العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

بها تكتمل سلسلة أعماله... وترجمتها الإنجليزية تصدر اليوم

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه
TT

العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه

مع اقتراب الفصل الأخير من حياته، عندما كانت ذاكرته في حالة متردية، كافح غابرييل غارسيا ماركيز لإنهاء رواية له عن الحياة الجنسية السرية لامرأة متزوجة في منتصف العمر. وفي سبيل ذلك، جرب ما لا يقل عن 5 نسخ، وظل يعدِّل في النص لسنوات، عبر تقطيع الجمل، وكتابة ملحوظات بسرعة في الهوامش، وتغيير الصفات، وإملاء ملاحظات على مساعده. إلا أنه في النهاية استسلم، وأصدر حكماً نهائياً مدمراً: إتلاف الرواية.

عن ذلك، يقول غونزالو غارسيا بارشا، الابن الأصغر للمؤلف: «لقد أخبرني بشكل مباشر بأنه يجب إتلاف الرواية».

عندما توفي غارسيا ماركيز، عام 2014، جرى إخفاء العديد من المسودات والملاحظات وأجزاء من فصول الرواية في أرشيفه داخل مركز هاري رانسوم بجامعة تكساس في أوستن. وظلَّت الرواية قابعة هناك، موزعة على 769 صفحة، غير مقروءة ومنسية إلى حد كبير - حتى قرر ابنا غارسيا ماركيز أخيراً تحدي رغبة والدهما. والآن، بعد عقد من وفاته، من المقرر أن ترى روايته الأخيرة، التي تحمل اسم «حتى أغسطس»، النور، هذا الشهر، مع إصدار عالمي يشمل 30 دولة.

وتدور أحداث الرواية حول امرأة تدعى آنا ماغدالينا باخ، تسافر إلى جزيرة كاريبية في أغسطس من كل عام لزيارة قبر والدتها. وفي رحلات الحج الكئيبة هذه، التي تحررها لفترة وجيزة من زوجها وعائلتها، تجد لنفسها حبيباً جديداً في كل زيارة. وتأتي هذه الرواية بمثابة خاتمة غير متوقعة لحياة وعمل غارسيا ماركيز، العملاق الأدبي الحائز على «جائزة نوبل»، والمرجح أن تثير تساؤلات حول كيف ينبغي للمؤسسات الأدبية والناشرين التعامل مع الإصدارات التي يجري نشرها بعد وفاة كاتبها وقد تتعارض مع توجيهاته.

صورة لتصحيحات ماركيز على النسخة الأصلية

ويعج التاريخ الأدبي بأمثلة لأعمال مشهورة لم تكن لترى النور لو لم يتجاهل القائمون على تنفيذ وصية أصحابها وورثتهم رغبات المؤلفين. مثلاً، أوصى الشاعر فيرجيل، وهو على فراش الموت، بإتلاف مخطوطة قصيدته الملحمية «الإنيادة». وعندما أصيب فرانز كافكا بمرض السل، أمر صديقه المعني بتنفيذ وصيته، ماكس برود، بحرق جميع أعماله. إلا أن برود «خانه»، وقدم لنا روائع سريالية مثل «المحاكمة»، و«القلعة»، و«أميركا». كما أمر فلاديمير نابوكوف عائلته بتدمير روايته الأخيرة «أصل لورا». ومع ذلك، نشر ابنه النص غير المكتمل، الذي صاغه نابوكوف على بطاقات مفهرَسة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على رحيل المؤلف.

في بعض الأعمال التي صدرت بعد وفاة مؤلفيها، تبدو نيات الكاتب للنص غير واضحة؛ ما دفع النقاد والقراء إلى التساؤل عن مدى اكتمال العمل، وإلى أي مدى تدخل المحررون في المخطوطة. في بعض الأحيان، تتعرض مؤسسات أدبية والورثة لانتقادات بأنهم تورطوا في تشويه الإرث الأدبي للكاتب، من خلال نشر أعمال دون المستوى أو غير مكتملة، سعياً وراء انتزاع آخر مكسب مالي ممكن من حقوق الملكية الفكرية المرتبطة باسم العلامة التجارية الأدبية للكاتب.

وبالعودة لابنَيْ غارسيا ماركيز، اتسمت مسألة ما يجب القيام به مع «حتى أغسطس» بالتعقيد، بسبب تقييمات والدهما المتضاربة للعمل. لفترة من الوقت، عمل غارسيا ماركيز بشكل مكثف على المخطوطة، وفي وقت ما أرسل مسودة إلى وكيله الأدبي. فقط عندما كان يعاني من فقدان شديد للذاكرة بسبب الخرف، قرر أن المخطوطة ليست جيدة بما يكفي.

جدير بالذكر أنه بحلول عام 2012، لم يعد بإمكان غارسيا ماركيز التعرف حتى على الأصدقاء المقربين وأفراد أسرته، ومن بين الاستثناءات القليلة هنا كانت زوجته مرسيدس بارشا، حسبما قال ابناه. وجابه غارسيا ماركيز صعوبة بالغة في استكمال محادثة مع شخص آخر. وكان أحياناً يلتقط أحد كتبه ويقرأه، دون أن يعي أن الكتاب من تأليفه.

لقد اعترف لعائلته بأنه شعر بعدم الاتزان كفنان دون ذاكرته، التي كانت له أعظم مصدر للمادة التي يعتمد عليها في الكتابة. وقال لهم إنه من دون الذاكرة، «لا يوجد شيء». وفي ظل تلك الحالة الممزقة، بدأ يشك في جودة روايته.

وقال رودريغو غارسيا، أكبر ولديه: «فقد غابو القدرة على الحكم على الكتاب. ربما لم يعد قادراً حتى على متابعة حبكة الرواية».

وبعد معاودة قراءة النص بعد سنوات من وفاة غارسيا ماركيز، شعر ابناه بأن والدهما كان مفرطاً بقسوته في الحكم على نفسه. وعن ذلك، قال ابنه: «بدت المخطوطة أفضل بكثير مما توقعناه».

ومع ذلك، يعترف ابنا غارسيا ماركيز بأن رواية «حتى أغسطس» لا تُصنف بين روائعه، ولذلك يخشيان أن يرفض البعض نشر الرواية بوصفها مجرد محاولة لكسب المزيد من المال من إرث والدهما.

يقول الابن غارسيا: «بالطبع، ساورنا القلق من أن يجري النظر إلينا بوصفنا مجرد شخصين جشعين».

على النقيض من أعماله الضخمة التي تتسم بالواقعية السحرية (ملاحم مثل «الحب في زمن الكوليرا» و«مائة عام من العزلة» التي بيع منها نحو 50 مليون نسخة) تبدو رواية «حتى أغسطس» متواضعة. وتأتي النسخة الإنجليزية، التي من المقرر أن تصدر اليوم، والتي تولت ترجمتها آن ماكلين، في 107 صفحات فقط.

ويرى الأخوان أن الرواية الجديدة إضافة قيمة إلى مجموعة أعمال غارسيا ماركيز، وذلك لأسباب عدة، منها أنها تكشف جانباً جديداً منه؛ فللمرة الأولى في أعمال ماركيز، يركز السرد على بطلة الرواية، ويروي قصة حميمة عن امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، تبدأ بعد نحو 30 عاماً من الزواج، في البحث عن الحرية، وتحقيق الذات، عبر علاقات الحب غير المشروعة.

بجانب ذلك، حاول الأخوان الحدّ بأقصى قدر ممكن من التدخل في النص بالتغيير، وقررا عدم تصحيحه أو إضافة أي عبارات لم ترد في مسودات غارسيا ماركيز أو ملاحظاته.

غلاف رواية «حتى أغسطس»

ومع ذلك، قد يشكك بعض القراء والنقاد في اختيارهما لإصدار عمل عدّه غارسيا ماركيز نفسه غير مكتمل، ما قد يضيف حاشية مخيبة للآمال إلى إرث أدبي شاهق.

في موطنه (كولومبيا)، حيث يظهر وجه غارسيا ماركيز على العملة، يبدو الجميع مترقبين لصدور الكتاب، ويتوق كثيرون داخل الأوساط الأدبية إلى أي شيء جديد من تأليف غارسيا ماركيز، مهما كان غير مصقول. ومع ذلك، يشعر البعض بالقلق من الطريقة التي يجري بها بيع الرواية.

في هذا الصدد، يقول الكاتب والصحافي الكولومبي خوان موسكيرا: «إنهم لا يقدمونها لك بوصفها مخطوطة، أو عملاً غير مكتمل، وإنما يطرحونها على أنها الرواية الأخيرة لغارسيا ماركيز. من جانبي، لست مقتنعاً بهذا التفخيم الذي نضفيه عليها. أعتقد أن الأمر برمته لا يعدو لحظة تجارية عظيمة للاستفادة من توقيع غارسيا ماركيز وعلامته التجارية».

أما الروائي الكولومبي هيكتور آباد، فقال إنه كان مرتاباً بشأن نشر «حتى أغسطس» في البداية، لكنه غيَّر رأيه عندما قرأ نسخة مسبقة منها.

وقال آباد، الذي سيشارك في فعالية تحتفي بالرواية في برشلونة، عبر رسالة بعث بها بالبريد الإلكتروني: «كنت أخشى أن يكون ذلك عملاً من أعمال الانتهازية التجارية، لكن اتضح لي أن الأمر على العكس تماماً؛ فكل الفضائل التي جعلت من غارسيا ماركيز كاتباً عظيماً موجودة هنا كذلك».

المؤكد أنه كانت هناك لحظة شعر خلالها غارسيا ماركيز بأن عمله الأخير يستحق النشر؛ ففي عام 1999 قرأ مقتطفات من «حتى أغسطس» خلال ظهور علني مع الروائي خوسيه ساراماغو في مدريد. وفي وقت لاحق، جرى نشر مقتطفات من الرواية في الصحيفة الإسبانية الأولى، «إل باييس»، وكذلك مجلة «نيويوركر». إلا أنه نحى مشروع الرواية جانباً لإنهاء مذكراته، ونشر رواية أخرى بعنوان «ذكريات عاهراتي الكئيبة»، التي تباينت الآراء بخصوصها. بعد ذلك، عاود غارسيا ماركيز العمل على «حتى أغسطس» بشكل مكثف عام 2003. وبعد عام أرسل المخطوطة إلى وكيلته الراحلة، كارمن بالسيلز.

في صيف عام 2010، اتصلت بالسيلز بكريستوبال بيرا، محرر سبق له العمل مع غارسيا ماركيز في مذكراته، وقالت إن غارسيا ماركيز، الذي كان آنذاك في الثمانينات من عمره، كان يحاول إنهاء رواية، وطلبت من بيرا مساعدته. كان غارسيا ماركيز حذراً للغاية تجاه أعماله قيد التنفيذ، لكن بعد بضعة أشهر، سمح لبيرا بقراءة بضعة فصول من الرواية، وبدا متحمساً لها، حسبما يتذكر بيرا. وبعد مرور نحو عام، تعثرت ذاكرة غارسيا ماركيز، وجابه مشقة في فهم السرد، لكنه استمر في تدوين الملاحظات على هوامش المخطوطة.

في هذا الصدد، قال بيرا: «كان الأمر علاجياً له، لأنه كان لا يزال قادراً على فعل شيء ما باستخدام القلم والورق».

وعندما عمد بيرا إلى حث غارسيا ماركيز بلطف على نشر الكتاب، عارضه المؤلف بشدة. وقال بيرا: «أخبرني أنه: (في هذه المرحلة من حياتي، لستُ بحاجة إلى نشر أي شيء آخر)».

وبعد وفاته عن 87 عاماً، جرى الاحتفاظ بنسخ مختلفة من «حتى أغسطس»، في أرشيفات مركز «هاري رانسوم».

قبل عامين، قرر نجلا غارسيا ماركيز إلقاء نظرة جديدة على النص. وقالا إن الرواية بدت فوضوية في بعض الأماكن، مع بعض التناقضات والتكرار، لكنها بدت كاملة، إذا لم تكن مصقولة. كما حمل العمل ومضات من قصائده الغنائية، مثل المشهد الذي كانت فيه آنا على وشك الاعتراف بخيانتها أمام قبر والدتها، وتشد قلبها «في قبضة يدها».

وبمجرد أن اتخذ الشقيقان قرار النشر، واجها لغزاً، فقد ترك ماركيز 5 نسخ على الأقل من مراحل مختلفة من الاكتمال. ومع ذلك، ترك إشارة بخصوص أيها أفضل.

عن ذلك، قال الابن الأصغر، غارسيا بارشا: «حمل أحد المجلدات عبارة (نهائي، لا بأس به) في المقدمة».

وأضاف شقيقه: «كان ذلك قبل أن يقرر أن الرواية ليست جيدة على الإطلاق».

العام الماضي، طلب الشقيقان من بيرا تحرير الرواية. وبالفعل، بدأ العمل على النسخة الخامسة، المؤرخة يوليو (تموز) 2004، التي تحمل عبارة «نهائي، لا بأس به».

بجانب ذلك، اعتمد على نسخ أخرى كذلك، ومن وثيقة رقمية جمعتها مونيكا ألونسو، مساعدة غارسيا ماركيز، مع العديد من الملاحظات والتغييرات التي أراد المؤلف إجراؤها. في كثير من الأحيان، كان بيرا يواجه صوراً مختلفة من جملة أو عبارة؛ نسخة مطبوعة وأخرى مكتوبة بخط اليد في الهوامش.

من جهته، حاول بيرا تصحيح التناقضات، مثل عمر البطلة؛ فقد تردد غارسيا ماركيز بشأن ما إذا كانت في منتصف العمر أو أقرب إلى الشيخوخة، ووجود أو عدم وجود شارب بوجه أحد عشاقها.

وفي خضم جهود بناء النسخة الأكثر تماسكاً، وضع بيرا والشقيقان قاعدة: لن يضيفوا كلمة واحدة من خارج ملاحظات غارسيا ماركيز أو مِن النسخ المختلفة التي تركها، على حد قولهم.

أما فيما يتعلق بمصير أي أعمال أخرى غير منشورة لغارسيا ماركيز، قال ابناه إنها ليست مشكلة: لا يوجد شيء آخر. طوال حياته، كان غارسيا ماركيز يدمر بشكل روتيني الإصدارات القديمة من الكتب المنشورة والمخطوطات غير المكتملة، لأنه لم يكن يريد أن يجري التدقيق فيها لاحقاً.

وأضافا أن ذلك كان من بين الأسباب التي دفعتهم إلى نشر رواية «حتى أغسطس».

وقال غارسيا بارشا: «عندما يصدر هذا الكتاب، سنكون بذلك قد نشرنا جميع أعمال غابو. لا يوجد شيء آخر في الدرج».

* خدمة «نيويورك تايمز»



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.