في 11 سبتمبر (أيلول) 1973، توفي رئيس تشيلي سلفادور أليندي داخل القصر الوطني في سانتياغو خلال انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة بقيادة الجنرال أوغوستو بينوشيه. بعد ذلك، أعلن الجيش التشيلي أن الانتحار هو السبب الرسمي للوفاة، وهو ما لم يثق به العديد من التشيليين، إن لم يكن رفضوه رفضاً باتاً. لكن في عام 1990، وبعد 17 عاماً من الحكم الاستبدادي، الذي كان فيه أي تحدٍ لسلطة المجلس العسكري أمراً خطيراً، فقد بينوشيه السلطة، وسرعان ما أصبحت طبيعة وفاة أليندي مسألة عامة.
هل اغتيل؟ هل مات وهو يقاتل، أو اختار الموت بدلاً من القبض عليه؟ هذا هو اللغز الذي يغذي رواية «مُتحف الانتحار»، وهي رواية جديدة للمؤلف والكاتب المسرحي والناشط التشيلي الأميركي آرييل دورفمان. تدور الأحداث بصفة رئيسية عام 1990، خلال الأشهر المثيرة والمضطربة التي تلت رحيل بينوشيه، عندما شرعت تشيلي في إعادة بناء ديمقراطيتها في حين لا تزال «تزخر بالمجرمين والمتواطئين والمتعاونين». يعود آرييل دورفمان إلى سانتياغو بعد سنوات من حياته «رجلاً بلا وطن»، حالماً باستئناف حياته القديمة قبل الانقلاب. لكنه لديه أيضاً مهمة سرية.
في عام 1983، أثناء عمله ضد بينوشيه من الولايات المتحدة، التقى آرييل بملياردير غريب الأطوار اسمه جوزيف هورتا. (ولتبسيط الأمر، سوف أشير إلى المؤلف باسم دورفمان، والشخصية باسم آرييل). ويُفتن هورتا، الناجي من الهولوكوست الهولندي ورائد صناعة البلاستيك، بشخصية أليندي وما كان يمثله: الطريق التشيلي إلى الاشتراكية، أو «الاشتراكية عبر الوسائل الانتخابية السلمية». ويقول لآرييل إنه بعد انتحار زوجته في أواخر الستينات، لم يمنعه من الموت بالطريقة نفسها سوى النصر الرئاسي الملهم الذي حققه أليندي. يعرض هورتا أن يدفع لآرييل مبلغاً كبيراً من المال ليعود إلى تشيلي ويكتشف «بكل تأكيد ما إذا كان سلفادور أليندي قد قتل نفسه من عدمه. وسواء كانت حياته مأساوية أو ملحمية».
بالنسبة لآرييل، فإن مجرد التفكير في احتمال وفاة أليندي منتحراً ليس بالأمر الهين. وكان مثل مبدعه، عضواً في حكومة أليندي؛ وهو يوقر الرئيس السابق بقدر ما يوقره هورتا. وهو مرتبط بسرد ملحمي سقط فيه أليندي أثناء القتال؛ وأي نظرية بديلة تعد «تدنيساً لموضع مقدس خارج حدود التصور».
لكن آرييل يدرك أيضاً أن الحقيقة لها قيمة متأصلة - وإلى جانب ذلك، فهو كاتب مفلس، ويحتاج للمال. وغالباً ما يزاوج دورفمان بين العميق والزهيد بهذه الطريقة، حيث يمزج على سبيل المثال بين ذكريات آرييل المؤلمة وآماله بمستقبل تشيلي وبين مظالمه إزاء عدم حصوله على ترحيب كافٍ من النخبة اليسارية في الوطن. وكثيراً ما يجمع المؤلف أيضاً بين الحدة العاطفية والعبث، لا سيما في شخص هورتا.
فصاحب الإحسان على آرييل، على عكس العديد من أصحاب المليارات في الخيال الأدبي (ناهيكم عن الحياة الواقعية)، ليس خبيثاً. ولكنه ارتكب أخطاء جسيمة: فقد صار ثريّاَ من تطوير البلاستيك الذي يلوث الأرض الآن. وهو يشعر بالذنب الشديد إزاء ذلك، ويحلم بالتعويض عن هذا الأمر عبر بناء مُتحف للانتحار يضم بطله أليندي، وهو أمر مقنع بالدرجة الكافية لوقف الوفيات الفردية و«الانتحار الجماعي» الناتج عن أزمة المناخ المطلقة.
يعتقد آرييل أنها فكرة سخيفة - هي سخيفة فعلاً - لكنه معجب بهورتا. حقاً، إنه يرى نفسه فيه. كلا الرجلين يهوديان، صارا بلا جنسية أغلب حياتهما بسبب عنف الدولة، وكلاهما يتطلع إلى أليندي، وكلاهما يحمل أعباء مروعة من الذنب. كان من المفترض أن ينام آرييل، مثل مبدعه مرة أخرى، في القصر في الليلة السابقة على الانقلاب؛ وقد أصبح الوضع السياسي هشاً بدرجة كافية بحيث نظّم مستشارو أليندي مناوبة في حالات الطوارئ. لكنه تبادل المناوبات مع صديق قديم، كلاوديو جيمينو، الذي قاتل إلى جانب أليندي في يوم الانقلاب، واحتُجز سجيناً وعُذب ثم اختفى. لم يُعثر على جثته بعد، وفي «مُتحف الانتحار»، يثقل ذلك الأمر كاهل آرييل بشدة، لدرجة أنه لا يستطيع أن ينطق باسم جيمينو.
هورتا وآرييل ليسا الوحيدين من أنصار أليندي في الرواية. فالشخصيات تظهر باستمرار للتكلم لثلاث أو أربع صفحات عن كونهم «مدينين لأليندي بكل شيء»، من بيوتهم إلى صحتهم إلى أولادهم، الذين نشأوا أقوياء «بسبب نصف لتر الحليب الذي كان يوزعه أليندي على كل تلميذ كل يوم في المدرسة». في أحد المشاهد، زار آرييل وابنه خواكين قبر الرئيس السابق، حيث ترك عدد لا يحصى من التشيليين رسائل حب وامتنان ودعاء، وكأن القبر تحول إلى حائط المبكى.
لكن دورفمان لا يهتم بمجرد امتداح ذكرى أليندي. في مبتدأ الرواية، يقول آرييل لهورتا إنه لن يكتب عن الرئيس السابق خوفاً من أن الإعجاب به يجعله يكتب «كتاباً كسولاً، مليئاً بالأساطير وإنما من دون تجاوزات». ورواية «مُتحف الانتحار» لا تنتهك ذكرى أليندي، متجاوزة سطراً أو اثنين حول ميله لخيانة زوجته - لكن ذلك بسبب أنه في الواقع ليس كتاباً عن أليندي. لا يعبأ دورفمان بالكتابة عن بطله أكثر من إنشاء صورة لعبادة البطل، التي تستحيل تدريجياً إلى سبر مُعقد للذنب والحزن.
يقول لآرييل إنه بعد انتحار زوجته في أواخر الستينات لم يمنعه من الموت بالطريقة نفسها سوى النصر الرئاسي الملهم الذي حققه أليندي
في الولايات المتحدة، تُقرأ أعمال دورفمان بشكل عام جنباً إلى جنب مع كُتاب آخرين باللغة الإسبانية (يكتب باللغتين الإنجليزية والإسبانية ويترجم أعماله الخاصة بينهما). ولكن رواية «مُتحف الانتحار» تبدو أكثر استفزازاً لفيليب روث. فنثرها القصصي يتسم بالبراعة والثقة، ويبني الزخم من كثافة أفكارها. النقاشات طويلة؛ وأحاديث آرييل أطول. وكما يحدث في كثير من الأحيان في عمل روث، فإن الحياة الفكرية للراوي تُزاحم الحبكة الروائية على نحو فعال، برغم من أنها مُعقدة وبالغة في حدتها العاطفية.
تُنذر رواية «مُتحف الانتحار» بوقوع المزيد من الأحداث أكثر مما تضمه دفتاها؛ فأزمة المناخ التي تمر عبرها متخلفة وسهلة الانحلال. ومع ذلك، فإن وجودها يتواءم بشكل جيد مع أمل آرييل العنيد. وهو يحاول جاهداً الوصول إلى الحقيقة - برغم أن الأمر سوف يستغرق عقوداً قبل أن يستنتج خبراء الطب الشرعي، في عام 2011، أن أليندي أطلق النار على نفسه ببندقية هجومية. بحث آرييل المتواصل ينقله إلى جميع أنحاء العالم، ومن خلال جهوده، يواجه حزنه على آليندي، وعلى جيمينو، وعلى تشيلي التي خسرها. والواقع أن مشاهدته وهو يفعل ذلك تعكس تأثيراً عميقاً، وهو يذكرنا بأن الشجاعة، إن لم تكن البطولة، من الممكن أن تحدث على أي مستوى.


