الشاعر صلاح اللقاني: قصائدي تطرح همّاً إنسانيّاً مشتركاً مع القارئ

يعدُّ التغيير في شكل الإبداع الشعري جزءاً من صيرورة الزمن والحياة

 الشاعر صلاح اللقاني
الشاعر صلاح اللقاني
TT

الشاعر صلاح اللقاني: قصائدي تطرح همّاً إنسانيّاً مشتركاً مع القارئ

 الشاعر صلاح اللقاني
الشاعر صلاح اللقاني

يمثل الشاعر صلاح اللقاني إحدى التجارب اللافتة في جيل شعراء السبعينات في مصر، فقد آثر البقاء بعيداً في مدينته، دمنهور، المتاخمة للإسكندرية، والتمرد على مركزية العاصمة المصرية، بكل ما تمثله من فرص للنشر والأضواء والانتشار. هو شاعر «ملتزم» ليس بالمعنى الحزبي أو الآيديولوجي وإنما عبر انحيازه إلى «الهمِّ العام»، وبحثه الدائم عن مساحة إنسانية مشتركة مع القارئ. تتسم قصيدته بثراء جمالي، وتوهج وموسيقى، وفرح طفولي باكتشاف الوجود. من دواوينه «النهر القديم»، و«ضل من غوى وسُرَّ من رأى»، و«ترتيب اللحظات السعيدة»، و«رنين الرمل»... هنا حوار معه حول هموم الشعر والكتابة.

* جاء عنوان أول ديوان لك «النهر القديم» متأثراً بدراستك للهندسة، خصوصاً هندسة الري، كيف ذلك؟

- أذكر أنني كنت في قاعة المحاضرات، آخر سنوات دراستي في كلية الهندسة، عندما سمعت الأستاذ الدكتور يقول إن الأنهار تنقسم إلى نوعين، أنهار جديدة يتغير مسارها ومصبها، وأنهار قديمة ثبت لها المجرى والمصب والدلتا. في تلك اللحظة لم أدرِ بنفسي إلا وأنا أفتح كراسة محاضراتي وأكتب ذلك العنوان المكون من كلمتين «النهر القديم». وهكذا وُلدت القصيدة، ومن ثم الديوان الأول الذي حمل عنوانها.

* كيف تنظر إلى «نهرك القديم» بعين الإصدار الأول؟

- لتجربة الإصدار الأول في حياة أي مبدع عموماً أهمية خاصة، وفرح طفولي يتجدد دائماً، فقد تعرّض ديواني هذا لمشكلات عدة. صدرت طبعته الأولى عام 1978 عن دار «النشر للجماهير» التي كان يشرف عليها الكاتب والناشر والمناضل السياسي فؤاد حجازي (1938 - 2019)، وذلك في طبعة متقشفة وفق ما كان يسمى آنذاك «طباعة الماستر». ونظراً للمشكلات السياسية التي كان يتعرّض لها الناشر من اعتقال وحبس فلم تتح فرصة مناسبة لتوزيع الديوان بصورة جيدة. وهذا ما جعلني أقدم على إعادة طبع الديوان بعد ما يقرب من 30 عاماً على صدور الطبعة الأولى.

* للوهلة الأولى تبدو العلاقة متباعدة، بل تكاد تكون متنافرة بين الهندسة بكل ما تعنيه من انضباط، والشعر بكل ما يعنيه من جموح وخيال، ولكن يبدو أنك استطعت رؤية وشائج خفية بينهما، كيف ترى الأمر؟

- خبرات الشاعر ومعارفه جميعها تصب في نهر قصيدته، فتكون القصيدة غنية بقدر ثراء تلك الخبرات والمعارف. والمبدع عموماً، والشاعر على وجه الخصوص، أشد الناس حرصاً على الحس البنائي والمعماري، وبقدر انضباط الشكل وعدم ترهله أو تشتته تكون الجودة والأصالة. وغالباً ما تتراوح قصيدتي بين الحلم والصحو، لكن حين يأخذني الحلم بعيداً، أستيقظ على قوة الواقع وقوة اللحظة ووطأتها التي تحتاج إلى يقظة شديدة لاصطياد تلك اللحظات وكتابتها شعرياً قبل أن تهرب سريعاً من الذاكرة.

* يصفك أحد النقاد بأنك «تضبط إيقاع شعرية الوجع على محبة الحياة»، إلى أي مدى تتفق مع هذا التوصيف؟

- كل تجربة إنسانية لها إيقاعها الفريد. ولا توجد تجربتان متطابقتان. لذلك ما زلنا نستمتع بشعر امرئ القيس. والشاعر الحقيقي هو الذي ينصت بعمق لإيقاع خبرته الحية حتى يتمكن من إيقاعها الفريد، فلا يكون صدى لتجارب الآخرين وخبراتهم.

* ثمة غنائية لافتة في دواوينك الأولى، مع اقتراب رهيف من عالم قصيدة التفعيلة، كيف تغيرت قصيدتك مؤخراً؟

- الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر (1889 - 1976) يفرّق بين المعرفة والذات العارفة، وكل منهما ملقى في دوامة الزمان. لا شيء يبقى على حاله، فكلاهما يتغير ويتبدل بتأثيرات متبادلة بشكل لا يتوقف إلا عند الموت. وهكذا فإن التغيير في شكل الإبداع الشعري هو جزء من صيرورة الحياة وحركة الزمن، بل أكاد أقول وقوانين الطبيعة.

* تنتمي شعرياً إلى جيل شعراء السبعينات، إلى أي حد نجح هذا الجيل في التمرد على جيل الستينات الأشهر في الإبداع العربي؟

- أتحفظ تماماً على عملية «التجييل العقدي» للشعراء، التي يفترض أصحابها أنه يظهر كل عشر سنوات جيل شعري في مصر، وهذا غير صحيح سواء في مصر أو في أي مكان في العالم. والسبب وراء استسهال التصنيف تبعاً للأجيال الكسل النقدي وعجزه عن تتبع الظواهر الجمالية المختلفة، التي تحمل ملامح التجديد في الثقافة العربية. ومع ذلك أقول إن السبعينيين امتلكوا جرأة، وصلت أحياناً إلى درجة الاجتراء، على المغامرة الجمالية وتحدي السائد والمكرور.

* لكن بعض أبناء جيل التسعينات وما تلاه من أجيال شابة يتشدقون بمقولات مثل «ما بعد الحداثة»، وينظرون إلى جيلكم بوصفه تجربة تجاوزها الزمن واستنفدت أغراضها. كيف ترى ذلك؟

- تورط بعض زملائي في مثل تلك التجاوزات، وهي حال تتكرر مع الشباب من كل جيل. إنه إحساس وهمي بصراع الأجيال على غنيمة لا وجود لها. عظمة الإبداع أن يتحول ويرقى إلى مرتبة «الكلاسيكيات» فيظل مقروءاً على الدوام طال الزمان أو قصر.

* كنت عضواً بحزب «التجمع» اليساري منذ أن كان اسمه «منبر اليسار» ثم استقلت منه، ماذا عن ملابسات تلك الاستقالة؟

- انتمائي المبكر لحزب «التجمع» جاء من واقع إحساس مفرط بالمسؤولية الوطنية، وجاءت استقالتي بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011؛ لكي أنضم لحزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» نظراً لارتفاع درجة الغليان السياسي وقتها. وعندما قُتلت الشاعرة والناشطة السياسية شيماء الصباغ في الذكرى الرابعة لثورة يناير، في 2015، في محاولة من بعض قيادات الحزب لدخول ميدان التحرير في اليوم نفسه الذي حدده تنظيم «الإخوان» لاقتحامه، أدركت أنني في مواجهة مراهقة سياسية، فاستقلت فوراً من الحزب وأعلنت أسباب استقالتي في بيان على صفحتي بموقع «فيسبوك».

* ألم تخش أن يخنق الانتماء «الآيديولوجي» حرية الشاعر داخلك؟

- أنا أفهم «الآيديولوجيا» بأنها المعتقد الفكري المغلق غير قابل للتساؤل أو المراجعة، وبهذا المعنى تخلو دواويني من الانتماءات الآيديولوجية تماماً. ولكن يجب أن نفرّق بين الانتماء الآيديولوجي وبين وجود «همٍّ» غالبٍ ومسيطرٍ على القصائد، فأنا إنسان قبل أن أكون شاعراً ولا أستطيع أن أفصل بين الهمِّ العام والهمِّ الخاص. ويبدو أن الهمِّ العام يتحول إلى شأن خاص في أعمالي التي تطرحه بقوة على مستويات سياسية واجتماعية وميتافيزيقية، والقارئ يبحث عن همِّ مشترك مع الشاعر وإلا انصرف عنه لو وجد الأخير يكتب همَّه الذاتي فقط.

* تمردت على سلطة العاصمة الثقافية وما تعنيه من فرص انتشار وأضواء وفضلت البقاء في مدينتك، دمنهور، بعيداً عن مغريات القاهرة. ما الأسباب التي دفعتك إلى هذا الاختيار الذي يراه آخرون صعباً؟

- ظروف عملي مهندساً مدنياً بوزارة الري عززت من ذلك الخيار، بالإضافة إلى أنني لا أمتلك مهارات المزاحمة، وقنص الفرص والتدافع بالمناكب. لكل هذه الأسباب، آثرت أن أكتفي بقصيدتي. والحق أن دمنهور تعني لي كثيراً في سياقات موازية، فقد تأثرت بنشأتي في حي «أبو عبد الله» بالمدينة، حيث نماذج إنسانية فريدة، وما يحتويه كذلك من حمامات عمومية للرجال والنساء، فضلاً عن المسجد الكبير و«مستوقد» لصنع وجبة الفول بكميات مهولة. وكانت لي غرفة فوق السطوح لم أتركها إلا حين تزوجت عام 1981، حيث شهدت تلك الغرفة بأثاثها البسيط لقاءاتي بأصدقاء العمر من المثقفين والكتاب، منهم المترجم الراحل السيد إمام، ونقاشاتنا التي تمتد في سهرات مطولة حتى الصباح، وسط جو من الصخب والحماس كان يصل إلى الجيران من البسطاء، الذين لا يفهمون تلك المصطلحات العويصة، التي كنا نتراشق بها.

* هل ترى أن تجربتك الإبداعية نالت ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي... أم أن ابتعادك عن القاهرة كان له ضريبة لا بد من دفعها؟

- لم تنل تجربتي الإبداعية إلا النزر اليسير من اهتمام شرفاء النقاد، عدا ذلك فهم صم بكم عمي فهم لا يبصرون. وحمداً لله على ذلك، فساحة النقد صارت كالربع الخالي. وحس النقد العارف غير موجود إلا عند قلة قليلة. وللأسف معظم النقاد لا يسعون وراء النص الجيد وإنما يقبعون خلف متاريسهم الأكاديمية في انتظار المبدع أن يذهب إليهم ويتملقهم حتى يكتبوا عنه.

* برأيك، هل يواجه الشعر العربي الآن محنة تتمثل في عدم حماس الناشرين له وهجرة أبنائه إلى الرواية بحثاً عن الأضواء؟

- المحنة الحقيقية هي محنة اللغة العربية، وتردي مستوى الناطقين بها إلى حد يمثل خطراً أمنياً، بوصف اللغة في النهاية قضية أمن قومي. هذا لا يهدد الشعر فقط بل كل فنون الإبداع القائمة على اللغة، ويضع الرواية والقصيدة والقصة في محنة.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».