«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

زهير الجزائري يتماهى مع بطل روايته الجديدة

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب
TT

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

رواية زهير الجزائري «أزرق. أبيض» الصادرة عام 2023 عن دار المدى، هي «نوفيلا» novella أو رواية قصيرة، وربما قصيرة جداً، لكنها تمتلك جميع مقومات البنية السردية الروائية. وعلى الرغم من واقعية الكثير من أحداثها واشتباكها مع المشهد السياسي العراقي بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، فإنها في الجوهر، «اليغوريا» رمزية عن محاولة المبدع، روائياً أو فناناً تشكيلياً أو مسرحياً للوصول إلى الجوهر الحقيقي للإبداع، وربما للشعرية (البويطيقيا)، التي يمثلها اللون الأزرق وإدراجها كتابياً على الورق (الأبيض) أو اللوحة التشكيلية أو المشهد المسرحي في ثنائية تفاعلية هي ثنائية الأزرق والأبيض.

والرواية من جانب آخر، رواية كابوسية بحس كافكوي أسود، وتتحول أحياناً إلى «كوميديا سوداء» Black Humour لامتصاص درجة العنف والرعب والموت، وتحويلها إلى موقف فكري تأملي يتداوله المتلقي للتفكير والمساءلة، وقد كانت زوجة الروائي على حق عندما قالت عن روايات زوجها الروائي: «إن الناس يدخلون كابوساً حين يقرأون رواياته». (ص9) أو عندما قالت له ابنته المحامية: «تخيفني كوابيسك فوق ما في حياتنا من كوابيس يومية». (ص25). فبطل الرواية وساردها المركزي، وهو روائي، كان يناضل من أجل أن يصل إلى نسغ الإبداع، وأن يلتقط الجملة الكتابية الأولى التي تظل مستعصية، وهاربة. كما يشاركه صديقاه الفنان التشكيلي والفنان المسرحي هذا النضال. إذْ غالباً ما يفلت فيه «الأزرق» من شراك «الأبيض» كتابياً بالنسبة للروائي، أو عند اكتمال اللوحة تشكيلياً، بالنسبة للرسام، أو عند ذروة المشهد المسرحي بالنسبة للمخرج المسرحي، في لعبة معقدة يتحول فيها الإبداع إلى غاية عصية على الإدراك، لكنها تظل هدف المبدع وغايته.

ويعيش بطل الرواية وساردها، تحت وطأة كابوس ينذر بحدوث انفجار قريب، مما يجعل الرواية أسيرة أفق توقع على حد تعبير الناقدين الألمانيين (ياوس) و(آيزر)، كما يتمثل هذا الانفجار على المستوى المرئي والواقعي في تلك القنبلة الصغيرة التي ألقاها شاب صغير في المسرح، واستقرت تحت قدمي المخرج المسرحي، الذي ظل ينتظر أن تنفجر في أية لحظة. أما على المستوى الأليغوري الترميزي فهي كناية عن حالة التفجر والاضطراب والعنف التي كان يعيشها الشارع العراقي بعد تصاعد الصراع الطائفي والإرهابي عامي 2006 - 2007. فالجو العام ملغوم بالموت والجثث والمتفجرات والعنف، حيث تجوب المدرعات الأميركية الشوارع كما تحلق طائرات الهليكوبتر في سماء بغداد.

ويعيش بطل الرواية حالة اغتراب حقيقي عن نفسه: «هذا ليس أنا» (ص 5) ويشعر أنه انفصل عن جسده: «ليس هذا جسدي». (ص5 - 6)

وبطل الرواية كما يتضح لنا، هو قناع لشخصية المؤلف زهير الجزائري، عندما يشير إلى أنه سبق له وأن نشر رواية عن «الخائف»، في إحالة لعنوان روايته «الخائف والمخيف»، وهذا ما يعزز الجوهر الميتا سردي metafiction للرواية منذ البداية، من خلال قصدية فعل الكتابة الروائية: «ينتظر وينتظر البداية المؤجلة أن تأتي». (ص6)

إذْ كانت لحظة اقتناص الكتابة تؤرقه وتدخله في كوابيس متصلة:

«حدق في بياض الورق، ينتظر، ينتظر البداية المؤجلة أن تأتي، وهو يوهم نفسه بأنها جاهزة في ذهنه تنتظر قدحة الزناد».

ويظل «يلوب» عند الجملة الأولى:

«النهار مضى هذا هو اليوم الثاني، وأنا ما أزال عند الجملة التي سأشطبها». (ص7)

ويشعر البطل بالإحباط، ولا جدوى الكتابة «ما الفائدة؟». (ص8) وهو يرى نفسه محاطاً بعالم من الجثث والمفخخات والانفجارات:

«موت، موت، موت... أما مللت من رواية الموت؟» (ص 10)

وتضطرب حياة البطل الزوجية، حيث يدمر الوضع السياسي المضطرب العلاقات الإنسانية والاجتماعية والأسرية.

ويشعر البطل أن خلاصه النفسي يكمن في اقتناص لحظة الصمت، حيث يقوده صديقه المخرج المسرحي إليها في صالة التمرين المسرحية على مسرحية «عطيل» لشكسبير. لكن لحظة الذروة التي يقدم فيها (عطيل) على قتل (ديدمونة) تهرب وينهار المشهد كلياً، مما يزيد من تأزم الوضع النفسي لصديقه المخرج المسرحي، إذْ اكتشف أن كل شيء في المسرحية صاخب حد الملل، وراح يشكك في قيمة ما يفعل «ما قيمة غيرة عطيل في بلد يمشي على الحافة بين انفجارين؟» (ص 12) ويمكن ملاحظة تعالق الحبكات الثلاث لشخصيات الرواية: الروائي الذي ينتظر جملة البداية، والمخرج المسرحي الذي يقف عاجزاً أمام لحظة الذروة في مسرحية «عطيل» أو الرسام الذي دخل المشهد الروائي في الاحتفال الذي أعدته زوجته لعيد ميلاده، والذي اقترن بذكرى مأساوية هي العاشر من محرم، وكأنها تقدم بذلك استباقاً سردياً، وربما نبوءةً عن موته الوشيك. (ص 15)

ويقرن الروائي حياة الرسام، ورمزية استشهاد الإمام الحسين في يوم عاشوراء، فهو يعد نفسه مقتولاً وهو يغامر برسم لوحة جدارية ضخمة «للقائد» على حصانه تحت مرمى نيران الحرب، بعد أن طلى الجدار بلونه المفضل الأزرق الشفاف. (ص6)

والمؤلف لا يريد أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة من خلال إشارة القائد العسكري إلى الحصان في اللوحة: «هذا ليس حصان فارس، هذا حصان»... (ص17)

ومع ذلك فقد كان همُّ الرسام أن يرسم، ويرسم ليستعيد شيئاً يوشك أن ينساه، هو اللون الأزرق. (ص 17)، وهو تأكيد آخر على أن اللون الأزرق، بالنسبة للرسام، يمتلك ذروة اقتناص لحظة الإبداع والشعرية في العمل الفني.

ولم يشأ الروائي أن يترك الفضاء الروائي تحت رحمة المنظور الذكوري فقط، بل يدخل فيه النصف الآخر: الزوجات الثلاث للكاتب والمخرج المسرحي والفنان التشكيلي:

«خلال اجتماعهن تبدأ النساء بالشكوى من تعكر صفو أزواجهن». (ص8) لكن زوجة الرسام تعد نفسها محظوظة لأن الله أعطاها أجمل الرجال وأرقهم قلباً، لأنها عندما تغضب يأتيها مثل ملاك «فيدخل الأزرق إلى قلبي وأهدأ». (ص 19) وهنا تأكيد آخر على التأثير النفسي الإيجابي والملطف للون الأزرق على نفسية الزوجة، ويبرز تأثير اللون الأزرق حتى في الساعات الأخيرة من حياة الرسام، الذي أخبره الطبيب بأنه يعاني من مرض قاتل لا فكاك منه. ومن باب المواساة قرر الأصدقاء الثلاثة ومعهم صاحب الحانة الاستنجاد باللون الأزرق، وكأنه المنقذ من الموت، لذا قرروا أن يتحدثوا عن لونه المفضل: الأزرق، عندما أشار المخرج المسرحي إلى أن الأزرق كان علامته، ولذا كان يكنيه بالأزرق: «جاء الأزرق، اسألوا الأزرق، الأزرق كان هنا». (ص 28)

وينطوي توظيف لوني الأبيض والأزرق في هذه الرواية على دلالات رمزية متعددة. فاللون الأبيض يرمز إلى النقاء والبراءة والصدق، فيما يرمز اللون الأزرق، إلى الهدوء والصفاء والسمو، فهو لون السماء، ولون البحر. ودلالة الألوان في الأدب والفن والتصميم والديكور وعلم النفس تشغل اهتمام الباحثين والدارسين والعلماء والفلاسفة عبر التاريخ. إذْ سبق لأرسطو أن ربط الألوان بعناصر الوجود الأربعة، كما درس الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي دلالة الألوان، وذهب إلى أن اللون الأبيض هو أول الألوان البسيطة، وهو يمثل الضوء الذي من دونه ما كان يمكن رؤية لون. لكن التحليل العلمي للألوان لم يتحقق إلا على يد العالم إسحاق نيوتن عندما كشف عن الطبيعة الخفية للألوان، وأشار إلى أن جميع الألوان تتفرع من اللون الأبيض، فهو يمكن أن يحلل إلى سبعة ألوان بواسطة استخدام (المنشور) الزجاجي. ولا شك أن الألوان تلعب دوراً مركزياً في الفن التشكيلي والتصميم والإعلان التجاري والديكور، كما تمتلك رمزيتها الخاصة في الأدب عموماً، والشعر بشكل أخص. وتجنباً للإطالة سأقتصر على الإشارة على أنموذج شعري واحد لصيق الصلة بثنائية الأزرق والأبيض في قصيدة «ألوان السيدة المتغيرة»، للشاعر فاضل السلطاني، التي يوظف فيها اللون بطريقة تذكرنا بتجربة الشاعر الإسباني (لوركا). فاللون الأزرق يهيمن على المشهد الشعري منذ الاستهلال:

«زرقاء كنت تحت ذراعي

وكان الثلج الأزرق يمطر

زرقاء أنتِ، كأن السماء قبعتك».

لكن اللون الأبيض هو الآخر يشكل ثنائية واضحة مع اللون الأزرق:

«كنت أريد أن أرى عينيك

بين الأزرق والأبيض

لكني رأيت دمعتين في عينيَّ»

ونجد هذه الثنائية الشعرية تبرز في عنوان رواية الروائي العراقي حسن البحار الموسومة «بحر أزرق... قمر أبيض»، وهي قريبة إلى حدٍ كبير من دلالة الثنائية السردية في رواية زهير الجزائري «أزرق... أبيض».

وهذه الثنائية تتحكم إلى حدٍ كبير في مصائر شخصيات الرواية الثلاث: الروائي والرسام والمخرج المسرحي. لكننا نشعر، ونحن نستقرئ مشاعر الشخصيات الثلاث هذه أنها تحس بالعجز عن الوصول إلى لحظة الإبداع الشعرية، بسبب الواقع الخارجي المتفجر الذي يقف على برميل قابل للانفجار في أية لحظة، والإحساس بلا جدوى الإبداع الفني في عالم ملغوم بالموت والفناء. وربما كان الروائي يرمز إلى هذه الحالة سردياً بتلك القنبلة التي ألقاها الصبي في المسرح، التي توقفت بين قدمي المخرج المسرحي، الذي ينتظر أن تنفجر في أية لحظة، بعد أن شلّت قدرته على التفكير والحركة والإبداع معاً.

ما تقوله الرواية، تأويلياً، إن الإبداع يظل مقيداً ومشلولاً عندما يحاط بالمفخخات والقنابل والألغام والكوابيس والتابوت والموت.

فكما عجز الشاعر فاضل السلطاني أن يرى عيني حبيبته بين الأزرق والأبيض، كذلك يعجز المبدعون الثلاثة: الروائي والرسام والمخرج المسرحي من تحقيق اللقاء بين الأزرق والأبيض بسبب الرعب والموت والجثث التي تملأ الشوارع.

لا يريد المؤلف أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة

والرواية تؤشر، من جانب آخر، بعداً ميتا سردياً واضحاً من خلال محاولات الروائي للإمساك بالجملة الأولى من الكتابة الروائية، لكنه يجد نفسه مضطراً للحذف والشطب مرات ومرات مع أن الشخصية الروائية واضحة لديه. ويمكن سحب مفهوم الميتا على المخرج المسرحي الذي يبذل جهده عبثاً للوصول إلى ذروة المشهد الذي يقتل فيه (عطيل) زوجته (ديدمونة)، كما ينسحب أيضاً على دأب الفنان التشكيلي لمعانقة اللون الأزرق، واكتمال حلمه النهائي، لكنه لم يكن مدركاً أن الموت قد رسم مصيره سلفاً، وأن لوحته الميتا - أزرق ستظل ناقصة.

رواية «أزرق... أبيض» للروائي زهير الجزائري لعبة سردية متقنة إلى حدٍ كبير، وفيها اقتصاد كبير في الكلمات لصالح لحظات الصمت التي كان المخرج المسرحي يتمنى أن تشكل المبنى الدرامي الأساسي للمشهد المسرحي الذي كان يفلت منه مراراً، ولذا فهي إضافة نوعية إلى تجربة الروائي الغزيرة، كما أنها إضافة طيبة للرواية العراقية الحداثية وهي تفتح أفاقاً جديدة للإبداع الروائي.


مقالات ذات صلة

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

ثقافة وفنون شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

يحتفظ متحف البحرين الوطني في المنامة بمجموعة كبيرة من شواهد القبور الأثرية المزينة بنقوش تصويرية آدمية، منها شاهد مميّز يمثّل فتى يحمل عصفوراً وعنقوداً من العنب

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون غلاف الكتاب

الرواية الفلسطينية... ممارسات الاحتلال وآليات المقاومة

«أسئلة الرواية الفلسطينية» هو الكتاب الحادي عشر في النقد الروائي للشاعر والناقد سلمان زين الدين، وقد صدر مؤخّراً عن «مركز ليفانت للدراسات والنشر» في الإسكندرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون ريما بالي

الكاتبة السورية ريما بالي: أُواجه الحرب بالخيال وقصص الحب

تهتم الكاتبة الروائية السورية ريما بالي بسردية بلادها ما بعد الحرب، وتوليها عناية خاصة من خلال أعمالها التي تتحدث فيها عادة عن مسقط رأسها «حلب» في سياقات مختلفة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون "نصب الحرية" لجواد سليم

كلام الشموع

لأم كلثوم أغنية من تأليف أحمد رامي وتلحين محمد القصبجي عنوانها «سكت والدمع تكلّم على هواه»، تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي

حيدر المحسن
كتب إميلي هنري

إيميلي هنري... كتب تحقق أعلى مبيعات من دون ترويج ولا «تيك توك»

لم يسبق لإيميلي هنري قط أن أجرت جولة للترويج لأحد كتبها أو قرأت مقاطع من كتبها داخل إحدى المكتبات بهدف الترويج.

إليزابيث إيغان

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
TT

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر

يحتفظ متحف البحرين الوطني في المنامة بمجموعة كبيرة من شواهد القبور الأثرية المزينة بنقوش تصويرية آدمية، منها شاهد مميّز يمثّل فتى يحمل عصفوراً وعنقوداً من العنب، وفقاً لتأليف خاص، اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية، عروس بادية الشام ولؤلؤتها.

خرج هذا الشاهد من مقبرة أثرية تُعرَف بالمقشع، وهو اسم القرية التي تحاذيها، وتقع غرب المنامة، وتبعد عنها بنحو 5 كيلومترات. عُثر على هذا الشاهد في مطلع تسعينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب التي قامت بها بعثة محلية، وهو من الحجر الجيري المحلّي، طوله 36 سنتمتراً، وعرضه 16 سنتمتراً، ويتكوّن من كتلة مستطيلة مجوّفة في الوسط، تعلوها مساحة هلالية أفقية. يحدّ هذه الكتلة عمودان ناتئان يعلوهما مكعّبان يشكّلان تاجين مجرّدين من أي عناصر تزيينية. وفوق هذين التاجين، يستقر الهلال الأفقي، مشكّلاً ما يُعرف باسم قوس النصر في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي.

في وسط المساحة المجوفة، وتحت قوس النصر، تنتصب قامة آدمية، وتبدو أشبه بتمثال نصفي حوى الجزء الأعلى من الساقين، تبعاً لتقليد اعتُمد بشكل واسع في البحرين بين القرنين الأول والثاني للميلاد، في الحقبة التي أطلق المستشرقون الإغريقيون على هذه الجزيرة الخليجية اسم تايلوس. تقف هذه القامة في وضعيّة المواجهة، وتنتصب بثبات في كتلة يغلب عليها طابع الجمود والسكون. تُمثّل هذه القامة فتى يافعاً يقف بثبات، رافعاً يده اليسرى نحو أعلى الصدر، محتضناً في قبضته عصفوراً كبيراً حُدّدت معالمه بشكل مختزل. يحضر هذا الطير المجرّد في وضعية جانبية خالصة، ويتميّز بجناح وذنب طويلين ومنقار بارز، ممّا يوحي بأنه يمامة. الذراع اليمنى ملتصقة بالصدر، وهي ممدّدة عمودياً، ويظهر في قبضة يدها عنقود من العنب يتكوّن من حبات كتلويّة كبيرة متراصة.

اللباس بسيط، ويتألّف من قطعة واحدة تشابه الجلباب، يتوسّطها حزام رفيع معقود حول الخصر، وهو اللباس الذي يُعرف باسم الفرثي، نسبة إلى الإمبراطورية الفرثية التي شكّلت قوة سياسية وثقافية كبيرة في إيران القديمة، بلغت العالم اليوناني ومن ثمّ العالم الروماني، غرباً وشرقاً. ثنايا هذا اللباس محدّدة بأسلوب هندسي، وتتمثّل بشبكة من الخطوط العمودية تنطبع على مساحة الصدر والساقين، وتحجب مفصل البدن، إضافة إلى شبكة صغيرة من الخطوط الأفقية تلتفّ حول الذراع اليمنى، وتشكل ثنايا الكمّ الخاص بهذا الثوب التقليدي. يعلو هذه الكتلة رأس يستقرّ فوق عنق عريضة وقصيرة. الوجه بيضاوي، ووجنتاه مكتنزتان. العينان لوزتان فارغتان، يعلوهما حاجبان عريضان. الأنف مهشّم، والأذنان محتجبتان، والثغر شفتان صغيرتان مطبقتان، يفصل بينهما شقّ بسيط. خصل الشعر محوّرة، وهي هنا على شكل سلسلة متراصة من الكتل الدائرية، تنعقد حول هامة الرأس في إطار متين يُعمّق ثبات الوجه وسموّه.

يبدو تأليف هذا الشاهد فريداً من نوعه في الفن الجنائزي الخاص بالبحرين، وتكمن هذه الفرادة في حضور العصفور وعنقود العنب بوجه خاص. في الواقع، يحاكي هذا النصب مثالاً شاع بشكل واسع في مدينة تدمر الأثرية التي تقع في بادية الشام، وتتبع حالياً محافظة حمص، في الجزء الأوسط من دولة سوريا. ازدهرت هذه المدينة قديماً وعُرفت بثرائها الكبير بفضل موقعها عند نقطة تقاطع عِدَّة طرق تجارية، وتميّزت بتعدّديتها الثقافية. اعتمدت تدمر لغة آرامية خاصة بها، كما استخدمت اللغة اليونانية في مداولاتها التجارية والسياسية، وجمعت بين ديانات عديدة، منها الديانات السامية والأديان العربية القديمة والأديان اليونانية والرومانية، وظهر هذا التمازج في فنونها المعمارية، كما في فنونها الجنائزية، حيث امتزجت الأنماط اليونانية والهلنستية والأنماط الفنية الشرقية في قالب محلّي خاص بها.

خضع النحت الجنائزي التدمري لقواعد شرقية، أبرزها وضعية المواجهة والاعتماد على الخطوط المحددة للأشخاص والمعالم. واعتمد النحات التدمري في إنجاز أعماله بشكل واسع على الحجر الكلسي الطري الذي يسهل تطويعه، وتمثّلت منحوتاته بتماثيل نصفية وألواح مستطيلة تضمّ شخصين أو أسرة جنائزية تحضر في مشهد جامع يُعرف باسم الوليمة الجنائزية، ويتمثّل بسرير جنائزي يتصدر المدفن أو جناحاً منه. نُصبت هذه المنحوتات التدمرية في المدافن حيث ثُبّتت في واجهة القبور، واتّسمت هذه الشواهد بسمات مشتركة، تجلّت في سمات الوجه الواحد الجامع، كما في أسلوب نقش ثياب بشكل تزييني غير خاضع لحركة الجسم. بدت الوجوه متجهة إلى الأمام، واتّضح أنها تتبع نماذج ثابتة، منها الوجه الأنثوي، والوجه الذكوري الملتحي، والوجه الذكوري الحليق الخاص بالكهنة، إضافة إلى الوجه الطفولي الخاص بحديثي السن. من جهة أخرى، حملت هذه الشواهد نقوشاً كتابية تذكر اسم المتوفى وسنّه وعبارة محلية تعني «وا أسفاه»،

عُثر على هذا الشاهد في مطلع تسعينات القرن الماضي خلال أعمال المسح والتنقيب التي قامت بها بعثة محلية

في هذا الميدان، يحضر مثال الفتى الذي يحمل طيراً وعنقوداً من العنب، ويتكرّر بشكل واسع، والأمثلة لا تُحصى، منها شاهد محفوظ في متحف تدمر يتميّز بقمّته الهلالية، يشابه بشكل كبير الشاهد الذي خرج من مقبرة المقشع. يحتفظ متحف اللوفر بشاهد مستطيل يماثل في تكوينه هذا التأليف، ويتميّز بحضور عصفور كبير يطلّ من بين أصابع اليد التي تقبض عليه. في كل هذه الأعمال التدمرية، يحضر فتى أمرد نضر الوجه، يرتدي اللباس الفرثي التقليدي، مع حزام رفيع معقود حول الخصر. يصعب تحديد رمزية الطير وعنقود العنب، والأكيد أنها رموز أخروية ترتبط بالموت وبخلود النفس، وتتعلّق بنوع خاص بالحياة القصيرة العهد، كما تشير سن حاملها الذي رحل باكراً.

يعود هذان العنصران الرمزيان في الأصل إلى العالم اليوناني على الأرجح، اللافت أنهما يرافقان في هذا العالم فتيات صبايا، وأشهر الأمثلة نصب محفوظ في متحف الآثار الوطني في أثينا، مصدره مدينة بيرايوس الأثرية. يمثّل هذا النصب صبية تقف منتصبة، حانية ساقها اليمنى، وفقاً للجمالية الكلاسيكية الني تتجلّى كذلك في التجسيم الواقعي الحسّي الذي يسيطر على سائر عناصر الصورة. على عكس ما نرى في تدمر وفي البحرين، تحمل هذه الصبية العنقود بيدها اليسرى، وتقبض على الطير بيدها اليمنى، ويبدو هذا الطير أشبه بإوزّة.