رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

تنوعٌ يكاد يكون لا نهائياً في تقنيات السرد

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو
TT

رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو

كيف تبدو صورة الفن القصصي في الفترة من 1970 حتى يومنا هذا؟ كيف ستكون صورته في المستقبل؟ سؤالان يجيب عنهما الناقد الإنجليزي بيتر كمب (Peter Kemp) في كتاب صدر عن «مطبعة جامعة ييل» خلال العام الماضي (2023) في 371 صفحة وعنوانه «أرض الرجوع إلى الوراء: مرشد القارئ إلى التنوع الباهر للقصص الحديثة»: Retroland: A Reader's Guide to The Dizzying Diversity of Modern Fiction.

يرمي الكتاب، كما يقول مؤلفه، إلى أن يكون خريطة طريق وخزانة زجاجية للعرض في آن. فهو دراسة لأهم الأعمال الروائية التي صدرت باللغة الإنجليزية منذ عام 1970 تقريباً حتى يومنا هذا، لا في بريطانيا وحدها وإنما أيضاً في أمريكا الشمالية وشبه القارة الهندية وأفريقيا وأستراليا والشرق الأقصى.

يرى كمب أن الملمح المميز لفن القصة في الفترة التي يعالجها هو اهتمام واسع النطاق بالماضي. وقد اقترن هذا بتنوع يكاد يكون لا نهائياً في تقنيات السرد: ثمة روايات بالغة الطول وأخرى بالغة القصر. روايات مكتوبة في صورة شعر مرسل أو مقطوعات مكونة من ثلاثة سطور. روايات مسلسلة أو مذاعة. روايات مصحوبة بصور فوتوغرافية وخرائط. روايات مكتوبة في شكل رسائل بريد إلكتروني. روايات مطبوعة بألوان مختلفة، أو يمكن قراءتها طرداً وعكساً... إلخ.

مارغريت آتوود

ومؤلفو هذه الأعمال لا يقلون عن ذلك تنوعاً فهم يشملون ساسةً، وممثلين كوميديين، وطهاةً، ومراسلين أجانب، وعارضات أزياء، وراقصات، وأبطالاً في التنس، وعازفي بيانو، ورجال دين، إلى آخره.

والراوي قد يكون رجلاً أو امرأةً أو طفلاً أو جنيناً، بل قد يكون إناءً سومرياً من 6500 سنة مضت، أو شجرة تين، أو زجاجة نبيذ، أو كتاباً، أو مبنى عالياً، أو دباً يعزف موسيقى جاز على آلة ساكسوفون. وقد تكون للشخصيات أجنحة أو قرون أو أظلاف. وقد تكون منحرفة مرضياً أو إجرامياً. وقد تجيء من مختلف مسالك الحياة. ثمة كلاب تروي قصصاً. وبطل إحدى الروايات خنزير. وثمة مصاصو دماء. وموتى يتحركون بقوة دفع خارقة. هناك روايات تستخدم آلة الزمان التي تخيلها هـ. ج. ولز، أو تتخيل عوالم بديلة تكون فيها بريطانيا مستعمرة يحكمها الاتحاد السوفياتي أو الرايخ الثالث الهتلري.

لكن المفارقة هي أن هذا التنوع الكبير متسق داخلياً، وله نسق. وهذا النسق، كما أسلفنا، هو الارتداد إلى الوراء زمنياً.

ما الصور التي اتخذتها هذه العودة إلى الماضي؟ يذكر كمب أربع صور هي (أولاً) الاهتمام بالماضي السياسي تزامناً مع تقلص ظل الامبراطورية البريطانية و(ثانياً) الاهتمام بالماضي الشخصي في حياة الرجال والنساء، وخبرات الطفولة والصدمات الناجمة عن معايشة حربين عالميتين وحروب أخرى كثيرة. و(ثالثاً) الماضي التاريخي أو أحداث الماضي وشخصياته، و(رابعاً) الماضي الأدبي أو استيحاء الأعمال الأدبية التي أبدعها كتاب عصور سالفة. ويضرب كمب أمثلة لكل نوع من هذه الفئات الأربع.

جورج أورويل

فالماضي المتمثل في الإمبراطورية البريطانية وغيرها من الإمبراطوريات قد شكل خلفية روايات بول سكوت، وسلمان رشدي، وفيكرام سث، وف. س. نايبول، وتوني موريسون، وكازو إيشيغورو وغيرهم.

من ممثلي هذا الاتجاه الروائي الأميركي جور فيدال وهو مؤلف سلسلة من سبع روايات تحمل عنواناً عاماً هو «حكايات الإمبراطورية» (1967- 2000).

والسلسلة دراسة لارتفاع وسقوط إمبراطورية الولايات المتحدة في العصر الحديث مقارنة بالإمبراطورية الرومانية: كلتاهما بدأت في صورة جمهورية ثم هجرت مبادئها الرفيعة الأولى منصاعة لمغريات القوة والسلطة والثروة. واشنطن - مثل روما- بها مبنى كابيتول ومجلس شيوخ. وكمثل يوليوس قيصر اغتيل بعض الرؤساء الأمريكيين بدءاً بإبرهام لنكولن. وفي كلا البلدين كان ثمة نظام للرق أو العبودية.

والماضي الشخصي وانعكاسه على الحاضر يتمثل على أنحاء مختلفة في أعمال توني موريسون، ومرغريت درابل وهيلاري مانتل، وجوليان بارنز، وإيان ماكوين، وآخرين.

ففي رواية كازو إيشيغورو (ياباني المولد، بريطاني الجنسية، حاصل على جائزة نوبل للأدب في 2017) المسماة «العملاق الدفين» (2015) تغيم معالم الأشياء ويخيم ضباب ثلجي على بريطانيا في العصور الوسطى وذلك بعد رحيل الرومان عنها (كان يوليوس قيصر قد غزا بريطانيا في القرن الأول ق. م) بزمن طويل. ومن خلال الظلمة نستطيع أن نتبين آثار حضارة بائدة وبهاء زائل: طرق مهدمة، وفيلا خربة كانت أرضها قديماً مرصعةً بفسيفساء جميلة. وعبر هذا المشهد المتداعي نرى زوجين عجوزين يشقان طريقهما بحثاً عن ابن مفقود. وكلاهما مصاب بفقدان للذاكرة، فهما لا يكادان يتذكران شيئاً عن ابنهما ولا عن الجانب المظلم من حياتهما الزوجية الطويلة. هذه أرض تعمرها غيلان وتنانين ورهبان أشرار وملاح زورق ينقل الناس إلى جزيرة الموتى مثل خارون في الأساطير الإغريقية، وشخصيات أسطورية من التراث الأدبي والتاريخي الإنجليزي: بيولف المحارب الملحمي ضد وحش البحيرة جرندل في قصيدة أنجلو - سكسونية قديمة، والسير جاوين أحد فرسان المائدة المستديرة.

العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدوس هكسلي أو جورج أورويل

وبعث الماضي يتجلى في الروايات التاريخية ومن أمثلتها رواية جوليان بارنز «تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف فصل» (1989) وفيها نرى الحياة في فلك نوح، أثناء الطوفان الذي غمر الأرض، من منظور دودة آكلة للخشب تمكنت من التسلل إلى الفلك. ورقعة خيال الكاتب واسعة تجلب إلى الرواية غرق الباخرة تايتانيك، ورحلة كولومبوس لاكتشاف العالم الجديد، وقارباً أسترالياً يحاول النجاة من إشعاعات انفجار نووي، وسفينة فضاء.

وأخيراً فهناك استيحاء التراث الأدبي المنحدر إلينا عبر العصور، وهو ما قد يتخذ صورة التقاط شخصيات قصصية من أعمال أدبية سابقة مثل دراكيولا أو ديفيد كوبرفيلد أو شرلوك هومز أو جيمز بوند، والتنبؤ بما سيؤول إليه مصيرها. ومن أمثلة ذلك رواية الروائي الأمريكي جون أبدايك المسماة «غرترود وكلوديوس» (2000) وهي استيحاء تخيلي لمسرحية شكسبير «هاملت» (غرترود هي أم هاملت، وكلوديوس هو العم الذي قتل أبا هاملت)... ويقيم أبدايك تقابلاً بين عقلية العصر الحديث وعقلية العصور الوسطى مبرزاً التباين بين اتجاهاتهما الوجدانية والسلوكية.

كيف ستكون صورة القصة في السنوات المقبلة؟ يقول كمب إن العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدس هكسلي في روايته «عالم جديد جميل» (1932) أو جورج أورويل في روايته «1984». أما إذا آثرنا أن ننظر إلى النصف المليء من الكوب فسنجد أن الصورة ليست سواداً كلها. إن هـ.ج.ولز الذي كان متشائماً في قصصه العلمية الأولى قد أصبح أكثر تفاؤلاً في أعماله الأخيرة، وبدأ يتطلع إلى مستقبل جديد للبشرية يتكئ على إيمان بالتقدم. وتشاؤم الروائية الكندية مرغريت أتوود في روايتها المسماة «حكاية الخادمة» (1985) قد أفسح الطريق في ثلاثيتها المسماة «أوريكس وكريك» (2003) لرؤية أكثر إشراقاً. والأمر كله مرهون بالدرب الذي يسلكه الإنسان (ويصوره الأدب) في المستقبل: أيحافظ على البيئة الطبيعية، ويمحو أسباب الصراعات السياسية، ويضع موارده في خدمة البشر، أم يمعن في شن حروب لا تجلب إلا الخراب والمعاناة ودمار مقتنيات الإنسان الروحية والمادية؟



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.