حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تأجلت مواعيد أخرى بسبب «زلزال الأطلس الكبير»

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة
TT

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تميزت سنة 2023 في المغرب بتنظيم مهرجانات ومعارض وتظاهرات فنية وأدبية متنوعة غطَّت مختلف ربوع البلد، أكدت حيوية المشهد الثقافي المغربي، قبل أن يأتي زلزال الأطلس الكبير، الذي هزّ البلد يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، ليفرض تأجيل تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية والفنية المبرمجة. وتسبب الزلزال في انهيار عدد من المباني والآثار التاريخية بالمنطقة. وسارعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى القيام بعملية إحصاء للمباني والآثار التاريخية المتضررة، في أفق إعداد برنامج استعجالي لترميمها وتأهيلها، في مقدمتها مسجد «تنمل» التاريخي.

لم يكن مفاجئاً أن تسارع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) لإعلان انشغالها بتأثير الزلزال على الموروث التاريخي بمراكش، وغيرها من المناطق المتضررة، كما غردت مديرتها العامة أودري أزولاي، على موقع «إكس»، للتعبير عن تضامنها مع الشعب المغربي. وتأكيداً للإشعاع الذي صار للثقافة والمثقفين المغاربة في الداخل والخارج، تميزت السنة بتتويج عدد من الكتاب والفنانين المغاربة بجوائز رفيعة، وصدور عدد كبير من الإصدارات وتنظيم معارض للنشر والكتاب، فضلاً عن تلك المتعلقة بالفنون التشكيلية. كما شهدت سنة 2023 رحيل كتاب وفنانين وإعلاميين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي والإعلامي للمغرب المعاصر. في هذا التقرير، استعراض مختزل لبعض ما ميَّز المشهد الثقافي المغربي، على مدار هذا العام.

مهرجانات

عاد «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ24، إلى صيغته وشكله الطبيعيين، بعد ثلاث سنوات من التأجيل بسبب الأزمة الصحية العالمية.

وتميز برنامج هذه الدورة بفقرات موسيقية، بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، مع تنظيم «منتدى حقوق الإنسان»، في موضوع «الهويات المتعددة وسؤال الانتماء»، ومعرض تحت عنوان «صحوة الذاكرة»، وفقرة حوارية تحت عنوان «شجرة الكلام»، وورشات موسيقية للتعريف بالتراث الكناوي واكتشاف وتعلم موسيقاه والعوالم المرتبطة به من تاريخ وأدوات وإيقاعات.

أصيلة... 44 سنة

نظمت «مؤسسة منتدى أصيلة» موسم أصيلة الـ44، في دورتين، صيفية تميزت بتنظيم معرضين للفنانة نرجس الجباري ومحمد عنزاوي، ومشاغل الفنون، وصباغة الجداريات، مع تنظيم ندوتين: الأولى عن «الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي»، والثانية عن «الفن التشكيلي المغربي والتداول النقدي». كما شهدت الدورة تكريم الفنان التشكيلي المغربي عبد الكبير ربيع. فيما تميزت الدورة الخريفية بتنظيم عدد من الندوات ضمن جامعة المعتمد بن عباد المفتوحة في دورتها الـ37.

وناقشت هذه الندوات، التي شارك فيها نحو 300 من صفوة رجال السياسة والفكر والأدب والإعلام والفن التشكيلي من مختلف أنحاء العالم، قضايا حيوية آنية. كما شهدت الدورة تنظيم «ملتقى الرواية العربية»، في موضوع «الرواية العربية والخطاب البصري»، مع تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها الثامنة للروائي اللبناني رشيد الضعيف، والاحتفاء في «خيمة الإبداع» بالأكاديمي والمفكر المغربي سعيد بنسعيد العلوي. كما نظمت خلال هذه الدورة مشاغل للفنون التشكيلية، بمشاركة فنانين من المغرب والبحرين والسنغال وسوريا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا. واستقبلت أروقة المعارض معرضين للفنانين سعيد المساري (المغرب)، وعلي علي سلطان (سوريا)، واستضاف قصر الثقافة معرضين؛ واحداً للفنان المغربي معاد الجباري، والآخر للفنانين الزيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) الشباب. كما برمج معرض خاص بمواهب الموسم (مرسم الطفل)، مع تنظيم مشغل للتعبير الأدبي وكتابة الطفل، يعنى بالكتابة في مختلف المجالات مثل الشعر والقصة والسيناريو.

نجمة ذهبية لفيلم مغربي

في مراكش، احتفى المهرجان الدولي للفيلم، بوصوله إلى دورته العشرين، التي تميزت بفوز فيلم «كذب أبيض» لمخرجته المغربية أسماء المُدير، بالجائزة الكبرى (النجمة الذهبية)، وذلك لأول مرة في تاريخ المشاركات المغربية. وفي باقي الجوائز، فاز فيلم «عصابات» لكمال الأزرق من المغرب، وفيلم «باي باي طبريا» للينا سوالم من فلسطين (مناصفة) بجائزة لجنة التحكيم.

ومَنحت لجنة التحكيم، برئاسة الممثلة الأميركية جيسيكا شاستين، جائزة الإخراج لراماتا - تولاي سي (السنغال) عن فيلمها «بانيل وأداما». وفازت بجائزة أفضل ممثلة لأسيا زارا لاكومدزيا (البوسنة والهرسك) عن دورها في فيلم «نزهة» لأونا كونجاك. فيما فاز بجائزة أفضل ممثل دوكا كاراكاس (تركيا) عن دوره في فيلم «المهجع» لنهير تونا. واقترحت الدورة 75 فيلماً من 36 دولة، توزعتها أقسام «المسابقة الرسمية»، و«العروض الاحتفالية»، و«العروض الخاصة»، و«القارة الحادية عشرة»، و«بانوراما السينما المغربية»، و«سينما الجمهور الناشئ»، إضافة إلى الأفلام التي تم عرضها في إطار «التكريمات». وكرمت الدورة الممثل الدانماركي مادس ميكلسن، والمخرج المغربي فوزي بنسعيدي. كما استضافت 11 شخصية سينمائية، في مواعيد حوارية، ضمن فقرة «حوار مع... »، بينها الممثل والمخرج الأسترالي سيمون بيكر، والممثل الأميركي ويليم دافو، والممثل والمخرج الأمريكي - الدنماركي فيجو مورتنسن، والممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأميركي مات ديلون، والممثلة الأسكوتلندية تيلدا سوينتون.

معارض للنشر والكتاب

شهدت 2023 تنظيم عدد من معارض النشر والكتاب، جهوية ودولية، مع مشاركة دور نشر مغربية في معارض بالخارج.

وتميزت فعاليات الدورة الـ28 لمعرض الرباط، بمشاركة 737 عارضاً، منهم 287 عارضاً مباشراً، و450 عارضاً غير مباشر، من 51 بلداً، قدموا عرضاً وثائقياً تجاوز 120 ألف عنوان.

واحتفت الدورة بالكيبيك - كندا كضيف خاص، تخليداً للذكرى الستينية لميلاد العلاقات الدبلوماسية المغربية - الكندية. كما شهدت تنظيم فعاليات متنوعة، حضرها 661 من الكتاب والمفكرين والشعراء المغاربة والأجانب، ناهزت 221 نشاطاً تضمنت ندوات موضوعاتية، ولحظات استرجاعية لفكر وإبداع بعض الرموز الثقافية التي أسست مسارات فكرية وإبداعية متميزة، إضافة إلى لقاءات مباشرة بين المبدعات والمبدعين وجمهورهم. وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل الدورة الأولى للمعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب، بالدار البيضاء. وتضمن برنامجها ندوات فكرية، وورشات فنية، وعروضاً مسرحية، ومعارض لوحات فنية، مع حضور لرسَّامي «مارفيل» كضيوف شرف، فضلاً عن مشاركة عارضين أجانب. وجاءت هذه التظاهرة، حسب المسؤولين المغاربة، لتعزز العرض الثقافي لمدينة الدار البيضاء، وطمحت، في دورتها الأولى، إلى إعطاء «انطلاقة لتقليد سنوي تصبح معه العاصمة الاقتصادية ضمن قائمة المدن المعدودة في العالم التي تحتضن معرضاً دولياً خاصاً بكتاب الطفل والشباب».

جوائز وإصدارات

توج عدد من الكتاب بجوائز قيمة على المستوى العربي. ومن ذلك، فوز الناقد عبد الفتاح كيليطو بجائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب، في دورة 2023، في موضوع «السرد العربي القديم والنظريات الحديثة».

وبررت لجنة التحكيم هذا الاختيار ببراعة كيليطو في «تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها»، و«تمثله المناهج النقدية الحديثة تمثلاً إيجابياً»، و«عمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة والإبداع»، فضلاً عن تميزه بالقدرة على «تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق».

وفاز المفكر عبد السلام بن عبد العالي بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الـ18، في فئة الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وذلك لأنه، كما جاء في قرار لجنة التحكيم، من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، ويرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة، فيما تتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص.

وفاز الناقد سعيد سقطين بجائزة الكويت، في دورتها الـ41، التي تمنحها «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي»، وذلك في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب عن موضوع «الأدب والفن في العالم العربي: تخصّص علم السرديات».

وقالت المؤسسة المانحة للجائزة إن تتويج يقطين جاء «تقديراً لأبحاثه في مجال السرديات ونظرية الأدب والنقد الأدبي والتراث السردي العربي الإسلامي والثقافة الشعبية والنص المترابط».

وفاز الكاتب أنيس الرافعي بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورته الخامسة، بمجموعته «سيرك الحيوانات المتوهمة».

وفي الإصدارات واصل المبدعون المغاربة رحلة الإبداع والنشر، من داخل وخارج المغرب. كما كان للكتاب المغاربة نصيب على مستوى الترجمة، ومن ذلك صدور ترجمات لإبداعات عدد منهم، أو ترجمة آخرين لكتابات بلغات أخرى إلى العربية.

«يونسكو» و«إيسيسكو»

وافقت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونيسكو، في إطار دورتها 18، على طلب المغرب المتعلق بإدراج فن «الملحون» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وجاء هذا الإدراج ليؤكد اعترافاً دولياً بإرث مغربي أصيل، وبرافد مهم من الروافد الفنية الغنية للمغرب، ومكون مرجعي من مكونات الهوية الثقافية المغربية العريقة، كما يُعد ترسيخاً للمجهودات التي يبذلها البلد في مجال صيانة وحفظ التراث الثقافي المغربي.

ويتوفر المغرب، بعد تسجيل عنصر «الملحون»، على 13 عنصراً مسجلاً بالقائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لليونيسكو. كما صادقت لجنة التراث في العالم الإسلامي، التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، خلال اجتماعها الحادي عشر، على إدراج 8 عناصر من التراث غير المادي باسم المغرب، يتعلق الأمر بصناعة الحلي من الخرز، ونسج الحايك والبرنوص بفجيج، والدباغة، وفن فروسية (ماطا)، وخزف آسفي، والتلبي، وأغاني ورقصة عواد آيت بعمران، واللعبة التقليدية «السيك». وبإدراج هذه العناصر، يرتفع رصيد المغرب من العناصر المسجلة في قائمة الإيسيسكو إلى 54 عنصراً، لتتموقع كأول دولة إسلامية في الترتيب.

رحيل كتاب وفنانين

عرفت 2023 رحيل عدد من الأسماء التي طبعت المشهد الثقافي المغربي المعاصر، بينها الروائي بهاء الدين الطود، الذي عرف روائياً وقاصاً وكاتب مقالة صحافية وأدبية، في الصحافة الوطنية والأجنبية. وصدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية، من أشهرها روايته الأولى «البعيدون»، فضلاً عن مجموعة نصوص أخرى، روائية وسيرية، من قبيل روايته «أبو حيان في طنجة». كما رحل الكاتب الصحافي عبد اللطيف جبرو، بعد حياة غنية بالعمل السياسي والصحافي والثقافي، تاركاً كتباً عديدة على علاقة بالتاريخ المعاصر للمغرب، منها «عبد الرحيم بوعبيد: سيادة الوطن وكرامة المواطن»، و«المهدي بنبركة»، في ثلاثة أجزاء: «الرياضيات مدرسة للوطنية» و«بناء الوطن... معركة أقوياء النفوس» و«في مواجهة العاصفة». كما أصدر «الحقيقة أولاً... مغرب الأمس القريب». ورحل خليل الهاشمي الإدريسي، سادس مدير عام لوكالة المغرب العربي للأنباء منذ تأسيسها في 31 مايو (أيار) 1959. وفضلاً عن انشغالاته الإعلامية، ترك الراحل عدداً من الإصدارات الفكرية والأدبية، بينها «أوراق زرقاء»، و«اجتياح اللا شيء»، و«ملاذات»، و«الإيمان لا يستدعى سوى أيام العيد» و«أنطولوجيا متحولة».

وفي الميدان الفني، رحل عدد من الفنانين الذين أغنوا المشهد الفني المغربي على مدى سنوات، بينهم مولاي الطاهر الأصبهاني، عضو مجموعة «جيل جيلالة» الموسيقية، والممثلة خديجة أسد، التي شكلت برفقة زوجها الراحل سعد الله عزيز واحداً من أفضل الثنائيات الفنية التي أمتعت المشاهد المغربي في العقود الأخيرة.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي