مفارقات الفكرة واللعب عليها... شعرياً

الشاعرة التونسية ماجدة الظاهري في «أراجيح الضوء»

مفارقات الفكرة واللعب عليها... شعرياً
TT

مفارقات الفكرة واللعب عليها... شعرياً

مفارقات الفكرة واللعب عليها... شعرياً

في ديوانها «أراجيح الضوء» الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب، تحلّق الشاعرة التونسية ماجدة الظاهري في فضاء الذكريات والأمكنة والمدن، مستعيدة برهافة مخيلة الأماني المجروحة والأحلام الهاربة، التي أصبحت تكرر نفسها ويتردد صداها في حنايا الروح كمرثية شجية مفتوحة على تخوم البدايات والنهايات. يساعد في ذلك أن الديوان يفتت مركزية الضوء، فلا يشكل محور إيقاع ثابتاً للرؤية، إنما يتناثر في نسيج الصورة الشعرية على شكل مِزق وومضات لاهثة، تتأرجح في كل اتجاه. وتنعكس ظلالها بقوة على الذات الشاعرة التي تتأرجح بدورها ما بين الحلم بالماضي وواقع اللحظة الراهنة، مدركةً أن مأزقها الخاص عاطفياً وإنسانياً يكمن في هذه المسافة الرخوة بينهما، ومع ذلك لا تتمرد عليه، بل تتكيف معه كظل حارس لها، وحين تسامره وتلعب معه تضعه بين قوسي مفارقة تفوح منها رائحة التهكم والسخرية، لكنها مع ذلك، تستعذب استرجاعه من جراب الماضي واستدراجه والتمسح في غباره. تقول في نص بعنوان «فكرة عارية» (ص 18) موجهة الخطاب للحبيب الهارب:

«كأنكَ لا تعرف

أننا أفرطنا في الحلم

حتى نمنا في محارة

وتدحرجنا على الرمل

أشرنا إلى البحر أن يغني فغنى

رقصنا مع الموج

تحدثنا مع ضوء الفجر

فتحنا له الحكاية

من الجذور

وخلدنا لموسيقى السماء

في جسدينا.

كأنك لا تعرف

أن ما رسمناه

على وجه الماء

كان مقعدين فارغين

في جزيرة نائية

غرقنا وبقي المقعدان

شاهدي زور».

ومن ثم، يصلح مجاز «الفكرة العارية» ليشكل عتبة نقدية لقراءة هذا الديوان الواقع في 120 صفحة؛ فالتعري فعل صادم في إطار العرف الاجتماعي، وهو أكثر الحريات إثارة للجدل والجرأة، خصوصاً حين يتحول إلى فعل احتجاج ضد مظاهر سالبة في المجتمع، لكنه مع ذلك يظل مغوياً في إطار العلاقات العاطفية الخاصة الحميمة، ويبلغ ذروته الجمالية في الفن وبخاصة فن النحت، كما أن التعبير بالجسد يشكل إحدى مغامرات التجريب المسرحي المهمة؛ وفي مرآة الفلسفة تبرز جدلية الخفاء والتجلي، كإحدى الأفكار الرئيسية في النظر إلى قضايا الكون وحقيقة الوجود الإنساني في أبسط وأشد مظاهره وأبعاده وضوحاً وتعقيداً. وفي الشعر لا تتعرى الأشياء لتصبح أكثر وضوحاً، إنما لتصبح أكثر كثافة وغموضاً وتجسيداً لفضاء الفعل الشعري، بكل نزقه وشطحه وهذيانه.

بناء المشهد والصورة الشعرية

ينعكس هذا على عدد من نصوص الديوان، حيث تتحول الفكرة المجردة إلى سلاح للتأويل ينفتح على مجاز المشهد والحكاية، ويعلي من طاقة السرد بروح الشعر. يبرز هذا على نحو لافت في نص بعنوان «جنون»، يتأمل عالم «مستشفى المجانين»، ويركز على النساء المجنونات، يلتقط معاناتهن مع الحياة، ويرصد كيف تتحول مفرداتها وأشياؤها العادية، مثل «الحصول على سيجارة» إلى حلم شائك وسط غابة من القضبان والأسوار، وكما يقول النص:

«السيجارة الآن بين شفتيها

السيجارة الآن تطلق جناحيها

تدخنها بصمت

وبصمت ترسم بدخان السيجارة

أشياءَ لا يفهمهما أحدٌ آخر

وشخوصاً لا يعرفها أحدٌ غيرها

وعوالمَ لا تحتاج إلى مستشفى»

الملاحظ هنا أن النص يعتمد في بناء المشهد والصورة الشعرية على آلية التكرار لألفاظ بعينها ذات دلالة خاصة (القضبان، الجنون، السيجارة)، ليعطي إحساساً بثقل الحالة ووطأتها الإنسانية. وفي الوقت نفسه، يكشف كيف تتحول اللغة بين هؤلاء المرضى والحياة من أداة للتواصل والمحبة إلى سلاح للشتائم والسباب... «وتنطلق الشتائم من النافذة/ الشتائم واللعنات لا تبالي بالقضبان/ كل العالم عليل/ اللعنة على هذا العالم بأسره».

في غبار كل هذا يكشف النص عن مفارقة شديدة الحيوية، حيث يتحول الجنون بالحياة وبالحب إلى طقس ولغة سرية، يصفو فيهما الجسد لكينونته، متخلصاً من شوائب الحياة ومعاناة المرض، كأنه مغمور بينابيع أخرى للعلاج:

«نزعتْ عنها ثوباً يشبه قشرةً

وكمن يلتفُّ براية بعد فوزه في سباق

لفَّتْ جسدها النحيلَ بفستان فضفاض

ثم،

رفعتْ فوق رأسها السابحِ في دخان السيجارة يديها

ورقصتْ، رقصتْ، رقصتْ

ثم غنتْ: أنا أحببتك

أحببتك

أيها المجنون... أنا أحببتك

أحببتك حدّ الجنون»

اللعب على المجازات

ينوع الديوان طرائق المجاز، ويفتح له مجالات إدراك ورؤى لا تخلو من الجِدة في كثير من النصوص، فيقفز من مجاز الداخل الساكن الممسوس بالشوق الدائم لكسر رتابة العادة والمألوف، إلى مجاز الخارج الضاج بالحركة حد الفوضى والجنون. كما يوسع من فضاء النص باستدعاء شخوص من عباءة التراث والأساطير بعدّها رموزاً وعلامات فارقة قادرة على إشاعة حيوية التناص في القصيدة، والاشتباك مع الواقع الراهن ومنها «زوربا، وفينوس، وروزا لوكسمبورغ». تعي الذات الشاعرة أن هذه القفزة، ليست مجرد خبط عشواء، إنما هي إفراز حالة من التأمل والرصد العميق لتحولات العناصر والأشياء، وما يجري في الواقع والعالم من حولها. فـ«فينوس» إلهة الجمال عند الرومان تصارع القطط والكلاب لتجد ما تقتاته في المزبلة، وزوربا لا يزال يواصل رقصته الشهيرة وسط الثلوج، وروزا لوكسمبورغ، شهيدة الثورة الألمانية لا تزال تحرض الثوار ضد النازيين والإرهابيين الجدد. كما تعي شكل انعكاس كل هذا على مرآتها الخاصة. لذلك في مقابل متاهة العالم والواقع لا تعتصم الذات الشاعرة فقط بقصيدتها، إنما تحاول من خلالها الوصول إلى حكمة ما، فيما وراء هذا الجنون الذي جعل الحياة غابة مليئة بأزهار الشر والكراهية والسموم. فمن الطريق تعلّمتْ حكمة المشي وفلسفته، وتعلمت خيانته أيضاً، ومن خلال هذه الحكمة المرتجاة تحاول الوصول إلى أمنها الداخلي وشاطئها الخاص، حينئذ يمكنها مواجهة الموت وملاطفته شعرياً ليس بوصفه لغزاً للحياة، إنما ابنها الضال، في متاهة الحروب والكوارث والنكبات... تقول في نص بعنوان «دعوة حب - ص 56»:

«ماذا لو ندعك طين البداية

بوميض الحنين وندى الأصوات البعيدة

وعرق الخزافين

ماذا لو نشكلها جِرارا

ندسُّ فيها فاكهة العشاق

نصفِّفها على باب مدينتنا

نفتح في الليل معابرَ الطين

ندعكه حتى يكاد ينفث الماء نوافيرَ

ونطيل المشي بين أقواس الفراغ

ندس فيها ثمالة بهجتنا

ندلُّ التائهين إلى جرارنا عند الباب

لو اهتدوا نعيد إليهم ظلالهم الكسيرة

نغني... ونمشي على خيط شفيف».

هذا السؤال المشرّب بالروح الشعبية، ونوازع شتى للأمل والرجاء وإعادة تشكيل البداية من جديد بطينة الحب، يحقق تصاعداً ونمواً فنياً لافتاً في بعض قصائد الثلث الأخير من الديوان، التي يغلب عليها القصر نسبياً، وبخاصة قصائد «هروب/ هذه أنا/ أمسية شعرية/ ضحكة/ أمي/ ريح»، حيث تتخلص الصورة الشعرية - إلى حد كبير - من مجاز الحكاية بصورته النمطية المترهلة، ومفارقاته المجلوبة من الخارج، كما تتخلص من ضجيج التكرار والأنا الشاعرة المتعالية في فضاء المشهد «أنا التي لا تشبه إلا أنا/ أنا الصخرة والينبوع، الجريان والحقول/ أنا النورس يحرس الآفاق». وترتقي إلى مجاز الحالة، المفتوح على حدوسات معرفية وجمالية مباغتة. تتناسل من نسيج النص نفسه، وبحيوية شعرية تجعله مفتوحاً على براح الخيال والحواس... تقول لشاعرة في قصيدة «ضحكة - ص 108»:

«أرسلت له ضحكتي

تأبّطها وركضَ كمجنون

عثر على رغيف ساخن

بعد جوع طويل انزوى بها في آخر الشارع

كلما قضم منها قليلا

تطايرت فراشاتٌ كثيرةٌ

ابتلعها وأغمض عينيه

رقصَ

طوقته الفراشاتُ

وتمادي في

الـ .. ر.. ق .. ص».

برغم الدفقة الرومانسية التي يشي بها هذا النص، فإن مجاز الحالة يحوِّلها إلى طقس، وهي سمة لافتة في الديوان، فالقبلة الخاطفة تصبح فعل وجود تماماً كالخبز، والرقص يصبح فعل حرية، لا يستثير الفراشات فحسب، إنما يكشف عن الطاقة الكامنة في النص، وقدرته على خلق نوافذ جديدة للجمال من أبسط الأشياء ألفة وعادية.

تبقى خلاصة هذه الإطلالة على هذا الديوان الشيق، في أن مجاز «الأفكار العارية» لا يعني أن تعيش عارياً تحت هالة من الضوء، تسلطها عليك أحلامك ورغباتك المقموعة، إنما يعنى بالأساس أن يتحول النص الشعري إلى مرآة للذات الشاعرة والقارئ معاً.


مقالات ذات صلة

جنون الشعر أو شعر الجنون

ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت»

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.