عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

الشاعر المغربي يتحدث عن الشعر العربي كما عاشه منذ الأربعينات

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
TT

عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)

عبد الكريم الطبال شاعر مخضرم، درس في جامع القرويين بفاس والمعهد العالي في تطوان ما بين أربعينات وخمسينات القرن الماضي، ونشر أولى قصائده في نهاية الأربعينات. هو أول شاعر مغربي صدرت أعماله الكاملة سنة 2000. لكن ما صدر بعدها يفوق ما تضمنته أعماله الكاملة. وقد توج بجوائز أدبية رفيعة داخل المغرب وخارجه. في هذا الحوار يتحدث الطبال لـ«الشرق الأوسط» عن الشعر العربي، كما عايشه منذ ثمانين عاماً، كما يحكي بحسرة عن المستقبل المجهول للثقافة والكتاب في عالم اليوم.

* تَشَكل حسك الشعري ووعيك الفكري في الأربعينات من القرن الماضي، قبل ثمانين حولاً. فتّحت عينيك ووعيك على مغرب وعالم عربي كان كله خاضعاً للاستعمار الغربي، كيف كانت الصدمة، وماذا كانت الأولوية في تلك الفترة. من أين نبدأ؟

- نعم، وجدنا أنفسنا في جبهة الرفض، وفي خندق المواجهة. وكان لا بد من مواجهة أوضاعنا، أولاً، حتى نواجه هذا الاستعمار. فكان التحدي الأول ثقافياً، أي أن نعي وضعنا، لنعرف مآلنا والمصير. لنقل إننا وعينا بأن التحدي هو تحد ثقافي بالأساس. في تلك الأربعينات كانت الحركة الوطنية المغربية تعيش في خفوت، أو لنقل إنها كانت شبه صامتة، خصوصاً من حيث الوعي الثقافي، مع الحزبين الحاضرين حينها في أغلب التراب المغربي الذي كان خاضعاً للاستعمار الفرنسي، وهما حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال. أما في الشمال، تحديداً في تطوان، كان هنالك حزب الإصلاح الوطني الذي أسسه عبد الخالق الطريس نهاية 1936، وحزب الوحدة الوطنية، الذي أسسه المكي الناصري بداية 1937. والحال أن شمال المغرب كان خاضعاً للاستعمار الإسباني. وبخلاف فرنسا، أقام الاستعمار الإسباني في الشمال صحفاً ومجلات أدبية، وبنيات ثقافية أخرى من مسارح ودور سينما ومكتبات وغيرها، وفيها تشكل وعينا الثقافي أو تفاعلنا الثقافي مع هذا الآخر المستعمر. كما أن علاقة إسبانيا مع الشرق العربي لم تكن سيئة، وهذا ما سمح للوطنيين في الشمال بالتواصل مع المشرق، حيث قام الأمير شكيب أرسلان بزيارات إلى تطوان وطنجة وباقي شمال المغرب، كما زار أمين الريحاني، مثلاً، تطوان وشفشاون... لنقل إن الشمال كان نافذة على الشرق، ونافذة على أوروبا، من خلال التجارب الأدبية والفنية في إسبانيا، حيث زار لوركا وألبيرتي وفرق غنائية ومسرحية كثيرة شمال المغرب. ولعل هذا ما أثر على تجربتنا الشعرية وأثراها، وهي تفيد من رافدين اثنين... الرافد المشرقي والرافد الإسباني.

* قبل أن نصل إلى اللحظة الإسبانية، والاستفادة شعرياً من «جيل 27» ورفقاهما في الحركة التشكيلية، مع دالي وفارو، ولويس بونويل في السينما، وفرقة الفنانين الكتالونيين المستقلين في برشلونة... جمعت أنت ما بين ثقافة تقليدية حيث درست في جامعة القرويين بفاس (أقدم جامعة في العالم حسب تصنيفات رسمية) وثقافة عصرية حين التحقت بالمعهد العالي في تطوان، في فترة الخمسينات.

- فرق كبير بين فاس وتطوان. في فاس، وبجامع القرويين تلقينا العلوم التراثية على يد علماء وفقهاء كبار في الفقه والحضارة الإسلامية وفي الشعر العربي التقليدي، أيضاً، مع محمد الحلوي وآخرين. أما عن الحركة الشعرية في المشرق فقد كانت غائبة عن مكتبة القرويين، بما هي مكتبة تقليدية لا تتجاوز، بخصوص الشعر، أعمال شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم. فقط عثرت ذات مرة على كتاب «دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران، وبقيت أتردد على المكتبة من أجل قراءته إلى أن اختفى من مكتبة القرويين، حيث استولى عليه أحدهم.

*لعله أنت؟

- (يضحك) لا أنكر أيضاً أنني اطلعت في فاس على أعداد من مجلة «الأديب» اللبنانية لصاحبها ألبير أديب، ليس في مكتبة القرويين، وإنما في مكتبة للبيع في البطحاء، حيث كنت أكتري العدد الواحد، لليلة وحيدة، مقابل بسيطة واحدة. ومن خلال مطالعة «الأديب» استغربت وجود اسم طالب مغربي كان ينشر فيها شعره، واسمه ابن جلون. لنقل إنني حين وصلت إلى تطوان قادماً من فاس، وكأنما انتقلت من البادية إلى المدينة. ففي تطوان تعرفت إلى مجلات أدبية كثيرة كانت تتناسل وتصدر من هذه المدينة، مثل «الأنيس» و«المعتمد» و«الأنوار» و«كتامة» و«المعرفة» و«الحديقة»... فكان أن تعرضت لما يشبه رجة أمام هذا الوضع الثقافي الجديد. وأكثر من ذلك، كانت هنالك المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، ولو كانت لي القدرة يومها لأعيش فيها لما غادرتها. ثم هنالك مكتبة الصحف والمجلات، وكانت في ساحة ثانوية القاضي عياض، تديرها سيدة إسبانية إلى جانب الشاعر محمد الصباغ، ومكتبة أخرى في الثانوية نفسها يديرها محمد بنتاويت، وكان مديراً للمعهد العالي بتطوان. وهكذا، وجدتني في بحر بعدما كنت في جدول. هنا في تطوان استفدت الكثير وتعلمت الكثير، وهي المدينة الثقافية التي كانت على علاقة عميقة بالمشرق العربي. كانت هنالك بعثات علمية من تطوان إلى المشرق، بعثة لحزب الإصلاح الوطني وبعثة أخرى يرسلها الشيخ المكي الناصري. ومثلما كانت تطوان نافذتنا على الشرق العربي كانت نافذة مشرعة على الشعر الإسباني أيضاً، حيث بدأت أرتبط بعلاقة مع هذا الشعر عبر الترجمات التي كان يقوم بها بعض المغاربة والعرب، ومنها ترجمات نجيب أبو ملهم، خصوصاً ديوان «الواحة» وهو ديوان غريب يضم شعر الرهبان. وفي تطوان، أيضاً، تعرفت على المجلات التي كانت تصدر من الجنوبية، مثل «العصبة الأندلسية» و«الشرق». كما تحضرني مجلة «المنارة» التي كانت تصدر من إسبانيا، وتنشر وتترجم العديد من النصوص الشعرية، وعثرت فيها على ديوان لخوان رامون خمينيث، نقلته يومها بيدي في دفتر خاص.

*شعر عربي ينشر في إسبانيا، وإسباني ينشر في المغرب، في «المعتمد» و«كتامة»... وحركات شعرية عربية تظهر في الأميركتين، هي بداية الحداثة الشعرية العربية إذن؟

-نعم، وجب القول إن حركة الحداثة الشعرية العربية إنما بدأت مع الشعر المهجري، مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة، ومع «المعالفة» في الجنوب الأمريكي، مع ميشيل معلوف وفوزي المعلوف وشفيق معلوف، الذي نشر في مجلة «المعتمد» بتطوان. لنقل إن مدرسة الشعر المهجري كانت مرحلة ابتداء في الشعر العربي، أي مرحلة مؤسسة للجديد والحديث.

* بعد ذلك، سيتم التأصيل لحداثة الشعر العربي، مع السياب والبياتي ونازك الملائكة، هذه الأخيرة التي نظرت وقعّدت لما أسمته «الشعر المعاصر» في عالمنا العربي. لكن، منذ كتاب نازك ظل سؤال التحديث من عدمه رهيناً بالحديث عن الإيقاع، من الخروج عن قالب الشطرين وصولاً إلى قصيدة النثر...

-لا شك أن الموسيقى هي روح الشعر، والشعر لا يمشي بدونها، ولا ينام بدونها. لكن الأساس في كل قصيدة هو الرؤية الشعرية، ثم هنالك اللغة التي هي جوهر كل كتابة شعرية، فاللغة هي التي تكتب الشعر وليس الشاعر، وهذا الشاعر تكتبه قصيدته. يحدث معي أحياناً أن أكون في الشارع وأمر بحادثة أو ألتقي بشخص ما، وفجأة تصدر مني كلمة لا علاقة بما كنا فيه. وتلك الكلمة تتحول إلى جملة ثم إلى جمل، فتضطر لكتابة قصيدة لعلها هي التي تكتبك. وقبل أيام بقيت حتى الفجر أتقلب في فراشي، ولم أنم إلا في الصباح. وفي يوم الغد صدرت عني كلمة «وسن» وقد نسيت معناها. وحين عدت إلى البيت بحثت عن الكلمة فتذكرت أنها تعني «النوم» الذي جفاني بالأمس. ثم كتبت قصيدة «يا وسنا»، وفيها: «يا وسنا/ عيناي في شوق/ وحزن إليك/ وأنا مثلهما/ أشتاق إليك». هكذا، فاللغة هي التي تحكم على الشاعر، والقصيدة تحكم على الشاعر، وهو بينهما أسير يطيعهما.

*ما بين «العصبة الأندلسية» وحلقة الشعراء الأندلسيين، ومنهم شعراء «جيل 27»، تعود بنا الذاكرة الثقافية العربية إلى «اللحظة الأندلسية»، التي كانت واحدة من أهم اللحظات التي مرت بها الحضارة الإنسانية، وتعايشت فيها ثقافات وفنون وحضارات. ماذا عن المرجعية الأندلسية، خصوصاً وأنت شاعر تنتمي إلى شمال المغرب المطل على هذه «الأندلس» والقادم منها أيضاً؟

- قدر الشاعر أن يتناص مع أجيال وتجارب شعرية قديمة وحديثة. وعن الأندلس أذكر أنني حين درست في المعهد العالي بتطوان اكتشفت ذخيرة أندلسية هي كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، لابن بسام، الذي قادني إلى اكتشاف الأدب الأندلسي والتعلق به. وحتى حين أزور إسبانيا الآن فإنني أتوقف عند إشبيلية وقرطبة وغرناطة، باعتبارها العواصم التاريخية والفكرية والشعرية للأندلس. وقد استوقفتني تجارب كثيرة لشعراء أندلسيين، خصوصاً ابن سهل وابن الخطيب والمعتمد، وهم حاضرون في شعري كثيراً. وعلاقة بالأندلس وجب القول إننا أندلسيون، هنا في شفشاون أو في تطوان مثلاً، حيث تحمل عائلات شهيرة أسماء أندلسية إسبانية، لأنها العائلات الموريسكية التي تم تهجيرها من الأندلس نحو شمال المغرب. ولا تزال الموسيقى الأندلسية تسكن أرواحنا وتملأ بيوتاتنا وحفلاتنا. وفي شفشاون أذكر أن عميد الموسيقى الأندلسية أحمد البوكيلي كان يتردد على أحمد بن الأمين العلمي ليأخذ عنه معلومات وطبوعاً موسيقية أندلسية. وأنا سليل هذه الشجرة الأندلسية، وقد ولدت في حي الأندلس بشفشاون، الذي كان يشمل مناطق أخرى تحمل اسم «ريف الأندلس» و«عقبة غرناطة» وغيرهما.

حركة الحداثة الشعرية العربية بدأت مع الشعر المهجري مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة

*علاقة بهذا التأثير الأندلسي، لا يقتصر الأمر على الشعر وحده، بل على مستوى الفكر أيضاً، هنالك ابن رشد، وفي مقابله هنالك ابن عربي، الذي حضر في تجربتك الشعرية؟ ماذا عن الصوفية بما هي مرجعية أخرى من مرجعيات الشاعر؟

-بدأت علاقتي بالتصوف في بيتنا وأنا صغير. فقبل أن أذهب إلى الكُتّاب كنت أترك أمي وسط البيت تغزل الصوف وهي ترتل وتسبح وتتغنى بالأمداح النبوية وذكر الله. وفي المسجد كنا نقضي اليوم كله في ذلك... وفي المعهد العالي بتطوان تعرفت على ابن عربي فقال لي: «أنت تلميذ صغير، وسوف تتعلم مني شيئاً قليلاً»، فكان أن بدأت بـ«الفتوحات المكية»، ثم بديوان «ترجمان الأشواق» والآن مع «الديوان الكبير». ثم وليت نحو أدنى الشرق، والتقيت بفريد الدين العطار الذي أعطاني «منطق الطير»، ولما جاء جلال الدين الرومي قال لي: «دعك من هذا وذاك، وأعطاني (المثنوي المعنوي)»، وكتباً أخرى، ثم عدت إلى أستاذه شمس التبريزي وشعره العظيم.

*أيضاً، تأثرت برواد الشعر الفرنسي الحديث، وبالشعر الإنجليزي، إلى جانب اللقاء المباشر بالشعر الإسباني، وهذه المرجعيات الأندلسية والمشرقية والغربية... كيف يستطيع الشاعر التخلص من سحر هذه المرجعيات وسطوتها؟

- نعم، ثمة تراكم كبير في الشعر الإنساني، منذ فترة ما قبل الميلاد وإلى اليوم. ولا يزال التراث الشعري يشغلنا إلى حد كبير. وأمام هذه القراءات المتعددة يصبح الشاعر مديناً للكثير من الشعراء الذين سبقوه. والتناص موجود وثابت، ولا أحد يبدأ من عنده وينتهي عنده. ومهما حاول الشاعر التخلص من هذا التراكم فإن الذاكرة تدفعه إلى استرجاعه. فالذاكرة تشتغل من غير تذكر. لكن، على الشاعر في نهاية الأمر أن يكتب لغته الخاصة، وأن ينصهر في اللغة التي يكتب بها.

* تنتمي إلى جيل قارئ، بدأت القراءة منذ تسعين سنة تقريباً، وما زلت تقرأ، كأنك تبدأ فعل القراءة لأول مرة. لكن الجيل القادم لا يقرأ. ألا ترى أن موضوع القراءة سؤال كوني، على دول العالم والمنظمات الدولية أن تتدخل لإنقاذ هذه الحضارة الإنسانية العظيمة التي صنعتها الكتب وتدمرها الأسلحة الآن؟

- ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة. والحرب على الثقافة هي الحرب الأخطر في نظري، لأنها تقوم باستئصال الإنسان والحضارة الإنسانية. وهنا نحن في عالم بات فيه الكتاب مهدداً بالاندثار، فالكتب لم تعد تُقرأ، وحتى الصحف لا تباع ولا تشترى. لقد غرقنا في الترفيه والتسطيح والتفاهة. وهنالك حرب معلنة على الثقافة والكتاب هدفها تدمير الإنسان والمعنى.


مقالات ذات صلة

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة،

منى أبو النصر (القاهرة:)
ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».