الشاعر صلاح اللقاني: قصائدي تطرح همّاً إنسانيّاً مشتركاً مع القارئ

يعدُّ التغيير في شكل الإبداع الشعري جزءاً من صيرورة الزمن والحياة

 الشاعر صلاح اللقاني
الشاعر صلاح اللقاني
TT

الشاعر صلاح اللقاني: قصائدي تطرح همّاً إنسانيّاً مشتركاً مع القارئ

 الشاعر صلاح اللقاني
الشاعر صلاح اللقاني

يمثل الشاعر صلاح اللقاني إحدى التجارب اللافتة في جيل شعراء السبعينات في مصر، فقد آثر البقاء بعيداً في مدينته، دمنهور، المتاخمة للإسكندرية، والتمرد على مركزية العاصمة المصرية، بكل ما تمثله من فرص للنشر والأضواء والانتشار. هو شاعر «ملتزم» ليس بالمعنى الحزبي أو الآيديولوجي وإنما عبر انحيازه إلى «الهمِّ العام»، وبحثه الدائم عن مساحة إنسانية مشتركة مع القارئ. تتسم قصيدته بثراء جمالي، وتوهج وموسيقى، وفرح طفولي باكتشاف الوجود. من دواوينه «النهر القديم»، و«ضل من غوى وسُرَّ من رأى»، و«ترتيب اللحظات السعيدة»، و«رنين الرمل»... هنا حوار معه حول هموم الشعر والكتابة.

* جاء عنوان أول ديوان لك «النهر القديم» متأثراً بدراستك للهندسة، خصوصاً هندسة الري، كيف ذلك؟

- أذكر أنني كنت في قاعة المحاضرات، آخر سنوات دراستي في كلية الهندسة، عندما سمعت الأستاذ الدكتور يقول إن الأنهار تنقسم إلى نوعين، أنهار جديدة يتغير مسارها ومصبها، وأنهار قديمة ثبت لها المجرى والمصب والدلتا. في تلك اللحظة لم أدرِ بنفسي إلا وأنا أفتح كراسة محاضراتي وأكتب ذلك العنوان المكون من كلمتين «النهر القديم». وهكذا وُلدت القصيدة، ومن ثم الديوان الأول الذي حمل عنوانها.

* كيف تنظر إلى «نهرك القديم» بعين الإصدار الأول؟

- لتجربة الإصدار الأول في حياة أي مبدع عموماً أهمية خاصة، وفرح طفولي يتجدد دائماً، فقد تعرّض ديواني هذا لمشكلات عدة. صدرت طبعته الأولى عام 1978 عن دار «النشر للجماهير» التي كان يشرف عليها الكاتب والناشر والمناضل السياسي فؤاد حجازي (1938 - 2019)، وذلك في طبعة متقشفة وفق ما كان يسمى آنذاك «طباعة الماستر». ونظراً للمشكلات السياسية التي كان يتعرّض لها الناشر من اعتقال وحبس فلم تتح فرصة مناسبة لتوزيع الديوان بصورة جيدة. وهذا ما جعلني أقدم على إعادة طبع الديوان بعد ما يقرب من 30 عاماً على صدور الطبعة الأولى.

* للوهلة الأولى تبدو العلاقة متباعدة، بل تكاد تكون متنافرة بين الهندسة بكل ما تعنيه من انضباط، والشعر بكل ما يعنيه من جموح وخيال، ولكن يبدو أنك استطعت رؤية وشائج خفية بينهما، كيف ترى الأمر؟

- خبرات الشاعر ومعارفه جميعها تصب في نهر قصيدته، فتكون القصيدة غنية بقدر ثراء تلك الخبرات والمعارف. والمبدع عموماً، والشاعر على وجه الخصوص، أشد الناس حرصاً على الحس البنائي والمعماري، وبقدر انضباط الشكل وعدم ترهله أو تشتته تكون الجودة والأصالة. وغالباً ما تتراوح قصيدتي بين الحلم والصحو، لكن حين يأخذني الحلم بعيداً، أستيقظ على قوة الواقع وقوة اللحظة ووطأتها التي تحتاج إلى يقظة شديدة لاصطياد تلك اللحظات وكتابتها شعرياً قبل أن تهرب سريعاً من الذاكرة.

* يصفك أحد النقاد بأنك «تضبط إيقاع شعرية الوجع على محبة الحياة»، إلى أي مدى تتفق مع هذا التوصيف؟

- كل تجربة إنسانية لها إيقاعها الفريد. ولا توجد تجربتان متطابقتان. لذلك ما زلنا نستمتع بشعر امرئ القيس. والشاعر الحقيقي هو الذي ينصت بعمق لإيقاع خبرته الحية حتى يتمكن من إيقاعها الفريد، فلا يكون صدى لتجارب الآخرين وخبراتهم.

* ثمة غنائية لافتة في دواوينك الأولى، مع اقتراب رهيف من عالم قصيدة التفعيلة، كيف تغيرت قصيدتك مؤخراً؟

- الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر (1889 - 1976) يفرّق بين المعرفة والذات العارفة، وكل منهما ملقى في دوامة الزمان. لا شيء يبقى على حاله، فكلاهما يتغير ويتبدل بتأثيرات متبادلة بشكل لا يتوقف إلا عند الموت. وهكذا فإن التغيير في شكل الإبداع الشعري هو جزء من صيرورة الحياة وحركة الزمن، بل أكاد أقول وقوانين الطبيعة.

* تنتمي شعرياً إلى جيل شعراء السبعينات، إلى أي حد نجح هذا الجيل في التمرد على جيل الستينات الأشهر في الإبداع العربي؟

- أتحفظ تماماً على عملية «التجييل العقدي» للشعراء، التي يفترض أصحابها أنه يظهر كل عشر سنوات جيل شعري في مصر، وهذا غير صحيح سواء في مصر أو في أي مكان في العالم. والسبب وراء استسهال التصنيف تبعاً للأجيال الكسل النقدي وعجزه عن تتبع الظواهر الجمالية المختلفة، التي تحمل ملامح التجديد في الثقافة العربية. ومع ذلك أقول إن السبعينيين امتلكوا جرأة، وصلت أحياناً إلى درجة الاجتراء، على المغامرة الجمالية وتحدي السائد والمكرور.

* لكن بعض أبناء جيل التسعينات وما تلاه من أجيال شابة يتشدقون بمقولات مثل «ما بعد الحداثة»، وينظرون إلى جيلكم بوصفه تجربة تجاوزها الزمن واستنفدت أغراضها. كيف ترى ذلك؟

- تورط بعض زملائي في مثل تلك التجاوزات، وهي حال تتكرر مع الشباب من كل جيل. إنه إحساس وهمي بصراع الأجيال على غنيمة لا وجود لها. عظمة الإبداع أن يتحول ويرقى إلى مرتبة «الكلاسيكيات» فيظل مقروءاً على الدوام طال الزمان أو قصر.

* كنت عضواً بحزب «التجمع» اليساري منذ أن كان اسمه «منبر اليسار» ثم استقلت منه، ماذا عن ملابسات تلك الاستقالة؟

- انتمائي المبكر لحزب «التجمع» جاء من واقع إحساس مفرط بالمسؤولية الوطنية، وجاءت استقالتي بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011؛ لكي أنضم لحزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» نظراً لارتفاع درجة الغليان السياسي وقتها. وعندما قُتلت الشاعرة والناشطة السياسية شيماء الصباغ في الذكرى الرابعة لثورة يناير، في 2015، في محاولة من بعض قيادات الحزب لدخول ميدان التحرير في اليوم نفسه الذي حدده تنظيم «الإخوان» لاقتحامه، أدركت أنني في مواجهة مراهقة سياسية، فاستقلت فوراً من الحزب وأعلنت أسباب استقالتي في بيان على صفحتي بموقع «فيسبوك».

* ألم تخش أن يخنق الانتماء «الآيديولوجي» حرية الشاعر داخلك؟

- أنا أفهم «الآيديولوجيا» بأنها المعتقد الفكري المغلق غير قابل للتساؤل أو المراجعة، وبهذا المعنى تخلو دواويني من الانتماءات الآيديولوجية تماماً. ولكن يجب أن نفرّق بين الانتماء الآيديولوجي وبين وجود «همٍّ» غالبٍ ومسيطرٍ على القصائد، فأنا إنسان قبل أن أكون شاعراً ولا أستطيع أن أفصل بين الهمِّ العام والهمِّ الخاص. ويبدو أن الهمِّ العام يتحول إلى شأن خاص في أعمالي التي تطرحه بقوة على مستويات سياسية واجتماعية وميتافيزيقية، والقارئ يبحث عن همِّ مشترك مع الشاعر وإلا انصرف عنه لو وجد الأخير يكتب همَّه الذاتي فقط.

* تمردت على سلطة العاصمة الثقافية وما تعنيه من فرص انتشار وأضواء وفضلت البقاء في مدينتك، دمنهور، بعيداً عن مغريات القاهرة. ما الأسباب التي دفعتك إلى هذا الاختيار الذي يراه آخرون صعباً؟

- ظروف عملي مهندساً مدنياً بوزارة الري عززت من ذلك الخيار، بالإضافة إلى أنني لا أمتلك مهارات المزاحمة، وقنص الفرص والتدافع بالمناكب. لكل هذه الأسباب، آثرت أن أكتفي بقصيدتي. والحق أن دمنهور تعني لي كثيراً في سياقات موازية، فقد تأثرت بنشأتي في حي «أبو عبد الله» بالمدينة، حيث نماذج إنسانية فريدة، وما يحتويه كذلك من حمامات عمومية للرجال والنساء، فضلاً عن المسجد الكبير و«مستوقد» لصنع وجبة الفول بكميات مهولة. وكانت لي غرفة فوق السطوح لم أتركها إلا حين تزوجت عام 1981، حيث شهدت تلك الغرفة بأثاثها البسيط لقاءاتي بأصدقاء العمر من المثقفين والكتاب، منهم المترجم الراحل السيد إمام، ونقاشاتنا التي تمتد في سهرات مطولة حتى الصباح، وسط جو من الصخب والحماس كان يصل إلى الجيران من البسطاء، الذين لا يفهمون تلك المصطلحات العويصة، التي كنا نتراشق بها.

* هل ترى أن تجربتك الإبداعية نالت ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي... أم أن ابتعادك عن القاهرة كان له ضريبة لا بد من دفعها؟

- لم تنل تجربتي الإبداعية إلا النزر اليسير من اهتمام شرفاء النقاد، عدا ذلك فهم صم بكم عمي فهم لا يبصرون. وحمداً لله على ذلك، فساحة النقد صارت كالربع الخالي. وحس النقد العارف غير موجود إلا عند قلة قليلة. وللأسف معظم النقاد لا يسعون وراء النص الجيد وإنما يقبعون خلف متاريسهم الأكاديمية في انتظار المبدع أن يذهب إليهم ويتملقهم حتى يكتبوا عنه.

* برأيك، هل يواجه الشعر العربي الآن محنة تتمثل في عدم حماس الناشرين له وهجرة أبنائه إلى الرواية بحثاً عن الأضواء؟

- المحنة الحقيقية هي محنة اللغة العربية، وتردي مستوى الناطقين بها إلى حد يمثل خطراً أمنياً، بوصف اللغة في النهاية قضية أمن قومي. هذا لا يهدد الشعر فقط بل كل فنون الإبداع القائمة على اللغة، ويضع الرواية والقصيدة والقصة في محنة.


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي