صبحي موسى: هجرت الشعر إلى الرواية حتى لا «أُسْتَبعد من المشهد»

يقول إن التاريخ في أعماله يمثل العقل الباطن للجماعة البشرية

صبحي موسى
صبحي موسى
TT

صبحي موسى: هجرت الشعر إلى الرواية حتى لا «أُسْتَبعد من المشهد»

صبحي موسى
صبحي موسى

بعد خمسة دواوين شعرية لاقت احتفاءً نقدياً، هجر صبحي موسى الشعر إلى الرواية ولم يعد إليه منذ ما يربو على العشر سنوات. من هذه الدواوين «يرفرف بجانبها وحده» و«قصائد الغرف المغلقة» و«في وداع المحبة». وفي الرواية صدرت له أعمال مهمة منها «حمامة بيضاء» و«أساطير رجل الثلاثاء» و«الموريسكي الأخير» و«صمت الكهنة».

هنا حوار معه حول أحدث أعماله «تحولات الثقافة في مصر»، وأسباب هجره الشعر إلى الرواية، ورؤيته للمشهد الأدبي.

* في كتابك الأحدث تستعرض مسيرة الثقافة المصرية منذ عهد محمد على وحتى ثورة 25 يناير... ما السبب الذي دعاك إلى الإبحار في هذا التاريخ الذي يمتد لنحو قرنين ولماذا لم تسع للتعبير عنه روائياً، بخاصة أن رواياتك تميل إلى الاستقصاء التاريخي؟

- من الصعب التعبير روائياً عن كثير من الأمور، في مقدمتها الأفكار والمقارنات والاستدلال والوصول إلى نتائج، والمطالبة بوضع خطط ورصد لملامح هذه الخطط، وهو ما سعيت إلى عمله في «تحولات الثقافة»، وذلك على نقيض ما قدمته في رواياتي ذات الطبيعة التاريخية مثل «صمت الكهنة، أساطير رجل الثلاثاء، الموريسكي الأخير، صلاة خاصة». الأعمال الإبداعية التاريخية تسمح باتخاذ موقف وتسريب بعض المعلومات، ووضع القارئ أمام حقيقة مخلوطة بحياة إنسانية حقيقية، مما يخلق في وجدانه نوعاً من التأثير، لكنها لا تستطيع أن تخاطب العقل بشكل واضح وصريح، فهذه مهمة الأعمال ذات الطبيعة الفكرية. وفي كتابي الأخير، لجأت لوضع رؤيتي عن الثقافة وما شهدته من تحولات في مصر الحديثة، وهي تحولات كانت وما زالت مرتبطة بخطط الدولة نفسها، نظراً لامتلاك الدولة المؤسسات الثقافية الكبرى القادرة على التغيير، لكن أزمة تلك الخطط أنها ارتبطت بالسلطة في بعض الفترات الزمنية، مما خلق لدينا ثقافة مشوهة أو منقوصة أو عرجاء.

* تؤكد في الكتاب أن تجربة فاروق حسنى الذي شغل منصب وزير الثقافة بالبلاد لفترة قياسية من 1988 حتى 2011 ركزت على الحجر دون البشر، من حيث بناء قصور ومتاحف لم يدخلها أحد سوى العاملين بها. لكن البعض قد يرى في هذا التوصيف اختزالاً مخلاً وشيئاً من التحامل وعدم الإنصاف؟

- بالتأكيد سيرى كل من استفادوا من تلك الفترة عكس ما أرى، فقد أنشأ هذا الوزير عشرات القصور والمتاحف، وأقام عشرات المؤتمرات والجوائز، إلا أن الأمور لا تقاس بالعدد، ولكن بوصول الخدمة إلى مستحقيها، وكانت النتيجة النهائية أن الثقافة حُبست داخل القصور والمتاحف، وتُرك الشارع للجماعات المتطرفة، مما يدلنا على أن الهدف الأساس لهذا الإنفاق لم يكن توصيل الثقافة إلى النجوع والقرى، أو ربط المثقف بالشارع، وخلق مثقف مستقل يمكن اعتباره مرجعية يعود إليها الناس حين تختلط عليهم الأمور، ولكن لتدجين المثقف، وجعله قطعة «أنتيكات» في أروقة هذه القصور والمتاحف.

* في المقابل، ترى أن مشروع د. ثروت عكاشة، مؤسس وزارة الثقافة في مصر، ارتكز على الذهاب إلى القرى والأطراف النائية بهدف تنوير وتثقيف الجماهير... لكن ماذا عن مطاردة واعتقال المثقفين في حقبة الستينات؟

- هذا جزء من خطيئة ارتباط خطة الثقافة بتوجهات ورغبات النظام وليس بما يفيد الدولة ومواطنيها بشكل عام، بغض النظر عمن يحكم وعن توجهاته ورغباته. كان النظام في هذا التوقيت على خلاف، إن لم يكن عداءً مع الشيوعيين، وكان كثير من المثقفين ينتمون إلى الفكر الشيوعي، ومن ثم دخل أغلبهم السجون، لكن بعيداً عن الدفاع عن نظام بعينه، من الإنصاف القول إن من دخلوا السجن لم تُقطع أرزاقهم، وبعضهم كان يدخل السجن ويخرج منه إلى رئاسة تحرير مؤسسة قومية مثل «الأخبار». وفي ذلك العصر، انتقلت الثقافة بقوة من العاصمة إلى النجوع والقرى، وتم البحث عن الموهوبين وتقديمهم، عشرات الفرق الفنية ظهرت وأتت من هذه القرى، ومئات المثقفين ذهبوا وخالطوا أبناء النجوع والأرياف لتعليمهم وتثقيفهم وتنويرهم.

* تستنكر تهميش المثقفين حتى يتركوا الساحة خاوية أمام جماعات التشدد الديني في حقب سابقة من التاريخ المصري، ما السبب في ذلك وما المطلوب حتى لا يتكرر؟

- المطلوب أن نتعامل مع الثقافة بمعناها العام كما يراها علماء الاجتماع، فالثقافة ليست رعاية الآداب والفنون، فهذا دور يمكن أن تقوم به مؤسسة مثل «المجلس الأعلى للثقافة»، وكان يقوم به في بداية الخمسينات بالفعل، قبيل إنشاء وزارة الثقافة والإرشاد القومي. فعلماء الاجتماع يرون الثقافة الكل الجامع، أي أنها كل شيء في المجتمع، وبالتحديد كل شيء يخص الفكر والوعي والسلوك، وهذه الجوانب يصعب أن تنهض بها وزارة الثقافة وحدها، ولابد من وجود ما سمّيته بـ«المجموعة الثقافية»، والمكونة من وزارات الثقافة والتعليم والإعلام والجامعات والأوقاف والأزهر والكنيسة، أي كل المؤسسات التي تسهم في بناء وعي وفكر المواطن.

* روايتك الأخيرة «نادي المحبين» تنطوى على تجربة سردية وجمالية شديدة الخصوصية، لكنها لم تأخذ حقها نقدياً أو إعلامياً... ما السبب؟

- يمكن ربط ذلك بما حاولت الحديث عنه أو مواجهته في «تحولات الثقافة»، فواحد من التحولات التي نعيشها الآن هو أننا نعيش في عصر الجماهير الغفيرة، أي أن الجمهور هو الذي يقود وليس النخب، وهذا يعني انتشار الشعبوية وربما الغوغائية في كل مناحي الحياة ومختلف الفنون، نظراً لأن الجمهور هو الذي يحدد ما يُكتب وما لا يُكتب. ومن ثم سادت اختيارات مثل أغاني المهرجانات المبتذلة وروايات «البيست سيلر» أو الأكثر مبيعاً التي اجتاحت كل شيء.

* هل تسبب طبيعة موضوعات رواياتك بجرأتها وعدم تقليديتها أزمات أو خلافات بينك وبين الناشرين؟

- أكاد أكون بلا ناشر محدد، نظراً لأن كل عمل لدي لا أعرف من الذي سيقبل بنشره، وبات من الطبيعي أن يرفضني الناشرون، وصرت أراهن على دور النشر الصغيرة التي يمكنها أن تقبل بي أكثر من دور النشر الكبيرة التي تبحث عن الأكثر مبيعاً بصرف النظر عن مضمون العمل وجديته.

* للتاريخ حضور طاغ في أعمالك... هل هو مجرد خلفية لفكرة راهنة أم أنك تطمح فعلاً لإعادة تفسير الماضي؟

- أنا خريج علم اجتماع، ولدى محبة شديدة لعلم التاريخ والأنثربولوجيا، وربما هذا الثالوث هو ما يسيطر على مخيلتي طيلة الوقت، فالقضايا المجتمعية الراهنة هي ما يثير الفكرة لدي، ما يستدعي محاولة رؤية جذورها تاريخياً، لمعرفة كيف نشأت وكيف وصلت لما هي عليه الآن. ومن ثم فالتاريخ لدي بمثابة العقل الباطن للجماعة البشرية، ولمعرفة حقيقة أي أزمة فلابد من التفتيش في العقل الباطن. وقد ساعدتني الأنثربولوجيا على نسج أساطيري الخاصة في مجمل أعمالي.

* حين يُسأل الشعراء عن سبب تحولهم لكتابة الرواية يقدمون عادة إجابات مراوغة لكنك تمتلك شجاعة الاعتراف بأنك فعلت ذلك «حتى لا تُستبعد من المشهد»، كيف ترى إذن موقف الشعراء الذين رفضوا غواية الرواية بأضوائها وجوائزها وصخبها؟

- لا أرى أن هناك شرفاً كبيراً في الالتزام بالشعر أو بفن محدد، هذا من قبيل الأفكار البدائية، وضد ما بعد الحداثة ورؤيتها عن التعدد، كما أنه لا يوجد عقد بين أي كاتب أو شاعر وبين الناس على أن يكتب فناً محدداً. وفي حقيقة الأمر أن الشعر فن صعب، ولكل شاعر طرحه الخاص، وهذا الطرح غالباً ما يقدمه في عمل أو اثنين، يكونان فارقين ويخصان فكرته الجديدة، وما يتلوهما ليس أكثر من تنويعات أو اجترار، وربما يكون مجرد تمهيد لمجيء فكرته. الذين يعون هذه الحقيقة يدركون أنهم قدموا طرحهم ورؤيتهم من خلال هذين العملين، وعليهم، إذا كان لديهم ما يشغلهم، أن يطرقوا أبواباً وفنوناً أخرى، أو أن يتوقفوا في هدوء، فكتابة الشعر ليست وظيفة، ولا شرف يستدعي ضرورة الكتابة فيها إذا قدم الشاعر طرحه.

الجوائز همشت دور الناقد وعممت الشعبوية والأدب الجاهز وخلقت صائدي جوائز أكثر مما خلقت من مبدعين

*ألهذا السبب هجرت الشعر نهائياً ولم تعد إليه طوال ما يربو على 10 سنوات؟

- هجرت الشعر لأنني تعبت من الاستبعاد، فالشعراء كانوا يستبعدونني من قوائمهم ويعدونني روائياً، والروائيون يستبعدونني من قوائمهم ويعدونني شاعراً، وكان لابد أن أثبّت قدمي بشكل راسخ في مكان محدد كي أعلن عن نفسي بشكل لا لبس فيه، والآن أقول لكِ إنه لا يوجد عقد بيني وبين أحد على كتابة نوع محدد من الفن، فضلاً عن شعوري بأنني قدمت طرحي الخاص بكتابة الشعر، وأن أي كتابة جديدة كانت ستكون تنويعاً على ما سبق.

* كيف انعكست خلفيتك كشاعر على ما تنجزه من تجارب روائية؟

- ساعدني الشعر على نعومة اللغة وإطلاق الخيال، فأنا لا أفكر وأنا أكتب، ولكنني أترك نفسي على الورق، وهذه فضيلة شعرية وليست روائية.

* أخيراً، كيف ترى المشهد الأدبي عربياً بشكل عام؟

- أراه مشهداً ثرياً للغاية، لكن المشكلة أن الانتخاب لا يكون لصالح الأقوى أو الأفضل، ولكن لصالح الشعبوي والأضعف، أو ما يشابه أفكار الجماهير ولا يثيرها للتفكير. المشكلة أيضاً أن الجوائز الأدبية لم تزد المشهد الإبداعي في العالم العربي إلا إحباطاً وصراعاً وربما قتلاً، فالكل أصبح يفكر في الشهرة والمال، وليس في القيمة الأدبية. للأسف الجوائز همشت دور الناقد، وعممت الشعبوية والأدب الجاهز، وخلقت صائدي جوائز أكثر مما خلقت من مبدعين.


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.