الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

توظيف المخطوطة في «الكراكي» لحسن حميد

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني
TT

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

الرواية بوصفها مدوّنة للحلم الفلسطيني

رواية «الكراكي» للروائي الفلسطيني حسن حميد، الصادرة عام 2023، ليست واحدة من مدونات الحلم الفلسطيني بقدر ما هي مدونة لهذا الوجع؛ إذْ سبق لهذا الروائي وأن قدم عدداً من الروايات والقصص التي تتمحور حول نضال الشعب الفلسطيني تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، وحق هذا الشعب تاريخياً في أرضه ومائه وسمائه.

منذ البداية يكشف الروائي عن خطته السردية التجريبية في كتابة الرواية باعتماد البنية الميتاسردية، من خلال توظيف المخطوطة بنية نصية متحكمة في السرد الروائي؛ إذ يعلن لنا الروائي أنه قد عثر على هذا الكتاب الروائي في صندوق جده إلياس الشمندوري:

«هذا كتاب عثرت عليه في صندوق جدي إلياس الشمندوري الذي عاش في الأزمنة الغابرة، وقد كان من القرائين والكتبة المعدودين آنذاك». (ص 7)

ولكي يمنح الروائي للتاريخ حضوراً وامتداداً في عمق المجتمع الفلسطيني يقول إن أربعين جداً تهيبوا من فتح الصندوق لأنهم تعاهدوا واحداً بعد واحد على عدم فتحه؛ حفاظاً على ما فيه من أسرار. ولذا فهو الوحيد الذي تجرأ على كسر الصندوق واكتشاف هذه المخطوطة التي أعاد نشرها دونما تعديلات جذرية.

وبعد أن ينتهي الراوي الأول من تقديم هذه الإيضاحات في مستهل الرواية تحت عنوان «عتبة لا بد منها» يحيل السرد إلى جده إلياس الشمندوري الذي يوظف بدوره ضمير المتكلم الأوتوبوغرافي، ويتحدث عن شخصية «سيدنا» الأسطورية بمعجزاته الخارقة، وعن بحيرة طبرية وأناسها وشمسها وسمائها وينابيعها:

«قال جدي إلياس الشمندوري:

أنا لم أر سيدنا هنا في طبريا

كنت صغيراً آنذاك، ولم أعرف عن حضوره شيئاً إلا عندما كبرت». (ص 10)

وترتقي الرؤية السردية من عين الطفل البريئة إلى عين الشاب العاشق، بطريقة لا تخلو من خطية؛ إذْ نجد وصفاً طفولياً مفعماً بالدهشة لشخصية الأب طنوس راعي الكنيسة في البلدة:

«في هذه الكنيسة الصغيرة العالية، يوجد رجل طويل ناحل، طويل الوجه، طويل الذراعين، طويل الأنف والأصابع والقدمين، رجل كل شيء فيه طويل حتى شعر رأسه، هو راعي الكنيسة». (ص12)

وبهذه اللمسة الوصفية نكتشف أننا إزاء مجتمع فلسطيني مسيحي، هو مجتمع قرية (صبيرات) في مدار بحيرة (طبريا) التي تقع بين منطقة الجليل وهضبة الجولان شمال فلسطين.

وفي هذا المجتمع يُعمّد الطفل الصغير عبد الله والمكنى بـ«عبودة» من قبل الأب طنوس، الذي ظنه أباه الذي ذهب إلى الميناء ليجد عملاً ولم يعد ولذا تعلق به، وبراهبة اسمها (ماريا) ساهمت في تعليمه الكتابة والرسم والموسيقى، شعر بعدها بأن قلبه يدق لها بشدة، وأنها تملأ أحلامه وتفكيره ومشاعره، وهكذا يحيل الجد إلياس الشمندوري خيط السرد للروائي (عبودة) الذي يصبح سارداً رئيسياً للرواية. ومثلما تحرك حجرة صغيرة سطح بحيرة ساكنة، ألقى الروائي بحجارة صغيرة حركت مياه السرد طيلة هذا المتن النصي المتوتر. وهذه الحجارة تتمثل في وصول حشد من الغجر إلى القرية، يذكرنا بماركيز ومخيم الغجر وملكياس في رواية «مائة عام من العزلة»، حيث يصل حشد من الغجر على مقربة من قرية (صبيرات) في كرنفال شعبي:

«من بعيد، وعلى مقربة من قرية (صبيرات) بدأ المشهد أشبه بكرنفال شعبي، تتقدمه وتحيط به ضجة صخّابة، فيها غناء وإنشاد، ودق وزعيق وقرع». (ص 23)

ويغيّر وصول حشد الغجر هذا هدوء القرية وحياتها، ويعيد تشكيل العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أبنائها؛ إذ يتعرف أبناء القرية، ربما لأول مرة، على فنون وعلوم وتجارب جديدة قلبت حياتهم رأساً على عقب.

وعلى قرع الطبول والدفوف والضرب على أواني النحاس والنفخ في النايات والمزامير تشرع النساء في الرقص والهرج، فيتراكض أطفال قرية (الصبيرات) إلى مهرجان الحشد، ويعقبهم أبناء القرية الذين يساهمون ببناء خيمة كبيرة منزلاً لأفراد الحشد، وينجح الروائي في تقديم وصف شيء يذكرنا بمدرسة الرواية الجديدة في فرنسا لكل تفاصيل هذا المهرجان الباذخ وشخصياته وألعابه وطقوسه الغريبة. وتطل خلال هذا الاشتباك شخصيات أسطورية منها شخصية الكاهن الذي ينادونه بالخال، والذي جاء ليعلن عن ولادة طفل في هذه القرية سيكون هو خال القرية والقرى المجاورة. وبعد ممانعات عدة من قبل الأم التي حاولت إخفاء ابنها نكتشف أن (عبودة) الذي يحمل وسماً خاصاً بشكل بقعة زرقاء تحت عينه اليمنى، وحبة عنب ذات لون بنفسجي على كتفه اليسرى، وهو الذي سيكون الخال الجديد، والذي سرعان ما تحول إلى كائن مقدس أقرب ما يكون إلى الأسطورة الشعبية:

«لا أدري كيف مَرَّ في بال أهل (الصبيرات) أنني الكاهن الجديد، فراح الجميع الصغار والكبار يتحدثون عني باحترام شديد يقارب القداسة». (ص 38)

وتشغل حبكة الحب بين (عبودة والراهبة ماريا) حيزاً كبيراً ومتنامياً في السرد كما تحمل مكانة خاصة قصة الحب بين الغجرية (فضة) التي جاءت مع مخيم الغجر وشاب من القرية اسمه (الزهروري). كما تتحول الرواية تدريجياً إلى بنية بحث عن الغائب، أو بالأحرى عن الغائبين، خاصةً بعد غياب الراهبة ماريا والغجرية (فضة) والأم.

تمتلك حكاية الحب التي جمعت بين الغجرية (فضة) التي جاءت مع حشد الغجر وصياد السمك الشاب (الزهروري) لمسة رومانسية عميقة منحت الرواية رقة وعذوبة، فقد كان الزهروري مسحوراً بجمال (فضة)، لذا ظل يلاحقها، وعندما فُجعت بوفاة والدتها، انخرطت في بكاء متواصل، لكن الزهروري حاول التخفيف عنها:

«بدأ أشبه برفيقة لها، فراح يواسيها ويصبّرها ويرجوها ألا تدمر روحها، ولم يفطن أحدهما، لا هو ولا هي، أنهما باتا الليل محاضنةً». (ص 113) وعندما رحلت (فضة) ظن الزهروري أن الحياة غادرته. (ص 166). وبدأ العاشق صياد السمك الزهروري رحلة بحثه عن فضة «في رحلة البحث عن بنت غجرية جميلة ترقص كما يرقص الشجر، اسمها فضة». (170)

ويقول الزهروري بأسىً ويأس:

«درنا الدنيا كلها،

ولم نعثر على فضة». (ص 170)

وحكاية غياب (المبروك يحيى) من الحكايات التي أثرت في اهتمام أهل القرية، واحتار الناس في معرفة سبب غيابه، طوال أيام الثلج الذي غمر البلدة، ولم يعرف أحد مصيره:

«ولهذا صدّق الناس أن المبروك يحيى لاقى وجه ربه». (ص 176)

خاصة بعد أن وجد أحد رعيان البلدة ثياب المبروك يحيى وبعض عظامه (ص177)، وكان المبروك شاباً «زينة» يبيع العطور وأدوات الزينة والملابس، وكل ما يخص النساء، لذا كن متعلقات به، وأحبته ابنة صاحب السيارة الوحيدة في القرية إسماعيل أبو ليرة، واسمها رجاء، وبكتْه حين صار للمبروك يحيى قبراً». (ص 181)

أما قصة الحب التي جمعت بين بطل الرواية (عبودة) أو (عبد الله) والراهبة (ماريا)، فقد امتدت على طول الرواية، منذ بدايتها وحتى نهايتها. وبدأت الحكاية عندما أخذت (هدلة) أم (عبودة) ولدها الصغير إلى الكنيسة الصغيرة مستنجدة براعيها الأب (طنوس)؛ لكي يجد علاجاً لولدها الصغير الذي عانى كثيراً بعد ولادته، ويصف الطفل الأب طنوس وصفاً طفولياً ساذجاً عندما رآه، كما أشرنا إلى ذلك تواً.

واستمر الأب طنوس بعلاج (عبودة) لأيام طويلة، وعندما كان ينشغل بأمور الكنيسة، كان يترك الطفل مع راهبة اسمها (ماريا):

«بعد أن اطمأن عليَّ... دفعني إلى راهبة اسمها ماريا.

يا لماريا، فقد وقعت صورتها في قلبي منذ أن رأيتها، فانجذبت إليها». (ص 17)

وهكذا بدأت قصة الحب تنمو في قلبه تدريجياً، وهو يشب عن طوق الطفولة ويدخل مرحلة الشباب، ففاتحها بحبه لها، وفوجئ بأنها تبادله الحب، وأنها تنتظر هذه الكلمة منه. وكان سرور (عبودة) كبيراً عندما أخبرته أمهُ بأن (ماريا) ليست منذورة للكنيسة، وأن بإمكانها أن تتزوج منه. وهكذا بدأ يخطط للزواج منها، ولبناء عش زوجية خاص بهما. وفجأة غابت (ماريا) عن الكنيسة، وبدأت معها رحلة البحث المضنية عنها. وأخبره الأب (طنوس) أنها ذهبت بصحبة بعض الأخوات الراهبات إلى القدس والخالصة لأمور كنسية؛ لذا فقد عزم عبودة على القيام بسلسلة رحلات بحثاً عنها، لكنه لم يعثر لها على أثر في كل المدن الفلسطينية، وأخبره الأب طنوس أنها صارت شامية:

«الراعيات هناك في الخالصة أخذنها إلى الشام!». (ص 198)

وتضاربت الآراء؛ فمنهم من نفى خبر سفرها إلى الشام، ولأول مرة تبدأ مخاوف الناس من «جنود شقر وقفوا فوق جسور النهر، وقد حالوا بين الناس والدخول والخروج من دون أوراق وتصاريح». (ص 196)

وهي إشارة لهيمنة الاحتلال الإسرائيلي وتحكّمه في مصائر الفلسطينيين.

ومما زاد من محنة الشاب (عبودة) اختفاء أمه المفاجئ، بعد أن ذهبت إلى الميناء بحثاً عن زوجها (عزيز)، وكما أخبره الأب طنوس: «إنها تبحث عن والدك عزيز، ولن تتركه حتى تعود به إليك». (ص 207)

وقال عبودة بأسىً:

«لا أخبار عن ماريا، ولا أخبار عن أمي». (ص 213)

ولذا فقد عزم عبودة على مواصلة البحث عن ماريا وأمه:

«أحكمت أمري أن أطوي غياب أمي وماريا بالبحث عنهما، حتى لو صارت حياتي كلها هي البحث عنهما». (ص 217)

ومما زاد من فجيعة (عبودة) بعد غياب (ماريا) وأمه، الخبر الصاعق الذي جاء به هارون بوفاة الأب طنوس المفاجئ (ص 224)، حيث أحس عبودة أن الحياة قد ماتت بموت الأب طنوس.

وتختتم الرواية بتساؤل يائس موجّه إلى الرب، عما يمكن أن يفعله بعد أن غدا وحيداً:

«قل لي يا إلهي، ماذا أفعل وقد غدوت وحيداً تماماً، والجنود الشقر على الجسور، وفي مفارق الطرق، وفي القرى والمدن؟». (ص 226)

وفي هذا التساؤل الإشكالي يطرح الروائي محنة الفلسطينيين الجوهرية متمثلة بوجود قوى الاحتلال الإسرائيلي، مجسدة بالجنود الشقر على الجسور وفي مفارق الطرق.

وبذا تكون رواية «الكراكي»، كما قلنا مدونة مهمة من مدونات النضال المشروع للشعب الفلسطيني لتحرير أرضه ومائه وسمائه، وهي ملحمة إنسانية تنضح بالحب وبحب الأرض والطبيعة، حتى ليمكن القول إن الحب هو الروح التي تتسربل بها أجواء الرواية؛ حبٌ للآخر وللأرض وللماء والسماء.

وربما يمثل رمز الكراكي الذي اتخذه الروائي عنواناً دالاً لروايته إحدى الدوال السيميائية الكاشفة عن جوهر هذا الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية عبر التاريخ؛ إذ يشير الروائي إلى حشد من طيور البط والإوز التي تموج مثل حقل سمسم تزيد المشهد جمالاً، وكانت طيور الكراكي تتقدم دونما خوف، كما لو أنها قطيع من الدهشة الآسرة... إنها تقترب كأنها خراف جمعها المطر. (ص 50) وكان الروائي في عتباته النصية الصغيرة قد عبّر عن حزنه لضياع أسطر من المخطوطة تتحدث عن الكراكي التي «غدت تعيش في بلدة جدي إلياس الشمندوري، كما لو أنها الخراف». (ص9) وفي أجواء الاحتفالات الشعبية كانت طيور الكراكي تقف وقد بدت أشبه بالحراس للمكان». (ص 53) وفي إحدى المناسبات «بدت النساء بأثوابهن مثل طيور الكناري» (ص 186) وعبّر الأب طنوس عن رمزية الكراكي، وهو يتحدث إلى هدلة «والدة الراوي عبودة»، أنها أخوة عبودة وأخوة من لا أخوة له:

«إنها خراف السماء، خراف النبي، إنها عنوان الأمن والأمان، ومعنى الطمأنينة والسلام، إن حضرت حضر الأمن والأمان والسلام، وإن غابت، غاب الأمن والأمان والسلام». (ص 215)

وبهذه الكلمات لخص الأب طنوس رمزية الكراكي بوصفها عنواناً للأمن والطمأنينة والسلام، وهو ربما ما دفع بالروائي حسن حميد لأنْ يختار الكراكي عنواناً لروايته المدهشة هذه، بوصفها عتبة نصية دالة ترمز إلى البعد الروحي والثقافي المتجذر للإنسان الفلسطيني، المتشبث بأرضه وتاريخه وأحلامه، وحلمه في توفير الأمن والطمأنينة والسلام.



نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».


ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».