حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تأجلت مواعيد أخرى بسبب «زلزال الأطلس الكبير»

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة
TT

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تميزت سنة 2023 في المغرب بتنظيم مهرجانات ومعارض وتظاهرات فنية وأدبية متنوعة غطَّت مختلف ربوع البلد، أكدت حيوية المشهد الثقافي المغربي، قبل أن يأتي زلزال الأطلس الكبير، الذي هزّ البلد يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، ليفرض تأجيل تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية والفنية المبرمجة. وتسبب الزلزال في انهيار عدد من المباني والآثار التاريخية بالمنطقة. وسارعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى القيام بعملية إحصاء للمباني والآثار التاريخية المتضررة، في أفق إعداد برنامج استعجالي لترميمها وتأهيلها، في مقدمتها مسجد «تنمل» التاريخي.

لم يكن مفاجئاً أن تسارع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) لإعلان انشغالها بتأثير الزلزال على الموروث التاريخي بمراكش، وغيرها من المناطق المتضررة، كما غردت مديرتها العامة أودري أزولاي، على موقع «إكس»، للتعبير عن تضامنها مع الشعب المغربي. وتأكيداً للإشعاع الذي صار للثقافة والمثقفين المغاربة في الداخل والخارج، تميزت السنة بتتويج عدد من الكتاب والفنانين المغاربة بجوائز رفيعة، وصدور عدد كبير من الإصدارات وتنظيم معارض للنشر والكتاب، فضلاً عن تلك المتعلقة بالفنون التشكيلية. كما شهدت سنة 2023 رحيل كتاب وفنانين وإعلاميين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي والإعلامي للمغرب المعاصر. في هذا التقرير، استعراض مختزل لبعض ما ميَّز المشهد الثقافي المغربي، على مدار هذا العام.

مهرجانات

عاد «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ24، إلى صيغته وشكله الطبيعيين، بعد ثلاث سنوات من التأجيل بسبب الأزمة الصحية العالمية.

وتميز برنامج هذه الدورة بفقرات موسيقية، بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، مع تنظيم «منتدى حقوق الإنسان»، في موضوع «الهويات المتعددة وسؤال الانتماء»، ومعرض تحت عنوان «صحوة الذاكرة»، وفقرة حوارية تحت عنوان «شجرة الكلام»، وورشات موسيقية للتعريف بالتراث الكناوي واكتشاف وتعلم موسيقاه والعوالم المرتبطة به من تاريخ وأدوات وإيقاعات.

أصيلة... 44 سنة

نظمت «مؤسسة منتدى أصيلة» موسم أصيلة الـ44، في دورتين، صيفية تميزت بتنظيم معرضين للفنانة نرجس الجباري ومحمد عنزاوي، ومشاغل الفنون، وصباغة الجداريات، مع تنظيم ندوتين: الأولى عن «الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي»، والثانية عن «الفن التشكيلي المغربي والتداول النقدي». كما شهدت الدورة تكريم الفنان التشكيلي المغربي عبد الكبير ربيع. فيما تميزت الدورة الخريفية بتنظيم عدد من الندوات ضمن جامعة المعتمد بن عباد المفتوحة في دورتها الـ37.

وناقشت هذه الندوات، التي شارك فيها نحو 300 من صفوة رجال السياسة والفكر والأدب والإعلام والفن التشكيلي من مختلف أنحاء العالم، قضايا حيوية آنية. كما شهدت الدورة تنظيم «ملتقى الرواية العربية»، في موضوع «الرواية العربية والخطاب البصري»، مع تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها الثامنة للروائي اللبناني رشيد الضعيف، والاحتفاء في «خيمة الإبداع» بالأكاديمي والمفكر المغربي سعيد بنسعيد العلوي. كما نظمت خلال هذه الدورة مشاغل للفنون التشكيلية، بمشاركة فنانين من المغرب والبحرين والسنغال وسوريا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا. واستقبلت أروقة المعارض معرضين للفنانين سعيد المساري (المغرب)، وعلي علي سلطان (سوريا)، واستضاف قصر الثقافة معرضين؛ واحداً للفنان المغربي معاد الجباري، والآخر للفنانين الزيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) الشباب. كما برمج معرض خاص بمواهب الموسم (مرسم الطفل)، مع تنظيم مشغل للتعبير الأدبي وكتابة الطفل، يعنى بالكتابة في مختلف المجالات مثل الشعر والقصة والسيناريو.

نجمة ذهبية لفيلم مغربي

في مراكش، احتفى المهرجان الدولي للفيلم، بوصوله إلى دورته العشرين، التي تميزت بفوز فيلم «كذب أبيض» لمخرجته المغربية أسماء المُدير، بالجائزة الكبرى (النجمة الذهبية)، وذلك لأول مرة في تاريخ المشاركات المغربية. وفي باقي الجوائز، فاز فيلم «عصابات» لكمال الأزرق من المغرب، وفيلم «باي باي طبريا» للينا سوالم من فلسطين (مناصفة) بجائزة لجنة التحكيم.

ومَنحت لجنة التحكيم، برئاسة الممثلة الأميركية جيسيكا شاستين، جائزة الإخراج لراماتا - تولاي سي (السنغال) عن فيلمها «بانيل وأداما». وفازت بجائزة أفضل ممثلة لأسيا زارا لاكومدزيا (البوسنة والهرسك) عن دورها في فيلم «نزهة» لأونا كونجاك. فيما فاز بجائزة أفضل ممثل دوكا كاراكاس (تركيا) عن دوره في فيلم «المهجع» لنهير تونا. واقترحت الدورة 75 فيلماً من 36 دولة، توزعتها أقسام «المسابقة الرسمية»، و«العروض الاحتفالية»، و«العروض الخاصة»، و«القارة الحادية عشرة»، و«بانوراما السينما المغربية»، و«سينما الجمهور الناشئ»، إضافة إلى الأفلام التي تم عرضها في إطار «التكريمات». وكرمت الدورة الممثل الدانماركي مادس ميكلسن، والمخرج المغربي فوزي بنسعيدي. كما استضافت 11 شخصية سينمائية، في مواعيد حوارية، ضمن فقرة «حوار مع... »، بينها الممثل والمخرج الأسترالي سيمون بيكر، والممثل الأميركي ويليم دافو، والممثل والمخرج الأمريكي - الدنماركي فيجو مورتنسن، والممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأميركي مات ديلون، والممثلة الأسكوتلندية تيلدا سوينتون.

معارض للنشر والكتاب

شهدت 2023 تنظيم عدد من معارض النشر والكتاب، جهوية ودولية، مع مشاركة دور نشر مغربية في معارض بالخارج.

وتميزت فعاليات الدورة الـ28 لمعرض الرباط، بمشاركة 737 عارضاً، منهم 287 عارضاً مباشراً، و450 عارضاً غير مباشر، من 51 بلداً، قدموا عرضاً وثائقياً تجاوز 120 ألف عنوان.

واحتفت الدورة بالكيبيك - كندا كضيف خاص، تخليداً للذكرى الستينية لميلاد العلاقات الدبلوماسية المغربية - الكندية. كما شهدت تنظيم فعاليات متنوعة، حضرها 661 من الكتاب والمفكرين والشعراء المغاربة والأجانب، ناهزت 221 نشاطاً تضمنت ندوات موضوعاتية، ولحظات استرجاعية لفكر وإبداع بعض الرموز الثقافية التي أسست مسارات فكرية وإبداعية متميزة، إضافة إلى لقاءات مباشرة بين المبدعات والمبدعين وجمهورهم. وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل الدورة الأولى للمعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب، بالدار البيضاء. وتضمن برنامجها ندوات فكرية، وورشات فنية، وعروضاً مسرحية، ومعارض لوحات فنية، مع حضور لرسَّامي «مارفيل» كضيوف شرف، فضلاً عن مشاركة عارضين أجانب. وجاءت هذه التظاهرة، حسب المسؤولين المغاربة، لتعزز العرض الثقافي لمدينة الدار البيضاء، وطمحت، في دورتها الأولى، إلى إعطاء «انطلاقة لتقليد سنوي تصبح معه العاصمة الاقتصادية ضمن قائمة المدن المعدودة في العالم التي تحتضن معرضاً دولياً خاصاً بكتاب الطفل والشباب».

جوائز وإصدارات

توج عدد من الكتاب بجوائز قيمة على المستوى العربي. ومن ذلك، فوز الناقد عبد الفتاح كيليطو بجائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب، في دورة 2023، في موضوع «السرد العربي القديم والنظريات الحديثة».

وبررت لجنة التحكيم هذا الاختيار ببراعة كيليطو في «تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها»، و«تمثله المناهج النقدية الحديثة تمثلاً إيجابياً»، و«عمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة والإبداع»، فضلاً عن تميزه بالقدرة على «تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق».

وفاز المفكر عبد السلام بن عبد العالي بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الـ18، في فئة الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وذلك لأنه، كما جاء في قرار لجنة التحكيم، من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، ويرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة، فيما تتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص.

وفاز الناقد سعيد سقطين بجائزة الكويت، في دورتها الـ41، التي تمنحها «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي»، وذلك في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب عن موضوع «الأدب والفن في العالم العربي: تخصّص علم السرديات».

وقالت المؤسسة المانحة للجائزة إن تتويج يقطين جاء «تقديراً لأبحاثه في مجال السرديات ونظرية الأدب والنقد الأدبي والتراث السردي العربي الإسلامي والثقافة الشعبية والنص المترابط».

وفاز الكاتب أنيس الرافعي بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورته الخامسة، بمجموعته «سيرك الحيوانات المتوهمة».

وفي الإصدارات واصل المبدعون المغاربة رحلة الإبداع والنشر، من داخل وخارج المغرب. كما كان للكتاب المغاربة نصيب على مستوى الترجمة، ومن ذلك صدور ترجمات لإبداعات عدد منهم، أو ترجمة آخرين لكتابات بلغات أخرى إلى العربية.

«يونسكو» و«إيسيسكو»

وافقت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونيسكو، في إطار دورتها 18، على طلب المغرب المتعلق بإدراج فن «الملحون» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وجاء هذا الإدراج ليؤكد اعترافاً دولياً بإرث مغربي أصيل، وبرافد مهم من الروافد الفنية الغنية للمغرب، ومكون مرجعي من مكونات الهوية الثقافية المغربية العريقة، كما يُعد ترسيخاً للمجهودات التي يبذلها البلد في مجال صيانة وحفظ التراث الثقافي المغربي.

ويتوفر المغرب، بعد تسجيل عنصر «الملحون»، على 13 عنصراً مسجلاً بالقائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لليونيسكو. كما صادقت لجنة التراث في العالم الإسلامي، التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، خلال اجتماعها الحادي عشر، على إدراج 8 عناصر من التراث غير المادي باسم المغرب، يتعلق الأمر بصناعة الحلي من الخرز، ونسج الحايك والبرنوص بفجيج، والدباغة، وفن فروسية (ماطا)، وخزف آسفي، والتلبي، وأغاني ورقصة عواد آيت بعمران، واللعبة التقليدية «السيك». وبإدراج هذه العناصر، يرتفع رصيد المغرب من العناصر المسجلة في قائمة الإيسيسكو إلى 54 عنصراً، لتتموقع كأول دولة إسلامية في الترتيب.

رحيل كتاب وفنانين

عرفت 2023 رحيل عدد من الأسماء التي طبعت المشهد الثقافي المغربي المعاصر، بينها الروائي بهاء الدين الطود، الذي عرف روائياً وقاصاً وكاتب مقالة صحافية وأدبية، في الصحافة الوطنية والأجنبية. وصدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية، من أشهرها روايته الأولى «البعيدون»، فضلاً عن مجموعة نصوص أخرى، روائية وسيرية، من قبيل روايته «أبو حيان في طنجة». كما رحل الكاتب الصحافي عبد اللطيف جبرو، بعد حياة غنية بالعمل السياسي والصحافي والثقافي، تاركاً كتباً عديدة على علاقة بالتاريخ المعاصر للمغرب، منها «عبد الرحيم بوعبيد: سيادة الوطن وكرامة المواطن»، و«المهدي بنبركة»، في ثلاثة أجزاء: «الرياضيات مدرسة للوطنية» و«بناء الوطن... معركة أقوياء النفوس» و«في مواجهة العاصفة». كما أصدر «الحقيقة أولاً... مغرب الأمس القريب». ورحل خليل الهاشمي الإدريسي، سادس مدير عام لوكالة المغرب العربي للأنباء منذ تأسيسها في 31 مايو (أيار) 1959. وفضلاً عن انشغالاته الإعلامية، ترك الراحل عدداً من الإصدارات الفكرية والأدبية، بينها «أوراق زرقاء»، و«اجتياح اللا شيء»، و«ملاذات»، و«الإيمان لا يستدعى سوى أيام العيد» و«أنطولوجيا متحولة».

وفي الميدان الفني، رحل عدد من الفنانين الذين أغنوا المشهد الفني المغربي على مدى سنوات، بينهم مولاي الطاهر الأصبهاني، عضو مجموعة «جيل جيلالة» الموسيقية، والممثلة خديجة أسد، التي شكلت برفقة زوجها الراحل سعد الله عزيز واحداً من أفضل الثنائيات الفنية التي أمتعت المشاهد المغربي في العقود الأخيرة.



«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».