استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

محمد رفيع يبني عليها مفارقات عالمه القصصي في «أساطير لم تحدث بعد»

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً
TT

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

مغامرة قصصية شيقة ومغوية، محفوفة بالمخاطر وبعناية معرفية ضافية، يطرحها الكاتب محمد رفيع في مجموعته «أساطير لم تحدث بعد». فنحن أمام نص قصصي يبدو وكأنه يدور في عالم افتراضي، حيث تعكس قصص المجموعة نفسها سردياً، على نظريات علمية لكوكبة من العلماء المعروفين، على مدار حقب زمنية مختلفة، وتبدو وكأنها هامش على متن، أو سرد على حكاية بنَت منطقها وفق قوانين العلم ورؤيته المحددة التي يشكل الواقع وعاءً لصيرورتها ومصداقيتها في الوقت نفسه. لذلك يظل القارئ يراوح ما بين الـ«مع» والـ«ضد»، في دائرة تعلو فيها نبرة الشك وعلامات الاستفهام، كما أن فعل الحكي يبدو همه الأساسي هو تفتيت نمطية الحكاية والتحرر من أطرها التقليدية. فالشيء هو نفسه ولا نفسه معاً، عارياً وهارباً من أي معنى يؤكد من خلاله حضوره أو غيابه.

يعي الكاتب ذلك ويقصده، بل إنه ينسج قماشته السردية وصراعات عالمه القصصي، ويدفعها دائماً لتبدو وكأنها الصوت الآخر المنسي، المسكوت عنه لما خلفته نظريات هؤلاء العلماء وقوانينهم في تفسير الكون وتقصي حركة الزمن في مفاصل الطبيعة واللغة والوجود كوعاء للعواطف والمشاعر الإنسانية، واصفاً العالم والحياة في إحدى القصص بأنها «العبث الأعظم»، وما دام العلماء لا يكفون عن اللعب داخل دوائر هذا العبث، فلِم لا يعبث هو الآخر، ويضع هذا العالم بحاضره وماضيه ومستقبله على طاولة تشريح أدبية، يحاول النص من خلالها، بقوة الأسطورة أن يصل هو الآخر إلى تفسير يخصه وحده، في تأويل هذا العالم وتفكيك أواصر الحياة وعلائقها المباشرة الملموسة، والقضية الكامنة فيما وراء النص وحركة الزمن واللغة والعناصر والأشياء.

ومن ثم، يبني الكاتب محمد رفيع عالمه القصصي على فكرة «استئناس الغرابة»، وما ينجم عنها من صراع مخاتل ما بين الخيال والواقع، من ناحية والعلم والأسطورة من ناحية أخرى. في غبار كل هذا تراوح شخصية (آدم) البطل المهيمن على مناخات قصص المجموعة الأربعة عشرة، ما بين الوهم والحقيقة، مسكوناً بوجود مادي واقعي، وممسوساً بمراياه التي تنداح في سراب الميتافيزيقا، يموت ويحترق لكنه ينهض من رماد موته في حياة أخرى، تجدد نفسها بالأسطورة، كأنه طائر الفينيق كما في الميثولوجيا الإغريقية.

اختناق مروري

يطالعنا هذا العالم منذ القصة الأولى في المجموعة «اختناق مروري نحو السماء»، حيث يوظف المؤلف أجواء جائحة «كورونا» المأساوية التي ضربت العالم منذ سنوات، ويتخذها ركيزة أساسية في تنمية الصراع درامياً، وخلق وشائج تبدو واقعية في التماهي ما بين الأسطورة والواقع، فمشهد الموتى المتلاحق من شتى أنحاء العالم واكتظاظهم المتصاعد في السماء، لم يخلق فقط اختناقاً مرورياً على الأرض، إنما في السماء أيضاً، حيث تصعد أراوحهم بالآلاف وتتلاحق، في إيقاع يصعب السيطرة عليه، وضع العلماء في اختبار مباغت ولاهث للوصول إلى مصل للوقاية والحماية من خطر هذا الوباء. في خضم هذا المشهد يطل الدكتور آدم، ويبدو مشغولاً بشفرة ما يمكن فكها، تتلخص في ذبذبات بكاء المواليد الجدد فهو بحسب النص «مؤمن بأن الأطفال الرضّع لهم لغة، ويريدون أن يقولوا لنا شيئاً».

طيلة خمس سنوات وهو يزور مستشفيات الولادة، ويسجل بكاء الوليد الجديد، ثم يعود إلى المنزل، ليحلل الأصوات ويحولها إلى رسم بياني، ويبحث في كتب الشفرات، ويملأ حوائط المكتب بصور الأطفال وبجوارها التحليل الصوتي لبكائها الأول. بيد أنه لم يستطع خلال هذه السنوات أن يتوصل أو يستند إلى نظرية حقيقية عن لغة مشتركة تفسر ذلك. فظل الأمر معلقاً ما بين الإمكانية والاحتمال، «فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبكي بهذا الشكل حين يولد، أما باقي الحيوانات فلا وقت لديها، فالبرية لا تمنحها وقتاً كافياً».

نفس سردي رائق

تحافظ المجموعة علي توهجها وتدفع ما يهجس به إلى النمو والصعود في نفس سردي رائق، يبرز على نحو لافت في القصص الأولى، لكن هذا الصعود يخفت تدريجياً، ويختلط بتقريرية مباشرة مشوبة أحياناً بنظرة وعظية، بداية من صفحة «87» بخاصة في قصص (عيش وحلاوة - نرسيس الأعلى - نرسيس الجديد - موسيقى الفحيح - العنقاء تضرب من جديد - كيمياء الحب)، ففي هذه القصص، تتراجع إلى - حدٍ كبير - تلقائية الغرابة، وتصبح مجرد اصطناع لاصطياد دهشة ذابلة، تتحول إلى محض عبث بلعبة، كانت من قبل محببة وشيقة، ومحفزة للخيال، وجعل القارئ المتلقي يحس بأنه جزء منها، مشغوفاً بمتنها وهوامشها، وما ستؤول إليه حبكتها الدرامية، المفتوحة على نوافذ الحياة وأشواق الإنسان، بخاصة في الإمساك بخيوطها غير المرئية. حيث ينتقل الصراع من منطق القبول والمشاركة إلى منطق المتاهة والمباعدة. وهو ما يطالعنا على نحو لافت في قصة «نرسيس الأعلى»، التي يذيلها الكاتب بمقولة لنيتشة على لسان زرادشت تقول: «إنهم لا يفهمونني، لست الفمَ المناسب لهذه الآذان». وكأن المؤلف من دون أن يقصد يبرر من خلالها هذا الفتور والتراجع الذي اعترى هذه القصص.

تبرز المتاهة حين يقرر (آدم) البطل التلاعب بالنوع البشري، فالرجل وهو العالم الحاذق بعد أن تماهى مع شتى أساطير الأرض، من أوزوريس وإيزيس، حتى زرادشت قرر أن يبحث عن الحب والتماهي مع أسطورته الخالدة «روميو وجولييت»، فيلجأ إلى هذه التلاعب، مقرراً أن يحوِّل الكثير من الرجال إلى نساء والكثير من النساء إلى رجال، بل إنه أعاد المتحولين إلى نوعهم الأول حين طلبوا ذلك. يلجأ آدم - بحسب النص - إلى هذا التلاعب عن طريق الحقن المجهري للخلايا الجذعية والهرمونات وبعض الإشعاعات، ولم ينجُ هو نفسه من هذا التلاعب، فحول نفسه إلى أنثى، وأصبح هناك آدم الأول والثاني حتى العاشر، وكذلك حبيبته ليليت... وفي النهاية يجمعهما الموت، وتكتب فيروز سكرتيرته الوفية الغيورة المحبّة له على قبرهما «هنا يرقد آدم وليليت» تمسحاً بأسطورة العشق الخالدة «روميو وجولييت». يعلق الكاتب على كل هذا في نهاية قصة «العنقاء تضرب من جديد»، قائلاً في نبرة لا تخلو من التعالي: «عادت الأشباح تهمس من جديد، غير أنها هذه المرة تهمس في عقلك أنت. نعم أنت يا قارئ القصة: هل لو كنت أنت فيروز. هل تحمل ليليت في أحشائك؟ فكر. فكر. فبالله لم يكتبنا رفيع إلا لكي نفكر».

منطق الإنسان الكامل

يبقى من الأشياء المهمة في الفضاء السردي الشائك لهذه المجموعة أنه ثمة مواجهة صريحة تصل إلى نوع من التحدي ما بين منطق القصة القصيرة الذي يتوخى الدقة والوجازة والتكثيف، ومنطق العلم الذي يتوخى اليقين الصارم والحاسم. وكأننا أمام ميزان مشرّب بنوازع من أدب الخيال العلمي، في كفتيه يتسابق الخيال والواقع، ويتبادلان الأدوار والأقنعة؛ حول من يصل أو يشارف منطق الإنسان الكامل والمتكامل، الإنسان الأعلى، على غرار إنسان نيتشة «السوبرمان» الجامح الذي يمجد إرادة القوة، في صيرورة تبدو أعلى من منطق الوجود والعدم، تخترق الحياة وتكسر ترهلها الميتافيزيقي الضارب في المثالية الأفلاطونية، محققاً «العود الأبدي» الجذر الأساس في فلسفة نيتشة. حيث يرى أنه «ما دام كل موجود يتحرك داخل وعاء العالم، والعالم محكوم بحركة دائمة، فإن الإنسان نفسه منجرف في دورة لا نهائية».

هذه الدينامية النيتشوية التي تسعى لانتزاع الإنسان من تقوقعه وجموده ليلحق بعالم التحول والصيرورة، تنعكس بقوة في فضاء المجموعة، وتضمر نوعاً من التماهي الخفي بين شخصية آدم المركبة متعددة التناص، وشخصية زرادشت بخاصة في كتاب نيتشة الشهير «هكذا تحدث زرادشت»، الذي كشف فيه عن أبعاد هذه النظرية الفلسفية.

في الختام، نحن أمام بطل أحادي، يحركه المؤلف كما يشاء، وفق قوانين لعبة سردية برغم غرائبيتها، فإنها لعبة متفق عليها سلفاً وفق أطر وعلامات وإشارات محددة، لكنها مع ذلك قادرة على أن توحد الداخل بالخارج وفق نموها الدارمي الخاص، وفي رؤية تجعلك تختلف معها بحب.


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.