«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

عباس لطيف يبني شخصية الشاعر الصوفي مستنداً إلى مرويات ومخطوطات

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً
TT

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

رواية «العروج إلى شيراز» للروائي عباس لطيف، الصادرة عام 2024، رواية مركّبة، تتحرك على مستويين؛ تاريخي ومعاصر. فعلى المستوى التاريخي تعود إلى القرن الثامن الهجري (الثالث عشر الميلادي) لتدّون لنا سيرة حياة ونضال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي، وعلى المستوى المعاصر تنقل لنا الرواية معاناة جنديين من ويلات حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران التي أحرقت الأخضر واليابس. ولذا فالرواية ليست عن الحرب بالمفهوم التطبيلي لها، بل هي رواية ضد الحرب لأنها ترفض الحرب وتتعاطف مع محنة هذين الجنديين اللذين يقفان ليتقاتلا في خندقين متعاديين على الرغم من رفضهما الحرب ومآسيها. وهذه التجربة تُذكّرنا برواية سابقة للروائي طه حامد الشبيب، حيث وجدنا جنديين متعاديين يرفضان الحرب وينشران رسالة السلام.

تكشف الرواية منذ استهلالها عن نزعة ميتاسردية واضحة لأسباب كثيرة منها انطواؤها على مخطوطة عن حياة الشيرازي كتبها الجندي الإيراني (مير قرباني)، وتحمل اسم «ترجمان الأسرار» وتتوزع فصول المخطوطة التسعة على الرواية بشكل متناوب مع فصول السرد المعاصر الذي يشغل اثني عشر فصلاً.

يستهل الروائي روايته بالفصل الأول من فصول مخطوطة «ترجمان الأسرار» التي كتبها (مير قرباني) ويقدم فيها حافظ الشيرازي نفسه بطريقة السيرة الذاتية، ويروي جانباً من حياته مع أمه التي ثُكلت بوفاة الزوج، وغياب اثنين من أبنائها بطريقة غامضة، ولم يبقَ لديها سوى ولدها الأصغر حافظ الشيرازي.

يقدم الروائي السرد من خلال منولوغين، هما منولوغ الابن حافظ، ومنولوغ الأم:

- «استبدّت به مشاعر جامحة...». (ص 7)

- «كانت تبتهل تارة وتبكي تارة أخرى وهي تتطلع من خلال النافذة... وشعرت بشعور غريب؛ بأنها تشبه هذه المدينة». (ص 7)

وعندما قرر حافظ الشيرازي أن يعمل خبازاً، فضلاً عن عمله معلماً للتلاميذ في المسجد والمدرسة، وحلقات الدرس، خشيت عليه أمه من وشاية جواسيس «السالوس» وكتّاب التقارير فقالت له معبّرةً عن مخاوفها:

«وأنت تكتب شعراً فيه الكثير من الهرطقة، وقد يجعل بعض العمال ومن يشترون الخبز يبتعدون عن المخبز». (ص 11)

ونكتشف منذ البداية بعض مظاهر رؤية الشيرازي الفلسفية والصوفية التي هي ترجمة لأفكاره في فهم الحياة والجمال ووحدة الوجود (ص 12). وكان الشيرازي يدرك أنه يسعى في معراجه نحو النور الذي يسطع داخل المرء وصولاً إلى سرمدية المعنى والوجود الأبهى (ص 13). وكان عشقه لحبيبته (شاخ نبات) روحياً، رافضاً أن يدنسه بالمحسوسات مثل الزواج، فهو يرى أنه سكران بالحق والحرية، ومن يسكر بهما لا صحو له (ص 20).

وينتقل السرد في الفصل الثاني الموسوم بـ«المخطوطة» إلى الجندي العراقي جلال شاكر، ليروي لنا، عبر ضمير المتكلم، جانباً من معاناته في هذه الحرب وكيفية عثوره على المخطوطة التي كتبها مير قرباني في أحد الخنادق العسكرية الإيرانية:

«أنا الجندي المكلّف جلال شاكر، أحد شهود وقرابين الحرب التي اندلعت واستمرت طوال سنوات من الجمر والوجع والخسارات». (ص 22)

ويسرد علينا راوي الفصل (جلال) محنته الموجعة من الحرب، بعد تخرجه في كلية الآداب، وزجّه مع زملائه إلى الجبهات المستعرة، كما يتحدث عن علاقته بزميلته (ليلى) واتفاقه معها على الزواج، لكنّ سوْقه إلى الحرب أوقف هذا المشروع. ويكشف الراوي عن عشقه للقراءة والكتابة:

«أنا أعشق القراءة، وأكتب بعض القصص القصيرة. وبعض المقالات الأدبية، وغير الأدبية».

وهذه الإشارة تضيء جانباً من الطبيعة الميتاسردية للرواية، لأن الراوي هو طرف فاعل في كتابة يوميات الحرب وتجاربه الشخصية، ومنها نقله إلى إحدى جبهات القتال الساخنة في (نهر جاسم)، حيث عثر في أحد المواقع في الجانب الإيراني على مخطوطة الجندي (مير قرباني) التي تحمل عنوان «ترجمان الأسرار» عن سيرة حياة الشاعر حافظ الشيرازي (ص 29)، وتشكل هذه اللحظة نقطة حاسمة في السرد الروائي بدخول المخطوطة في فضاء الرواية.

وقد أشار بطل الرواية وراويها الرئيسيّ إلى أنه دوَّن في مذكراته اليومية الكثير عن هذه المعارك.

وينمو خلال السرد اهتمام (جلال) بسيرة حافظ الشيرازي، وقصة عشقه لفتاة جميلة اسمها (شاخ نبات)، (ص 33). وهو يكتشف شبهاً بين ليلى، حبيبته، وبهار وقرباني، وحافظ وشاخ نبات (ص 34). وهكذا نلاحظ وجود توازٍ بين ثلاث حيوات في آن واحد: حياة حافظ الشيرازي، وحياة مير قرباني، وحياة جلال شاكر.

وعلى الرغم من سخونة الأوضاع السياسية واحتمالات نشوب الحرب فإن (مير قرباني) كان منشغلاً بكتابة رواية تتناول حياة الشيرازي (ص 51). وهذه إشارة ميتاسردية مهمة تعزز الجوهر الميتاسردي، وقصدية الكتابة والتدوين في الرواية.

يكشف كاتب المخطوطة (مير قرباني) عن مراحل كتابة الرواية، إذ أمضى شهوراً في البحث عن المصادر والمراجع التي تؤرخ حياة الشيرازي وأزمانه ومحنته (ص 51). ويشير إلى أنه مزج في روايته بين ما هو حقيقي وتاريخي وبين ما يتطلبه الخيال من إضافات، فضلاً عن الاستنارة بقراءة ديوانه الذي تضمن الكثير من الإشارات والمعلومات عن الأحداث التي كابدها (ص 52). وهذا الجهد الميتاسردي الذي بذله (مير قرباني) في كتابة رواية، هو في حقيقة الأمر الجهد المضني الكبير الذي بذله الروائي (عباس لطيف) في إنجاز هذه المخطوطة، وهي إشارة واضحة إلى أن كتابة الرواية لم تعد عملاً سهلاً أو سريعاً، بل تتطلب استقصاءً ودراسات تاريخية ونفسية وثقافية قبل الشروع بالكتابة، وهو ما يؤكد أن الرواية قد أصبحت «حرفة «أو «صنعة»، كما ذهب إلى ذلك الناقد (برسي لبوك) في كتابه «صنعة الرواية Craft of Fiction» المترجَم إلى العربية.

ونجد أن كاتب المخطوطة (مير قرباني) يُجري مقارنةً بين عصر الشيرازي (القرن الثامن الهجري – الثالث عشر الميلادي) وبين العصر الذي يعيش فيه، حيث «التعقيدات والاضطرابات والتناقضات نفسها»، (ص 53). وعبّر جلال شاكر في الفصل الموسوم «الهروب القاتل» عن مثل هذا الإحساس بالتناظر، عندما فكر بطبيعة شخصية الشيرازي:

«وشعرت بأن الشيرازي يواجه ظروفاً وعصراً ومرحلة معقّدة ومستعرة تشبه إلى حد ما، ما نمرّ به أنا وليلى، ومير قرباني وبهار». (ص 76)

وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن البنية السردية للرواية تنهض على وجود مثلث سردي، رأسه الأعلى يمثل سرديات حافظ الشيرازي، والرأسان السفليان يضمّان سرديات الجندي العراقي جلال شاكر، عن الحرب وحبيبته ليلى. وسرديات الجندي الإيراني عن حافظ الشيرازي وحبيبته بهار. ويمكن أن نلاحظ أن رأس المثلث العلوي الذي يمثله حافظ الشيرازي يشعَّ على الرأسين السفليين، ويلهمها الصبر والشجاعة والأمل لمواجهة مآسي الحرب المفروضة عليهما.

من جهة أخرى، الرواية تنطوي على أكثر من نص سردي لبناء شخصية حافظ الشيرازي عبر مرويات وكتابات ومخطوطات مختلفة، فهناك نص سيَرَي (بيوغرافي) يكتبه الإيراني (مير قرباني) في «المخطوطة»، ونص آخر يكتبه العراقي (جلال شاكر) من قراءته للمخطوطة ولحياة حافظ الشيرازي، فضلاً عن مرويات شخصيات مشاركة أو مراقبة منها شخصية الأم، وتلامذة حافظ الشيرازي، ورجال الدين، والملك، والحكام، ورجال السالوس، من البصاصين وكتبة التقارير. لكنّ الجوهر يكمن في نص السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافي) الذي يكتبه حافظ الشيرازي عن نفسه وأفكاره ورؤيته الصوفية في الحلول والعشق الجمالي. وبهذا فسيرة حافظ لا تُرسَم بطريقة خطّية مباشرة، بل تمر بتعرجات ومنعطفات، ولذا أطلق عليها المؤلف مصطلح «العروج»، وهو مصطلح قرآني يعني الوصول، بطريقة متعرجة إلى السماء، وهو ما يشير إليه العنوان «العروج إلى شيراز» ودلالته السيميائية العميقة. والعروج هنا يذهب، في الجوهر، إلى عملية ملاحقة تشكل شخصية حافظ الشيرازي أيضاً.

تثير رواية «العروج إلى شيراز» في ذهني، بوصفي قارئاً، مجموعة من الإحالات والتناصات والتماثلات. فعنوان الرواية «العروج إلى شيراز» يلتقي مع عنوان رواية الروائي الفرنسي (سينويه)، وهي عن الفيلسوف الإيراني ابن سينا، كما أن الرواية تُذكّرنا بمجموعة من الروايات التي تناولت تجارب مستمَدّة من الثقافة الإيرانية، منها رواية «سمرقند» للروائي اللبناني أمين معلوف، ورواية «منازل ح 17» للروائية العراقية رغد السهيل، وأهم من كل هذا وذاك، هناك التناظر الواضح بين رواية «العروج إلى شيراز» ورواية أليف شافاك الموسومة بـ«قواعد العشق الأربعون»، حتى يمكن القول إن رواية شافاك هي النص الغائب لرواية عباس لطيف. والروايتان تتحركان عبر مستوىين تاريخيين: مستوى تاريخي يغوص في التراث الإيراني، ومستوى معاصر ينغمس بالحياة اليومية المعاصرة. ففي رواية أليف شافاك نجد (إيلا رونشتاين)، وهي ناقدة تعمل في وكالة أدبية، تنهمك بالبحث عن حياة الدرويش شمس التبريزي، الذي حوّل حياة رجل الدين (جلال الدين الرومي) من سجن الصوفية إلى فضاء الحب والحرية والإيمان بإمكانية توحيد الناس والأديان. وتجد (إيلا) نفسها واقعة تحت هذا التأثير السحري لتلك الشخصية التاريخية، فتبدأ حياتها بالتغير تحت هذا التأثير، وهو ما نجده أيضاً من تأثر كلٍّ من (مير قرباني) و(جلال شاكر) بشخصية الشاعر حافظ الشيرازي.

رواية «العروج إلى شيراز»، هي في الجوهر رواية شخصية (Personality Novel)، وهذه الشخصية، بالمفهوم السيميولوجي، شخصية مرجعية تاريخية، بمفهوم الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصية الروائية» المترجَم إلى العربية. ويرى هامون أن الشخصية «مورفيم» فارغة في الأصل، وتمتلئ تدريجياً كلما تقدمنا في قراءة النص. لكننا في حالة شخصية حافظ الشيرازي، نجد أنفسنا إزاء شخصية تاريخية ومرجعية معروفة، ولذا فهي تحيل عادةً على عوالم مألوفة ضمن نصوص الثقافة والتاريخ. وبذا فليست شخصية (حافظ الشيرازي)، هنا، مجرد (مورفيم فارغ) لأنها تشعّ، في ذاكرة القارئ، كمّاً معرفياً من البيانات والحقائق التاريخية التي تجعل هذه الشخصية مألوفة للقارئ، وليست مجرد (مورفيم فارغ) كما هو الحال في الشخصيات التي لا تمتلك رصيداً تاريخياً وامتداداً قبْلياً في ثقافة القارئ وذاكرته.

رواية «العروج إلى شيراز» كما أشرت سابقاً رواية مركبة، وهي ثمرة بحث واستقصاء وتبصُّر عميق في إشكاليات الماضي والحاضر، وهي أيضاً صرخة مدوّية في وجه مشعلي الحروب، ودعوة إلى إشاعة السلام والمحبة بين البشر.

والرواية، من جهة أخرى، محاولة موفقة لاستعادة شخصية الشاعر حافظ الشيرازي من سجلات التاريخ وتقديمه بوصفه شخصية حية معاصرة ومؤثرة في الواقع الافتراضي للسرد.


مقالات ذات صلة

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

ثقافة وفنون تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

كشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.