نحن في حاجة إلى روايات تخبرنا بالحقيقة

أصبح الفن في عالمنا هذا أكثر أهمية عن أي وقت مضى

فلاديمير نوباكوف
فلاديمير نوباكوف
TT

نحن في حاجة إلى روايات تخبرنا بالحقيقة

فلاديمير نوباكوف
فلاديمير نوباكوف

عندما كنت في الكلية، وقعت بالصدفة على رواية «البحر والسم»، من تأليف شوساكو إندو، التي تعود أحداثها إلى خمسينات القرن العشرين. وتحكي قصة طبيب في اليابان ما بعد الحرب، شارك، كمتدرب قبل سنوات، في تجربة تشريح على أسير أميركي. من المنظور الأخلاقي، لا تعدّ عدسة إندو سهلة؛ فهو لا يسهب في الحديث عن معاناة الضحية، وإنما اختار بدلاً عن ذلك، استكشاف عنصر أكثر إثارة للانزعاج: الجانب الإنساني للجناة.

جون أبدايك

وعندما أقول «الإنساني» أعني ارتباكهم ومبرراتهم الذاتية واستعدادهم للكذب على أنفسهم. من جهته، يرى إندو أن الفظائع لا تنبع من الشر فحسب، وإنما تنبع كذلك من المصلحة الذاتية، والجبن، واللامبالاة، والرغبة في المكانة. وأظهرت لي روايته كيف أنني شخصياً، في بوتقة مجموعة معينة من الضغوط الاجتماعية، قد أخدع نفسي في اتخاذ خيار تنتج منه فظائع. ولعل هذا السبب الذي جعل الكتاب يطاردني على امتداد ما يقرب من عقدين، لدرجة أنني عاودت قراءته مرات عدة.

تذكرت هذه الرواية في الثانية فجراً في أحد الأيام القريبة، عندما كنت أتصفح حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي، مخصصاً لجمع آراء القراء الغاضبين. لفت انتباهي شخص يدعى ناثان، الذي كان رأيه في «الفردوس المفقود» أن: «ميلتون كان فاشياً غبياً». على الجانب الآخر، أذهلني قارئ آخر، يدعى ريان، بتعليقه على كتاب جون أبدايك الذي يحمل عنوان «أيها الأرنب، اجرِ». وطالعت أحد التعليقات يقول: «هذا الكتاب جعلني أعارض حرية التعبير». ومن هنا، وصلت إلى مخزون من المراجعات النقدية لرواية «لوليتا»: كان القراء مرعوبين، ومحبطين، وغاضبين. وطالعت تعليقات من عينة: «يا له من رجل مثير للاشمئزاز!» و«كيف سُمح لفلاديمير نابوكوف بتأليف هذا الكتاب؟» و«من سمح للمؤلفين بكتابة مثل هذه الشخصيات المنحرفة وغير الأخلاقية على أي حال؟».

كنت أضحك بينما أمرّ على التعليقات، لكن سرعان ما صُدمت بإدراكي أن أقرأ على شاشتي خلاصة مرض أميركي: أن بداخلنا ميلاً عميقاً وخطيراً للخلط بين الفن والتوجيهات الأخلاقية، والعكس صحيح.

شوساكو إندو

وباعتباري وُلدت في الولايات المتحدة، لكن ترعرعت، بصورة جزئية، في عدد من البلدان الأخرى، لطالما وجدت أن القوة المطلقة الصلبة للأخلاق الأميركية ساحرة ومرعبة. ورغم تعدد مؤثراتنا ومعتقداتنا، تبدو شخصيتنا الوطنية في مجملها متأثرة، على نحو حتمي، بمفاهيم العهد القديم عن الخير والشر. ويندرج تحت هذا البناء القوي كل شيء، بدءاً من حملاتنا الإعلانية، وصولاً إلى حملاتنا السياسية، حتى تسرّب اليوم إلى أعمالنا الفنية ودورها.

ربما لأن خطابنا السياسي يتأرجح، يومياً، بين المخبول والبغيض، نحمل بداخلنا رغبة حثيثة في محاربة شعورنا بالعجز، عبر الإصرار على البساطة الأخلاقية في القصص التي نرويها ونستقبلها.

أو ربما يكون ذلك بسبب الكثير من التجاوزات التي مرّت دون أن يلتفت إليها أحد عبر الأجيال السابقة - ممارسات كراهية النساء والعنصرية وكراهية المثلية الجنسية. في الواقع، إن إساءة استخدام السلطة، على المستويين الكلي والجزئي، يجري الآن كشفها بشكل مباشر.

واليوم، يتملكنا انبهار شديد بقدرتنا على تسمية هذه العلل علانية، لدرجة أننا بدأنا العمل في ظل فكرة خاطئة مفادها أن الاعتراف بتعقيدات بعضنا بعضاً، على مستوى مجتمعاتنا وكذلك أعمالنا الفنية، بمثابة تغاضٍ عن وحشية بعضنا بعضاً.

قيم الشخصية وقيم الكاتب

عندما أعمل مع كتّاب أصغر سناً، كثيراً ما يدهشني مدى السرعة التي تتحول بها جلسات التعرف على آراء الزملاء، إلى عملية تحديد الشخصيات التي فعلت أو قالت أشياء قاسية. بعض الأحيان، يندفع الكتّاب للدفاع عن الشخصية، لينحرف النقاش نهاية الأمر إلى كيفية إصلاح أخلاقيات النص. إن الاقتراح القائل بأن قيم الشخصية لا يمكن أن تكون قيم الكاتب، ولا الهدف العام للنص، يبدو غائباً اليوم عن أذهان - ويثير انزعاج الكثيرين لدى طرحه.

ورغم أنني عادةً ما أشارك طلابي وجهات النظر السياسية التقدمية، لا يسعني سوى الشعور بالانزعاج من اهتمامهم بالصلاح والاستقامة، بدلاً عن الاهتمام بتعقيد النفس البشرية. إنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم يمثلون أي قيم لا يحملونها شخصياً. والنتيجة أنه في لحظة لم يعايش فيها عالمنا من قبل مثل هذا التغيير السريع والمحير، أصبحت قصصنا أبسط وأقل دقة وأقل قدرة على التعامل مع الحقائق التي نعيشها. لا أستطيع أن ألوم الكتّاب الشباب لاعتقادهم أن مهمتهم نقل الأخلاق العامة الصائبة. وينطبق هذا التوقع نفسه على جميع الأنماط الفنية التي أعمل فيها: الروايات والمسرح والتلفزيون والسينما.

لقد عملت داخل غرف كتّاب التلفزيون، حيث جاءت «ملاحظات الإعجاب» بمجرد ظهور شخصية معقدة على الصفحة - خاصة عندما تكون الشخصية أنثى. وغالباً ما عكس القلق بخصوص مدى إعجاب الآخرين بها، قلقاً حول أخلاقها: هل يمكن أن يُنظر إليها باعتبارها فاسقة؟ أنانية؟ عدوانية؟ هل كانت صديقة سيئة أم زوجة سيئة؟ ما مدى سرعة إعادة تأهيلها لتصبح مواطنة نموذجية للمشاهدين؟

لا نحتاج إلى وعظ أخلاقي

لا يقف التلفزيون وحيداً في هذا الأمر، على سبيل المثال. عرض أحد المخرجين الذين أعمل معهم، حديثاً، سيناريو خاصاً بنا على الاستوديو الذي نتعاون معه. وأخبرنا المديرون التنفيذيون، اعتراضهم لأن الشخصيات كانت غامضة للغاية من الناحية الأخلاقية، وجرى تكليف فريق العمل بالبحث عن مواد يكون الدرس الأخلاقي فيها واضحاً؛ تجنباً لإثارة انزعاج قاعدة القراء. أما ما لم يتفوه به هؤلاء المسؤولون صراحة، ولم يكونوا في حاجة إلى قوله من الأساس، أنه في ظل غياب التمويل الفيدرالي الكافي للفنون، أصبح الفن الأميركي مرتبطاً بالسوق. ولأن الأموال محدودة، لا تود الكثير من الشركات دفع ثمن قصص قد يعترض المشاهدون عليها، إذا كان بوسعهم شراء مادة يمكنها التحرك بلطف في خلفية حياتنا.

بيد أنه في واقع الأمر ما يقدمه لنا الفن بالغ الأهمية؛ تحديداً لأنه لا يكتفي بالعمل كخلفية لطيفة، أو منصة لتوجيه إرشادات مبسطة. الحقيقة أنه بمقدور كتبنا ومسرحياتنا وأفلامنا وبرامجنا التلفزيونية أن تقدم لنا الكثير، عندما لا تكون بمثابة كتيبات لإرشادات أخلاقية، وإنما تسمح لنا بإلقاء نظرة أعمق على قدراتنا الخفية، والعقود الاجتماعية الزلقة التي نعمل داخلها، والتناقضات التي تعتمل بداخلنا جميعاً.

نحن في حاجة إلى المزيد من الروايات التي تخبرنا بالحقيقة حول مدى تعقيد العالم الذي نعيش فيه. إننا في حاجة إلى قصص تساعدنا على تسمية المفارقات وقبولها، وليس تلك التي تمحوها أو تتجاهلها. وغالباً ما يسهم ذلك، في نهاية المطاف، في جعل تجربتنا في العيش داخل مجتمعات مع بعضنا بعضاً أكثر مرونة وقابلية للتغيير، عنها إذا التزمنا برؤية صارمة تقوم على الأبيض والأسود. وكلما زاد عدد الجماهير التي تؤمن بأن وظيفة الفن هي التوجيه، بدلاً عن التحقيق، وإصدار الأحكام بدلاً عن طرح التساؤلات، والبحث عن الوضوح السهل، بدلاً عن الشكوك، وجدنا أنفسنا أكثر داخل ثقافة جامدة، تفتقر إلى الفضول، وتقوم على الأحكام الفورية الجاهزة.

وفي ظل هذا العالم المثير للإدانة والانقسام والعزلة، يصبح الفن - وليس الوعظ الأخلاقي - أكثر أهمية عن أي وقت مضى.

* مؤلفة وكاتبة مسرحية وأحدث منشوراتها رواية «ستكون هناك مشكلة»

خدمة «نيويورك تايمز»



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»