سلفادور أليندي... هل اغتيل؟ هل مات وهو يقاتل أم اختار الموت؟

الكاتب التشيلي - الأميركي دورفمان يكتب عن لغز الرئيس التشيلي السابق

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

سلفادور أليندي... هل اغتيل؟ هل مات وهو يقاتل أم اختار الموت؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في 11 سبتمبر (أيلول) 1973، توفي رئيس تشيلي سلفادور أليندي داخل القصر الوطني في سانتياغو خلال انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة بقيادة الجنرال أوغوستو بينوشيه. بعد ذلك، أعلن الجيش التشيلي أن الانتحار هو السبب الرسمي للوفاة، وهو ما لم يثق به العديد من التشيليين، إن لم يكن رفضوه رفضاً باتاً. لكن في عام 1990، وبعد 17 عاماً من الحكم الاستبدادي، الذي كان فيه أي تحدٍ لسلطة المجلس العسكري أمراً خطيراً، فقد بينوشيه السلطة، وسرعان ما أصبحت طبيعة وفاة أليندي مسألة عامة.

هل اغتيل؟ هل مات وهو يقاتل، أو اختار الموت بدلاً من القبض عليه؟ هذا هو اللغز الذي يغذي رواية «مُتحف الانتحار»، وهي رواية جديدة للمؤلف والكاتب المسرحي والناشط التشيلي الأميركي آرييل دورفمان. تدور الأحداث بصفة رئيسية عام 1990، خلال الأشهر المثيرة والمضطربة التي تلت رحيل بينوشيه، عندما شرعت تشيلي في إعادة بناء ديمقراطيتها في حين لا تزال «تزخر بالمجرمين والمتواطئين والمتعاونين». يعود آرييل دورفمان إلى سانتياغو بعد سنوات من حياته «رجلاً بلا وطن»، حالماً باستئناف حياته القديمة قبل الانقلاب. لكنه لديه أيضاً مهمة سرية.

في عام 1983، أثناء عمله ضد بينوشيه من الولايات المتحدة، التقى آرييل بملياردير غريب الأطوار اسمه جوزيف هورتا. (ولتبسيط الأمر، سوف أشير إلى المؤلف باسم دورفمان، والشخصية باسم آرييل). ويُفتن هورتا، الناجي من الهولوكوست الهولندي ورائد صناعة البلاستيك، بشخصية أليندي وما كان يمثله: الطريق التشيلي إلى الاشتراكية، أو «الاشتراكية عبر الوسائل الانتخابية السلمية». ويقول لآرييل إنه بعد انتحار زوجته في أواخر الستينات، لم يمنعه من الموت بالطريقة نفسها سوى النصر الرئاسي الملهم الذي حققه أليندي. يعرض هورتا أن يدفع لآرييل مبلغاً كبيراً من المال ليعود إلى تشيلي ويكتشف «بكل تأكيد ما إذا كان سلفادور أليندي قد قتل نفسه من عدمه. وسواء كانت حياته مأساوية أو ملحمية».

بالنسبة لآرييل، فإن مجرد التفكير في احتمال وفاة أليندي منتحراً ليس بالأمر الهين. وكان مثل مبدعه، عضواً في حكومة أليندي؛ وهو يوقر الرئيس السابق بقدر ما يوقره هورتا. وهو مرتبط بسرد ملحمي سقط فيه أليندي أثناء القتال؛ وأي نظرية بديلة تعد «تدنيساً لموضع مقدس خارج حدود التصور».

لكن آرييل يدرك أيضاً أن الحقيقة لها قيمة متأصلة - وإلى جانب ذلك، فهو كاتب مفلس، ويحتاج للمال. وغالباً ما يزاوج دورفمان بين العميق والزهيد بهذه الطريقة، حيث يمزج على سبيل المثال بين ذكريات آرييل المؤلمة وآماله بمستقبل تشيلي وبين مظالمه إزاء عدم حصوله على ترحيب كافٍ من النخبة اليسارية في الوطن. وكثيراً ما يجمع المؤلف أيضاً بين الحدة العاطفية والعبث، لا سيما في شخص هورتا.

فصاحب الإحسان على آرييل، على عكس العديد من أصحاب المليارات في الخيال الأدبي (ناهيكم عن الحياة الواقعية)، ليس خبيثاً. ولكنه ارتكب أخطاء جسيمة: فقد صار ثريّاَ من تطوير البلاستيك الذي يلوث الأرض الآن. وهو يشعر بالذنب الشديد إزاء ذلك، ويحلم بالتعويض عن هذا الأمر عبر بناء مُتحف للانتحار يضم بطله أليندي، وهو أمر مقنع بالدرجة الكافية لوقف الوفيات الفردية و«الانتحار الجماعي» الناتج عن أزمة المناخ المطلقة.

يعتقد آرييل أنها فكرة سخيفة - هي سخيفة فعلاً - لكنه معجب بهورتا. حقاً، إنه يرى نفسه فيه. كلا الرجلين يهوديان، صارا بلا جنسية أغلب حياتهما بسبب عنف الدولة، وكلاهما يتطلع إلى أليندي، وكلاهما يحمل أعباء مروعة من الذنب. كان من المفترض أن ينام آرييل، مثل مبدعه مرة أخرى، في القصر في الليلة السابقة على الانقلاب؛ وقد أصبح الوضع السياسي هشاً بدرجة كافية بحيث نظّم مستشارو أليندي مناوبة في حالات الطوارئ. لكنه تبادل المناوبات مع صديق قديم، كلاوديو جيمينو، الذي قاتل إلى جانب أليندي في يوم الانقلاب، واحتُجز سجيناً وعُذب ثم اختفى. لم يُعثر على جثته بعد، وفي «مُتحف الانتحار»، يثقل ذلك الأمر كاهل آرييل بشدة، لدرجة أنه لا يستطيع أن ينطق باسم جيمينو.

هورتا وآرييل ليسا الوحيدين من أنصار أليندي في الرواية. فالشخصيات تظهر باستمرار للتكلم لثلاث أو أربع صفحات عن كونهم «مدينين لأليندي بكل شيء»، من بيوتهم إلى صحتهم إلى أولادهم، الذين نشأوا أقوياء «بسبب نصف لتر الحليب الذي كان يوزعه أليندي على كل تلميذ كل يوم في المدرسة». في أحد المشاهد، زار آرييل وابنه خواكين قبر الرئيس السابق، حيث ترك عدد لا يحصى من التشيليين رسائل حب وامتنان ودعاء، وكأن القبر تحول إلى حائط المبكى.

لكن دورفمان لا يهتم بمجرد امتداح ذكرى أليندي. في مبتدأ الرواية، يقول آرييل لهورتا إنه لن يكتب عن الرئيس السابق خوفاً من أن الإعجاب به يجعله يكتب «كتاباً كسولاً، مليئاً بالأساطير وإنما من دون تجاوزات». ورواية «مُتحف الانتحار» لا تنتهك ذكرى أليندي، متجاوزة سطراً أو اثنين حول ميله لخيانة زوجته - لكن ذلك بسبب أنه في الواقع ليس كتاباً عن أليندي. لا يعبأ دورفمان بالكتابة عن بطله أكثر من إنشاء صورة لعبادة البطل، التي تستحيل تدريجياً إلى سبر مُعقد للذنب والحزن.

يقول لآرييل إنه بعد انتحار زوجته في أواخر الستينات لم يمنعه من الموت بالطريقة نفسها سوى النصر الرئاسي الملهم الذي حققه أليندي

في الولايات المتحدة، تُقرأ أعمال دورفمان بشكل عام جنباً إلى جنب مع كُتاب آخرين باللغة الإسبانية (يكتب باللغتين الإنجليزية والإسبانية ويترجم أعماله الخاصة بينهما). ولكن رواية «مُتحف الانتحار» تبدو أكثر استفزازاً لفيليب روث. فنثرها القصصي يتسم بالبراعة والثقة، ويبني الزخم من كثافة أفكارها. النقاشات طويلة؛ وأحاديث آرييل أطول. وكما يحدث في كثير من الأحيان في عمل روث، فإن الحياة الفكرية للراوي تُزاحم الحبكة الروائية على نحو فعال، برغم من أنها مُعقدة وبالغة في حدتها العاطفية.

تُنذر رواية «مُتحف الانتحار» بوقوع المزيد من الأحداث أكثر مما تضمه دفتاها؛ فأزمة المناخ التي تمر عبرها متخلفة وسهلة الانحلال. ومع ذلك، فإن وجودها يتواءم بشكل جيد مع أمل آرييل العنيد. وهو يحاول جاهداً الوصول إلى الحقيقة - برغم أن الأمر سوف يستغرق عقوداً قبل أن يستنتج خبراء الطب الشرعي، في عام 2011، أن أليندي أطلق النار على نفسه ببندقية هجومية. بحث آرييل المتواصل ينقله إلى جميع أنحاء العالم، ومن خلال جهوده، يواجه حزنه على آليندي، وعلى جيمينو، وعلى تشيلي التي خسرها. والواقع أن مشاهدته وهو يفعل ذلك تعكس تأثيراً عميقاً، وهو يذكرنا بأن الشجاعة، إن لم تكن البطولة، من الممكن أن تحدث على أي مستوى.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

ثقافة وفنون محمود درويش

الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

لطالما كانت العلاقة بين الحب والزمن مثار اهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، وصولاً إلى الكتاب والفنانين الذين رأوا إلى هذه المغامرة من موقع

شوقي بزيع
ثقافة وفنون غائب طعمة فرمان

سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» للروائي خضير فليح الزيدي، الصادرة هذا العام، تقوم على افتراضات تخييلية متطرفة

فاضل ثامر
ثقافة وفنون لايبنتز

أثر الصداقة في تخفيف الخلاف الفكري

كان الفيلسوف المسيحي غوتفريد فيلهلم فون لايبنتز (1646 - 1716) أكثر ارتباطاً بالفلاسفة الشكوكيين من أي فيلسوف آخر في نهاية القرن السابع عشر.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ

«ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ

تصدر مجلة «ميريت الثقافية» في عددها رقم 60 لشهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري ملفاً خاصاً بعنوان «نجيب محفوظ... التاريخ الأدبي لمصر الحديثة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
ثقافة وفنون خوان غويتيسولو

فلسطين بين الإسباني خوان غويتيسولو والفرنسي جان جينيه

كاتبان ارتبطا بعلاقة حميمية وروحية بالعالم العربي، وبالمغرب تحديداً: الأول هو الفرنسي جان جينيه الذي أوصى بدفنه في مدينة العرائش بالشمال المغربي (توفي في…

حسونة المصباحي

لبوءتا الحِجْر المتواجهتان مشهد فريد في الموقع الأثري الأكثر شهرة

نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
TT

لبوءتا الحِجْر المتواجهتان مشهد فريد في الموقع الأثري الأكثر شهرة

نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية

تحوي جبال مدينة الحِجْر الأثرية عشرات المقابر المنحوتة في الصخر، تمثّل ذروة القيمة الآثارية لمحافظة العُلا. تعود هذه المقابر إلى مملكة العرب الأنباط التي امتدت من جنوب بلاد الشام إلى السواحل الشمالية للبحر الأحمر، وضمّت منطقة الحِجْر في منتصف القرن الأول قبل الميلاد. تتميّز مجموعة من هذه المقابر بواجهاتها المزينة بالنقوش الزخرفية، وتتفرّد إحدى هذه الواجهات بنقش تصويري لا نجد ما يشابهه في هذا الموقع الأثري، يمثّل كما يبدو لبوءتين متواجهتين.

تقع هذه الواجهة إلى الشرق من منطقة الخريمات، على مقربة من قبر كبير يُعرف بقصر البنت، وهي من الواجهات المتواضعة من حيث الحجم والبناء، وتتبع في تكوينها النسق الذي ساد في هذا البقعة من مملكة الأنباط. يحدّها عمودان مجرّدان يعلوهما تاجان بسيطان مسطحان يخلوان من أي زينة. فوق هذين العمودين، تمتدّ عارضة أفقية بارزة تعلوها سلسلة من سبعة مثلثات هرمية مدرّجة. في وسط النصف الأسفل من الواجهة، يستقر باب المقبرة المفتوح وسط عمودين مشابهين أصغر حجماً، وفوق هذين العمودين تمتد عارضة أفقية بسيطة تعلو الباب. تتحوّل هذه العارضة المسطّحة إلى أرض يابسة يسكنها حيوانان من فصيلة السنوريات يصعب تحديد صنفهما بسبب غياب ملامح رأسيهما. وسط هذين الحيوانين، تحلّ أسطوانة وردية من الصنف الذي يُعرف تقليدياً باسم الأسطوانة الأشورية في قاموس علم الآثار، وهي على شكل زهرة الربيع اللؤلوئية، وتتكوّن من ست بتلات موزعة هندسياً حول قرص دائري يشكّل وسط هذه الزهرة.

يظهر الحيوانان في صورة واحدة جامعة. نراهما متواجهين في وضعية جانبية، وهما يديران رأسيهما نحو الخلف، منتصبين بثبات على ثلاثة قوائم، رافعين القائمة الأمامية اليمنى نحو الأعلى. وتلامس هاتان القائمتان المرفوعتان الأسطوانة الوردية، كأنهّما ترفعان بها نحو الأعلى. يبلغ طول هذه الأسطوانة 40 سنتمتراً، وهي من العناصر التشكيلية التي يتكرّر حضورها على واجهات حجرات الحِجْر الجنائزية، وطول كل من الحيوانين معادل له. النسب التشريحية الخاصة بكل من البهيمتين متناسقة وصحيحة، والقالب التصويري تجريدي، ويغلب عليه طابع التحوير الهندسي الاختزالي. يظهر ذيل كل من الحيوانين بشكل لافت يتمثّل في انتصابه عمودياً، والتفاف طرفه بشكل لولبي حلزوني.

يُعيد هذا الذيل اللولبي إلى الذاكرة حضور الأسود المجنّحة التي تزيّن إفريزاً من محفوظات متحف اللوفر الفرنسي، مصدره قصر داريوس الأول في مدينة سوسة الأثرية، على بعد 140 كلم شرق نهر دجلة. شُيّد هذا القصر بين عام 522 وعام 486 قبل المسيح، وتُمثل الأسود المجنّحة التي تزيّن إفريزه شكلاً من أشكال حيوان أسطوري يجمع بين الأسد والنسر، ويُعرف بـ«الغريفين»، وقد تحدث قدماء الإغريق عن هذا الحيوان المهيب الذي امتلك قوة ملك الوحوش وقوة ملك الطيور، ونقلوا روايات تقول إنه كان يبني عشه من الذهب الذي كان يحمله من أعالي قمم الجبال إلى الأرض، كما جعلوا منه حارساً للكنوز والممتلكات التي لا تقدّر بثمن.

تبدو لبوءتا الحِجْر أشبه بحيوانين من الغريفين ظهرا هنا مجرّدين من أجنحتهما، ويبدو حضورهما استثنائياً في هذه البقعة

فنيّاً، ظهر «الغريفين» أوّلاً خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد في بلاد عيلام التي تقع جنوب غرب الهضبة الإيرانية، واتّخذ أشكالاً متعددة في هذا العالم الذي مثّل حضارة ما قبل إيرانية قديمة، توسّعت في الشرق الأدنى القديم، وعُرفت باسم سوزيانا، نسبة إلى عاصمتها سوسة. بعدها، دخل «الغريفين» العالم الإغريقي الواسع، واتخذ صورة حيوان له جسم أسد ورأس وجناحَا نسر، وانتشرت هذه الصورة انتشاراً واسعاً في مجمل الميادين الفنية. في المقابل، برز هذا الحيوان الأسطوري في الإمبراطورية الفرثية التي نشأت في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد في مقاطعة بارثيا، جنوب شرق بحر قزوين في آسيا، وامتدّت في أوجها من الروافد الشمالية للفرات في وسط تركيا، إلى شرق إيران.

تحوّلت صورة «الغريفين» إلى صورة عابرة للثقافات، شرقاً وغرباً، وتكرّر مشهد يجمع حيوانين متواجهين من هذا النوع الغرائبي، يرفع كل منهما إحدى قائمتيه الأماميتين في اتجاه إناء كبير يفصل بينهما. شواهد هذا النموذج لا تُحصى، منها نقش روماني من القرن الأول قبل الميلاد محفوظ في متحف أورانج الأثري في جنوب شرق فرنسا، ونقش فرثي من القرن الثاني للميلاد محفوظ في متحف متروبوليتان في نيويورك، مصدره إيوان مملكة الحضر، في السهل الشمالي الغربي من وادي الرافدين. كذلك تكرّر مشهد «الغريفين» الذي يرفع قائمته الأمامية وهو يدير رأسه إلى الخلف، والشواهد عديدة، منها قطعة ذهبية محفوظة في متحف جامعة شيكاغو تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، تختزل المثال الذي شاع في ظل الإمبراطورية الفارسية الأولى التي عُرفت باسم الإمبراطورية الأخمينية.

في سنة 1909، قاد العالمان الفرنسيان أنطونان جوسين ورفائيل سافينياك حملة استكشاف واسعة في الحِجْر، وتوقّفا أمام واجهة القبر الذي يحرسه حيوانان من فصيلة السنوريات، وبدا لهما أن جسمي هذين الحيوانين يمثّلان جسم لبوءة، أما رأساهما فأميل إلى رأس كلب ضاعت ملامحه. في الواقع، تتشابه هذه الصورة المنقوشة في تأليفها مع الصور التي تجمع بين حيوانين من «الغريفين» يفصل بينهما إناء، وفقاً للنسق الذي يتبناه نقش إيوان الحضر. في نقش الحِجْر، تحل الأسطوانة الوردية الأشورية في الوسط، بدل الإناء الكلاسيكي التقليدي الذي يظهر في وسط نقش الحضر. ويظهر الحيوانان وهما يديران رأسيهما إلى الخلف تبعاً للمثال الذي يختزله متحف جامعة شيكاغو.

في الخلاصة، تبدو لبوءتا الحِجْر أشبه بحيوانين من «الغريفين» ظهرا هنا مجرّدين من أجنحتهما، ويبدو حضورهما استثنائياً في هذه البقعة، وهذا الحضور يجعل زخارف واجهة القبر الذي يحرسانه «تختلف عما هو مألوف في هذا الموقع»، كما تقول البطاقة التعريفية الخاصة بهذا القبر في هذا الموقع الأثري السياحي.


الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

محمود درويش
محمود درويش
TT

الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

محمود درويش
محمود درويش

لطالما كانت العلاقة بين الحب والزمن مثار اهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، وصولاً إلى الكتاب والفنانين الذين رأوا إلى هذه المغامرة من موقع الاختبار الشخصي لا من موقع التنظير المجرد. ولم تكن الأسئلة المطروحة حول تلك العلاقة مقتصرة على ديمومة الحب، والمساحة الزمنية الافتراضية لاشتعاله أو تحلله، أو عند الأعمار الأكثر ملاءمة للوقوع في أتونه، بل توقف الدارسون ملياً عند الإشكالية المتعلقة بفارق العمر بين العاشق والمعشوق، وما إذا كان بوسع الحب أن يردم الفجوة الزمنية الواسعة التي تفصل بين الطرفين.

قد يكون الفيلسوف الروسي فاسيلي روزانوف أحد أكثر الباحثين تفاؤلاً في ما يخص قدرة الحب على هزيمة الزمن، وصهر المتحابين داخل بوتقته الرائعة. فالحب وفق روزانوف تقتله التشابهات وتحييه الفوارق. وإذا كانت قوة الحب كامنة في تباعد طرفيه، بحيث أن تأنث الرجل لا يثير بأي وجه إعجاب المرأة، والعكس صحيح أيضاً، فما الذي يمنعنا أن نتصور الأمر نفسه بالنسبة لأعمار المحبين التي تزداد جاذبيتها كلما تباعدت بينها فجوات الزمن. ويعتقد روزانوف أن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يتفتح خارج كل قيد، «ففيما نكبر نحن البشر ونقترب من اللحد، يكاد حب غريب لم نعهده من قبل أن يتملكنا نحوه»، كما أن حالات الحب على عتبة القبر، هي بالذات دليل سيادة الحياة على الموت، أو كسرٍ لنداء الموت الذي يمض الكائن ويضنيه، بما يمكّن العاشق العجوز من أن يصرخ «أيها الموت، أين إبرتك السامة؟».

غوته

لكن جمالية الاختلاف عند روزانوف لا تسير على خط واحد بل على خطين اثنين، بحيث أن المهد يتوق إلى اللحد بالطريقة ذاتها، «حيث تخترق نجمة الموت ونجمة الولادة، المسافة الفلكية التي تفصلهما، وتندفع كل منهما بشوق بالغ لملاقاة الأخرى». ومع أن الهناءة التي يعيشها العاشق العجوز ذو الوجه المتغضن، والمتأتية عن اتحاده بصورة الجمال الأسمى التي تمثلها حبيبته الشابة، ستكون محل استنكار وسخرية وازدراء من قبل محيطه الاجتماعي، إلا أنه لن يأبه بكل ذلك، معلناً من خلال عشقه المستهجّن انتصاره الأبدي للغد على الأمس وللمستقبل على الماضي.

وكغيره من الشعراء والمبدعين، لم يكن محمود درويش بمنأى عن الشعور المأساوي بتسرب الزمن من بين أصابعه، وهو الذي لم تصرفه التراجيديا الفلسطينية وصقيع المنافي عن التشبث بأهداب العيش، وتصيّد ما أمكنه من طرائد الفرح والمتعة والجمال الكوني. إلا أن تقدم الشاعر في السن ورزوحه تحت وطأة المرض انعكسا في أعماله الأخيرة على شكل رثاء للذات المكتهلة، وشعور ممض باتساع الفجوة بينه وبين الحياة التي تمور، أبعد من ذراعيه، بكل أنواع المباهج والثمار. وهو ما يظهر بشكل واضح في قصيدته «ليتني كنت أصغر» التي تأخذ شكل حوار موارب بينه هو الكهل، وبين الفتاة اليانعة التي رأت فيه فارسها المتخيل، محاولة بذكاء ماكر أن تضيق الفجوة الزمنية الواسعة التي تبعد أحدهما عن الآخر:

قال لها: ليتني كنتُ أصغرَ،

قالت له: سوف أكبر ليلاً

كرائحة الياسمينة في الصيف،

ثم أضافت: وأنت ستصغر حين تنام

فكلّ النيام صغارٌ،

وأما أنا فسأسهر حتى الصباح

ليسودّ ما تحت عينيّ..

خذني لأكبرَ، خذني لتصغرْ

هيغو

وإذا كان الروائيون من جهتهم قد توقفوا ملياً عند موضوع التقدم في السن وعلاقة الحب بالزمن تراجيديا، فإن «الجميلات النائمات» لكاواباتا، هي إحدى أكثر الأعمال الروائية تعبيراً عن فوات الأوان ومأساة التقدم في السن. صحيح أن النساء اليافعات اللواتي يتم تخديرهن في النزل الياباني، يتيح للرجال العجائز فرصة الاستمتاع بالجمال النائم، وتذكّر حيواتهم المنقضية وماضيهم العاطفي الغابر، ولكن وضع الأجساد العارية للفتيات الفاتنات، في مواجهة مباشرة مع العيون الجاحظة للعجائز الممنوعين من لمسهن، يعطي للمفارقة بُعدها المؤلم ويوصل التراجيديا الإنسانية إلى ذروتها.

أما غابرييل غارسيا ماركيز الذي رأى في رواية كاواباتا واحدة من الذرى السردية الإبداعية التي تمنى لو كانت من تأليفه، فهو حين كتب روايته اللاحقة «ذاكرة غانياتي الحزينات»، ناسجاً على منوال كاتبه الأثير لم يستطع تحمل القسوة البالغة للرواية التي افتتن بها، فعمد إلى جعل العلاقة بين بطله التسعيني والفتاة المراهقة التي تصغره بسبعة عقود ونصف العقد، أمراً قابلاً للتحقق وممكن الحدوث. ولعل نزوع ماركيز التفاؤلي وإيمانه المفرط بقوة الحب، هما اللذان دفعاه إلى أن يجعل من روايته تلك نشيداً للتفاؤل ووصفة شافية للتعلق بأهداب الأمل، حتى بالنسبة للمسنين الذين يقفون مرتعدين في مربع حياتهم الأخير. كما بدت «لوليتا» رائعة فلاديمير نابوكوف الروائية تجسيداً حافلاً بالمفارقات للعلاقة الشائكة التي ربطت بين همبرت أستاذ الأدب المهجوس بحب الفتيات الصغيرات، وبين ابنة زوجته دولوريس، التي لم تتجاوز الثانية عشرة من العمر. صحيح أن زوج الأم لم يكن عجوزاً بما فيه الكفاية، ولكنه وهو في منتصف العمر رأى في دولوريس، متجاوزاً إثم سفاح المحارم، فرصته الثمينة لاسترداد شبابه المنصرم وأهليته المتراجعة للإغواء، فيما كانت الفتاة التي أدركت البلوغ باكراً ترى فيه فرصتها المناسبة للعثور على كنف أبوي، كما لتحقيق هويتها الأنثوية. إلا أن المغامرة العاطفية المثخنة بحمّى الشهوات ما لبثت أن أخذت طريقها إلى الخمود، حيث أنهت الفتاة العلاقة «المحرمة»، إثر تعلقها بشخص آخر يناسبها سناً وحيويةً، فيما هبط همبرت حزيناً ومنكسراً، من السماء الباذخة للأحلام إلى أرض الواقع المتواضعة.

ولم تكن الحياة الواقعية للمبدعين لتختلف اختلافاً بيّناً عما أظهروه في أعمالهم الأدبية والفنية من هواجس وإشكاليات. وهو أمر ليس بالمستغرب، ما دام كلٌّ من الأدب والحياة يقلد الآخر ويعكسه على طريقته. اللافت هنا أن المبدعين العشاق لم يكتفوا باعتماد الأدب والفن وسيلةً ناجعةً لتحقيق حلمهم بالخلود، بل رأوا في امتلاك الجسد الغض، ما يصلهم بحيواتهم المنصرمة، وبماهيهم مع «صورة الفنان في شبابه»، على حد تعبير جيمس جويس.

 

هناك عشرات الشواهد على شغف الكتاب والفنانين المسنين بالشركاء الأصغر سناً مستفيدين من عقد النقص العاطفية التي يتركها غياب الأب أو الأم في نفوس الشركاء

 

ويكفي أن نعود قليلاً إلى سيَر الكتاب والفنانين، لكي نعثر على عشرات الشواهد التي تقودنا إلى شغف المسنين منهم بالشركاء الأصغر سناً، مستفيدين من عقد النقص العاطفية التي يتركها غياب الأب أو الأم في نفوس هؤلاء الشركاء، ومن البريق الذي تشيعه العبقرية في نفوسهم الباحثة عن مثال أعلى. فالكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هيغو الذي عرف عنه ولعه بالنساء الذكيات والمثيرات، لم يجد حرجاً في إغواء ابنة الكاتب تيوفيل غوتييه التي لم تتجاوز الثانية والعشرين من العمر والدخول معها في مغامرة عاطفية لم تعمر طويلاً. وحين دخل عليه حفيده بشكل مفاجئ وهو يعانق في الثمانين غاسلة ثيابه الشابة، خاطب الفتى المذهول بالقول «انظر يا جورج الصغير، هذا ما يدعونه العبقرية».

ورغم أن ما أنجزه غوته من أعمال ومؤلفات كان كافياً لوضعه في أعلى درجات الشهرة والمجد، فقد بدا لقاؤه، وهو في الثالثة والسبعين، بالمراهقة الحسناء أولريكه فون ليفتسو، بمثابة زلزال عنيف خلخل بالكامل ركائز حياته الجسدية والروحية. ومع أن ابنة الثمانية عشر عاماً بادلت شاعر ألمانيا الأكبر المشاعر نفسها في بداية الأمر، إلا أنها ما لبثت أن تخلت عن عاشقها العجوز، لتدخل في مغامرة عاصفة مع دون جوان أوروبا الشاب جوان دو رور.

جورج ساند

ولم يقتصر الافتتان بالجسد الفتي على الرجال وحدهم، بل قدم لنا التاريخ شواهد كثيرة تدل بالمقابل على وقوع المبدعات المسنات، في شرك هذا الافتتان. فبعد أن خاضت الكاتبة البريطانية جورج ساند علاقات متعددة مع رجال مختلفي المشارب، بينهم الشاعر الرومانسي ألفرد دي موسيه والرسام فريدريك شوبان، دخلت وهي في الستين من عمرها، في علاقة مشبوبة مع الرسام شارل مارشال الذي كانت تدعوه «طفلي البدين»، والذي كان في أواخر ثلاثيناته. كما ارتبطت الممثلة الأميركية سارة برنار مع الشاب الهولندي ليو تيليغين، الذي كان يصغرها بخمسة وثلاثين عاماً. ومع ذلك فقد عدَّ بعد أربع سنوات من العلاقة، بأن الفترة التي قضاها إلى جانب برنار كانت الأروع والأعظم في حياته.

وأياً تكن قدرة الحب على ردم الهوة الزمنية الفاصلة بين العاشقين، فإن ثمة طرفاً يحاول ما أمكنه، الخروج من جلده المتغضن ليقتات من نضارة الآخر ويناعته ودمه الطازج، فيما يقدم الآخر نفسه كأضحية خالصة على مذبح التعلق بصورة الأب البديل أو الأم المعشوقة. وهو ما يعكسه قول الشاعر الفرنسي بول إيلوار مخاطباً الفتاة الشابة التي أحبها في كهولته بالقول «لقد وقفتِ حائلاً بيني وبين الموت، ولكنني بالمقابل وقفت بينك وبين الحياة».


سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» للروائي خضير فليح الزيدي، الصادرة هذا العام، تقوم على افتراضات تخييلية متطرفة، ينهض فيها الموتى من قبورهم، في مقدمتهم الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي يستحضره المؤلف ليلتقي بأبطال رواياته الذين طلبوا منه الحضور لتصحيح أوضاعهم الحياتية، بعد أن خرجوا من عالم الورق الافتراضي إلى العالم الواقعي، وهو مشهد يذكرنا بمسرحية الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو الموسومة بـ«ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، إذْ وجدنا شخصيات رواياته يطالبونه بتصحيح أوضاعهم، منهم كريم الذي خاطب غائب بغضب: «لقد أجرمت بحقي أيها المؤلف حين تركتني في صفائح بغداد دائخاً ومرعوباً وهربت... وجعلت آمنة تفر من شباكي وتتركني وحيداً وتائهاً هنا» (ص 29).

لكن المؤلف يعيد ثانية شخصيات «غائب» من العالم الواقعي، الأرضي الذي تسللت إليه، إلى الفضاء السردي الورقي بتعبير رولان بارت عندما يعلن «هاني بارت» للمحقق أنه كاتب، وأن «كل هؤلاء شخصيات في روايتي الجديدة بما فيهم أنت، والعون الذي سيطرق الباب بعد لحظات، رفقة محامٍ يحمل لك وثيقة عن حقيقة هويتي» (199).

وبذا فقد أعاد المؤلف الشخصيات الروائية إلى سياقها الفانتازي، وأخرجها نهائياً من العالم الواقعي. فكل شيء، وكل الشخصيات، هي مجرد كائنات ورقية كما يقول الناقد الفرنسي رولان بارت. وبذا أكدت الرواية كونها فانتازيا تخييلية تتوسل بلعبة التغريب في المسرح الملحمي البريختي لكسر حالة الإيهام والتماهي مع الفعل الدرامي، وإشعار المتلقي أن ما يتلقاه مجرد تمثيل ليس إلا، وتحريضه على التفكير المتسائل حول ما تلقاه من مشاهد وأفعال.

ويستهل الروائي روايته بإعلان علق على حائط المسجد بلافتة سوداء عن إقامة مجلس فاتحة على روح المرحوم غائب طعمة فرمان، لكن الروائي سرعان ما يتدخل، مستدركاً: «والحق أنه لا يوجد فقيد، ولا وفاة مسجلة رسمياً، ولا هم يحزنون. فقد أشبع المؤلف موتاً» (ص 9).

وبذا يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضر جميع أبطال رواياته، في مقدمتهم سليمة الخبازة ومصطفى الدلال وأسومة العرجة وحمادي العربنجي وخاجيك ودبش والسيد معروف وغيرهم، فضلاً عن ذلك فقد انتشرت إشاعات عن حضور كبير تجار الشورجة السيد المرحوم عبد الرزاق البيرقدار، والد دلال، إلى مجلس العزاء.

ويمهد الروائي تدريجياً لظهور شخصيات الرواية الرئيسية عندما ينقل محامي عائلة البيرقدار السيد جبر الشوك مضمون هذه الإشاعات إلى «دلال» الابنة الصغرى للمرحوم عبد الرزاق البيرقدار، لتشهد بنفسها عودة الغائب إلى بغداد (ص 12). ويعترف غائب للسائق الذي أقله من المطار إلى فندق بغداد بأن سليمة الخبازة ضحيته، وأنه جاء لتغيير مصيرها (ص 38).

هذه المقدمات التي قدمها المؤلف كانت هي المدخل لحبكة الرواية المركزية والمتمثلة في العلاقة الثنائية بين «دلال» ابنة البيرقدار الصغرى، وكاتب شاب يدعى «هاني بارت»، وهو أحد الأدباء المنضمين إلى جمعية أدبية هدفها تفجير اللغة وتحديثها. وتهدف هذه العلاقة إلى البحث عن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي دارت الإشاعات حول وجوده حياً في بغداد، ورغبة دلال في أن تسلمه أمانة، هي عبارة عن مخطوطة سبق للروائي الراحل أن كتبها لكنه لم ينجزها وتركها في مكتبه في معمل القطن الذي يملكه والدها المرحوم عبد الرزاق البيرقدار.

وبعد جولات ماراثونية في شوارع بغداد ومحلاتها الشعبية، في مقدمتها محلة المربعة في شارع الرشيد، التي كان يقيم الأديب الراحل فيها أثناء إقامته في العراق، تقتنع «دلال» بلا جدوى البحث عن غائب طعمة فرمان، جسداً، وتوافق على تسليم المخطوطة للأديب الشاب «هاني بارت» ليقوم بتحريرها لغرض نشرها باسم الروائي الراحل وفاءً لذكرى الأديب الراحل الذي تعدّه «دلال» بمثابة عمها. ونكتشف بعد إنجاز مهمة التحرير وإعادة الكتابة، أن المخطوطة هي رواية «بنات غائب طعمة فرمان» بالذات، وأن المحرر (هاني بارت) هو القناع الذي ارتداه المؤلف خضير الزيدي.

ومما يربك القارئ معرفة أن «دلال» الفتاة الجميلة (قمر الرصافة) كانت تخطط للتخلص من شقيقتها الكبرى تماضر: «.. أما هي، فكان كل همّها ألا تفشل الخطة التي وضعتها لتوريط أختها في جريمة القتل والاستحواذ على إرث البيرقدار» (ص 194).

ففي هذا الاتهام تنهار صورة البراءة والجمال والنبل التي رسمها المؤلف لبطلة الرواية (دلال) لأنها تفتقد إلى التبرير، كما تفتقد إلى مقدمات سردية تدعم هذا التخطيط الشيطاني. ومن اللافت للنظر أن محرر الرواية (هاني بارت) وجه مثل هذا الاتهام إلى «دلال» أثناء التحقيق:

«– دلال فاتنة استخدمتني لتورط أختها.

- فيم تورطها؟

- في قتل زوجها ابن الأغا.. لتستأثر بالإرث لنفسها» (ص 198).

وكان من الأفضل حذف هذا الاتهام غير المدروس لإبقاء صورة «دلال» على ما هي عليه.

ويبلغ المنحى الميتا سردي ذروته في نهاية الرواية، عندما يعلن المحرر (هاني بارت) أنه كاتب، وأن جميع هذه الشخصيات موجودة في روايته الجديدة، وبذا أعاد الروائي شخصيات الرواية من العالم الواقعي الذي انسلت إليه إلى العالم الورقي للسرد، في تأكيد آخر على أن كل الأحداث تخيلية ولا علاقة لها بالواقع، وهو ما دفع بالمحقق لأن يعدَّ ذلك جنوناً لا معنى له.

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» لعبة سردية ماكرة، فيها الكثير من المستويات السردية وتنفتح على تأويلات لا نهائية. فثمة إشارة إلى أن غائب طعمة فرمان أثناء عودته عام 2006 وهو عام الصراع الطائفي، قد حلُمَ بعودته إلى حي المربعة: «ظل الغائب حتى عام 2006 يغط في نومته الطويلة، فطار به الحلم، ونقله أولاً إلى حي المربعة في وسط رصافة بغداد» (ص 67).

وهذا الحلم، يكشف عن فانتازية السرد الروائي، ولا واقعيته.

يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضرت جميع أبطال رواياته

ومن الجانب الآخر تنطوي الرواية على ملامح سيرة (Biography) كتبها المؤلف خضير فليح الزيدي عن شخصية الروائي الراحل، كما تكشف الرواية عن ملامح سيرة ذاتية (Autobiography) لشخصيته يرويها الروائي غائب عن نفسه، وعن عائلة البيرقدار، وأبطال رواياته، وهي سيرة افتراضية يتداخل فيها الواقعي بالفانتازي. كما يمكن أن نتحدث عن سيرة مكان بغدادي شعبي معروف هو محلة المربعة المطلة على شارع الرشيد ببغداد.

وبذا يحق لنا أن نتحدث عن تشكل هوية سردية (Narrative Identity) بمصطلحات بول ريكور لمحلة المربعة، فضلاً عن تشكل هوية سردية افتراضية للروائي الراحل غائب طعمة فرمان. والرواية تنطوي أيضاً على كتابة سيرة لعائلة التاجر البغدادي الثري عبد الرزاق البيرقدار وبناته الثلاث، واللواتي عدّهن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان بمثابة بناته أيضاً. وتنطوي الرواية من جانب آخر على ملامح ميتا سردية تتمثل في وجود المخطوطة الناقصة التي تركها الراحل غائب طعمة فرمان، ومشروع تحرير المخطوطة من قبل الأديب الشاب هاني بارت، فضلاً عن مطالبة شخصيات الروايات المؤلف بتصحيح أوضاعهن.

تضم رواية «بنات غائب طعمة فرمان» 26 فصلاً معنوناً. ومعظم عناوين الفصول مرتبطة بحالة الطقس وتغيراته، وهي بمثابة عتبات نصية يفترض في كونها دالة على الأحداث اللاحقة لكل فصل من فصول الرواية.

إذْ نقرأ بعض هذه العناوين: «رياح نشطة مصحوبة بزوابع نفسية» (ص 13) و«غبار يتصاعد» (ص 27) و«سماء ملبدة بالغبار» (ص 33 ) و«أجواء بغدادية غير مستقرة» (ص41) و«كتلة هوائية معتدلة» (ص 53).

ولم أجد، على مستوى القراءة والتأويل، مبرراً قوياً يدعم هذا الاختيار لعناوين الفصول، كما أن أغلبها لا علاقة له بمجريات أحداث الفصول، لكننا يمكن أن نتقبلها بوصفها لعبة سردية طريفة تسحب السرد الروائي إلى فضاء السرد البيئي. رواية «بنات غائب طعمة فرمان» تمثل نقلة روائية مهمة في تجربة الروائي خضير فليح الزيدي الغزيرة، ربما تفتح الطريق مستقبلاً أمام هذا اللون من الحبكات لإعادة صياغة سيرة حياة شخصيات ثقافية وسياسية ذات طابع تاريخي تركت أثراً واضحاً في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي.


أثر الصداقة في تخفيف الخلاف الفكري

لايبنتز
لايبنتز
TT

أثر الصداقة في تخفيف الخلاف الفكري

لايبنتز
لايبنتز

كان الفيلسوف المسيحي غوتفريد فيلهلم فون لايبنتز (1646 - 1716) أكثر ارتباطاً بالفلاسفة الشكوكيين من أي فيلسوف آخر في نهاية القرن السابع عشر. ربطته علاقة شخصية بالثلاثة البارزين في ذلك الوقت؛ الأب سيمون فوشيه، والأسقف بيير دانييل هوييه، وبيير بايل. وككل الفلاسفة منذ أيام سقراط وأفلاطون، نشر كثيراً من كتبه المشهورة بوصفها إجابات عن أسئلة هؤلاء الشكوكيين أو للتعامل مع المشكلات التي أثاروها. وربما أشهر بيان عرض فيه لايبنتز آراءه الميتافيزيقية هي رسالة أرسلها في 1695 إلى فوشيه سماها «النظام الجديد».

لا شك أبداً في أن لايبنتز لم يكن شكوكياً، ومع ذلك فقد عدّه المشككون في عصره صديقاً أقرب من كل الميتافيزيقيين في تلك الفترة. وبينما هاجم فوشيه وهوييه وبايل الديكارتية وآراء مالبرانش وسبينوزا ولوك، فإنهم تعاملوا مع ميتافيزيقا لايبنتز بدرجة من الاحترام وضبط النفس لم تحدث قط في تعامل الشكوكيين مع رؤى الفلاسفة الدوغمائيين، وربما يرجع هذا إلى أسلوبه الدبلوماسي، وهو الدبلوماسي الكبير، في التعامل مع الناس، ومعهم خصوصاً.

ديكارت

وفي حين تعاهد آرنولد ومالبرانش وبيركلي على محاولة تدمير خطر الشكوكيين الذي يطارد الفلسفة الأوروبية، كان لايبنتز شديد الهدوء في معالجته التحديات التي تواجه العقلانية. وفي حين كان كثيرون لا يرون في حجج الشكوكيين سوى أنها خطرة للغاية، أو أنها ستقلب كل اليقين في المعرفة الطبيعية والموحى بها، وأنهم لم يستطيعوا رؤية الشكوكيين إلا بوصفهم شخصيات شيطانية عازمة على تدمير كل الثقة في النظرية المسيحية، وجد لايبنتز قيمة كبيرة وإلهاماً نافعاً في شكوك أصدقائه، وكان يرى فيهم أفضل نقاد فلسفته، وأن شكوكهم لن تتسبب في تدمير العالم العقلاني والديني، بل يمكن أن تؤدي إلى اكتشاف أعمق المبادئ الأساسية للفلسفة والدين.

في ذلك الزمن، تعرض الشكوكيون للهجوم من جميع الأطراف، بوصفهم شياطين لا يستحقون المناصب التي شغلوها، واضطهد الكالفينيون الفرنسيون بايل في هولندا، وحاول المتعصبون مثل آرنولد فضح ما عدّوه الخطر الخبيث في دعاوى هوييه. في مقابل هذا، كان لايبنتز يعاملهم كأعز أصدقائه، وعندما أدان قاضي روتردام بايل وعزله من منصبه، سعى لايبنتز إلى إيجاد وظيفة جديدة له في ألمانيا.

تعرَّف لايبنتز على مشكلات الشكوكية مبكراً، فقد كتب أحد أساتذته ونشر بحثاً يرد به على فرنشيسكو سانشيز، كما أنه نشر هجوم سانشيز الشكوكي على الرياضيات. ويبدو أن لايبنتز قد أخذ بعض هذه النقاط الشكوكية على محمل الجد واستمر في مناقشتها مع علماء الرياضيات طوال حياته. وقد انغمس حقاً في عالم الشكوكيين عندما ذهب إلى باريس في مهمة دبلوماسية ابتداء من عام 1672.

لم تثر صداقة لايبنتز مع هوييه أي جدل، فكل واحد منهما كان يكنّ احتراماً كبيراً للآخر، ويفرح بموافقة الآخر له على آرائه. يبدو أن لايبنتز قد عدّ هوييه رجلاً يتمتع بسعة الاطلاع الهائلة في المسائل المتعلقة بتاريخ الدين. كما أنه يثمن بشدة نقد صديقه للديكارتية، ولذا دعمه بأدلة جديدة لاستخدامها في طبعة جديدة من كتابه «الرقابة على الديكارتية»، فقد كان ينظر لمناوشاته مع الديكارتية بوصفها عملاً مكملاً لجهد هوييه. ثم عاد ونشر بصورة مستقلة في تسعينات القرن السابع عشر بعضاً من هجماته على فلسفة ديكارت بناءً على اقتراح هوييه وتشجيعه. وبعد أن تقاعد هوييه وطواه النسيان وأهمل ذكره بقي لايبنتز يتذكره ويجلّه.

بيير بايل

ومع كل هذا، كان بايل هو المؤثر الأعمق في لايبنتز، ومعه تبادل الأفكار الأكثر حيوية وأهمية عبر الرسائل، مع أن هناك شكاً كبيراً في أنهما قد التقيا فعلاً. ويبدو أن أول اتصال بينهما كان عام 1687، عندما أرسل إلى بايل رسالة حول كتاب للأخير كان بعنوان «أخبار جمهورية الرسائل» ويظهر من المراسلات أن لايبنتز كان حريصاً على أن يسمع من بايل رأيه في مشاكساته ضد الديكارتية، بغرض تطويرها.

مع صدور قاموس بايل بدأت مرحلة جديدة في علاقة الرجلين، فبعد سنوات من محاولة إقناع فلاسفة من مثل مالبرانش ولوك بالنظر في فلسفته الجديدة، وجد لايبنتز الاعتراف والتأييد من قبل بايل الذي عدّه واحداً من أبرز العلماء الميتافيزيقيين في ذلك العصر. وفي مقالة بايل عن أرواح الحيوانات كتب يقول: «ثمة صعوبات تنطوي عليها فرضية لايبنتز، إلا إنها تشير إلى مدى عمق عبقريته». لم يمنعه التقدير من انتقاد نظرية لايبنتز، كما أعلن أنه لم يكن جاهزاً بعد لتفضيل نظرية لايبنتز على نظرية مالبرانش؛ لأنه كان يريد أن ينتظر حتى يُحكِم لايبنتز عمله. فكتب لايبنتز ليجيب عن النقاط التي انتقده بايل بسببها، ثم جلس ينتظر الرد بفارغ الصبر، وكان بايل سعيداً بأن اعتراضاته قد دفعت لايبنتز إلى تطوير آرائه، وكتب معلقاً: «أنا الآن أعتبر هذه النظرية الجديدة فتحاً مهماً سيكون من شأنه توسيع حدود الفلسفة». هذا تعليق مهم يدل على وعي هؤلاء العظماء بدور الشكوك في تطور المعرفة.

كان بايل هو المؤثر الأعمق في لايبنتز ومعه تبادلَ الأفكار الأكثر حيوية وأهمية عبر الرسائل... مع أن هناك شكاً كبيراً في أنهما قد التقيا فعلاً

إنه لأمر يثير الدهشة حقاً حين ننظر في المناقشات بين لايبنتز والشكوكيين فنجد الحوار الراقي السلمي، بعكس النقاشات الحادة المختلفة بين رجال الدين وفلاسفة القرن السابع عشر، مثل تلك التي جرت بين ديكارت وغاسندي، أو مالبرانش وآرنولد. لقد بذل لايبنتز وأصدقاؤه الشكوكيون قصارى جهدهم ليكونوا لطفاء، بعضهم مع بعض، وليقدموا صورة مشرفة للحوار الحضاري الخالي تماماً من التجريح، حتى في المراسلات الثنائية. يصعب أن نتصور أن مثل هذين؛ السلام والهدوء، ومثل هذا الإعجاب المتبادل والنيات الحسنة، يمكن أن توجد في ذلك العصر، والفضل في ذلك، فيما يظهر، يعود إلى لايبنتز ونفوره من الصدام.

* كاتب سعودي


«ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ

«ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ
TT

«ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ

«ميريت الثقافية»... ملف خاص عن نجيب محفوظ

تصدر مجلة «ميريت الثقافية» في عددها رقم 60 لشهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري ملفاً خاصاً بعنوان «نجيب محفوظ... التاريخ الأدبي لمصر الحديثة»، وذلك بمناسبة الذكرى رقم 112 لميلاد عميد الرواية العربية الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1988. وتضمن الملف 8 مقالات: وحدة المصير الإنساني بين الانتهازية والقوادة... نجيب محفوظ مفكراً اجتماعيّاً للدكتور أشرف الصباغ. نجيب محفوظ... عمدة الرواية العربية وقمتها الشامخة للدكتور محمد عبيد الله (من الأردن). الحارة وزمكان الأسطورة في «أولاد حارتنا» للدكتورة نجاة علي. نجيب محفوظ: سوسيولوجيا الأزقة والحارات. «زقاق المدق» أنموذجاً للدكتور شعيب خلف. نجيب محفوظ وصراع التأويلات. «أولاد حارتنا» نموذجاً بقلم محمد بهضوض (من المغرب). «نجيب محفوظ»: صوفي يهتم بمصير الإنسان على الأرض لا في السماء، بقلم عصام الزهيري. صورة المرأة في أدب نجيب محفوظ للدكتور محمد سيد إسماعيل الشريف. ونجيب محفوظ: نظرة استذكارية بقلم الباحث الإنجليزي الدكتور روجر آلن.

وتضمن ملف «رؤى نقدية» 6 مقالات: «مقدمة في نظرية السرد المعاصر» للدكتور محمد زيدان، و«تشفير الكتابة عند عبد العزيز دياب» قراءة في «شفرة اختطاف بطوط» للدكتور كارم عزيز، و«حاتم رضوان... عندما تضيء الرتينة القديمة حياة البشر!» للدكتورة زينب العسال، و«الشجرة الأسطورة ورحلة الوطن» للدكتور شهير دكروري، و«جماليات قصيدة الومضة في الصوت النسائي»... «للبحر نوافذ» أنموذجاً، للدكتور أحمد زياد محبك (من سوريا). و«بين العربية واليونانية... دراسة في الألفاظ الدخيلة» للباحثة هازار الدبايبة (من الأردن).

وفي ملفي «الشعر والقصة» 18 قصيدة لشعراء من مصر وليبيا وتونس وسوريا والمغرب والعراق والسودان... و11 قصة لكتّاب من مصر وفلسطين وسوريا واليمن والعراق.

وخصص باب «نون النسوة» لمناقشة إشكالية «المرأة والزواج في العقيدة المسيحية»، وتضمن 3 مقالات: «شريعة الزوجة الواحدة وتأثيرهَا على الأسرة المسيحية» للدكتور ماجد عزت إسرائيل، و«المرأة الفلسطينية المسيحية بين الكنيسة والدولة اليهودية» لكارين كارميت يفيت وعيدو شاهار، ترجمه جرجس يوسف، و«الوضع الاجتماعي للمرأة المسيحية في المجتمع الشرقي» للدكتور حمادة جمال ناجي.

وفي باب «تجديد الخطاب» ثلاثة مقالات: «بواطن عجز المنظومة الفقهية» لجمال عمر، و«رحلات الحج الهندية... سماتها وانعكاساتها على مسلمي شبه القارة الهندية» للدكتور عزيز بعزي (من المغرب)، و«الصحافة وقضايا المجتمع المصري... مجلة الهلال نموذجاً» للدكتورة نسمة سيف.

أما باب «حول العالم» فتضمن 4 ترجمات، إذ ترجم طارق فراج مقالاً بعنوان «اللغة كنظام للاتصال: وجهة نظر معرفية لتطور اللغة» لآن سي. ريبول، وهي باحثة فرنسية. وترجمت دينا نبيل مقالاً بعنوان «قوى الزمان والمكان وتشكيل الهوية العرقية... رواية ابنة مجبر العظام أنموذجاً» كتبته إيمي تان، وهي كاتبة صينية أميركية. ونشرت رولا عبيد (من سوريا) ترجمة لقصة «الجردل والحبل» للكاتب الإنجليزي «ت.ف.بويس». وشاركت د. ماجدة إبراهيم بترجمة قصة شعبية من زيمبابوي لجون ستبتووي.

وفي باب «ثقافات وفنون» حوار أجراه الدكتور مولاي أحمد صابر (من المغرب) مع الدكتورة ميادة كيالي (من سوريا)، وناقش ملف «سينما» الجدل حول الكوميديانات الجدد في عصر الذكاء الاصطناعي!. وفي ملف «فنون» مقال عبد الباسط قندوزي (من تونس) بعنوان «هجرة وردية لطائر الفلامينغو» قراءة في تجربة الفنانة فاطمة دمق. وفي «كتب» مقال ميلود المطك (من المغرب) بعنوان «قصة الصمت» لأحمد بوزفور... دراسة بنيوية.

وكانت لوحة الغلاف بورتريه نجيب محفوظ للفنان التشكيلي المصري وجيه يسى، أما الرسوم المصاحبة لمواد باب «إبداع ومبدعون» فللفنان السوداني صلاح المر، والرسوم المصاحبة لمواد باب «نون النسوة» للفنان السوري أحمد كليج، والصور الفوتوغرافية في مداخل الأبواب والغلاف الثاني للفنان محمد الكاشف.

وتتكون هيئة تحرير مجلة «ميريت الثقافية» من المدير العام الناشر محمد هاشم، ورئيس التحرير الشاعر سمير درويش، ونائب رئيس التحرير عادل سميح، ومديرة التحرير سارة الإسكافي، والمنفذ الفني إسلام يونس، وكان الماكيت الرئيسي إهداءً من الفنان أحمد اللباد.


صواعق نيتشه وعمايات المثقفين الفرنسيين

جاك بوفريس
جاك بوفريس
TT

صواعق نيتشه وعمايات المثقفين الفرنسيين

جاك بوفريس
جاك بوفريس

بداية دعونا نطرح السؤال التالي: كيف حوّل المثقفون الفرنسيون من أمثال فوكو وديلوز ودريدا، نيتشه، إلى مفكر يساري تقدمي؟ هذا ما يكاد يجنن جاك بوفريس ويطير عقله. ومعه الحق. نيتشه يعلن نهاراً جهاراً على المكشوف أنه ضد قيم الحداثة: كالديمقراطية، والاشتراكية، والتقدم الاجتماعي، والمساواة بين البشر، بما في ذلك المساواة بين الرجل والمرأة. وكان مضاداً لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية 1789، والذي يعد مفخرة فرنسا عالمياً حتى الآن. لهذا السبب كان حاقداً على جان جاك روسو الذي كانت كتاباته تعد بمثابة إنجيل الثورة الفرنسية. نيتشه كان مفكراً رجعياً حقيقياً. كان مدافعاً عن النزعة الأرستقراطية الراديكالية التي لا تعترف بمبدأ المساواة بين البشر؛ هذا المبدأ الغالي على قلب جان جاك روسو ومعظم فلاسفة الأنوار. ما هي العقيدة السياسية لفريدريك نيتشه؟ إنها تتمثل فيما يلي: هناك النخبة الأرستقراطية من الرجال.

الاستثنائيون الموجودون على رأس المجتمع أو الهرم الاجتماعي، وهناك جماهير الشعب الموجودة في أسفل الهرم. وهذا هو النظام الطبيعي الذي ينبغي أن يسود ولا اعتراض عليه أبدأ. ومهمة الجماهير هو الكدح والتعب والشغل والطاعة الكاملة العمياء للنخب المثقفة. ينبغي أن تخدم هذه الجماهير الغفيرة النخبة الأرستقراطية لكي تستطيع التفرغ للقيادة والحرية والخلق والإبداع. هذا هو نيتشه الحقيقي.

النقطة الوحيدة التي تحسب له هو أنه كان أكبر مفكك للأصولية المسيحية والظلامية الدينية. هنا تكمن عبقريته. وكان أكبر محطم للأصنام والمعبودات والشخصيات التي نعتقد أنها مثالية قداسية في حين أنها كانت بشرية عادية بل وأكثر من عادية. انظر لتكالب بعض رجال الدين على الأموال والأرزاق والوجاهات في كلتا الجهتين الإسلامية كما المسيحية... ولكن العامة يتعلقون بهم ويقبلون يدهم ويقدسونهم تقديساً. انظر لقصص بعض البابوات الفاسدين المنحلين في القرون السابقة كالبابا ألكسندر بورجيا الذي كان أبعد ما يكون عن المبادئ الدينية والفضائل الإنجيلية. وقد اشترى بابويته بالفلوس التي انهمرت مدراراً على الكرادلة لكي ينتخبوه. وخلف وراءه عشرة أولاد وثلاث بنات من عشيقات مختلفات. وقد عيّنهم في مناصب عليا في المجتمع الإيطالي بعد انتخابه. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن البابا يوليوس الثاني الذي خلفه عام 1503 فقد كان مستبداً دموياً مولعاً بشن الحروب. لقد خان المبادئ الإنجيلية كلياً، ومع ذلك فقد ظلت عامة المتدينين تقدسه كالصنم المعبود. وقل الأمر ذاته عن بعض الدعاة الكبار الذين أصبحوا أغنياء جداً عندنا، بل ومليونيريين بفضل المتاجرة بالدين. لا داعي لذكر الأسماء... نعم لقد ساعدنا نيتشه بمطرقته الفلسفية على التحرر من هيبة شيوخ التزمت والتقعر والإكراه في الدين. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. يدعونك إلى الزهد في الحياة الدنيا وعينهم على الشهوات والملذات والأموال التي يتكالبون عليها تكالباً. كل هذا كشف القناع عنه فيلسوف الألمان وحررنا منه. من هذه الناحية كان تنويرياً كبيراً. لتسقط الأصنام والأوثان التراثية إذن ولنتحرر منها كلياً ولنتنفس الصعداء لأول مرة في حياتنا. لنتجرأ على أن نفكر بأنفسنا دون أي وصاية لاهوتية أو كهنوتية فوق رؤوسنا. هذه هي وصية كانط لنا. هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفة التنوير. فالله زودنا بعقول لكي نشغلها لا لكي نلغيها أمام شيوخ الفضائيات وجماعات الإسلام السياسي الذين يعرفون كيف يستغلون الدين وهيبته وقداسته. إنهم بارعون في ذلك إلى أقصى حد ممكن. ولكن لعبتهم انكشفت بعد سقوط ما يدعى «الربيع العربي». لكأن الربيع يمكن أن يكون أصولياً ظلامياً. الربيع سيكون تنويرياً، أو أنه لن يكون!

أنا مدين لنيتشه بأشياء عبقرية كثيرة. يضاف إلى ذلك أن أسلوبه في الكتابة بركاني، عبقري، متفجر، لا يضاهى. أنا أدوخ، أخرج عن طوري عندما أقرأ نيتشه. أكاد أقوم وأقعد. لا أستطيع أن أبقى هادئاً. حقا إن من البيان لسحراً. وربما كان أكبر كاتب في اللغة الألمانية. ولكني لا أستطيع الاتفاق معه على هذه النزعة النخبوية والاستعلائية الكاسحة. لا أستطيع القبول بإدانته للحداثة ومنجزات الحداثة جملةً وتفصيلاً. هنا أقول له ستوب، قف: خط أحمر! فقد رفض رفضاً قاطعاً المثل العليا للحداثة كحقوق الإنسان والمساواة بين البشر وحق التصويت العام للشعب، ومشروع المدرسة للجميع، والسعادة والرفاهية للجميع، إلخ. ورفض كل السياسات التضامنية مع الفقراء والمنبوذين والمستضعفين. ووصل به الأمر إلى حد القول: ينبغي أن نحمي الأقوياء من الضعفاء وليس العكس. وعلى هذا المنوال يمكن أن نقول: ينبغي أن نحمي الأغنياء من الفقراء الذين يحسدونهم ويكادون ينهشونهم نهشاً. لماذا لا نصرخ: يا إلهي ما أجمل الأغنياء وما أبشع الفقراء؟ عيب! ثم صعد نيتشه من لهجته إلى حد القول: «لينقرض الضعفاء والفاشلون! هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفتنا الإنسانية المحبة للبشر! بل وينبغي أن نساعدهم على هذا الانقراض»... وهذا يشبه ما فعله النازيون عندما قضوا على المرضى والمقعدين والمعاقين، وعدّوهم عالة على المجتمع. ثم يضيف: «ما هي أسوأ النقائص أياً تكون؟ الشفقة على الفاشلين والضعفاء: عنيت المسيحية». ويحك! هكذا نلاحظ أن أفضل ما جاءت به المسيحية كدين محبة وشفقة ورحمة يدينه ويعده نقيصة. هنا تكمن خطورة نيتشه. إننا نفهم هجومه على الأصولية المسيحية التي كانت لا تزال قوية في عصره وقادرة على الضرب والقمع، والإكراه والقسر. وذلك على عكس ما هي عليه الآن، حيث لم يعد لها وجود في أوروبا، وحيث أصبحت هي الخائفة لا المخيفة. ولكننا لا نفهم أن يدين أفضل ما جاءت به المسيحية وكذلك الإسلام: أي الشفقة والرحمة على الضعفاء والفقراء واليتامى والمحتاجين وابن السبيل... هنا لا نستطيع أن نمشي معه خطوة واحدة إلى الأمام. هنا نفضل أن نكون مع مفكر عملاق آخر هو جان جاك روسو الذي كان يذوب ذوباناً في أحضان الشعب الطيب الفقير الذي يكدح كل نهاره لتأمين لقمة العيش له ولأطفاله.

ليس غريباً إذن أن تكون النازية قد وجدت ضالتها فيه واتخذته هادياً مرشداً لها ولآيديولوجيتها. ليس غريباً أن يكون النازيون قد رأوا في نيتشه «أيقونة العهد الجديد» الذي أرادوا إقامته وترسيخه في ألمانيا. ليس غريباً أن يكونوا قد اتخذوه قدوةً ومثالاً لكي يحتموا في ظله ويضربوا بسيفه. نقول ذلك وبخاصة أن شهرته كانت قد أصبحت أسطورية. لقد اندلعت بعد موته كالرعد القاصف واكتسحت السماء المكفهرة للبشرية الأوروبية. كانت كتبه خصوصاً «هكذا تكلم زرادشت» تباع بالملايين. لقد أصبح الإنجيل الخامس كما توقع هو شخصياً. وكانت شبيبة ألمانيا تعبده عبادة في حين أنه لم يلق في حياته أي اهتمام ولم يبع من كتبه أكثر من عشر نسخ! من يصدق ذلك؟ كل هذا النجاح الباهر حصل بعد موته عام 1900 بالضبط. ولهذا السبب قال عبارته الشهيرة: «هناك أشخاص يولدون بعد موتهم». كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها. وهذا السطو من قبل هتلر على نيتشه وفكره ما كان لينجح تماماً لولا تعاون أخته إليزابيث التي كانت عضواً في الحزب النازي منذ عام 1930. ومعلوم أن هتلر زار متحف نيتشه الذي يضم أرشيفاته ومحفوظاته في مدينة فايمار عام 1933: أي بعد توليه السلطة مباشرة تقريباً. وهناك انحنى أمام أخته إليزابيث كما تشهد الصورة على ذلك. وقد أهدته عصا الفيلسوف لكي يتبرك بها أو يتعكز عليها في نزهاته اليومية إذا شاء. وفي عام 1934 ترأست إليزابيث هذه بحضور هتلر الاحتفالات بالذكرى التسعين لولادة أخيها الفيلسوف الشهير. ومعلوم أن النظام الهتلري نظم احتفالات ضخمة بهذه المناسبة وبحضور كبار القادة النازيين. وعندما توفيت إليزابيث نيتشه في العام التالي عن عمر مديد حضر هتلر شخصياً تشييع جنازتها.

هذا الكلام لا يعني أن كل فلسفة نيتشه نازية من أولها إلى آخرها! لا، لا، أبداً، أبداً. ما إلى هذا قصدت. وإلا لما بقيت على مدار الأجيال ولكانت قد ماتت في أرضها. وذلك لأن فلسفته ضخمة، واسعة، متشعبة لا يمكن حصرها بهذا الجانب فقط. فلسفته تحتوي على إضاءات عبقرية عديدة كما أسلفنا. ولكن لا يمكن إنكار هذا الجانب المتطرف واللامسؤول من فكره. لماذا اعتمد هتلر على نيتشه كمنظر آيديولوجي أكبر للنازية، ولم يعتمد على كانط أو هيغل مثلاً؟ وهما من أعظم العقول الفلسفية التي أنجبتها ألمانيا. سؤال لا يمكن تحاشيه. والواقع أننا عندما نقارن بين انفجارات نيتشه الفكرية والأسلوبية الخارقة وبين هيجانات هتلر وخطبه النارية المشتعلة التي كهربت الشعب الألماني كهربة نلاحظ وجود أوجه تشابه عديدة. ونكاد نقول هذه من تلك!

على أي حال لا يمكن اعتبار نيتشه مفكراً حريصاً على المساواة بين البشر ولا على النزعة الإنسانية اللهم إلا إذا كنا من «جماعة العميان»، كما يقول جاك بوفريس. من هنا حملته الشديدة على فوكو وديلوز ودريدا الذين حولوه في ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى مفكر يساري تقدمي غصباً عنه! هذا في حين أنه كان مفكراً نخبوياً، أرستقراطياً، استعلائياً، محضاً. كان يحلق في الأعالي أو أعلى الأعالي. كان يفكر «والناس تحته على مسافة ستة آلاف قدم» كما يقول هو شخصياً. هو من فوق وكل البشرية تحته! كل العنجهية الأرستقراطية تجسدت في شخصه، كما أن كل العنجهية الآرية الألمانية تجسدت في شخص هتلر.


كويت الثقافة: من «العربي» إلى الوطن العربي

من اليمين د. عائشة المحمود نائبة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  ود. محمد الجسار رئيس المجلس، وسعد البازعي،
والكاتب الكويتي طالب الرفاعي.
من اليمين د. عائشة المحمود نائبة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ود. محمد الجسار رئيس المجلس، وسعد البازعي، والكاتب الكويتي طالب الرفاعي.
TT

كويت الثقافة: من «العربي» إلى الوطن العربي

من اليمين د. عائشة المحمود نائبة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  ود. محمد الجسار رئيس المجلس، وسعد البازعي،
والكاتب الكويتي طالب الرفاعي.
من اليمين د. عائشة المحمود نائبة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ود. محمد الجسار رئيس المجلس، وسعد البازعي، والكاتب الكويتي طالب الرفاعي.

كنتُ في الثالثة الإعدادية على ما أذكر حين وقع بين يدي ذلك العدد من مجلة «العربي». كنتُ في مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال السعودية، في مكتبة عامة رائدة، أظنها الأولى من نوعها. ومن المؤكد أنها من أولى المكتبات العامة التي تُفتح لعامة القراء على مستوى المملكة. كان ذلك في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حين افتتح المكتبة أمير المنطقة آنذاك، عبد الرحمن السديري (رحمه الله)، وكانت أعداد «العربي» من أبرز مقتنيات المكتبة. شاهدتُ كتاب «الأغاني» للمرة الأولى ومعاجم وكتباً أخرى كثيرة، لكن «العربي» شدتني بصورها وألوانها، ووقعت عيني أثناء التصفح على مقالة للكاتب السوري وليد إخلاصي على ما أذكر تناولت «شعراء البحيرة»، وهم الشعراء الإنجليز الذين عاشوا في منطقة البحيرات شمال غربي لندن، واشتهروا بالرومانسيين في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر: وردزورث، كوليرج، وسذي. شدتني ترجمة لإحدى قصائد وردزورث عنوانها «نحن سبعة». علقت بذهني، ثم استبطنتها فيما يبدو، لتعاود الظهور بعد سنوات وأنا أقف حائراً أمام خياري التخصص الجامعي الممكنين بالنسبة لي: اللغة العربية أو الإنجليزية، أدب لغتي أم أدب لغة الأجانب. اخترت الأخير معتقداً أن أدب لغتي سيكون ميسوراً بحكم الانتماء، فكان ما كان وتابعت الدراسة حتى عدت لأدرّس للطلاب وردزورث وكوليرج وغيرهما، وأن أختار باستمرار قصيدة قرأت ترجمتها قبل سنوات في مجلة «العربي»؛ قصيدة «نحن سبعة» لوردزورث.

كانت «العربي» منعطفاً في مطلع ذلك التبلور لاهتمام وحقل تخصص استمرّا حتى اليوم.

ومع «العربي» كانت الكويت التي ثقَّفت مجلتها الرائدة ملايين الشبان والشابات العرب وغيرهم من مختلف الأعمار والاهتمامات. علمت فيما بعد أن للكويت إضافات أخرى كثيرة تتجاوز المجلة العتيدة إلى إنجازات كبرى في تاريخ الثقافة العربية. عرفت أن هناك سلسلة عظيمة، هي «عالم المعرفة»، وأن هناك مجلة فصلية مهمة هي «عالم الفكر» وأن هناك وهناك الكثير غير ذلك. ولم تنقطع الصلة بالكويت منذ الثمانينات لتتوثق أكثر بعد تحرُّر ذلك البلد العربي في التسعينات، وتتواصل حتى يومنا هذا؛ يومنا الذي عدت فيه أحمل امتناناً عميقاً لأهلي وبلدي الثاني حين حللت ضيفاً على «معرض الكويت الدولي للكتاب» بصفتي ضيف المعرض، أو شخصية المعرض، كما جرت التسمية.

شعرت بتواصل المدينية، ليس تواصلها فحسب بل وتعمق الإحساس بها، بما أدين به لبلد تعلمتُ من منتجه الثقافي الكبير، وعاد ليكرمني بما أرجو أن أكون أهلاً له من التكريم والاحتفاء غير المستغرَب، وإن جاء مفاجأة لي.

في إحدى أجمل قصائد الشاعر الإنجليزي الذي ذكرته قبل قليل، وردزورث، وهي المعروفة بـ«تنترن آبي»، إشارة إلى موضوعها، وهو المكان الذي زاره الشاعر في الأعوام الأخيرة من القرن الثامن عشر، يؤكد الشاعر أن زيارة سابقة له لذلك المكان الغارق في جمال الطبيعة تركت أثراً عميقاً في نفسه؛ ليس على مستوى الإحساس الجمالي أو المتعة وإنما، وهنا يبرز جانب أعمق من المذهب الرومانسي، على مستوى روحاني، مستوى الأخلاق والسلوك.

يقول إن الطبيعة التي غادرها آنذاك لم تتركه، وإنما ظلَّت تحيطه برعايتها؛ إذ تتمظهر في صور من السلوك الإنساني الجميل والبسيط: تحية صباحية، مساعدة شخص على عبور الطريق، جعلته الطبيعة التي ترسخت في ذاكرته، أو لا وعيه، كما سيقول فرويد، إنساناً أفضل وأكثر حباً للخير، كما تفعل الصلاة بالنسبة للمؤمن، أو كما يُفترض. ثم يضيف وردزورث أنه يتوقع أن زيارته الحالية ستكون استزادة من تلك الخيرات الطبيعية التي ستواصل الارتقاء به حين تمده بالمزيد من الطيبة والنقاء إلى جانب الإحساس بالجمال.

أستعيد قصيدة وردزورث لأني أجدها على صلة بزياراتي المتكررة لبلد طالما أمدَّني بغزير عطائه؛ ليس الثقافي فحسب، وإنما الإنساني أيضاً، وأظن أن تجربتي ليست غريبة على كثيرين؛ فكثيرون هم الكتّاب المثقفون والعلماء والأدباء الذين مروا على الكويت عاملين في مؤسساتها أو مشاركين في مناشطها العديدة، مثلما أنهم كثيرون، بل أكثر بكثير، أولئك الذين لم يمروا بالكويت، وإنما مرَّت بهم هي في صورة مجلة أو كتاب أو أثر آخر. من بدر شاكر السياب إلى أحمد زكي، أول رئيس تحرير لمجلة «العربي»، إلى فؤاد زكريا، إلى زكي طليمات، إلى عبد الوهاب المسيري، إلى جابر عصفور، إلى فهمي جدعان وغيرهم، فضلاً عن الشعراء والروائيين والمسرحيين الكثر الذين عرفتهم ندواتها ومؤتمراتها وقاعات محاضراتها، تمتد القائمة وتطول، ومع القائمة تشمخ المؤسسات وتتعدد صور العطاء والتكريم. جاء كثيرون إلى الكويت ليجدوا أنهم في بيئة كويتية غنية مسبقاً بالفكر والعلم والأدب والفنون؛ إذ تمثل ذلك في الرواد مثل صقر الشبيب وفهد العسكر وخالد الفرج، امتداداً إلى أحمد مشاري العدواني وخالد سعود الزيد وحمد الرجيب، وصولاً إلى محمد الرميحي وسليمان العسكري وإسماعيل فهد إسماعيل وأحمد الربعي وسعد الفرج وسعدية مفرح ومحمد الجسار وعائشة المحمود وطالب الرفاعي وليلى العثمان وخليفة الوقيان ودخيل الخليفة وسعود السنعوسي وعبد الله البصيص وبثينة العيسى وغيرهم كثير وكثير ممن يجب ألا ينساهم أحد، لكن المساحة تضيق. كل أولئك وغيرهم شاركوا ويشاركون في صياغة الناتج الفكري والإبداعي العربي باقتدار لتغتني بعطائهم أجيال ممن كانوا مثلي ذات يوم يتصفحون مجلة أو يقرأون كتاباً أو يتابعون محاضرة أو ندوة أو يشاهدون مسرحية.

نمر بالأماكن ونتذكرها أملاً في أن تتذكرنا هي، وإن سهل أن تنسانا فليس من السهل أن ننساها. من هنا كان مروري بالكويت ومرورها بي وئيداً وعميقاً، الكويت التي لم تنسني وأنا أغالب الزمن لاستبقاء كثير من مشاهد مروري بها ملحّاً عليها أن تبقى، وقد بقي فعلاً كثير من الكثير. بقي كثير من «مهرجان القرين الثقافي» ومن مؤتمرات «مجلة العربي» و«المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» ومن محاضرات «رابطة الأدباء»، وهو يتجدد اليوم عبر النشر في دور مثل «كلمات» التي انطلقت من الكويت لتنتشر في أرجاء الجزيرة العربية ساعية لتخطي الحدود ومعانقة العالم. تلك الدور وأولئك الأشخاص يجسدون أو يذكّرون بالدور التاريخي الذي لعبته الكويت على مدى يزيد على النصف قرن في نشر المعرفة والإبداع في أرجاء الوطن العربي؛ سواء في الإرسال أو الاستقبال.

في «معرض الكتاب» ذكرتني شاعرة الكويت الكبيرة سعدية مفرح أنه بهذا العام (2023) تكون قد مرت 30 عاماً منذ زرت الكويت بعد تحررها من الاحتلال، بعد عودتها وطناً آمناً ومزدهراً لأهلها وللعرب، حين شاركت في ندوة أقامتها رابطة الأدباء. 30 مرَّت وها هي الكويت وقد عاودت ممارسة دورها التاريخي في النهوض العربي. في معرض الكتاب لهذا العام رأيت تلك الممارسة تتبلور أكثر من أي عام مضى، وقد رأيت القائمين على المؤسسات الثقافية المختلفة، في «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» وفي «المكتبة الوطنية»، يسعون سعياً حثيثاً لتعزيز هذه المسيرة المباركة لا لكي تستعيد الكويت نشاطها السابق، بل لكي تصعد إلى ما هو أعلى منه.


«وكسة الشاويش»... آخر روايات الكاتب الراحل كمال رُحيِّم

«وكسة الشاويش»... آخر روايات الكاتب الراحل كمال رُحيِّم
TT

«وكسة الشاويش»... آخر روايات الكاتب الراحل كمال رُحيِّم

«وكسة الشاويش»... آخر روايات الكاتب الراحل كمال رُحيِّم

تعد رواية «وكسة الشاويش» الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة آخر الأعمال المنشورة للروائي المصري كمال رُحيّم الذي رحل عن عمر يناهز 76 عاماً خلال هذا العام. ويكشف النص عن تفاعلات نفسية وتشابكات مجتمعية ينسجها المؤلف عبر لعبة سرد مثيرة مشغولة بأناقة مخيلة.

تدور أحداث الرواية في «حي العرب» الشعبي الشهير بمدينة بورسعيد الساحلية إبان حقبة الستينات حيث الأم «وداد»، سيدة ليست فوق مستوى الشبهات؛ ما يسبب عقدة نفسية لابنها «عادل» الذي يلاحظ أنها على علاقة بأحد الجيران في المنطقة. وهو «شاويش» بمديرية الأمن بالمدينة، ضعيف الشخصية، تتحكم فيه زوجته. يقوم الابن بمحاولة قتل أمه وشريكها في العلاقة الآثمة لكنه يفشل، ويحاكم بتهمة الشروع في القتل. تبدأ الرواية بمشهد المحاكمة، وتنتهي به حيث تؤجل القضية إلى جلسة مقبلة.

وعبْر 140 صفحة من الحجم المتوسط تنسج الرواية عالمها بلغة رشيقة وإيقاع درامي سريع، تتكشف في ظلاله أبعاد الصراع النفسي الحارق بين مشاعر الغضب ومشاعر البنوة داخل نفس الراوي الذي لا يشعر بأي ندم جراء الجريمة التي قام بارتكابها، مستفيداً من خلفيته بوصفه ضابط شرطة، خصوصاً في تصوير دوافع الجريمة.

وحصل كمال رحيِّم على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة القاهرة، وصدرت له 5 مؤلفات قانونية و11 رواية منها: «ثلاثية اليهود» التي تتكون من «المسلم اليهودي»، و«أيام الشتات»، و«أحلام العودة» التي تُرجمت إلى الإنجليزية والألمانية والأرمينية». حصل رحيم على عدد من الجوائز، منها جائزة نادي القصة 4 مرات عن قصصه القصيرة، وجائزة الدولة التشجيعية في الأدب 2005، وجائزة اتحاد الكتاب في الرواية 2021، ثم جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 2022 عن مجمل أعماله.

من أجواء الرواية نقرأ:

«وها أنا أقف ببنطال وقميص ولحية، فلم أحلق ذقني أو حتى شذبت شعراتها منذ أشهر، وبقميص أكبر من مقاسي وجورب جديد، الجورب والقميص لا يخصانني، امرأة طيبة من الجيران ابتاعت لي الجورب، وأتت به إليَّ في السجن قبل أيام ومعه قميص ابنها الذي يكبرني قليلاً في الجسد، وفوقهما ابتسامة تأثر وكلمة: شد حيلك يا حبيبي.

أقف ووجهي خالٍ من التعبير كتمثال من تماثيل الشمع، رغم ما بداخلي من ألم وحسرة، ليس على من اعتديت عليهما فهما يستحقان، على نفسي والدنيا التي عاشتها وأوقفتها هذه الوقفة، اللافت أنه كانت تنتابني أحياناً رغبة في الابتسام، ولحظات أود فيها لو أنفجر في البكاء، وضحكت مرة دون سبب، ومن يراني يحتار في أمري: فهل أنا غير آبه إلى هذا الحد بالفعلة التي فعلتها؟ أم عبيط؟ أم فاجر مستهتر؟ وخذ عندك من الأوصاف حتى منتهاها.

وامتلأت القاعة بالجيران، أغلبهم نسوة، جارات كن لي بمثابة الخالات والعمات، عيونهن لم تدعني، فيها تساؤلات ورغبة في استكمال إجابات لديهن من قبل، فيها أيضاً شفقة، وكأنهن يشفقن عليّ أكثر كثيراً من (زعلهم) على ما جرى لأمي، لم يكن يرتحن لها، وبالذات الست التي تقطن بالشقة المقابلة لشقتنا، وأتت لي بالجورب والقميص، نظراتها لي كلها دعم وتشجيع، وليست مجرد شفقة، وفي المجمل كنّ كلهن يصنفن أمي على أنها واحدة من المعجبات بأنفسهن ولا يعرفن الحياء، وهذا قول المؤدبات منهن ذوات الألسنة المتحفظة، أما الباقيات فما كن يقلنه مع بعضهن ليس من النوع الذي يكتب على الورق».


فلسطين بين الإسباني خوان غويتيسولو والفرنسي جان جينيه

خوان غويتيسولو
خوان غويتيسولو
TT

فلسطين بين الإسباني خوان غويتيسولو والفرنسي جان جينيه

خوان غويتيسولو
خوان غويتيسولو

كاتبان ارتبطا بعلاقة حميمية وروحية بالعالم العربي، وبالمغرب تحديداً: الأول هو الفرنسي جان جينيه الذي أوصى بدفنه في مدينة العرائش بالشمال المغربي (توفي في الخامس عشر من أبريل/ نيسان1986)، والثاني هو الإسباني خوان غويتيسولو الذي أوصى هو أيضاً بدفنه في مدينة مراكش، عاصمة الجنوب المغربي التي كان يُقيم فيها منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي (تُوفي في الرابع من شهر يونيو/ حزيران 2017). وقد اشتهر هذا الكاتبان اللذان لا يزالان يحظيان بشهرة عالمية واسعة بتعاطفهما مع القضية الفلسطينية، وبدفاعهما المستميت عنها كما لو أنها قضيتهما الشخصيّة. وقد بدأت علاقة جان جينيه بالفلسطينيين انطلاقاً من أواخر الستينات من القرن الماضين، تحديداً بعد هزيمة حرب 67. ولم يكن صاحب «مذكرات لص» يكتفي بالتصريحات المؤيدة للقضية الفلسطينية، بل ظل يتردد على مخيمات اللاجئين ليعيش آلامهم وأوجاعهم عن قرب، وليقاسمهم الرغيف المر. ومن وحي ذلك كتب العديد من التحقيقات المؤثرة. دار «غاليمار» المرموقة طبعت روايته «الأسير العاشق» التي روى فيها فصولاً من حياته بين الفلسطينيين. ولم يختلف خوان غويتيسولو عن صديقه جان جينيه في تعاطفه مع الفلسطينيين. وفي ربيع عام 2002، كان ضمن وفد «البرلمان العالمي للكتاب» في الزيارة الشهيرة التي أداها هذا الوفد الذي كان يضم كلاً من البرتغالي جوزيه ساراماغو، والنيجيري فيل سوينكا وآخرين، إلى مدينة رام الله. وبعد وقوف الوفد على قبر الشاعر محمود درويش، كتب خوان غويتيسولو يقول: «الشاعر المحاصر من قبل جيش شارون في رام الله هو أحد كبار الشعراء العرب في القرن الحالي. ويعكس تاريخه الشخصي تاريخ شعبه، القرية التي ولد فيها في الجليل أزيلت من الخارطة في سنة 1948، وحين كان في السادسة من عمره كان يبحث مع أبناء أسرته عن مأوى في لبنان. ثم عاد إلى المناطق المحتلة، حيث التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية، وسرعان ما قرر تكريس حياته للأدب والصحافة. وبعد أن اعتقل لأكثر من مرة على يد السلطات الإسرائيلية بسب نشاطاته الأدبية، غادر البلاد مرة أخرى في سنة 1970، حيث عاش في موسكو والقاهرة وبيروت وتونس وباريس».

جان جينيه

وقد بدأت علاقة الصداقة بين خوان غويتيسولو وجان جينيه في الخمسينات من القرن الماضي. ففي تلك الفترة، فر غويتيسولو من نظام الجنرال فرانكو، مُختاراً الإقامة في باريس، وهناك التقى بجان جينيه. وهو يقول إنه انجذب إلى صاحب «مذكرات لص» منذ أول لقاء معه. لذلك سوف يظل قريباً منه، وعلى تواصل دائم معه حتى وفاته في ربيع عام 1986 في فندق بسيط في الدائرة الثالثة عشر بباريس. كما يعترف أن جان جينيه حرّره من عقده الموروثة عن تقاليد عائلته الكاثوليكية المحافظة، وأتاح له التعمّق في اختبار نفسه، وتجاربه الخاصة بعيداً عن التيارات الأدبية والفكرية التي كانت تهيمن على المشهد الثقافي الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين.

ومعلوم أن جان جينيه أحب العالم العربي منذ أن كان جندياً في الجيش الفرنسي في دمشق في الثلاثينات من القرن الماضي. وفي سيرته «مذكرات لص»، يروي أن المدينة التي كانت تفتنه أكثر من غيرها في سنوات شبابه عندما كان يعيش التشرد والجوع، هي طنجة. فلما حصل على الشهرة، بدأ يتردد على هذه المدينة ليرتبط بعلاقات مع بسطاء الناس في مختلف مدن المغرب، موصياً في النهاية بأن يدفن في العرائش. وفي السبعينات من القرن الماضي، أقام جان جينيه في مخيمات الفلسطينيين. ومن وحي ذلك كتب رائعته «الأسير العاشق» التي صدرت بعد وفاته، التي كانت وستظل من أفضل وأروع الشهادات الأدبية عن محنة الشعب الفلسطيني. وفي خريف عام 1982، وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت طار جان جينيه إلى لبنان بمساعدة ليلى شهيد التي كانت آنذاك ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس، ليكون شاهداً على مجزرة صبرا وشاتيلا، وليدينها، من خلال نص بديع نشر بعد المجزرة المذكورة ببضعة أشهر.

وبسبب «الأسير العاشق»، ونص «صبرا وشاتيلا»، شنت وسائل الإعلام الإسرائيلي، واللوبيات اليهودية في الغرب، هجومات عنيفة على جينيه، متهمة إياه بـ«معاداة السامية». وفي كتاب بعنوان «إقامة قصيرة في القدس»، صدر في نهايات عام 2003، هاجم الفرنسي إيريك مارتي، جان جينيه، مُتهما إياه بـ«مساندة الإرهاب والإرهابيين»، ومعاداة «ديمقراطية إسرائيل»، الدولة «الأفضل والأكثر حرية» بالنسبة له في منطقة الشرق الأوسط. وقد بادر الراحل خوان غويتيسولو بالرد على إيريك مارتي بنص حمل عنوان: «جان جينيه والفلسطينيون». وفي هذا النص، كتب يقول: «أحدث لي كتاب (إقامة قصيرة في القدس)، نفس ما كان قد أحدثه لي المجلد الضخم لجان بول سارتر الذي حمل عنوان: (القديس جينيه، ممثلاً وشهيداً). فالكتابان سقطا من يدي قبل أن أكمل الثلاثين صفحة الأولى. وإصرار الكاتبين على (عقلنة) أعمال صاحب (مذكرات لص)، وتقليصها إلى سلسلة من الخلاصات المعدة سلفاً، وربطها بفلسفة هايدغر، وهيغل، وهوسرل، وكلّ هذا يبدو لي عملاً بلا جدوى، ولا نفع من ورائه. فكما لو أننا نسعى لالتقاط مياه البحر بواسطة الشباك. إن جوهر أعمال جان جينيه كما يعبّر عنه هو نفسه، يتملّصُ من القراءة الضيّقة والمُحْبطَة. وفي حالة إيريك مارتي هي قراءة مُشْبَعَة بالغضب المقدس الذي فجّره حسب ما أعتقد ردّ فعل الصحافة الفرنسية على (جولة) شارون في فناء المسجد الأقصى. تلك الجولة التي فجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (...) وقد استخرج إيريك مارتي من العالم الشعري لجان جينيه المُعَقد والمُتَضمن خليطاً غريباً، بعض الخلاصات والقاطعة: جان جينيه معاد للسامية، ويكره دولة إسرائيل، ويحلم بتدميرها! إلاّ أن الأمور ليست بمثل هذه البساطة، ولا بمثل هذا الوضوح. ففي مقالتي التي خصصتها لـ(الأسير العاشق)، والتي حملت عنوان: (جان جينيه والفلسطينيون: اللبس السياسي والتجذر الشعري)، كنت قد لخّصتُ المشاعر التي خلّفتْها في نفسي قراءتي لهذا الكتاب، والتي كانت، ويجدر بي التذكير بذلك، قراءة متحررة، من أيّ وازع سياسي أو أخلاقي أو فلسفي. إن هذا العمل الذي تركه لنا جينيه يحدثنا عن فشل الثورة الفلسطينية. فالجاذبيّة التي كان يشعر بها تجاه الفدائيين الفلسطينيين، الذين سوف يتمّ سحقهم في ما بعد، ليس من قبل إسرائيل، وإنما من قبل جيوش عربية، كانت بداية لطريق مزروع بالأشواك وبالمسالك المسدودة وبالقفزات إلى الخلف التي تفقد القارئ اتجاهه تماماً مثلما هو الحال في المتاهة الميثولوجية لجزيرة كريت، وتجعله يغضّ الطرف عن ما تبقى حقاً من الكتاب: تصفية الحساب مع حياته ذاتها (منذ أن كان طفلاً مُهْملاً ويتيماً وحتى رفضه لوطنه فرنسا)، واكتشافه لحرارة الأمومة من خلال العلاقة بين الفدائي الفلسطيني حمزة ووالدته». ويواصل خوان غويتوسولو مقاله قائلاً إن «(الأسير العاشق) ليس كتاباً يتحدث فقط عن الثورة الفلسطينية قبل الانتفاضتين، واتفاقيات أوسلو، وإنما هو كتاب يولي اهتماماً كبيراً لمسائل ولمواضيع أخرى. إنه قاموس للمعرفة فيه نحن نعثر على سمات أساسية للتاريخ البشري: تفكير صادم، ودائماً غريب حول الكتابة والذاكرة والمجتمع والسلطة والمغامرة والأسفار والتمرد والإيروسية والموت. وهو تفكير الشخصيات التي تظهر في العمل، وأيضاً في تفكير مؤلفه أثناء وضعه للمسات الأخيرة له».

في السبعينات من القرن الماضي أقام جان جينيه في مخيمات الفلسطينيين. ومن وحي ذلك كتب رائعته «الأسير العاشق»

ومناقشاً أفكار إيريك مارتي بشأن معاداة جان جينيه للسامية، كتب خوان غويتيسولو يقول: «لنعد للنواة الأساسية لأطروحة مارتي، أي إلى المسألة التالية: هل كان جان جينيه معادياً للسامية كما أكد على ذلك سارتر؟ وأنا أقول إنني سمعته يشتم بحدة، أو أحياناً بنوع من المداعبة، البورجوازيين البيض، والولايات المتحدة الأميركية، والشوفينية الفرنسية، وإسرائيل. لكنني لم أسمعه يشتم اليهود البتة». وقد ختم خوان غويتيسولو مقاله قائلاً: «خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، دافع جان جينيه عن مشروع دولة فلسطينية ملائكية. وهي نفس الدولة التي دعا لها ياسر عرفات، فيها يتعايش المسلمون والمسيحيون على قدم المساواة (وهذا يمكن أن يفترض ذوبان إسرائيل في محيطها العربي، ثم اختفاؤها كدولة). وقد كنّا من ضمن القلائل الذين آمنوا بقوة بهذا المشروع قبل أن ندرك أنه مشروع مستحيل التحقق. فالضغوطات التي يفرضها التاريخ والعقل ترسم في واقع الأمر حدود حقل الحلم، والسياسة لم تتوقف منذ أمد بعيد عن السباحة بينه وبين صلابة الواقع. إن السلام الذي سيقام في الشرق الأوسط لا بد أن يقوم على احترام الشرعية الدولية، وعلى اتفاق عادل ودائم بين الدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية المُرْتَقَبَة. وقد عاش جان جينيه، ومات في زمن آخر. وكانت رؤيته الثورية المعقدة والمتناقضة تنتمي إلى مناخ ابتكاره الشعري. لهذا فإن قراءة أولية، وعلى ضوء مذهب فلسفي معيّن، تبدو عملاً خالياً من أي جدوى، ومن أي منفعة. وفي النهاية، هو عمل خارج عن الموضوع، ومحكوم عليه بالفشل الذريع».


شخصيات في علاقات ملتبسة مع فكرة الغياب... والموت

شخصيات في علاقات ملتبسة مع فكرة الغياب... والموت
TT

شخصيات في علاقات ملتبسة مع فكرة الغياب... والموت

شخصيات في علاقات ملتبسة مع فكرة الغياب... والموت

في المجموعة القصصية «زغرودة تليق بجنازة» للكاتب والروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف، يُحكم الموت قبضته بتراوحاته ومراوغاته المفاجئة حد الصدمة والجنون، والساخرة حتى البكاء، وذلك في فضاء تسكنه المفارقة كمكون رئيسي للسرد، بداية من عنوان المجموعة الذي جعل من رنّة الزغرودة المعروفة بمُصاحبتها للفرح ظلاً للقبور.

صدر الكتاب أخيراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويضم 100 حكاية تتسم جميعاً بوِحدة نسبية من الطول، تبدو كهيكل فني للعمل يعتمد التكثيف الدلالي والإيقاع السردي المُناوِر.

في قصة «فضيحة» يُقرر البطل بكل وعي أن يهوي من الطابق العاشر لينهي حياته، وفي المسافة من الطابق العاشر للأرض، يبدأ في مراجعة قراره، ويتمنى لو يتعثر بحبل غسيل أو زينة رمضانية منسية ليتشبث بها قبل فوات الأوان، وفي تلك المسافة الزمنية السوريالية، يستدعي صوت أمه التي ستلومه على اختياره طريقة موت بفضيحة سيشهد عليها الجيران، تماماً كما اختارت عمته أن تموت بفضيحة عندما أشعلت في نفسها النيران وركضت في الطريق، في مقابل والده الذي آثر الموت في هدوء وكتمان بحبوب منومة قبل خلوده للنوم، لتبدو قرارات إنهاء الحياة وكأنها ميراث عائلي محتوم في دوائر مُغلقة، ويبدو الموت مادة حكائية قابلة للتشكيل.

استلهام الموروث الشعبي

تدور أجواء المجموعة القصصية في فضاء القرية، بتقاليدها وفقرها، ونُواح نسائها، والانتظار الذي لا تنقطع أوصاله على أرصفة القطارات، فبطل «قطار الفجر» لا تُغادره ذكرى ذلك اليوم الذي تاه فيه وهو طفل من أمه في محطة قطار، يظل بعد سنوات طويلة مُتشبثاً ببيته القديم الذي يطل على سكة حديد القطار، رغم ما صار عليه البيت من هلاك جعله كلما مرّ قطار من أمامه يرتج، يرفض البطل أن يغادر البيت المُتهالك، ويُطل كل مرة من شرفته مع «رجّة» قطار جديد، وكأنه يبحث عن وجه أمه الذي غاب معه ذات يوم.

أما بطل قصة «لا قطارات للموتى» فيظل مُرابضاً على رصيف محطة أسيوط بصعيد مصر لأيام، في انتظار عودة شقيقه، فأمه المُنتحبة حذرته من العودة بدونه. يتعاطف معه العابرون ويسألونه عن محطة القطار التي أخبره شقيقه أنه سيركب منها، ولكننا نعلم أنه ينتظر جُثمانه الذي وعدته الحكومة أن يصل لقريتهم، فيرحل بعد أن تأكد من أن «الميتين مش بيجوا في القطارات».

وتطرح المجموعة التباس علاقة الأبطال بفكرة الغياب، والاختفاء، والموت، فالموت محسوس الخطوات، ومرئي، تشم نذيره نساء القرية، بل يتحاورن معه كأنه معرفة قديمة، ففي إحدى قصص المجموعة يُقسم البطل أن أمه رأت منذ دقائق ملاك الموت بكامل هيبته يمر أمام بيتهم، وأنها سألته: «رايح فين بس على الصبح؟»، فأجابها: «خليكِ في حالك»، وبعد مرور وقت بسيط، سمعوا عويل موت صادراً على بعد خمسة بيوت منهم.

يبدو هذا الحدس غير بعيد عن الموروث الشعبي القروي الضارب في ترقب الموت، والإيمان بالماورائيات والسِحر و«العفاريت»، فالأطفال يترصدون رائحة الموت بعد موت أحد أبناء القرية، ويُطاردونه بالعصي والحجارة خشية أن يدخل بيوتهم ويستولي على أحد أفرادهم في طريقه، وأحد الأبطال يمر بجوار نخلتين يؤمن أهل القرية أن عفريتاً يسكنهما، فيمر بجوارها ويتحصن بترديد سورة «الإخلاص»، لكنه يقع في شرك الفضول، فيطلب من العفريت أن يُظهر له وجهه.

وتهيمن السردية الدينية في المجموعة على زمن القصص وأبطالها، ما بين تلقين الشهادة لمن يستقبل الموت، والسعي والذِكر وراء النعوش، كما أن الأبطال ينسبون الأحداث بتقويم رفع الآذان والصلوات: «وصل النعش ومؤذن جامع الشيخ سلمان ينادي لصلاة المغرب»، فحركة الزمن محدودة بحدود غيطان الذرة وجريد النخيل، التي يبدأ يومها بمطلع الفجر، ليسود الظلام والخوف من بعد صلاة العشاء «في الصباح خرج مرعي من البيت يضحك ويمزح، وعاد بعد آذان العشاء جثة مثقوبة الصدر».

وتبدو النساء في المجموعة وقد جمع بينهن قدر الفراق، والقهر الذي يسلبهن أزواجهن وأبناءهن قتلاً بدافع الثأر، أو بسبب التباري على إنجاب الذكور، فبطلة إحدى القصص «فهيمة حسنين» تُردد عديدها مع مطلع كل صباح منذ قتلوا ابنها، ولم تعد تُميّز من يأتِ لمواساتها بعد أن ابيضت عيناها من البكاء، و«حمدية» تقص جزءاً من شعرها كل يوم، وتضع القصاصات في جلباب زوجها الذي مات مقتولاً على يد ابن أخيه، ثم «فوزية» التي صارت امرأة بروح غراب، يخشى مَن حولها الاقتراب ولو خطوة من مُحيطها، بعد أن صارت نذير شؤم، وتردِّد أن من يقترب من نحيبها تصيبه لعنة، وذلك بعد أن تزوج زوجها بأخرى حتى تُنجب له الولد. وفي ذات صباح استيقظت القرية لتفاجأ باختفاء صوت فوزية وكأنها داهمها الخرس، فعلموا حينها أن زوجها المُفارق أنجب الولد، فدعوا لها بالصبر، وكفوّا عنها لقب روح الغراب.

تصطبغ أسماء الأبطال والبطلات في المجموعة بنكهة محلية قروية خالصة، بما في ذلك نسب الأبناء الذكور لأمهاتهم في زمن الموت، وإطلاق الدعاء وتوسل الرحمة، كما تطرح المجموعة سؤالاً يبدو وكأنه الحقيقة الغائبة وراء جرائم مسكوت عنها، وضحايا تائهين، وافتقاد سلطة المجتمع وعقابه، يختلط السؤال بالمرويّات الشفاهية، فيما يبدو الموت هو المُمسك بخيوط السرد، والمُحيط بأسرار من ذهبوا في أحشائه، كما يظهر في قصة «نهاية»، في إيقاع مثقل بالشجن والأسى: في الطريق إلى قبرها، يقول أهل زوجها: أشعلت النار في نفسها، ويصرخ أهلها: أحرقوها بعدما أوثقوها في سريرها، وتُسجل الوثائق الرسمية: سقطت لمبة جاز فأنهت كل شيء، ويهمس الناس: نهاية متوقعة.