مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مؤسسة مجلة «Arablit» تنتقد قصر نظرة الناشرين الغربيين للأعمال العربية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي
TT

مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي

 

تُولي الناقدة والمترجمة الأميركية مارسيا لينكس كوالي، اهتماماً واسعاً بالأدب العربي، منذ بدء دراستها اللغة العربية وآدابها في القاهرة منذ عام 2001، وإقامتها منذ ذلك الوقت بين القاهرة والعاصمة المغربية الرباط، وهي مؤسسة ومُحررة مجلة «Arablit» المُتخصصة في نشر وترجمة الأدب العربي للغة الإنجليزية، وتصدر عنها جائزة سنوية خاصة بترجمة القصص القصيرة من العربية إلى الإنجليزية، وفازت في دورتها الأخيرة، قبل أيام، المترجمة ديما المعلم عن ترجمتها قصة الكاتب الليبي إبراهيم الكوني «الصحراء حريصة أيضاً» للإنجليزية.

هنا حوار معها حول ترجمة الأعمال العربية، ومدى تعاطي الناشر الغربي معها، ورؤيتها لأثر المعايير الآيديولوجية على تطور فن الرواية.

> ما الذي جذبك في المقام الأول لدراسة الأدب العربي وترجمته؟

- كنت في البداية أدرس اللغة الروسية وآدابها، وكنت أخطط لأن أصبح مترجمة للأدب الروسي، ولكن كل شيء تغيّر بعدما وقعت في حب القاهرة، وانتقلت للإقامة بها في أغسطس (آب) عام 2001، وتطوّر عندي منذ ذلك الوقت الاهتمام بالأدب العربي ودراسة اللغة العربية.

> ما الذي استكشفته عن قضايا المترجمين والناشرين، من خلال إدارتك لموقع «Arablit» ومبادراته لدعم الأدب العربي؟

- أعتقد أنني تعلمت الكثير عن كيفية إدارة عملية الترجمة بطريقة عملية، حول كيفية اكتشاف الكتب، وكيفية انتقالها من المُترجمين إلى الناشرين، وكيف يتم تحرير الترجمات، وكيف يتم الترويج لها، أو العكس. لقد تعلمت أن الطريقة التي تعمل بها الأشياء مع الترجمة العربية تختلف عن الطريقة التي تعمل بها مع الألمانية أو الليتوانية أو التركية، على سبيل المثال.

الترجمة عملية مُكلفة، لذلك قد يفضل بعض الناشرين اقتناء رواية لبنانية مكتوبة باللغة الإنجليزية، على أن يقوم بترجمتها من العربية، وإذا كان الناشر مُتردداً بين رواية لبنانية مكتوبة باللغة الفرنسية وأخرى مكتوبة بالعربية، فستكون للرواية المكتوبة باللغة الفرنسية الأفضلية، لأن هناك منحاً كثيرة مُخصصة للترجمات من الفرنسية، في مقابل الترجمات من العربية.

> ماذا عن جائزة «آراب ليت» Arablit للقصة القصيرة؟

- هي جائزة أطلقناها في حب القصة القصيرة، وهذه هي السنة السادسة لها، وتهدف لتسليط الضوء على الابتكارات في شكل القصة القصيرة، التي لا تحظى بالتقدير عادة، كذلك تشجيع المترجمين الجدد. في كل عام يكون لدينا ثلاثة مُحكمين مستقلين يقرأون القصص المقدمة للمسابقة من جميع أنحاء العالم، بالنسبة لي فأنا لا يحق لي أن يكون لي رأي مُرجح لأي من القصص، أنا فقط أرتب اللقاءات بين الحُكام وأستمع إلى مناقشاتهم، ويظل من الممتع قراءة جميع القصص المقدمة كل عام والاحتفاء بالمؤلفين والمترجمين على حدٍ سواء.

> هل تعتقدين أن الجوائز الأدبية أصبح لها دور فعّال في النهوض بالمنافسة إلى الأفضل؟

- طالما لعبت الجوائز الأدبية دوراً كبيراً منذ آلاف السنين؛ فقد كان هناك جوائز للشعر في سوق «عكاظ» في القرنين السادس والسابع. أما في الوقت الحالي فإن الجوائز تساعد على أقل تقدير في فرز العديد من الكتاب والأعمال الأدبية الموجودة، بحثاً عن كتب مثيرة للاهتمام وجديدة وأصلية، كما أن باستطاعتها أيضاً المساعدة في دعم عمل أدبي مميز، قد لا يكون حقق نجاحاً في سوق المبيعات.

ومن المهم أن نسأل: من يمنح الجوائز، وما المعايير التي يستخدمونها؟ وكيف يتم الحُكم على الأعمال الأدبية؟ وما تأثير هذه الجوائز على المشهد الأدبي؟ إن أسوأ أنواع الجوائز الأدبية هي التي لا تشجع الكُتاب على التعبير والنقد.

> هل تعتقدين أن الأعمال العربية الفائزة بجوائز أدبية مرموقة تبدو جذابة للترجمة إلى الإنجليزية؟

- لا أعتقد أن الجوائز معيار رئيسي في خيارات الترجمة، معظم الناشرين باللغة الإنجليزية (والتركية والفرنسية والهندية وغيرها) لا يفهمون مشهد الجوائز الأدبية العربية، ولا يعرفون أياً منها يتمتع بسمعة طيبة وأيها ليس كذلك. من المؤكد أن الناشر الذي أخرج للنور كتاب «في أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال كان سعيداً بالحصول على دعم الترجمة من جائزة «الشيخ زايد للكتاب»، لكن في النهاية، لم يكن حصول الكتاب على تلك الجائزة هو العامل الحاسم، بل كان المهم هو الكتاب نفسه. الجائزة يمكنها أن تساعد في جذب اهتمام الناشر، ولكن كذلك هناك العديد من العوامل الأخرى.

> بماذا تصفين الاهتمام المُتزايد للأنواع الإبداعية غير الروائية في العالم العربي، مثل «في أثر عنايات الزيات» على سبيل المثال؟

- أعتقد أن كُتاباً مثل إيمان مرسال، وهيثم الورداني، وعمرو عزت، وشارل عقل على سبيل المثال يلعبون دوراً مهماً في هذا المشهد، وكذلك ناشرين مثل كرم يوسف، ومها مأمون، وعلاء يونس. فمع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أصبحت الأنواع الأدبية خانقة للغاية، خاصة في اللغة الإنجليزية. كان هناك الكثير من القواعد للتوافق حول نوع أدبي معين: ما الذي يجعل الكتاب خيالاً أدبياً، أو رواية بوليسية، وعدد الكلمات المناسبة للتعبير عنها، وهكذا. أصبح هناك هاجس مُطلق حول قالب الكتاب. وأعتقد أن اللغة العربية لم تمر بمثل هذه القواعد الخانقة، على الرغم من أن الجوائز رسّخت بشكل كبير فكرة الشكل الأدبي للكتاب.

على أية حال، من الطبيعي أن يرفض الكُتاب المبدعون هذه القواعد، خاصة عندما يلجأ الكتّاب إلى التاريخ بحثاً عن الإلهام، مثل التناص واستلهام إيمان مرسال من عنايات الزيات على سبيل المثال، فدائماً هناك استفادة من اختلاط الأنواع الأدبية.

> هل يهتم القارئ الغربي الحديث بالاطلاع على الأعمال العربية المترجمة، وهل لا يزال يُنظر إليها من وجهة نظر نمطية آيديولوجية وثقافية؟

- إحصائياً، على الأقل باللغة الإنجليزية، يهتم الشباب بالروايات المترجمة أكثر بكثير من اهتمام القراء في منتصف العمر وكبار السن. أعتقد أن هؤلاء القراء الشباب مهتمون بالسفر حول العالم عبر الكتب واكتشاف أماكن جديدة وكتابات جديدة وأفكار جديدة. على الرغم من أن معظم دور النشر بالطبع لا يديرها الشباب، ولا يزال العديد من العاملين في مجال النشر يركزون على الصور النمطية الثابتة.

بالنسبة لي، الاتجاه الأكثر سوءاً هو عندما يبحث الناشرون الغربيون عن كتابات تؤكد للقارئ الأوروبي والأميركي أنهم متفوقون ثقافياً وحضارياً، فيهتمون على سبيل المثال بكتاب يحمل عنوان «إنقاذ المرأة المسلمة»!

> لديك عدة ترجمات من العربية إلى الإنجليزية، منهم رواية «رغوة سوداء» للإريتري حجي جابر، وكتاب للفلسطينية سونيا نمر، كيف يمكنك وصف تلك التجارب؟

- بالنسبة لرواية حجي جابر «رغوة سوداء»، فقد طلبت مني صديقتي المترجمة سواد حسين أن أنضم إليها في ترجمتها، وكانت عملية ممتعة للقيام بها معاً. لقد قمت بتحرير الكثير من المسودة الأولى، ثم قامت هي بصياغة مسودة ثانية، ثم قمت بصياغة مسودة ثالثة، ثم تبادلنا الرواية، ذهاباً وإياباً، وتبادلنا الأفكار والرؤى حولها.

بالنسبة لعمل سونيا نمر، فقد اقتنيت كتابها «رحلات عجيبة في البلاد الغريبة» في معرض للكتاب ووقعت في حبه بشدة، أعتقد أنه يشبه الطريقة التي وقعت بها في حب القاهرة عندما زرتها عام 2001. لقد ترجمته بسبب حبي لهذا العمل، ولأتمكن من قضاء المزيد من الوقت مع هذا الكتاب، وعندما أرسلته إلى الناشرين، قالوا إنهم أحبوه أيضاً، لكنه لا يتوافق مع قواعد أدب اليافعين باللغة الإنجليزية، لأن بطل «رحلة عجيبة» يكبر في النهاية. كان هذا محبطاً للغاية بالنسبة لي، لكنني ظللت أرسله حتى تمكن أخيراً من لفت انتباه ميشال مشبك؛ وهو ناشر فلسطيني في الولايات المتحدة.

> فقدنا هذا العام اسمين من أبرز الأدباء العرب المعاصرين، خالد خليفة وحمدي أبو جليل، اللذين ترجمت أعمالهما إلى اللغة الإنجليزية. كيف يمكنكِ وصف ما يميز أسلوبهم السردي؟

- إنهما مختلفان تماماً، لكنني أحببتهما كأشخاص وككتاب. بالإضافة إلى ذلك، كلاهما مات مبكراً جداً. كان لدى حمدي أبو جليل هذا الأسلوب الملحمي الجامح والمرح، الذي يدعمه فهمه العميق للسرد الشفاهي، أما خالد خليفة، فقد نهضت تلك الرحلات المذهلة لشخصياته بناءً على ارتباطه العميق بالتاريخ السوري. أعتقد أن كليهما كان لا يزال لديه الكثير ليقدمه، ويُحزنني التفكير في الروايات التي لم ينتهوا منها بعد.

> كيف تلقيتِ خبر إلغاء فعالية عدنية شبلي مؤخراً في «فرانكفورت» بعد الإشادة بها على روايتها «تفصيل ثانوي»، التي وصلت ترجمتها إلى القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر»؟

- ما زلت غاضبة من معرض فرانكفورت للكتاب بسبب إلغاء تكريم عدنية شبلي، ولا يزال المعرض مديناً لتلك الكاتبة الفلسطينية، وكل من يعمل في مجال النشر، باعتذار حقيقي. وهذا لم يقتصر فقط على ألمانيا، بل أيضاً في فرنسا وغيرها، لقد تم حذف كتاب وفنانين من الظهور على منصات، وإلغاء فعالياتهم لانتقاداتهم البسيطة لإسرائيل. ولا يسعني إلا أن أرجو أن يؤدي هذا إلى إثارة تفكير جاد حول علاقة الحكومات الأوروبية بالتعبير، والتمويل، والجوائز.

حاولنا من خلال موقع «Arablit» خلال الشهرين الأخيرين تكثيف النشر للكُتاب الفلسطينيين، كنوع من إعلان موقف ضد الإبادة الجماعية والعنف والمحو والإسكات، نحاول دائماً التفكير في لغة جديدة للتضامن، وطرق للعمل نحو مستقبل أكثر عدلاً.

> من القاهرة للرباط، كيف تصفين تجربة العيش في العاصمتين؟

- إنهما مختلفتان فعلاً... الرباط مدينة جميلة ومكان جيد للإنتاج، لكنني أفتقد مفاجآت الحياة في القاهرة.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.