«أدب الاعتراف»... لماذا تراجع في الثقافة العربية؟

يتأسَّس على كشف المستور... وتعرضت أبرز نماذجه للمصادرة

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور
TT

«أدب الاعتراف»... لماذا تراجع في الثقافة العربية؟

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

يشير مفهوم «أدب الاعتراف» إلى القدرة على البوح وكشف المستور ومواجهة الذات والآخر بالحقائق التي قد تكون صادمة، وهو يشمل قوساً واسعاً من الأشكال السردية التي تتضمن المذكرات والسّير الذاتية والغيرية، واليوميات والتراجم وكذلك الروايات التي تتكئ على تجارب شخصية مباشرة. وتعد مذكرات الفيلسوف والأديب الفرنسي جان جاك روسو (1712 - 1778)، التي صدرت بعنوان «اعترافات روسو» بعد وفاته بأعوام عدة حجر الزاوية المؤسِّس لهذا اللون، حيث بدأها بعبارة «أنا اليوم مقبل على أمر لم يسبقني إليه سابق، ولن يلحق به لاحق». ورغم تعدد نماذج هذا الأدب في الفكر العربي، لا سيما في النصف الأول من القرن العشرين، فإنه تراجع بشدة في العقود الأخيرة؛ مما يطرح علامات استفهام شائكة. فهل الثقافة العربية لا تحتمل حرارة البوح... أم أن المثقف العربي هو مَن يجبن عن الحديث الصريح بلا مواربة؟، ثم هل أسهم ما لاقته نماذج الاعتراف الشجاعة من مصادرة وملاحقة في جعل الأجيال اللاحقة تؤثر السلامة وتخشى المواجهة؟

«الشرق الأوسط» تستطلع في هذا التحقيق آراء كتاب ونقاد حول هذا الأدب.

في كتابه «أدب الاعتراف - مقاربات تحليلية من منظور سردي»، يشير أستاذ الأدب والنقد الدكتور إيهاب النجدي إلى أن ما يجعل أدب الاعتراف محاطاً بتحديات هو طبيعة الثقافة العربية ذاتها بوصفها ثقافة تبجّل الستر، وتميل إلى طي الصفحات الماضية أو السوداء، وتؤثر السلامة، وهي رجع صدى لإرث عريق في المدائح والمفاخرات، تجانب الإفصاح عن الأخطاء، وتتحاشى الكشف عن مرات السقوط في حركة الحياة، فجاءت غالبية السِّيَر- ذاتية وغيرية - نقية، زاهية، على غير الحقيقة. ويعرّف النجدي «أدب الاعتراف» بأنه «شكل سردي يتركز اهتمام الكاتب فيه على إظهار الجوانب الخفية من حياته، وكشْف المستور من صفاته الشخصية، وتجلية الغامض من علاقته بالآخرين، مستنداً في ذلك إلى الحقيقة وحدها، وساعياً إلى التحليل والتنبيه إلى مَواطن الخلل في الفرد والمجتمع، لكنّه قد يمثّل صدمة للقارئ تُبَدِّل الصورة الذهنية المستقرة في نفسه، كما أنه يمثّل مُخاطَرة وجُرأة في مواجهة الأعراف والتقاليد».

دكتور محمد أبو السعود الخياري

اللافت أن الأدب العربي عرف قديماً نماذج مبكرة من أدب الاعتراف كما في كتاب «الصداقة والصديق» الذي يحمل اعترافات لأبي حَيَّان التوحيدي حول قسوة الحال وشَظَفِ العيش حين كان مقصيّاً عن السلطة والسلطان، مطروداً من قصور الحكّام ونعيمها، مما دفعه إلى حرق كتبه في أواخر حياته، ضنّاً بها على الناس. وكذلك اعتراف الشيخ الرئيس ابن سينا بأنه كان يتخّذ الخمر وسيلةً تعينه على تحصيل العلم، وهو اعتراف صادم يتناقض مع حرصه على أداء الصلاة في المسجد. وهناك كذلك اعترافات أبي حامد الغزالي في «المنقذ من الضلال» التي يعرّض فيها لرحلته مع الفلسفات والعقائد والمِلل والنِّحل، ثم يبين اهتداءه إلى شاطئ التصوف بعد شيء من القلق والحيرة والشك والاضطراب والصراع الفكري. وهناك أيضاً نموذج ابن حزم في «طوق الحمامة في الألفة والألّاف» الذي يتضمن صوراً اعترافية متفرّدة جَسورة تخطّت حواجز الصمت والكتمان التي تغلّف حياة العلماء والفقهاء على نحو جعل هذا الكتاب العربي التراثي رائداً في هذا المجال.

منى الشيمي

صدمة البوح

تتعدد نماذج أدب الاعترافات عربياً في العصر الحديث، كما في «أصابعنا التي تحترق» لسهيل إدريس (1925 - 2008)، و«أوراق حياتي» لنوال السعداوي (1931- 2021)، و«أيام معه» لكوليت خوري المولودة في 1931، و«رسائل غادة السمان وغسان كنفاني» لغادة السمان المولودة في 1942. ويظل من أهم وأشهر تلك النماذج مذكرات «أوراق العمر: سنوات التكوين» للناقد المصري الدكتور لويس عوض (1915 - 1990)، ورواية «الخبز الحافي» للمغربي محمد شكري (1935 - 2003). وترجع شهرة هذين العملين تحديداً إلى براعة الوصف وجمال اللغة، فضلاً عن كم الصراحة والبوح فيهما على نحو صادم، وكذلك ردود الفعل الغاضبة من جانب عائلتَي كل من عوض وشكري، التي وصلت إلى حد محاولة منع الكتابين من التداول والتبرؤ مما جاء فيهما.

بشرى محمد

وفي بحث شائق يحمل عنوان «أدب الاعتراف والبوح في مذكرات الجواهري»، يرصد الباحث، الدكتور سليمان سالم السناني بعض التجليات الاعترافية الواردة في مذكرات الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997)، التي حملت عنوان «مذكراتي»، حيث تنقسم تلك الاعترافات إلى ما هو «اجتماعي» مثل حديث الجواهري عن ارتكابه السرقة والاعتداء البدني على الآخرين، وهو في طور الطفولة والمراهقة ومنها ما هو «أخلاقي» مثل عشق ومطاردة فتاة أكبر منه سناً.

رباب كساب

وفي «ليالي إيزيس كوبيا: ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، يرصد الكاتب الجزائري واسيني الأعرج رسائل الكاتبة اللبنانية مي زيادة الخاصة، ومذكراتها وأوراقها المجهولة، وفيها تتجلى أسرار علاقاتها بكثير من مبدعي جيلها ومفكّريه مثل جبران خليل جبران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وخليل مطران، وأحمد شوقي. وتعود هذه الأوراق النادرة إلى مخطوطة لمي زيادة بعنوان «ليالي العصفورية: تفاصيل مأساتي من ربيع 1936 إلى خريف 1941»، وقد كتبتها زيادة في أثناء إقامتها في مصحة «العصفورية» للأمراض النفسية والعقلية في بيروت قبيل رحيلها في عام 1941 بفترة وجيزة.

ويذكر الناقد والأكاديمي، الدكتور محمد أبو السعود الخياري أن الثقافة العربية محافظة بطبيعتها إلى حد أنها تبدو سدّاً عالياً يتراءى في الأفق لكل من يهم بكتابة أدب الاعتراف، فما يمكن قوله أقل بكثير مما يمكن نشره. ولعل «أدب الاعتراف»، بما يحمله من حكي متجرد لآثام المثقف ومعاناته ونقائصه، يمثل مخاطرة للأديب وسط تلك الدوائر الرقابية التي تبدأ من منزله ولا تنتهي بقارئ مجهول. ويضرب أبو السعود المثل بما حدث عندما عمد أبناء الناقد المصري، الدكتور شكري عياد (1921 - 1999) لسحب نسخ كتابه الاعترافي «العيش على الحافة»، مبررين ذلك بأن فيه ما يعرضهم للحرج.

دكتورة ناهد رحيل

حساسية خاصة

وتوضح الدكتورة ناهد راحيل، ناقدة وأكاديمية، أن «الأدب الاعتراف» يكتسب حساسيته كونه يندرج من مفهوم كتابة الذات التي انطلقت بدورها مع صياغة مصطلح «السيرة الذاتية» الذي نشأ في العلوم الإنسانية وتبلور في نظريات معرفية. وتتخذ كتابات الذات من الاعتراف استراتيجية أساسية لبنائها كونها جاءت لتفكك السرديات الكبرى للمجتمعات. ومثال ذلك عدد غير قليل من السّير الذاتية النسوية التي جاءت لتقاوم منظومة الهيمنة الذكورية، وسلطت الضوء على دور النساء في تاريخ الكتابة الذاتية، مثل كتابات نوال السعداوي وفتحية العسال.

بينما ترى الكاتبة الروائية منى الشيمي، أن المثقف العربي جزء من المجتمع، يحمل صفاته مهما كان متمرداً ومتحرراً، عميق الثقافة، لهذا قام كثير من الكتاب ببعثرة اعترافاتهم على مجموع رواياتهم. الروايات لأبطال متخيلين، أبطال من حبر، لهم الحق فيما يفعلون، وللقراء الحق في إدانتهم وصلبهم وإحراق أجسامهم. وهكذا يظل الكاتب في مأمن.

تقول الشيمي: «حتى إشعار آخر تظل ثقافتنا العربية، والكاتب المدجّن، الذي يتكون نسيجه من نسيج مجتمعه نفسه، حائلين لوجود أدب الاعتراف الحقيقي، ولنتخيل جميعاً حجم ردود الفعل في ثقافتنا العربية المحافظة لو خرج رجل وكتب أنه خان صديقه، واجتمع بزوجته، أو سرق ما في عهدته، أو أن تخرج امرأة وتعلن أنها أقامت علاقة خارج مؤسسة الزواج».

وتشير الكاتبة الروائية رباب كساب إلى أن «المثقف العربي يخشى البوح الصريح المطلق؛ لأنه لا أحد يحب أن يكون محط أنظار الجميع. قد يبوح الكاتب ببعض من ذاته في أعماله، مفضلاً ألا يكون مادة للمكتوب، أو أن تكون حياته وخصوصيته على المشاع، قد تتسرب روحه إلى أعماله وهذا ما أعده الأفضل لكن لا ينبغي أن يكون هو العمل. على المستوى الإبداعي لا أدخل تلك المنطقة أبداً، أنا أخلق نصوصي من وحي شخصياتي لكني لا أكتبني، أحب أن أحتفظ بي لنفسي وللمقربين مني، أحب أن أشارك الناس خيالي، لا واقعي».

ذهنية التحريم

ويرى الناقد والكاتب محمود عبد الشكور أن ذهنية العيب والمحاذير والتفتيش في النوايا إلى حد إقامة دعاوى الحسبة والتفريق بين الكاتب وزوجته، باتت تطغى على الثقافة العربية بوصفها جزءاً من تراجع المجال العام للحريات، مشيراً إلى أن كتابيه «كنت صبياً في السبعينيات» والجزء الثاني وعنوانه «كنت شاباً في الثمانينيات» لا يندرجان ضمن أدب السيرة الذاتية الخالصة بقدر ما هما سيرة ثقافية واجتماعية وسياسية بالأساس. ويضيف: «لم أكتب من سيرتي إلا ما يخدم هذا الهدف، وبالتالي لم يكن هناك مجال لاعترافات أو تفصيلات خارج هذا المعنى».

ولا يصنف الكاتب الصحافي بشري محمد كتابه «أنا يوسف إدريس» الذي يرصد فيه محطات من سيرة ومسيرة الأديب يوسف إدريس (1927 - 1991)، ضمن «أدب الاعتراف» بمعناه التقليدي، إلا أنه يشير إلى تعرض الكتاب لبعض النقاط الشائكة، التي تتماس مع نبرة الاعتراف في حياة إدريس المعروف بزهوه الشديد مثل كرهه الشديد لجدته «آسيا» في مرحلة الطفولة، وانتمائه السياسي، حيث كان توجهه الاشتراكي نوعاً من الانتقام من والديه أكثر من كونه انحيازاً فكرياً محضاً، وكذلك ملابسات وحدود علاقته بالفنانة نجاة التي أورد فيها ثلاث روايات وترك القارئ ليرجح الرواية الأكثر صدقاً.


مقالات ذات صلة

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

ثقافة وفنون لماذا نحتاج إلى الضحك؟

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات:

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.