عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

الشاعر المغربي يتحدث عن الشعر العربي كما عاشه منذ الأربعينات

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
TT

عبد الكريم الطبال: ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة

عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)
عبد الكريم الطبال ( الشرق الأوسط)

عبد الكريم الطبال شاعر مخضرم، درس في جامع القرويين بفاس والمعهد العالي في تطوان ما بين أربعينات وخمسينات القرن الماضي، ونشر أولى قصائده في نهاية الأربعينات. هو أول شاعر مغربي صدرت أعماله الكاملة سنة 2000. لكن ما صدر بعدها يفوق ما تضمنته أعماله الكاملة. وقد توج بجوائز أدبية رفيعة داخل المغرب وخارجه. في هذا الحوار يتحدث الطبال لـ«الشرق الأوسط» عن الشعر العربي، كما عايشه منذ ثمانين عاماً، كما يحكي بحسرة عن المستقبل المجهول للثقافة والكتاب في عالم اليوم.

* تَشَكل حسك الشعري ووعيك الفكري في الأربعينات من القرن الماضي، قبل ثمانين حولاً. فتّحت عينيك ووعيك على مغرب وعالم عربي كان كله خاضعاً للاستعمار الغربي، كيف كانت الصدمة، وماذا كانت الأولوية في تلك الفترة. من أين نبدأ؟

- نعم، وجدنا أنفسنا في جبهة الرفض، وفي خندق المواجهة. وكان لا بد من مواجهة أوضاعنا، أولاً، حتى نواجه هذا الاستعمار. فكان التحدي الأول ثقافياً، أي أن نعي وضعنا، لنعرف مآلنا والمصير. لنقل إننا وعينا بأن التحدي هو تحد ثقافي بالأساس. في تلك الأربعينات كانت الحركة الوطنية المغربية تعيش في خفوت، أو لنقل إنها كانت شبه صامتة، خصوصاً من حيث الوعي الثقافي، مع الحزبين الحاضرين حينها في أغلب التراب المغربي الذي كان خاضعاً للاستعمار الفرنسي، وهما حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال. أما في الشمال، تحديداً في تطوان، كان هنالك حزب الإصلاح الوطني الذي أسسه عبد الخالق الطريس نهاية 1936، وحزب الوحدة الوطنية، الذي أسسه المكي الناصري بداية 1937. والحال أن شمال المغرب كان خاضعاً للاستعمار الإسباني. وبخلاف فرنسا، أقام الاستعمار الإسباني في الشمال صحفاً ومجلات أدبية، وبنيات ثقافية أخرى من مسارح ودور سينما ومكتبات وغيرها، وفيها تشكل وعينا الثقافي أو تفاعلنا الثقافي مع هذا الآخر المستعمر. كما أن علاقة إسبانيا مع الشرق العربي لم تكن سيئة، وهذا ما سمح للوطنيين في الشمال بالتواصل مع المشرق، حيث قام الأمير شكيب أرسلان بزيارات إلى تطوان وطنجة وباقي شمال المغرب، كما زار أمين الريحاني، مثلاً، تطوان وشفشاون... لنقل إن الشمال كان نافذة على الشرق، ونافذة على أوروبا، من خلال التجارب الأدبية والفنية في إسبانيا، حيث زار لوركا وألبيرتي وفرق غنائية ومسرحية كثيرة شمال المغرب. ولعل هذا ما أثر على تجربتنا الشعرية وأثراها، وهي تفيد من رافدين اثنين... الرافد المشرقي والرافد الإسباني.

* قبل أن نصل إلى اللحظة الإسبانية، والاستفادة شعرياً من «جيل 27» ورفقاهما في الحركة التشكيلية، مع دالي وفارو، ولويس بونويل في السينما، وفرقة الفنانين الكتالونيين المستقلين في برشلونة... جمعت أنت ما بين ثقافة تقليدية حيث درست في جامعة القرويين بفاس (أقدم جامعة في العالم حسب تصنيفات رسمية) وثقافة عصرية حين التحقت بالمعهد العالي في تطوان، في فترة الخمسينات.

- فرق كبير بين فاس وتطوان. في فاس، وبجامع القرويين تلقينا العلوم التراثية على يد علماء وفقهاء كبار في الفقه والحضارة الإسلامية وفي الشعر العربي التقليدي، أيضاً، مع محمد الحلوي وآخرين. أما عن الحركة الشعرية في المشرق فقد كانت غائبة عن مكتبة القرويين، بما هي مكتبة تقليدية لا تتجاوز، بخصوص الشعر، أعمال شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم. فقط عثرت ذات مرة على كتاب «دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران، وبقيت أتردد على المكتبة من أجل قراءته إلى أن اختفى من مكتبة القرويين، حيث استولى عليه أحدهم.

*لعله أنت؟

- (يضحك) لا أنكر أيضاً أنني اطلعت في فاس على أعداد من مجلة «الأديب» اللبنانية لصاحبها ألبير أديب، ليس في مكتبة القرويين، وإنما في مكتبة للبيع في البطحاء، حيث كنت أكتري العدد الواحد، لليلة وحيدة، مقابل بسيطة واحدة. ومن خلال مطالعة «الأديب» استغربت وجود اسم طالب مغربي كان ينشر فيها شعره، واسمه ابن جلون. لنقل إنني حين وصلت إلى تطوان قادماً من فاس، وكأنما انتقلت من البادية إلى المدينة. ففي تطوان تعرفت إلى مجلات أدبية كثيرة كانت تتناسل وتصدر من هذه المدينة، مثل «الأنيس» و«المعتمد» و«الأنوار» و«كتامة» و«المعرفة» و«الحديقة»... فكان أن تعرضت لما يشبه رجة أمام هذا الوضع الثقافي الجديد. وأكثر من ذلك، كانت هنالك المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، ولو كانت لي القدرة يومها لأعيش فيها لما غادرتها. ثم هنالك مكتبة الصحف والمجلات، وكانت في ساحة ثانوية القاضي عياض، تديرها سيدة إسبانية إلى جانب الشاعر محمد الصباغ، ومكتبة أخرى في الثانوية نفسها يديرها محمد بنتاويت، وكان مديراً للمعهد العالي بتطوان. وهكذا، وجدتني في بحر بعدما كنت في جدول. هنا في تطوان استفدت الكثير وتعلمت الكثير، وهي المدينة الثقافية التي كانت على علاقة عميقة بالمشرق العربي. كانت هنالك بعثات علمية من تطوان إلى المشرق، بعثة لحزب الإصلاح الوطني وبعثة أخرى يرسلها الشيخ المكي الناصري. ومثلما كانت تطوان نافذتنا على الشرق العربي كانت نافذة مشرعة على الشعر الإسباني أيضاً، حيث بدأت أرتبط بعلاقة مع هذا الشعر عبر الترجمات التي كان يقوم بها بعض المغاربة والعرب، ومنها ترجمات نجيب أبو ملهم، خصوصاً ديوان «الواحة» وهو ديوان غريب يضم شعر الرهبان. وفي تطوان، أيضاً، تعرفت على المجلات التي كانت تصدر من الجنوبية، مثل «العصبة الأندلسية» و«الشرق». كما تحضرني مجلة «المنارة» التي كانت تصدر من إسبانيا، وتنشر وتترجم العديد من النصوص الشعرية، وعثرت فيها على ديوان لخوان رامون خمينيث، نقلته يومها بيدي في دفتر خاص.

*شعر عربي ينشر في إسبانيا، وإسباني ينشر في المغرب، في «المعتمد» و«كتامة»... وحركات شعرية عربية تظهر في الأميركتين، هي بداية الحداثة الشعرية العربية إذن؟

-نعم، وجب القول إن حركة الحداثة الشعرية العربية إنما بدأت مع الشعر المهجري، مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة، ومع «المعالفة» في الجنوب الأمريكي، مع ميشيل معلوف وفوزي المعلوف وشفيق معلوف، الذي نشر في مجلة «المعتمد» بتطوان. لنقل إن مدرسة الشعر المهجري كانت مرحلة ابتداء في الشعر العربي، أي مرحلة مؤسسة للجديد والحديث.

* بعد ذلك، سيتم التأصيل لحداثة الشعر العربي، مع السياب والبياتي ونازك الملائكة، هذه الأخيرة التي نظرت وقعّدت لما أسمته «الشعر المعاصر» في عالمنا العربي. لكن، منذ كتاب نازك ظل سؤال التحديث من عدمه رهيناً بالحديث عن الإيقاع، من الخروج عن قالب الشطرين وصولاً إلى قصيدة النثر...

-لا شك أن الموسيقى هي روح الشعر، والشعر لا يمشي بدونها، ولا ينام بدونها. لكن الأساس في كل قصيدة هو الرؤية الشعرية، ثم هنالك اللغة التي هي جوهر كل كتابة شعرية، فاللغة هي التي تكتب الشعر وليس الشاعر، وهذا الشاعر تكتبه قصيدته. يحدث معي أحياناً أن أكون في الشارع وأمر بحادثة أو ألتقي بشخص ما، وفجأة تصدر مني كلمة لا علاقة بما كنا فيه. وتلك الكلمة تتحول إلى جملة ثم إلى جمل، فتضطر لكتابة قصيدة لعلها هي التي تكتبك. وقبل أيام بقيت حتى الفجر أتقلب في فراشي، ولم أنم إلا في الصباح. وفي يوم الغد صدرت عني كلمة «وسن» وقد نسيت معناها. وحين عدت إلى البيت بحثت عن الكلمة فتذكرت أنها تعني «النوم» الذي جفاني بالأمس. ثم كتبت قصيدة «يا وسنا»، وفيها: «يا وسنا/ عيناي في شوق/ وحزن إليك/ وأنا مثلهما/ أشتاق إليك». هكذا، فاللغة هي التي تحكم على الشاعر، والقصيدة تحكم على الشاعر، وهو بينهما أسير يطيعهما.

*ما بين «العصبة الأندلسية» وحلقة الشعراء الأندلسيين، ومنهم شعراء «جيل 27»، تعود بنا الذاكرة الثقافية العربية إلى «اللحظة الأندلسية»، التي كانت واحدة من أهم اللحظات التي مرت بها الحضارة الإنسانية، وتعايشت فيها ثقافات وفنون وحضارات. ماذا عن المرجعية الأندلسية، خصوصاً وأنت شاعر تنتمي إلى شمال المغرب المطل على هذه «الأندلس» والقادم منها أيضاً؟

- قدر الشاعر أن يتناص مع أجيال وتجارب شعرية قديمة وحديثة. وعن الأندلس أذكر أنني حين درست في المعهد العالي بتطوان اكتشفت ذخيرة أندلسية هي كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، لابن بسام، الذي قادني إلى اكتشاف الأدب الأندلسي والتعلق به. وحتى حين أزور إسبانيا الآن فإنني أتوقف عند إشبيلية وقرطبة وغرناطة، باعتبارها العواصم التاريخية والفكرية والشعرية للأندلس. وقد استوقفتني تجارب كثيرة لشعراء أندلسيين، خصوصاً ابن سهل وابن الخطيب والمعتمد، وهم حاضرون في شعري كثيراً. وعلاقة بالأندلس وجب القول إننا أندلسيون، هنا في شفشاون أو في تطوان مثلاً، حيث تحمل عائلات شهيرة أسماء أندلسية إسبانية، لأنها العائلات الموريسكية التي تم تهجيرها من الأندلس نحو شمال المغرب. ولا تزال الموسيقى الأندلسية تسكن أرواحنا وتملأ بيوتاتنا وحفلاتنا. وفي شفشاون أذكر أن عميد الموسيقى الأندلسية أحمد البوكيلي كان يتردد على أحمد بن الأمين العلمي ليأخذ عنه معلومات وطبوعاً موسيقية أندلسية. وأنا سليل هذه الشجرة الأندلسية، وقد ولدت في حي الأندلس بشفشاون، الذي كان يشمل مناطق أخرى تحمل اسم «ريف الأندلس» و«عقبة غرناطة» وغيرهما.

حركة الحداثة الشعرية العربية بدأت مع الشعر المهجري مع جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة

*علاقة بهذا التأثير الأندلسي، لا يقتصر الأمر على الشعر وحده، بل على مستوى الفكر أيضاً، هنالك ابن رشد، وفي مقابله هنالك ابن عربي، الذي حضر في تجربتك الشعرية؟ ماذا عن الصوفية بما هي مرجعية أخرى من مرجعيات الشاعر؟

-بدأت علاقتي بالتصوف في بيتنا وأنا صغير. فقبل أن أذهب إلى الكُتّاب كنت أترك أمي وسط البيت تغزل الصوف وهي ترتل وتسبح وتتغنى بالأمداح النبوية وذكر الله. وفي المسجد كنا نقضي اليوم كله في ذلك... وفي المعهد العالي بتطوان تعرفت على ابن عربي فقال لي: «أنت تلميذ صغير، وسوف تتعلم مني شيئاً قليلاً»، فكان أن بدأت بـ«الفتوحات المكية»، ثم بديوان «ترجمان الأشواق» والآن مع «الديوان الكبير». ثم وليت نحو أدنى الشرق، والتقيت بفريد الدين العطار الذي أعطاني «منطق الطير»، ولما جاء جلال الدين الرومي قال لي: «دعك من هذا وذاك، وأعطاني (المثنوي المعنوي)»، وكتباً أخرى، ثم عدت إلى أستاذه شمس التبريزي وشعره العظيم.

*أيضاً، تأثرت برواد الشعر الفرنسي الحديث، وبالشعر الإنجليزي، إلى جانب اللقاء المباشر بالشعر الإسباني، وهذه المرجعيات الأندلسية والمشرقية والغربية... كيف يستطيع الشاعر التخلص من سحر هذه المرجعيات وسطوتها؟

- نعم، ثمة تراكم كبير في الشعر الإنساني، منذ فترة ما قبل الميلاد وإلى اليوم. ولا يزال التراث الشعري يشغلنا إلى حد كبير. وأمام هذه القراءات المتعددة يصبح الشاعر مديناً للكثير من الشعراء الذين سبقوه. والتناص موجود وثابت، ولا أحد يبدأ من عنده وينتهي عنده. ومهما حاول الشاعر التخلص من هذا التراكم فإن الذاكرة تدفعه إلى استرجاعه. فالذاكرة تشتغل من غير تذكر. لكن، على الشاعر في نهاية الأمر أن يكتب لغته الخاصة، وأن ينصهر في اللغة التي يكتب بها.

* تنتمي إلى جيل قارئ، بدأت القراءة منذ تسعين سنة تقريباً، وما زلت تقرأ، كأنك تبدأ فعل القراءة لأول مرة. لكن الجيل القادم لا يقرأ. ألا ترى أن موضوع القراءة سؤال كوني، على دول العالم والمنظمات الدولية أن تتدخل لإنقاذ هذه الحضارة الإنسانية العظيمة التي صنعتها الكتب وتدمرها الأسلحة الآن؟

- ما نعيشه الآن حرب كبرى على الثقافة. والحرب على الثقافة هي الحرب الأخطر في نظري، لأنها تقوم باستئصال الإنسان والحضارة الإنسانية. وهنا نحن في عالم بات فيه الكتاب مهدداً بالاندثار، فالكتب لم تعد تُقرأ، وحتى الصحف لا تباع ولا تشترى. لقد غرقنا في الترفيه والتسطيح والتفاهة. وهنالك حرب معلنة على الثقافة والكتاب هدفها تدمير الإنسان والمعنى.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».