صبحي موسى: هجرت الشعر إلى الرواية حتى لا «أُسْتَبعد من المشهد»

يقول إن التاريخ في أعماله يمثل العقل الباطن للجماعة البشرية

صبحي موسى
صبحي موسى
TT

صبحي موسى: هجرت الشعر إلى الرواية حتى لا «أُسْتَبعد من المشهد»

صبحي موسى
صبحي موسى

بعد خمسة دواوين شعرية لاقت احتفاءً نقدياً، هجر صبحي موسى الشعر إلى الرواية ولم يعد إليه منذ ما يربو على العشر سنوات. من هذه الدواوين «يرفرف بجانبها وحده» و«قصائد الغرف المغلقة» و«في وداع المحبة». وفي الرواية صدرت له أعمال مهمة منها «حمامة بيضاء» و«أساطير رجل الثلاثاء» و«الموريسكي الأخير» و«صمت الكهنة».

هنا حوار معه حول أحدث أعماله «تحولات الثقافة في مصر»، وأسباب هجره الشعر إلى الرواية، ورؤيته للمشهد الأدبي.

* في كتابك الأحدث تستعرض مسيرة الثقافة المصرية منذ عهد محمد على وحتى ثورة 25 يناير... ما السبب الذي دعاك إلى الإبحار في هذا التاريخ الذي يمتد لنحو قرنين ولماذا لم تسع للتعبير عنه روائياً، بخاصة أن رواياتك تميل إلى الاستقصاء التاريخي؟

- من الصعب التعبير روائياً عن كثير من الأمور، في مقدمتها الأفكار والمقارنات والاستدلال والوصول إلى نتائج، والمطالبة بوضع خطط ورصد لملامح هذه الخطط، وهو ما سعيت إلى عمله في «تحولات الثقافة»، وذلك على نقيض ما قدمته في رواياتي ذات الطبيعة التاريخية مثل «صمت الكهنة، أساطير رجل الثلاثاء، الموريسكي الأخير، صلاة خاصة». الأعمال الإبداعية التاريخية تسمح باتخاذ موقف وتسريب بعض المعلومات، ووضع القارئ أمام حقيقة مخلوطة بحياة إنسانية حقيقية، مما يخلق في وجدانه نوعاً من التأثير، لكنها لا تستطيع أن تخاطب العقل بشكل واضح وصريح، فهذه مهمة الأعمال ذات الطبيعة الفكرية. وفي كتابي الأخير، لجأت لوضع رؤيتي عن الثقافة وما شهدته من تحولات في مصر الحديثة، وهي تحولات كانت وما زالت مرتبطة بخطط الدولة نفسها، نظراً لامتلاك الدولة المؤسسات الثقافية الكبرى القادرة على التغيير، لكن أزمة تلك الخطط أنها ارتبطت بالسلطة في بعض الفترات الزمنية، مما خلق لدينا ثقافة مشوهة أو منقوصة أو عرجاء.

* تؤكد في الكتاب أن تجربة فاروق حسنى الذي شغل منصب وزير الثقافة بالبلاد لفترة قياسية من 1988 حتى 2011 ركزت على الحجر دون البشر، من حيث بناء قصور ومتاحف لم يدخلها أحد سوى العاملين بها. لكن البعض قد يرى في هذا التوصيف اختزالاً مخلاً وشيئاً من التحامل وعدم الإنصاف؟

- بالتأكيد سيرى كل من استفادوا من تلك الفترة عكس ما أرى، فقد أنشأ هذا الوزير عشرات القصور والمتاحف، وأقام عشرات المؤتمرات والجوائز، إلا أن الأمور لا تقاس بالعدد، ولكن بوصول الخدمة إلى مستحقيها، وكانت النتيجة النهائية أن الثقافة حُبست داخل القصور والمتاحف، وتُرك الشارع للجماعات المتطرفة، مما يدلنا على أن الهدف الأساس لهذا الإنفاق لم يكن توصيل الثقافة إلى النجوع والقرى، أو ربط المثقف بالشارع، وخلق مثقف مستقل يمكن اعتباره مرجعية يعود إليها الناس حين تختلط عليهم الأمور، ولكن لتدجين المثقف، وجعله قطعة «أنتيكات» في أروقة هذه القصور والمتاحف.

* في المقابل، ترى أن مشروع د. ثروت عكاشة، مؤسس وزارة الثقافة في مصر، ارتكز على الذهاب إلى القرى والأطراف النائية بهدف تنوير وتثقيف الجماهير... لكن ماذا عن مطاردة واعتقال المثقفين في حقبة الستينات؟

- هذا جزء من خطيئة ارتباط خطة الثقافة بتوجهات ورغبات النظام وليس بما يفيد الدولة ومواطنيها بشكل عام، بغض النظر عمن يحكم وعن توجهاته ورغباته. كان النظام في هذا التوقيت على خلاف، إن لم يكن عداءً مع الشيوعيين، وكان كثير من المثقفين ينتمون إلى الفكر الشيوعي، ومن ثم دخل أغلبهم السجون، لكن بعيداً عن الدفاع عن نظام بعينه، من الإنصاف القول إن من دخلوا السجن لم تُقطع أرزاقهم، وبعضهم كان يدخل السجن ويخرج منه إلى رئاسة تحرير مؤسسة قومية مثل «الأخبار». وفي ذلك العصر، انتقلت الثقافة بقوة من العاصمة إلى النجوع والقرى، وتم البحث عن الموهوبين وتقديمهم، عشرات الفرق الفنية ظهرت وأتت من هذه القرى، ومئات المثقفين ذهبوا وخالطوا أبناء النجوع والأرياف لتعليمهم وتثقيفهم وتنويرهم.

* تستنكر تهميش المثقفين حتى يتركوا الساحة خاوية أمام جماعات التشدد الديني في حقب سابقة من التاريخ المصري، ما السبب في ذلك وما المطلوب حتى لا يتكرر؟

- المطلوب أن نتعامل مع الثقافة بمعناها العام كما يراها علماء الاجتماع، فالثقافة ليست رعاية الآداب والفنون، فهذا دور يمكن أن تقوم به مؤسسة مثل «المجلس الأعلى للثقافة»، وكان يقوم به في بداية الخمسينات بالفعل، قبيل إنشاء وزارة الثقافة والإرشاد القومي. فعلماء الاجتماع يرون الثقافة الكل الجامع، أي أنها كل شيء في المجتمع، وبالتحديد كل شيء يخص الفكر والوعي والسلوك، وهذه الجوانب يصعب أن تنهض بها وزارة الثقافة وحدها، ولابد من وجود ما سمّيته بـ«المجموعة الثقافية»، والمكونة من وزارات الثقافة والتعليم والإعلام والجامعات والأوقاف والأزهر والكنيسة، أي كل المؤسسات التي تسهم في بناء وعي وفكر المواطن.

* روايتك الأخيرة «نادي المحبين» تنطوى على تجربة سردية وجمالية شديدة الخصوصية، لكنها لم تأخذ حقها نقدياً أو إعلامياً... ما السبب؟

- يمكن ربط ذلك بما حاولت الحديث عنه أو مواجهته في «تحولات الثقافة»، فواحد من التحولات التي نعيشها الآن هو أننا نعيش في عصر الجماهير الغفيرة، أي أن الجمهور هو الذي يقود وليس النخب، وهذا يعني انتشار الشعبوية وربما الغوغائية في كل مناحي الحياة ومختلف الفنون، نظراً لأن الجمهور هو الذي يحدد ما يُكتب وما لا يُكتب. ومن ثم سادت اختيارات مثل أغاني المهرجانات المبتذلة وروايات «البيست سيلر» أو الأكثر مبيعاً التي اجتاحت كل شيء.

* هل تسبب طبيعة موضوعات رواياتك بجرأتها وعدم تقليديتها أزمات أو خلافات بينك وبين الناشرين؟

- أكاد أكون بلا ناشر محدد، نظراً لأن كل عمل لدي لا أعرف من الذي سيقبل بنشره، وبات من الطبيعي أن يرفضني الناشرون، وصرت أراهن على دور النشر الصغيرة التي يمكنها أن تقبل بي أكثر من دور النشر الكبيرة التي تبحث عن الأكثر مبيعاً بصرف النظر عن مضمون العمل وجديته.

* للتاريخ حضور طاغ في أعمالك... هل هو مجرد خلفية لفكرة راهنة أم أنك تطمح فعلاً لإعادة تفسير الماضي؟

- أنا خريج علم اجتماع، ولدى محبة شديدة لعلم التاريخ والأنثربولوجيا، وربما هذا الثالوث هو ما يسيطر على مخيلتي طيلة الوقت، فالقضايا المجتمعية الراهنة هي ما يثير الفكرة لدي، ما يستدعي محاولة رؤية جذورها تاريخياً، لمعرفة كيف نشأت وكيف وصلت لما هي عليه الآن. ومن ثم فالتاريخ لدي بمثابة العقل الباطن للجماعة البشرية، ولمعرفة حقيقة أي أزمة فلابد من التفتيش في العقل الباطن. وقد ساعدتني الأنثربولوجيا على نسج أساطيري الخاصة في مجمل أعمالي.

* حين يُسأل الشعراء عن سبب تحولهم لكتابة الرواية يقدمون عادة إجابات مراوغة لكنك تمتلك شجاعة الاعتراف بأنك فعلت ذلك «حتى لا تُستبعد من المشهد»، كيف ترى إذن موقف الشعراء الذين رفضوا غواية الرواية بأضوائها وجوائزها وصخبها؟

- لا أرى أن هناك شرفاً كبيراً في الالتزام بالشعر أو بفن محدد، هذا من قبيل الأفكار البدائية، وضد ما بعد الحداثة ورؤيتها عن التعدد، كما أنه لا يوجد عقد بين أي كاتب أو شاعر وبين الناس على أن يكتب فناً محدداً. وفي حقيقة الأمر أن الشعر فن صعب، ولكل شاعر طرحه الخاص، وهذا الطرح غالباً ما يقدمه في عمل أو اثنين، يكونان فارقين ويخصان فكرته الجديدة، وما يتلوهما ليس أكثر من تنويعات أو اجترار، وربما يكون مجرد تمهيد لمجيء فكرته. الذين يعون هذه الحقيقة يدركون أنهم قدموا طرحهم ورؤيتهم من خلال هذين العملين، وعليهم، إذا كان لديهم ما يشغلهم، أن يطرقوا أبواباً وفنوناً أخرى، أو أن يتوقفوا في هدوء، فكتابة الشعر ليست وظيفة، ولا شرف يستدعي ضرورة الكتابة فيها إذا قدم الشاعر طرحه.

الجوائز همشت دور الناقد وعممت الشعبوية والأدب الجاهز وخلقت صائدي جوائز أكثر مما خلقت من مبدعين

*ألهذا السبب هجرت الشعر نهائياً ولم تعد إليه طوال ما يربو على 10 سنوات؟

- هجرت الشعر لأنني تعبت من الاستبعاد، فالشعراء كانوا يستبعدونني من قوائمهم ويعدونني روائياً، والروائيون يستبعدونني من قوائمهم ويعدونني شاعراً، وكان لابد أن أثبّت قدمي بشكل راسخ في مكان محدد كي أعلن عن نفسي بشكل لا لبس فيه، والآن أقول لكِ إنه لا يوجد عقد بيني وبين أحد على كتابة نوع محدد من الفن، فضلاً عن شعوري بأنني قدمت طرحي الخاص بكتابة الشعر، وأن أي كتابة جديدة كانت ستكون تنويعاً على ما سبق.

* كيف انعكست خلفيتك كشاعر على ما تنجزه من تجارب روائية؟

- ساعدني الشعر على نعومة اللغة وإطلاق الخيال، فأنا لا أفكر وأنا أكتب، ولكنني أترك نفسي على الورق، وهذه فضيلة شعرية وليست روائية.

* أخيراً، كيف ترى المشهد الأدبي عربياً بشكل عام؟

- أراه مشهداً ثرياً للغاية، لكن المشكلة أن الانتخاب لا يكون لصالح الأقوى أو الأفضل، ولكن لصالح الشعبوي والأضعف، أو ما يشابه أفكار الجماهير ولا يثيرها للتفكير. المشكلة أيضاً أن الجوائز الأدبية لم تزد المشهد الإبداعي في العالم العربي إلا إحباطاً وصراعاً وربما قتلاً، فالكل أصبح يفكر في الشهرة والمال، وليس في القيمة الأدبية. للأسف الجوائز همشت دور الناقد، وعممت الشعبوية والأدب الجاهز، وخلقت صائدي جوائز أكثر مما خلقت من مبدعين.


مقالات ذات صلة

اقرأ كي تعيش

ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران

شرف الدين ماجدولين

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.