العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

بها تكتمل سلسلة أعماله... وترجمتها الإنجليزية تصدر اليوم

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه
TT

العالم يترقب رواية ماركيز الأخيرة «التي أراد تمزيقها»

ماركيز وابناه
ماركيز وابناه

مع اقتراب الفصل الأخير من حياته، عندما كانت ذاكرته في حالة متردية، كافح غابرييل غارسيا ماركيز لإنهاء رواية له عن الحياة الجنسية السرية لامرأة متزوجة في منتصف العمر. وفي سبيل ذلك، جرب ما لا يقل عن 5 نسخ، وظل يعدِّل في النص لسنوات، عبر تقطيع الجمل، وكتابة ملحوظات بسرعة في الهوامش، وتغيير الصفات، وإملاء ملاحظات على مساعده. إلا أنه في النهاية استسلم، وأصدر حكماً نهائياً مدمراً: إتلاف الرواية.

عن ذلك، يقول غونزالو غارسيا بارشا، الابن الأصغر للمؤلف: «لقد أخبرني بشكل مباشر بأنه يجب إتلاف الرواية».

عندما توفي غارسيا ماركيز، عام 2014، جرى إخفاء العديد من المسودات والملاحظات وأجزاء من فصول الرواية في أرشيفه داخل مركز هاري رانسوم بجامعة تكساس في أوستن. وظلَّت الرواية قابعة هناك، موزعة على 769 صفحة، غير مقروءة ومنسية إلى حد كبير - حتى قرر ابنا غارسيا ماركيز أخيراً تحدي رغبة والدهما. والآن، بعد عقد من وفاته، من المقرر أن ترى روايته الأخيرة، التي تحمل اسم «حتى أغسطس»، النور، هذا الشهر، مع إصدار عالمي يشمل 30 دولة.

وتدور أحداث الرواية حول امرأة تدعى آنا ماغدالينا باخ، تسافر إلى جزيرة كاريبية في أغسطس من كل عام لزيارة قبر والدتها. وفي رحلات الحج الكئيبة هذه، التي تحررها لفترة وجيزة من زوجها وعائلتها، تجد لنفسها حبيباً جديداً في كل زيارة. وتأتي هذه الرواية بمثابة خاتمة غير متوقعة لحياة وعمل غارسيا ماركيز، العملاق الأدبي الحائز على «جائزة نوبل»، والمرجح أن تثير تساؤلات حول كيف ينبغي للمؤسسات الأدبية والناشرين التعامل مع الإصدارات التي يجري نشرها بعد وفاة كاتبها وقد تتعارض مع توجيهاته.

صورة لتصحيحات ماركيز على النسخة الأصلية

ويعج التاريخ الأدبي بأمثلة لأعمال مشهورة لم تكن لترى النور لو لم يتجاهل القائمون على تنفيذ وصية أصحابها وورثتهم رغبات المؤلفين. مثلاً، أوصى الشاعر فيرجيل، وهو على فراش الموت، بإتلاف مخطوطة قصيدته الملحمية «الإنيادة». وعندما أصيب فرانز كافكا بمرض السل، أمر صديقه المعني بتنفيذ وصيته، ماكس برود، بحرق جميع أعماله. إلا أن برود «خانه»، وقدم لنا روائع سريالية مثل «المحاكمة»، و«القلعة»، و«أميركا». كما أمر فلاديمير نابوكوف عائلته بتدمير روايته الأخيرة «أصل لورا». ومع ذلك، نشر ابنه النص غير المكتمل، الذي صاغه نابوكوف على بطاقات مفهرَسة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على رحيل المؤلف.

في بعض الأعمال التي صدرت بعد وفاة مؤلفيها، تبدو نيات الكاتب للنص غير واضحة؛ ما دفع النقاد والقراء إلى التساؤل عن مدى اكتمال العمل، وإلى أي مدى تدخل المحررون في المخطوطة. في بعض الأحيان، تتعرض مؤسسات أدبية والورثة لانتقادات بأنهم تورطوا في تشويه الإرث الأدبي للكاتب، من خلال نشر أعمال دون المستوى أو غير مكتملة، سعياً وراء انتزاع آخر مكسب مالي ممكن من حقوق الملكية الفكرية المرتبطة باسم العلامة التجارية الأدبية للكاتب.

وبالعودة لابنَيْ غارسيا ماركيز، اتسمت مسألة ما يجب القيام به مع «حتى أغسطس» بالتعقيد، بسبب تقييمات والدهما المتضاربة للعمل. لفترة من الوقت، عمل غارسيا ماركيز بشكل مكثف على المخطوطة، وفي وقت ما أرسل مسودة إلى وكيله الأدبي. فقط عندما كان يعاني من فقدان شديد للذاكرة بسبب الخرف، قرر أن المخطوطة ليست جيدة بما يكفي.

جدير بالذكر أنه بحلول عام 2012، لم يعد بإمكان غارسيا ماركيز التعرف حتى على الأصدقاء المقربين وأفراد أسرته، ومن بين الاستثناءات القليلة هنا كانت زوجته مرسيدس بارشا، حسبما قال ابناه. وجابه غارسيا ماركيز صعوبة بالغة في استكمال محادثة مع شخص آخر. وكان أحياناً يلتقط أحد كتبه ويقرأه، دون أن يعي أن الكتاب من تأليفه.

لقد اعترف لعائلته بأنه شعر بعدم الاتزان كفنان دون ذاكرته، التي كانت له أعظم مصدر للمادة التي يعتمد عليها في الكتابة. وقال لهم إنه من دون الذاكرة، «لا يوجد شيء». وفي ظل تلك الحالة الممزقة، بدأ يشك في جودة روايته.

وقال رودريغو غارسيا، أكبر ولديه: «فقد غابو القدرة على الحكم على الكتاب. ربما لم يعد قادراً حتى على متابعة حبكة الرواية».

وبعد معاودة قراءة النص بعد سنوات من وفاة غارسيا ماركيز، شعر ابناه بأن والدهما كان مفرطاً بقسوته في الحكم على نفسه. وعن ذلك، قال ابنه: «بدت المخطوطة أفضل بكثير مما توقعناه».

ومع ذلك، يعترف ابنا غارسيا ماركيز بأن رواية «حتى أغسطس» لا تُصنف بين روائعه، ولذلك يخشيان أن يرفض البعض نشر الرواية بوصفها مجرد محاولة لكسب المزيد من المال من إرث والدهما.

يقول الابن غارسيا: «بالطبع، ساورنا القلق من أن يجري النظر إلينا بوصفنا مجرد شخصين جشعين».

على النقيض من أعماله الضخمة التي تتسم بالواقعية السحرية (ملاحم مثل «الحب في زمن الكوليرا» و«مائة عام من العزلة» التي بيع منها نحو 50 مليون نسخة) تبدو رواية «حتى أغسطس» متواضعة. وتأتي النسخة الإنجليزية، التي من المقرر أن تصدر اليوم، والتي تولت ترجمتها آن ماكلين، في 107 صفحات فقط.

ويرى الأخوان أن الرواية الجديدة إضافة قيمة إلى مجموعة أعمال غارسيا ماركيز، وذلك لأسباب عدة، منها أنها تكشف جانباً جديداً منه؛ فللمرة الأولى في أعمال ماركيز، يركز السرد على بطلة الرواية، ويروي قصة حميمة عن امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، تبدأ بعد نحو 30 عاماً من الزواج، في البحث عن الحرية، وتحقيق الذات، عبر علاقات الحب غير المشروعة.

بجانب ذلك، حاول الأخوان الحدّ بأقصى قدر ممكن من التدخل في النص بالتغيير، وقررا عدم تصحيحه أو إضافة أي عبارات لم ترد في مسودات غارسيا ماركيز أو ملاحظاته.

غلاف رواية «حتى أغسطس»

ومع ذلك، قد يشكك بعض القراء والنقاد في اختيارهما لإصدار عمل عدّه غارسيا ماركيز نفسه غير مكتمل، ما قد يضيف حاشية مخيبة للآمال إلى إرث أدبي شاهق.

في موطنه (كولومبيا)، حيث يظهر وجه غارسيا ماركيز على العملة، يبدو الجميع مترقبين لصدور الكتاب، ويتوق كثيرون داخل الأوساط الأدبية إلى أي شيء جديد من تأليف غارسيا ماركيز، مهما كان غير مصقول. ومع ذلك، يشعر البعض بالقلق من الطريقة التي يجري بها بيع الرواية.

في هذا الصدد، يقول الكاتب والصحافي الكولومبي خوان موسكيرا: «إنهم لا يقدمونها لك بوصفها مخطوطة، أو عملاً غير مكتمل، وإنما يطرحونها على أنها الرواية الأخيرة لغارسيا ماركيز. من جانبي، لست مقتنعاً بهذا التفخيم الذي نضفيه عليها. أعتقد أن الأمر برمته لا يعدو لحظة تجارية عظيمة للاستفادة من توقيع غارسيا ماركيز وعلامته التجارية».

أما الروائي الكولومبي هيكتور آباد، فقال إنه كان مرتاباً بشأن نشر «حتى أغسطس» في البداية، لكنه غيَّر رأيه عندما قرأ نسخة مسبقة منها.

وقال آباد، الذي سيشارك في فعالية تحتفي بالرواية في برشلونة، عبر رسالة بعث بها بالبريد الإلكتروني: «كنت أخشى أن يكون ذلك عملاً من أعمال الانتهازية التجارية، لكن اتضح لي أن الأمر على العكس تماماً؛ فكل الفضائل التي جعلت من غارسيا ماركيز كاتباً عظيماً موجودة هنا كذلك».

المؤكد أنه كانت هناك لحظة شعر خلالها غارسيا ماركيز بأن عمله الأخير يستحق النشر؛ ففي عام 1999 قرأ مقتطفات من «حتى أغسطس» خلال ظهور علني مع الروائي خوسيه ساراماغو في مدريد. وفي وقت لاحق، جرى نشر مقتطفات من الرواية في الصحيفة الإسبانية الأولى، «إل باييس»، وكذلك مجلة «نيويوركر». إلا أنه نحى مشروع الرواية جانباً لإنهاء مذكراته، ونشر رواية أخرى بعنوان «ذكريات عاهراتي الكئيبة»، التي تباينت الآراء بخصوصها. بعد ذلك، عاود غارسيا ماركيز العمل على «حتى أغسطس» بشكل مكثف عام 2003. وبعد عام أرسل المخطوطة إلى وكيلته الراحلة، كارمن بالسيلز.

في صيف عام 2010، اتصلت بالسيلز بكريستوبال بيرا، محرر سبق له العمل مع غارسيا ماركيز في مذكراته، وقالت إن غارسيا ماركيز، الذي كان آنذاك في الثمانينات من عمره، كان يحاول إنهاء رواية، وطلبت من بيرا مساعدته. كان غارسيا ماركيز حذراً للغاية تجاه أعماله قيد التنفيذ، لكن بعد بضعة أشهر، سمح لبيرا بقراءة بضعة فصول من الرواية، وبدا متحمساً لها، حسبما يتذكر بيرا. وبعد مرور نحو عام، تعثرت ذاكرة غارسيا ماركيز، وجابه مشقة في فهم السرد، لكنه استمر في تدوين الملاحظات على هوامش المخطوطة.

في هذا الصدد، قال بيرا: «كان الأمر علاجياً له، لأنه كان لا يزال قادراً على فعل شيء ما باستخدام القلم والورق».

وعندما عمد بيرا إلى حث غارسيا ماركيز بلطف على نشر الكتاب، عارضه المؤلف بشدة. وقال بيرا: «أخبرني أنه: (في هذه المرحلة من حياتي، لستُ بحاجة إلى نشر أي شيء آخر)».

وبعد وفاته عن 87 عاماً، جرى الاحتفاظ بنسخ مختلفة من «حتى أغسطس»، في أرشيفات مركز «هاري رانسوم».

قبل عامين، قرر نجلا غارسيا ماركيز إلقاء نظرة جديدة على النص. وقالا إن الرواية بدت فوضوية في بعض الأماكن، مع بعض التناقضات والتكرار، لكنها بدت كاملة، إذا لم تكن مصقولة. كما حمل العمل ومضات من قصائده الغنائية، مثل المشهد الذي كانت فيه آنا على وشك الاعتراف بخيانتها أمام قبر والدتها، وتشد قلبها «في قبضة يدها».

وبمجرد أن اتخذ الشقيقان قرار النشر، واجها لغزاً، فقد ترك ماركيز 5 نسخ على الأقل من مراحل مختلفة من الاكتمال. ومع ذلك، ترك إشارة بخصوص أيها أفضل.

عن ذلك، قال الابن الأصغر، غارسيا بارشا: «حمل أحد المجلدات عبارة (نهائي، لا بأس به) في المقدمة».

وأضاف شقيقه: «كان ذلك قبل أن يقرر أن الرواية ليست جيدة على الإطلاق».

العام الماضي، طلب الشقيقان من بيرا تحرير الرواية. وبالفعل، بدأ العمل على النسخة الخامسة، المؤرخة يوليو (تموز) 2004، التي تحمل عبارة «نهائي، لا بأس به».

بجانب ذلك، اعتمد على نسخ أخرى كذلك، ومن وثيقة رقمية جمعتها مونيكا ألونسو، مساعدة غارسيا ماركيز، مع العديد من الملاحظات والتغييرات التي أراد المؤلف إجراؤها. في كثير من الأحيان، كان بيرا يواجه صوراً مختلفة من جملة أو عبارة؛ نسخة مطبوعة وأخرى مكتوبة بخط اليد في الهوامش.

من جهته، حاول بيرا تصحيح التناقضات، مثل عمر البطلة؛ فقد تردد غارسيا ماركيز بشأن ما إذا كانت في منتصف العمر أو أقرب إلى الشيخوخة، ووجود أو عدم وجود شارب بوجه أحد عشاقها.

وفي خضم جهود بناء النسخة الأكثر تماسكاً، وضع بيرا والشقيقان قاعدة: لن يضيفوا كلمة واحدة من خارج ملاحظات غارسيا ماركيز أو مِن النسخ المختلفة التي تركها، على حد قولهم.

أما فيما يتعلق بمصير أي أعمال أخرى غير منشورة لغارسيا ماركيز، قال ابناه إنها ليست مشكلة: لا يوجد شيء آخر. طوال حياته، كان غارسيا ماركيز يدمر بشكل روتيني الإصدارات القديمة من الكتب المنشورة والمخطوطات غير المكتملة، لأنه لم يكن يريد أن يجري التدقيق فيها لاحقاً.

وأضافا أن ذلك كان من بين الأسباب التي دفعتهم إلى نشر رواية «حتى أغسطس».

وقال غارسيا بارشا: «عندما يصدر هذا الكتاب، سنكون بذلك قد نشرنا جميع أعمال غابو. لا يوجد شيء آخر في الدرج».

* خدمة «نيويورك تايمز»



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ