شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

الكاتب المغربي «يدنو من الخيال الوحشي للبشر دون ترويضه»

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة
TT

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

شعيب حليفي: أسوأ سيناريو للرواية أن يُنظر إليها بوصفها وثيقة

بين الإبداع الروائي والتنظير الأكاديمي والنقد الأدبي، تتعدد وجوه التجربة الثقافية للكاتب المغربي شعيب حليفي الذي صدر له في مجال الرواية  عدد من الأعمال منها «زمن الشاوية»، «رائحة الجنة»، «لا تنس ما تقول»، «مساء الشوق»، «مجازفات البيزنطي»، «تخمينات مهملة»؛ ومؤخرا صدرت له راوية جديدة  بعنوان «خط الزناتي». وفي مجال الدراسات والتأملات وأدب الرحلة والنقد، صدر له «لا أحد يستطيع القفز فوق ظله»، «أسفار لا تخشى الخيال»، «سبع رسائل إلى صالح بن طريف»، «شعرية الرواية الفانتستكية»، «الرحلة في الأدب العربي». كما تولى عددا من المناصب الأدبية من أبرزها رئاسة «مختبر السرديات»... هنا حوار معه، حول هموم الكتاب وروايته الجديدة.

> في روايتك «خط الزناتي»، التي صدرت مؤخراً ثمة احتفاء بالطبيعة وبهجة الكائنات وثنائية الليل والنهار بعيداً عن الزحام وصخب المدينة. هل أردت التحرر من الأجواء المكررة التي باتت تحكم فضاء الرواية العربية؟

- الرواية مثل السحر. بل هي السحر بمفهومه الفلسفي والثقافي العام. لذلك فكتابة نص سردي ليس مجرد اختلاق للحكاية أو محاكاة باهتة ومصطنعة لأحداث وشخصيات، وإنما هي خلق حقيقي للمحتمل في صوره اللامتناهية في الحياة. والحياة ليست هي الأنا والأحداث المكرورة، ولكنها هذا العالم الساحر والعجيب الذي نراه ولا نُبصره، نعيشه ولا نتذوقه؛ وربما كان شعراء العصور القديمة ورواتها أكثر إدراكاً منا لجوهر الثقافة والحياة وهم يحتفون بالكائنات التي نحيا معها. قد نسمي هذا وعياً بيئياً وحبّاً للطبيعة، ولكن الحقيقة أن صخب المدن وأوهامها فصَلنا عن عوالمنا الأصلية التي نحيا فوقها ونتنفس ونتغذى بها، وأفقدَنا رؤية ذواتنا بالوضوح الذي يجعل خيالنا وتخيلنا رائقاً وسلساً ومستمراً. في روايتي «خط الزناتي»، عودة إلى الزمن في صيرورته والحكاية في تعالقاتها الإنسانية، فالكلب والقنفذ والحجر والتراب والسنابل والماء والظلام والحمار والطائر باسمه وصفاته إلى جانبهم الإنسان وغيرهم من الكائنات، جميعهم شخصيات تفكر وتتأمل مشدودة إلى ذاكرة المكان وطاحونة الزمن. وقد شعرتُ في هذه الرواية أنني استعدتُ بصري وبصيرتي التي كنت أبحث عنهما في رواياتي السابقة.

> تدور الرواية في يوم واحد من أيام الحصاد في حياة «موسى الزناتي» وبقية الشخصيات مع تقسيم الفصول إلى «جزء نهاري» و«جزء ليلي». هل يشغلك هاجس التجريب أم تضع التواصل البسيط والحميم مع المتلقي في مرتبة تسبق إشكاليات السرد وألاعيبه؟

- التخييل السردي ليس وصفة جاهزة؛ والإبداع خلق يحمل من روح ورؤية وهواجس مؤلفه شيئاً، وشيئاً من الأثر المشترك في المجتمع كما نحياه أو كما نتخيله ونقرأه، والباقي من كيمياء الكتابة والجنس الأدبي والتلقي وعناصر أخرى. في كل رواياتي، منذ «زمن الشاوية»، تعودتُ اللجوء إلى طريقة أراها متممة للرواية، وهي أنني حينما أنتهي من كتابتها ومراجعتها، أسلمها لخمسة قراء بحد أقصى لقراءتها وإبداء ملاحظاتهم العفوية، وكنتُ أحرص على سؤالهم: هل هي مفهومة وسلسة؟ لكن الأهم في هؤلاء القراء هو تنوعهم، منهم المثقف المتخصص والمثقف بشكل عام ثم قراء من العامة ومنهم من البادية ممن لهم مستوى دراسي بسيط. وما وقع لي مع رواية «خط الزناتي» على سبيل المثال أني استمتعتُ كثيراً بملاحظات قارئ من البادية، ومن قارئة من تخصص علمي بعيد عن العلوم الإنسانية. وهذا يعني أن الرواية بالنسبة لي لا بد أن تحقق تواصلاً أفقياً وتأثيراً أيضاً، فالكاتب ليس كائناً مجنحاً يخاطب نخبة تحيا في عوالم معزولة، بالإضافة إلى أن الكتابة فن يطمح إلى العيش أطول ما يمكن، وفي أزمنة أخرى مع أجيال وخطابات أخرى، وهذا لن يتحقق ما لم يكن تخييلاً أصيلاً وليس مستعاراً ومنسوخاً.

> يتضمن العمل إشارة منك بصفتك المؤلف إلى أن «الأحداث بكل تفاصيلها حقائق وقعت بالفعل»، وأنك «نقلت ما جرى بأقصى درجة من الأمانة والمسئولية». هل وظيفة الفن نقل الواقع بأمانة، وأين دور الخيال في هذه الحالة، وهل تنظر للفن الروائي تحديداً بوصفه وثيقة اجتماعية وتاريخية؟

- الكاتب هو الأسلوب والشكل والخيال، كما أن قدرة التخييل تكمن في مدى خلق توقعات ونقضها في الآن نفسه. الرواية ليست كاميرا أو عين كائن محايد. والأمانة الحقيقية هي في إبداع تخييل تحيا بداخله جينات المعارف والخبرات الإنسانية، ولعل أسوأ السيناريوهات بالنسبة لأي رواية أن تُقرأ بوصفها وثيقة. يمكن للعمل الروائي أن يساعد المؤرخ والسوسيولوجي الذكي في إضاءة رؤية وليس تأكيد أحداث ووقائع.

في الإشارة التمهيدية التي جاءت أسفل صفحة بأسماء «كائنات الرواية»، تقول: (الأحداث بكل تفاصيلها... حقائق وقعت بالفعل. ويشهد المؤلف أنه نقل كل ما جرى بأقصى ما يمكن من الأمانة والمسؤولية، وحينما أطْلعَ كائنات هذه الرواية على ما كتبه... أذهلهم لمعانُ التطابق، فقرروا الخروج من الواقع، بشكل جماعي، والهروب إلى الرواية لمواصلة العيش فيها). الأهم في هذا التذييل هو الجملة الأخيرة التي تهدم الجملة الأولى، ذلك أن شخوص الرواية حينما اطلعت على المكتوب أذهلها، وقررت الهروب من عالم الواقع إلى عالم الرواية، مما يعني أن الرواية هي عالم قائم بذاته بوصفه تخييلاً يجابه الواقعي والحقيقي في لمعانه. وإذا شئت الدنو أكثر من هذه الفكرة، أقول إن الأمر أشبه بكائن ينظر في المرآة فيرى كائنات وأحداث وهو بينها عنصر في حالات محتملة أكثر مما هي واقعية.

> كيف تصنّف «خط الزناتي» في سياق مشروعك الروائي؟

- الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا إلى سياق مشروع الكتابة في علاقتها بكل ما أفعله وأفكر فيه. بالنسبة لي، رواية «خط الزناتي» هي فصل آخر من مشروع ثقافي أنا جزء منه، فيه الإبداعي والأكاديمي؛ بل الرواية مسار إلى جانب مسارات أخرى أحياها مرتبطة ومتصلة ومتفاعلة. إنها نص أعتقد أن فيه جدّة، بالنسبة لما كتبت، في الدنو من الخيال الوحشي دون ترويضه، وإنما مجاورته والإنصات إليه ثم التعلم منه. الخيال الوحشي للرعاة والفلاحين والحصّادين والحيوانات والطيور.

> من واقع خبرتك كيف تنظر للرواية المغربية في أفقها العربي؟ وما رأيك في الانطباع السائد لدى كثيرين في بلدان «المشرق» من أن التنظير والشعر يتألقان في المغرب بينما لا تبدو الرواية بالألق نفسه؟

- ربما في سبعينات القرن الماضي كان يمكن القول بهذا مع التحفظ، لكن اليوم الرواية المغربية مثل نظيرتها في المشرق وبعض الدول الأوربية المتوسطية وغيرها. صحيح أن ظهور الرواية في المغرب العربي، جاء متأخراً عن مثيلتها في المشرق، لكن الرواية المغربية اليوم تحظى بحضور لافت وتترجم العديد من النصوص منها سنوياً إلى لغات كثيرة، كما تفوز بجوائز، وحاضرة في كل المعارض العربية والدولية. لقد استطاعت الرواية المغربية أن تحقق وجوداً فنياً إلى جانب الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، بموازاة الاهتمام النقدي بها.

> يشكو بعض المبدعين المغاربة من تهميش نقدي وقع عليهم بسبب المسافة الجغرافية التي أبعدتهم عن مراكز الثقل التاريخية في الثقافة العربية مثل القاهرة وبيروت وبغداد. كيف ترى الأمر؟ وبأي عين تنظر إلى ما يشاع حول ثنائية «المركز والهامش» في هذا السياق؟

- الفكرة بهذه الصيغة ربما كانت قبل مائة سنة، أما الآن فيمكن القول بأننا نحن - العرب - هامش بالنسبة للمركزية الأوربية. وأعتقد أن ما يقوم به النقاد والباحثون في الملتقيات والمؤتمرات والمعارض قد ألغى المسافات وباتت كل العواصم العربية مراكز لوجود نخبة مثقفة وصناعة ثقافية وجامعات وأنشطة ولقاءات. وإذا جاز الحديث عن نفسي أو من أعرفهم، أقول إننا لا نشعر بأي حيف أو نقص، فنحن على اتصال دائم بالمبدعين في الوطن العربي وكتبنا موجودة في طبعات متعددة.

> لك اهتمام خاص بأدب الرحلة تجلى في كتابك «الرحلة في الأدب العربي»... كيف ترى واقع هذا الجنس الأدبي وحاضره مقارنة بماضيه؟

- جنس الرحلة من الإبداع العربي يتقاسمه الأدب والتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والثقافة عموماً، والاهتمام به تزايد لأنه ملأ فراغاً مهماً على مستوى الخيال والتوثيق الذي كان التاريخ يستفرد به، ولدينا في العالم العربي تراث كبير من سرود الرحلة، وقد عدت إليها من أجل قراءتها في ضوء مناهج جديدة تستجلي صور الأنا والآخر في مراحل تاريخية سابقة، كما تعكس مدى ثراء الحوار الثقافي والحضاري بين الشعوب.

> أنت روائي وناقد وأكاديمي. هذا التنوع يشتت تجربتك أم يحدث بينها نوع من التكامل؟

- كل إنسان يحتاج إلى سكتين ليسير عليهما ليحقق التوازن، وبالنسبة لي العمل النقدي يندرج ضمن انخراطي الأكاديمي ونشاطي الثقافي بوصفهما ضرورة لدور المثقف في مجتمع يتطلع إلى حياة أفضل في سياق متلاطم وتحولات عنيفة تُطيح يومياً بكل القيم وتشكك في الذاكرة وتُبخس الثقافة. كما أن أي كاتب له القدرة خلق جسور بين اهتمامات متنوعة دون الخلط بينها، وهو حالي بين كتابة الرواية التي هي طقس يختلف عن الكتابة النقدية والبحث الأدبي.

> هل الخلفية النقدية الأكاديمية بما تتضمنه من حذر وأطر تنظيرية يمكن أن تتحول إلى عبء على خيال الروائي وجموحه الأدبي؟

- يمكن أن تكون عاملاً مدمراً إذا كان الإبداع شأناً ميكانيكياً، وأرى بأننا في حياتنا - دائماً - نستطيع أن تكون لنا مسافات بين الاهتمامات، كما أن خصوصيات كل مجال تقتضي أدواته ومزاجه؛ وأعتقد أن التخييل الذي أشتغل بداخله مثل فرن عالي الحرارة يذيب ويصهر كل شيء من خارج جنسه. بين الإبداع الروائي والتنظير الأكاديمي والنقد الأدبي، تتعدد وجوه التجربة الثقافية للكاتب المغربي شعيب حليفي. ففي مجال الرواية صدر له عدد من الأعمال منها «زمن الشاوية»، «رائحة الجنة»، «لا تنس ما تقول»، «مساء الشوق»، «مجازفات البيزنطي»، «تخمينات مهملة»؛ ومؤخراً صدرت له رواية جديدة بعنوان «خط الزناتي». وفي مجال الدراسات والتأملات وأدب الرحلة والنقد، صدر له «لا أحد يستطيع القفز فوق ظله»، «أسفار لا تخشى الخيال»، «سبع رسائل إلى صالح بن طريف»، «شعرية الرواية الفانتستيكية»، «الرحلة في الأدب العربي». كما تولى عدداً من المناصب الأدبية من أبرزها رئاسة «مختبر السرديات». هنا حوار معه، حول هموم الكتاب وروايته الجديدة.

 



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟