشاهد مختلفة من تجربته العريضة وراء القضبان عبر عقود عدة شملت الأربعينات والخمسينات والستينات بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي.

يكشف المؤلف في واحدة من تلك الرسائل عن تجربة «الإضراب عن الطعام» بهدف الضغط على إدارة السجن لتحسين المعيشة وجلب المزيد من الحقوق للسجناء. يقول: «أصعب الأوقات التي يواجهها المضرب عن الطعام هي الأيام الثلاثة الأولى، بعدها تكون المعدة قد تعودت على عدم استقبال الطعام ثم يبدأ التعب في هد الجسم وعادة ما يتعجل المضربون عن الطعام حضور النيابة للتحقيق في مطالبهم. ومن المفروض أن تأتي في موعد لا يزيد على 48 ساعة منذ بداية الإضراب، ومع أن مأمور السجن أرسل التحقيق الإداري إلى المسؤولين في مصلحة السجون التي عليها أن ترسل في طلب النيابة، فقد مضى اليوم العاشر ولم تأتِ، والعدول عن الإضراب قبل أن تأتي النيابة هزيمة لنا. في اليوم الثالث عشر ساءت صحة زميلين إلى حالة خطيرة، ومع ذلك لم ينقلا إلى المستشفى إلا في اليوم السابع عشر بعد أن أعلن الطبيب عدم مسؤوليته عما يحدث لهما إذا لم يعدلا عن الإضراب وتناول العلاج الضروري. وكان الطبيب أكد على أهمية نقلهما إلى المستشفى بعد اليوم الثالث عشر، إلا أن إدارة السجن امتنعت عن تنفيذ توصية الطبيب هرباً من أي دليل يثبت أننا أضربنا عن الطعام، وبالتالي امتنع هو الآخر عن الحضور إليهما في الزنزانة».

ويشير الناقد والأكاديمي اليمني د. فارس البيل إلى أن ظاهرة «أدب السجون» تراجعت في العقود الأخيرة بسبب اتساع وسائل التعبير وتعدد أشكال التدوين والتوثيق، فضلاً عن خفوت اعتقال الأدباء والمبدعين لأسباب آيديولوجية بحتة بنفس الغزارة التي شهدتها حقب زمنية ماضية من التاريخ العربي، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات. ورغم أن أسباب وأشكال مضايقات الأدباء لم تنته وما زالت تتردد هنا أو هناك بشكل أو بآخر، فإن العصر الذهبي لكتابات ما وراء الجدران يبدو أنه قد ولى، ولم يعد أمامنا سوى التصدي بالدرس النقدي واستخلاص العبر والسمات والملامح لهذا التراث الضخم في تجلياته المختلفة عربياً وعالمياً.

ويرى البيل أن هذا اللون من الأدب نشأ نتيجة احتياجات تعبيرية ضاغطة وملحة تتعلق بالتجارب شديدة القسوة والمرارة التي تعرض لها الأدباء بكثافة في حقب زمنية سابقة، مشيراً إلى غلبة الطابع السوداوي وهيمنة الأجواء الكابوسية على معظم الإنتاج السردي العربي تحت هذه اللافتة.

ولا يميل الناقد اليمني إلى تصنيف رواية «قناع بلون السماء» للروائي الفلسطيني باسم خندقي ضمن أدب السجون، مشيراً إلى أنها تناقش الحالة الفلسطينية في فضائها المفتوح، ولا تركز على عالم السجن، برغم أن المؤلف محكوم عليه بالسجن مدى الحياة.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.