حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تأجلت مواعيد أخرى بسبب «زلزال الأطلس الكبير»

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة
TT

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تميزت سنة 2023 في المغرب بتنظيم مهرجانات ومعارض وتظاهرات فنية وأدبية متنوعة غطَّت مختلف ربوع البلد، أكدت حيوية المشهد الثقافي المغربي، قبل أن يأتي زلزال الأطلس الكبير، الذي هزّ البلد يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، ليفرض تأجيل تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية والفنية المبرمجة. وتسبب الزلزال في انهيار عدد من المباني والآثار التاريخية بالمنطقة. وسارعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى القيام بعملية إحصاء للمباني والآثار التاريخية المتضررة، في أفق إعداد برنامج استعجالي لترميمها وتأهيلها، في مقدمتها مسجد «تنمل» التاريخي.

لم يكن مفاجئاً أن تسارع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) لإعلان انشغالها بتأثير الزلزال على الموروث التاريخي بمراكش، وغيرها من المناطق المتضررة، كما غردت مديرتها العامة أودري أزولاي، على موقع «إكس»، للتعبير عن تضامنها مع الشعب المغربي. وتأكيداً للإشعاع الذي صار للثقافة والمثقفين المغاربة في الداخل والخارج، تميزت السنة بتتويج عدد من الكتاب والفنانين المغاربة بجوائز رفيعة، وصدور عدد كبير من الإصدارات وتنظيم معارض للنشر والكتاب، فضلاً عن تلك المتعلقة بالفنون التشكيلية. كما شهدت سنة 2023 رحيل كتاب وفنانين وإعلاميين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي والإعلامي للمغرب المعاصر. في هذا التقرير، استعراض مختزل لبعض ما ميَّز المشهد الثقافي المغربي، على مدار هذا العام.

مهرجانات

عاد «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ24، إلى صيغته وشكله الطبيعيين، بعد ثلاث سنوات من التأجيل بسبب الأزمة الصحية العالمية.

وتميز برنامج هذه الدورة بفقرات موسيقية، بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، مع تنظيم «منتدى حقوق الإنسان»، في موضوع «الهويات المتعددة وسؤال الانتماء»، ومعرض تحت عنوان «صحوة الذاكرة»، وفقرة حوارية تحت عنوان «شجرة الكلام»، وورشات موسيقية للتعريف بالتراث الكناوي واكتشاف وتعلم موسيقاه والعوالم المرتبطة به من تاريخ وأدوات وإيقاعات.

أصيلة... 44 سنة

نظمت «مؤسسة منتدى أصيلة» موسم أصيلة الـ44، في دورتين، صيفية تميزت بتنظيم معرضين للفنانة نرجس الجباري ومحمد عنزاوي، ومشاغل الفنون، وصباغة الجداريات، مع تنظيم ندوتين: الأولى عن «الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي»، والثانية عن «الفن التشكيلي المغربي والتداول النقدي». كما شهدت الدورة تكريم الفنان التشكيلي المغربي عبد الكبير ربيع. فيما تميزت الدورة الخريفية بتنظيم عدد من الندوات ضمن جامعة المعتمد بن عباد المفتوحة في دورتها الـ37.

وناقشت هذه الندوات، التي شارك فيها نحو 300 من صفوة رجال السياسة والفكر والأدب والإعلام والفن التشكيلي من مختلف أنحاء العالم، قضايا حيوية آنية. كما شهدت الدورة تنظيم «ملتقى الرواية العربية»، في موضوع «الرواية العربية والخطاب البصري»، مع تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها الثامنة للروائي اللبناني رشيد الضعيف، والاحتفاء في «خيمة الإبداع» بالأكاديمي والمفكر المغربي سعيد بنسعيد العلوي. كما نظمت خلال هذه الدورة مشاغل للفنون التشكيلية، بمشاركة فنانين من المغرب والبحرين والسنغال وسوريا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا. واستقبلت أروقة المعارض معرضين للفنانين سعيد المساري (المغرب)، وعلي علي سلطان (سوريا)، واستضاف قصر الثقافة معرضين؛ واحداً للفنان المغربي معاد الجباري، والآخر للفنانين الزيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) الشباب. كما برمج معرض خاص بمواهب الموسم (مرسم الطفل)، مع تنظيم مشغل للتعبير الأدبي وكتابة الطفل، يعنى بالكتابة في مختلف المجالات مثل الشعر والقصة والسيناريو.

نجمة ذهبية لفيلم مغربي

في مراكش، احتفى المهرجان الدولي للفيلم، بوصوله إلى دورته العشرين، التي تميزت بفوز فيلم «كذب أبيض» لمخرجته المغربية أسماء المُدير، بالجائزة الكبرى (النجمة الذهبية)، وذلك لأول مرة في تاريخ المشاركات المغربية. وفي باقي الجوائز، فاز فيلم «عصابات» لكمال الأزرق من المغرب، وفيلم «باي باي طبريا» للينا سوالم من فلسطين (مناصفة) بجائزة لجنة التحكيم.

ومَنحت لجنة التحكيم، برئاسة الممثلة الأميركية جيسيكا شاستين، جائزة الإخراج لراماتا - تولاي سي (السنغال) عن فيلمها «بانيل وأداما». وفازت بجائزة أفضل ممثلة لأسيا زارا لاكومدزيا (البوسنة والهرسك) عن دورها في فيلم «نزهة» لأونا كونجاك. فيما فاز بجائزة أفضل ممثل دوكا كاراكاس (تركيا) عن دوره في فيلم «المهجع» لنهير تونا. واقترحت الدورة 75 فيلماً من 36 دولة، توزعتها أقسام «المسابقة الرسمية»، و«العروض الاحتفالية»، و«العروض الخاصة»، و«القارة الحادية عشرة»، و«بانوراما السينما المغربية»، و«سينما الجمهور الناشئ»، إضافة إلى الأفلام التي تم عرضها في إطار «التكريمات». وكرمت الدورة الممثل الدانماركي مادس ميكلسن، والمخرج المغربي فوزي بنسعيدي. كما استضافت 11 شخصية سينمائية، في مواعيد حوارية، ضمن فقرة «حوار مع... »، بينها الممثل والمخرج الأسترالي سيمون بيكر، والممثل الأميركي ويليم دافو، والممثل والمخرج الأمريكي - الدنماركي فيجو مورتنسن، والممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأميركي مات ديلون، والممثلة الأسكوتلندية تيلدا سوينتون.

معارض للنشر والكتاب

شهدت 2023 تنظيم عدد من معارض النشر والكتاب، جهوية ودولية، مع مشاركة دور نشر مغربية في معارض بالخارج.

وتميزت فعاليات الدورة الـ28 لمعرض الرباط، بمشاركة 737 عارضاً، منهم 287 عارضاً مباشراً، و450 عارضاً غير مباشر، من 51 بلداً، قدموا عرضاً وثائقياً تجاوز 120 ألف عنوان.

واحتفت الدورة بالكيبيك - كندا كضيف خاص، تخليداً للذكرى الستينية لميلاد العلاقات الدبلوماسية المغربية - الكندية. كما شهدت تنظيم فعاليات متنوعة، حضرها 661 من الكتاب والمفكرين والشعراء المغاربة والأجانب، ناهزت 221 نشاطاً تضمنت ندوات موضوعاتية، ولحظات استرجاعية لفكر وإبداع بعض الرموز الثقافية التي أسست مسارات فكرية وإبداعية متميزة، إضافة إلى لقاءات مباشرة بين المبدعات والمبدعين وجمهورهم. وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل الدورة الأولى للمعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب، بالدار البيضاء. وتضمن برنامجها ندوات فكرية، وورشات فنية، وعروضاً مسرحية، ومعارض لوحات فنية، مع حضور لرسَّامي «مارفيل» كضيوف شرف، فضلاً عن مشاركة عارضين أجانب. وجاءت هذه التظاهرة، حسب المسؤولين المغاربة، لتعزز العرض الثقافي لمدينة الدار البيضاء، وطمحت، في دورتها الأولى، إلى إعطاء «انطلاقة لتقليد سنوي تصبح معه العاصمة الاقتصادية ضمن قائمة المدن المعدودة في العالم التي تحتضن معرضاً دولياً خاصاً بكتاب الطفل والشباب».

جوائز وإصدارات

توج عدد من الكتاب بجوائز قيمة على المستوى العربي. ومن ذلك، فوز الناقد عبد الفتاح كيليطو بجائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب، في دورة 2023، في موضوع «السرد العربي القديم والنظريات الحديثة».

وبررت لجنة التحكيم هذا الاختيار ببراعة كيليطو في «تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها»، و«تمثله المناهج النقدية الحديثة تمثلاً إيجابياً»، و«عمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة والإبداع»، فضلاً عن تميزه بالقدرة على «تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق».

وفاز المفكر عبد السلام بن عبد العالي بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الـ18، في فئة الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وذلك لأنه، كما جاء في قرار لجنة التحكيم، من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، ويرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة، فيما تتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص.

وفاز الناقد سعيد سقطين بجائزة الكويت، في دورتها الـ41، التي تمنحها «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي»، وذلك في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب عن موضوع «الأدب والفن في العالم العربي: تخصّص علم السرديات».

وقالت المؤسسة المانحة للجائزة إن تتويج يقطين جاء «تقديراً لأبحاثه في مجال السرديات ونظرية الأدب والنقد الأدبي والتراث السردي العربي الإسلامي والثقافة الشعبية والنص المترابط».

وفاز الكاتب أنيس الرافعي بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورته الخامسة، بمجموعته «سيرك الحيوانات المتوهمة».

وفي الإصدارات واصل المبدعون المغاربة رحلة الإبداع والنشر، من داخل وخارج المغرب. كما كان للكتاب المغاربة نصيب على مستوى الترجمة، ومن ذلك صدور ترجمات لإبداعات عدد منهم، أو ترجمة آخرين لكتابات بلغات أخرى إلى العربية.

«يونسكو» و«إيسيسكو»

وافقت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونيسكو، في إطار دورتها 18، على طلب المغرب المتعلق بإدراج فن «الملحون» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وجاء هذا الإدراج ليؤكد اعترافاً دولياً بإرث مغربي أصيل، وبرافد مهم من الروافد الفنية الغنية للمغرب، ومكون مرجعي من مكونات الهوية الثقافية المغربية العريقة، كما يُعد ترسيخاً للمجهودات التي يبذلها البلد في مجال صيانة وحفظ التراث الثقافي المغربي.

ويتوفر المغرب، بعد تسجيل عنصر «الملحون»، على 13 عنصراً مسجلاً بالقائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لليونيسكو. كما صادقت لجنة التراث في العالم الإسلامي، التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، خلال اجتماعها الحادي عشر، على إدراج 8 عناصر من التراث غير المادي باسم المغرب، يتعلق الأمر بصناعة الحلي من الخرز، ونسج الحايك والبرنوص بفجيج، والدباغة، وفن فروسية (ماطا)، وخزف آسفي، والتلبي، وأغاني ورقصة عواد آيت بعمران، واللعبة التقليدية «السيك». وبإدراج هذه العناصر، يرتفع رصيد المغرب من العناصر المسجلة في قائمة الإيسيسكو إلى 54 عنصراً، لتتموقع كأول دولة إسلامية في الترتيب.

رحيل كتاب وفنانين

عرفت 2023 رحيل عدد من الأسماء التي طبعت المشهد الثقافي المغربي المعاصر، بينها الروائي بهاء الدين الطود، الذي عرف روائياً وقاصاً وكاتب مقالة صحافية وأدبية، في الصحافة الوطنية والأجنبية. وصدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية، من أشهرها روايته الأولى «البعيدون»، فضلاً عن مجموعة نصوص أخرى، روائية وسيرية، من قبيل روايته «أبو حيان في طنجة». كما رحل الكاتب الصحافي عبد اللطيف جبرو، بعد حياة غنية بالعمل السياسي والصحافي والثقافي، تاركاً كتباً عديدة على علاقة بالتاريخ المعاصر للمغرب، منها «عبد الرحيم بوعبيد: سيادة الوطن وكرامة المواطن»، و«المهدي بنبركة»، في ثلاثة أجزاء: «الرياضيات مدرسة للوطنية» و«بناء الوطن... معركة أقوياء النفوس» و«في مواجهة العاصفة». كما أصدر «الحقيقة أولاً... مغرب الأمس القريب». ورحل خليل الهاشمي الإدريسي، سادس مدير عام لوكالة المغرب العربي للأنباء منذ تأسيسها في 31 مايو (أيار) 1959. وفضلاً عن انشغالاته الإعلامية، ترك الراحل عدداً من الإصدارات الفكرية والأدبية، بينها «أوراق زرقاء»، و«اجتياح اللا شيء»، و«ملاذات»، و«الإيمان لا يستدعى سوى أيام العيد» و«أنطولوجيا متحولة».

وفي الميدان الفني، رحل عدد من الفنانين الذين أغنوا المشهد الفني المغربي على مدى سنوات، بينهم مولاي الطاهر الأصبهاني، عضو مجموعة «جيل جيلالة» الموسيقية، والممثلة خديجة أسد، التي شكلت برفقة زوجها الراحل سعد الله عزيز واحداً من أفضل الثنائيات الفنية التي أمتعت المشاهد المغربي في العقود الأخيرة.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.